Ahmad Khalifeh
Date: 
May 17, 2021
Author: 

تعود معرفتي بفقيدنا أحمد خليفة إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، أي أنها امتدت إلى ما ينوف على نصف قرن، وكان أول ما سمعت عن أحمد أنه في أعقاب هزيمة الجيوش العربية النظامية جمعاء سنة 1967، تلك الهزيمة الكارثية التي قلبت موازين القوى في مشرقنا العربي منذئذ وإلى يومنا هذا لمصلحة الصهيونية العالمية وإسرائيل بإيحاء من الولايات المتحدة ورعايتها، كان أحمد في طليعة نخبة من أنبل شبان حركة القوميين العرب التي ربطتني بها أواصر الصداقة من دون الانتساب إليها، الذين انتدبوا أنفسهم للتسلل عبر نهر الأردن إلى الضفة الغربية للانضمام إلى إخوتهم وأخواتهم فيها لتنظيم المقاومة للاحتلال.

ويشاء القدر أن يكون أحمد ممن اعتُقلوا مع زملاء له وسُجن، بيْد أنه تميز عن جلّهم بأن أمضى مدة سجنه في تعلُّم اللغة العبرية حتى أتقنها غاية الإتقان.

ولقد دُهشت لدى سماعي ما أقدم عليه أحمد وهو في سجنه واعتبرته مؤشراً على صلابة عوده وعالي همته، إذ انتزع المبادرة المعنوية من سجّانه انتزاعاً وحوّل ليالي سجنه إلى مدرسة لإتقان لغة عدوه ليكون ذلك عوناً له في مواصلة نضاله ضده عند تخرّجه منها.

وكانت م د ف قد تأسست في بيروت في خريف 1963 قبل نكبتنا الأكبر سنة 1967 بأعوام، وكانت غاية المؤسسة (ولا تزال) ”البحث العلمي في مختلف حياة فلسطين والقضية الفلسطينية بعيداً عن كل نشاط سياسي، أو ارتباط حكومي، أو انتماء حزبي“، وأجمع مؤسسو المؤسسة منذ البداية على مفهوم عبارة ”قضية فلسطين“، الذي يشمل فيما يشمل دراسة الصهيونية وإسرائيل ذاتهما من كافة النواحي باعتبار أن فلسطين إنما كانت أول فريسة عربية للصهيونية، وأن إسرائيل بما تلقاه من دعم من الولايات المتحدة لا حدود أو شروط له إنما تشكل خطراً جسيماً ليس على الدول العربية المتاخمة لها فحسب، بل وعلى ما ورائها من الأقطار العربية أيضاً، ورافق إجماع مؤسِّسي المؤسسة هذا الحرص بديهياً على إلمام باحثيها أو بعضهم بالعبرية ليتسنى لهم سبر أغوار ما يخطَّط لنا من مظانّه الأصلية.

حيال ذلك كله كان من الطبيعي أن يتم لقاء عاجلاً أو آجلاً بين العبد الفقير الذي كان حينذاك أميناً لسر المؤسسة المسؤول عن أبحاثها وبين أحمد وإن كنت لا أذكر بالضبط متى تم هذا اللقاء، لكنه حدث حتماً في المؤسسة في بيروت في أواخر سنة 1967 كما أسلفت.

أُعجبت بشخصية أحمد خليفة وصفاته منذ لحظة لقائنا، وحافظ أحمد على هذه الخصال طيلة معرفتي به: نكران الذات والتواضع الجم، الهدوء والتروّي في الكلام والتعبير، الالتزام بقضيته، إلى لين عريكه، ورقّة جانب، وخفّة ظل.

كان من الطبيعي أن ينضم أحمد خليفة إلى فريق الأخوة الباحثين الخبراء بالعبرية والشؤون الإسرائيلية العرب من سكان إسرائيل الذين التحقوا بالمؤسسة في الفترة ذاتها ناجين من ملاحقات السلطات الإسرائيلية، ومنهم المرحوم الدكتور الياس شوفاني، وصبري جريس وزوجته الشهيدة حنّة، وسمير جبور، وسمير صراص، بيْد ما ميّز أحمد عن هؤلاء الأخوة جميعاً أنه كان لربما العربي الأول بعد 1967 من غير سكان إسرائيل الذي ثقّف نفسه بنفسه في تعلُّم العبرية بينما أتقنها الآخرون من خلال نشأتهم في مجتمع يهودي وحضورهم مدارس تدرَّس العبرية فيها إلزامياً.

ولم  تلبث المؤسسة أن أسست فيها مدرسة لتعليم اللغة العبرية الحديثة، وكانت المدرسة الأولى من نوعها في العالم العربي، وكُلِّف الأخ أحمد تولّي التدريس فيها وتخرّج على يديه عدد من الخبراء لعل من أبرزهم الأخت رندة حيدر المسؤولة عن تحرير نشرة المؤسسة اليومية الخاصة بترجمة ما تنشره صحف إسرائيل العبرية، وما زالت النشرة تصدر بانتظام بهمة الأخت رندة وإشراف فقيدنا الراحل إلى آخر أيامه.

ولم يقتصر عطاء أحمد على تعليم العبرية والإشراف على النشرة اليومية، فقد لفت نظري منذ البدء بسلاسة أسلوبه ووضوحه، وكانت المؤسسة قد قررت نقل بعض أمهات المصادر العبرية إلى العربية، إذ إن إسرائيل حرصت على إبقائها بلغتها الأصلية وعدم ترجمتها إلى لغات غيرها، وإن ترجمتها تكون الترجمة انتقائية تُسقط منها أسرارها باعتبار أن الأمة العربية في واد وهي في واد، وأن العرب غارقون في سهوهم بعيداً عن أي جدية في التعامل معها، وهكذا وقع اختيار المؤسسة فيما وقع على التاريخ الرسمي الإسرائيلي بالعبرية لكلٍّ من الثورة العربية الكبرى 1936-1939، وسنة النكبة، وحرب 1948، لما فيه من الحقائق والدقائق الخطِرة.

وكان الكتاب الأول عن الثورة يقع في 500 صفحة ونيف، الصادر عن مطبعة وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب بتاريخ 1964، من تأليف المؤرخ الروسي الأصل يهودا سلوتسكي، وصدر عن المؤسسة سنة 1989.

بينما وقع الكتاب الثاني في 700 صفحة وصدر في تل أبيب سنة 1972 في جزأين، تناول أولهما تاريخ ”الهاجانا“ ودورها في تنفيذ قرار تقسيم البلاد الصادر عن هيئة الأمم بالقوة سنة 1947-1948، من تأليف يهودا سلوتسكي ذاته وهيئة من الخبراء الذين واكبوا الأحداث، بينما تناول الجزء الثاني الرواية الرسمية لحرب 1948 النظامية الصادرة عن فرع التاريخ في الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بتقديم بن غوريون نفسه. وصدر الجزءان عن المؤسسة في مجلد واحد سنة 1984 في وقت أسبق من كتاب الثورة.

ووقع اختيار المؤسسة على أحمد خليفة للقيام بهذا العمل الخطِر فأدّاه خير أداء بمراجعة زميله سمير جبور الصارمة، وإذ بالناتج رائعتان من روائع الترجمة إلى العربية لدقتهما وطلاوتهما، ونموذجان جذلان نافذان يُقتدى بهما في مثل هذا العمل، ومصدران من أهم مصادر المكتبة العربية عن قضية فلسطين، واللذان لم يأخذا حقهما إلى يومنا هذا.

واظب أحمد خليفة على حضور جلسات لجنة أبحاث المؤسسة على مدى عقود، وأغنى مداولاتها بمداخلاته، وساهم مساهمة فعالة بلا كلل أو ملل في إعداد ”دليل إسرائيل“ السنوي المرجعي الذي يقدم بانتظام إلى القارىء العربي الجدّي أصدق المعلومات وأحدثها عن أوضاع إسرائيل وأهدافها سنة بعد سنة بعيداً عن التهويل أو التقليل، بل كان صاحبنا الراحل منهمكاً حتى النفَس الأخير في إعداد آخر طبعة من هذا الدليل تصدر عن المؤسسة، وقدّم إليها وإلى قضيته كل ما في جعبته من العطاء.

وبعد، فإنه ليسرني أن أقترح على لجنة المؤسسة التنفيذية وعلى لجنة أبحاثها أن ينظرا في تكريم أحمد خليفة وإحياء ذكراه عن طريق منحة سنوية تحمل اسمه، مقدارها خمسة آلاف دولار تقدَّم سنوياً إلى باحث عربي شاب لأفضل دراسة عن إسرائيل مبنية على مراجع عبرية، أو لأفضل ترجمة للعربية عن كتاب عبري، على أن تقدم لجنة الأبحاث إلى اللجنة التنفيذية مشروعاً متكاملاً بشأن كيفية تنفيذ هذا الاقتراح خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخه، على أن يندرج المبلغ المخصص للمشروع في ميزانية المؤسسة للعام القادم في حال أقرّته اللجنة التنفيذية ولجنة الأبحاث.

وأخيراً وليس آخراً أتقدم بصفتي الرئيس الفخري للمؤسسة نيابة عن الزميلات والزملاء أعضاء مجلس أمنائها كافة، وعن سائر أصدقاء وزملاء أحمد العاملين فيها، وبالأصالة عن نفسي بأحرّ التعازي وأصدق المواساة إلى آل خليفة الكرام وإلى السيدة الفاضلة نهلة والأخت الدكتورة هند والأخ عمّار، رحمات الله عليك يا أحمد خليفة.

              ولا زال السلامُ عليكَ مني                                           يرُفُّ مع النسيمِ على ذراكا

Read more