A Brave Voice Confronting Invisibility
Date: 
March 18, 2021
Author: 

ممثل نيابة الاحتلال الإسرائيلي وصف الأسيرة خالدة جرار خلال إحدى جلسات محاكمتها بأنها "شديدة الخطورة"، وعندما اعترضه المحامي قائلاً إن جرار "لم تتورط يوماً في عمل عسكري" رد عليه بأن "الخطر يأتي من الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها وتأثيرها الكبير في الشارع الفلسطيني."

فالثقة والصدقية اللتان تحظى بهما جرار، ليس فقط خلال هذا الاعتقال بل من خلال اعتقالاتها السابقة، كانتا مدعاة لإزعاج سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي أمعنت في تغييبها عن الساحة الفلسطينية بتكرار اعتقالها منذ سنة 2015 وحتى الآن.

كان اعتقال جرار الأخير في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2019 من منزلها في شارع الإرسال وسط مدينة رام الله، وخضعت لتحقيق وجلسات محاكمة لمدة سنة وأربعة أشهر، حتى النطق بالحكم في الأول من آذار/ مارس الحالي.

الحكم بالسجن عامين وغرامة مالية مقابل تهمة واحدة "عملها السياسي في تنظيم غير مشروع"، ويُقصد بذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي التهمة ذاتها لاعتقالها إدارياً 20 شهراً في سنة 2017.

وخلال الاعتقال الأخير، عمدت استخبارات الاحتلال إلى إعادة تعريف التهمة وتفصيلها في لائحة الاتهام التي تتضمن مسؤوليتها عن العمل العسكري الذي يقوم به أفراد التنظيم، في إشارة إلى العملية الفدائية التي نُسبت إلى الجبهة الشعبية في آب/أغسطس 2019.

طاقم الدفاع عن جرار بذل جهوداً كبيرة لمحاولة إثبات عدم تورُّط جرار في هذه العملية، وهو ما أنقذها من حكم كان سيصل إلى أضعاف الحكم الذي صدر بحقها. فمن هي خالدة جرار التي يحاول الاحتلال محاكمتها سياسياً وتغييبها عن المشهد الفلسطيني؟

حياتها بين نابلس ورام الله

خالدة كنعان جرار، من أبرز الرموز السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وُلدت في 9 شباط/ فبراير 1963 في مدينة نابلس، ودرست في مدارسها حتى أنهت الثانوية العامة في المدرسة العائشية وسط المدينة، وانتقلت للدراسة في جامعة بيرزيت.

تزوجت من رجل الأعمال والأسير المحرر غسان جرار في سنة 1985، الذي تعرفت إليه خلال دراستها الجامعية. لديها ابنتان، يافا ( 35 عاماً) وسهى (31 عاماً)، وهما ناشطتان في حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها.

أنهت جرار دراسة البكالوريوس في تخصص إدارة الأعمال، ثم حصلت على دبلوم في إدارة المؤسسات وماجستير في الديمقراطية وحقوق الإنسان من جامعة بيرزيت أيضاً. وخلال الفترة 1994- 2006 عملت مديرة لمؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وقدمت استقالتها منها للترشح للانتخابات التشريعية. في سنة 2006 انتُخبت نائباً في المجلس التشريعي في دورته الثانية، وخلال فترة وجودها في التشريعي ترأست لجنة الأسرى.

عُرفت جرار بنشاطها السياسي والوطني والنسوي، وكانت أحد أعضاء اللجنة الوطنية العليا لمتابعة ملف انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية. نشطت جرار كمدافعة عن حقوق وقضايا النساء، وهي عضو في لجان العمل النسائي.

كان اعتقالها الأول لمدة شهر في سنة 1988 على خلفية مشاركتها في مسيرة بمناسبة يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار/مارس. اعتُقلت للمرة الثانية في سنة 2015، وأمضت 15 شهراً في السجن، وفي سنة 2017 اعتُقلت مرة أُخرى وحُوّلت إلى الاعتقال الإداري المتجدد مدة 20 شهراً.

منعت سلطات الاحتلال جرار من السفر إلى الخارج منذ سنوات طويلة، كما أبعدتها من مسكنها في رام الله إلى مدينة أريحا في سنة 2014.

ملاحقات مستمرة

الملاحقات المتواصلة ضد جرار، بحسب قول زوجها غسان جرار، تأتي في سياق وهدف واحد وهو "تغييبها عن الشارع الفلسطيني" وهمومه، فمكتب خالدة النيابي كان معروفاً بأنه "ظهر من لا ظهر له"، وأنها سعت لحل مشاكل كل مَن طرق بابها.

وتابع: " تحاول استخبارات الاحتلال جمع ما يدين خالدة لإبقائها في السجون، خوفاً من مواقفها الثابتة التي لم تهادن يوماً في رفضها المعلن لاتفاقية أوسلو وتبعاتها، وبقيت تغرد خارج السرب."

وقال إن وسائل الإعلام العبرية شنّت خلال اعتقال جرار الحالي حملة تحريض ممنهجة ضدها، ووصفتها بالقاتلة، ملمِّحةً إلى مسؤوليتها عن عملية بوبين.

وخضعت جرار خلال فترة اعتقالها الأخيرة لضغوط نفسية، إذ مُنعت من زيارة عائلتها بانتظام بحجة الكورونا، بحسب قول زوجها، وتمكنت العائلة من زيارتها ثلاث مرات فقط خلال عام وأربعة أشهر. وحتى خلال المحاكم التي تُعقد عبر تقنية زووم، لا يُسمح لهم برؤيتها إلّا ثواني معدودة، ولا يُسمح لها بالاتصالات الهاتفية. وتبقى الطريقة الوحيدة أمامهم للاطمئنان عليها عبر ما تحمله الأسيرات المفرَج عنهن من أخبار، أو من المحامين في حال سُمح لهم بزيارتها.

أمّا على المستوى الصحي، لم تكن إدارة السجون تسمح لجرار بإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، إلّا بعد ضغط دولي مورس على هذه الإدارة بعد حملة دولية أطلقتها مؤسسة الضمير. وتعاني جرار من ارتفاع نسبة الكولسترول في الدم، وبحاجة إلى متابعة طبية دائمة، ومؤخراً أصبحت تحتاج إلى دواء منظّم لضغط الدم.

معلمة ومرشدة داخل السجن

كان لخالدة داخل السجون خلال فترات اعتقالها الأثر الكبير في نفوس الأسيرات، وخصوصاً القاصرات منهن، اللواتي وجدن فيها المعلمة والناصحة والمرشدة.

الأسيرة المحررة منى قعدان، التي توافقَ وجودها في المعتقل مع وجود جرار في سنة 2015، تتحدث عن دور جرار في تنظيم حياة الأسيرات داخل السجون وتأثيرها الإيجابي في تحسين ظروف حياتهن، فما من أسيرة يتم الإفراج عنها إلّا وتذكر اسم خالدة جرار بعرفان كبير.

تقول قعدان: "في سنة 2015 كان العبء كبيراً على ممثلة الأسيرات لينا الجربوني وعلى الأسيرات السابقات في متابعة الأسيرات الجديدات الصحية، وخصوصاً أن أكثر من 10 منهن كن مصابات وبحاجة إلى متابعة صحية، ووجود خالدة كان سنداً كبيراً لنا."

وتصف قعدان جرار بأنها "صاحبة القلب الواسع" التي تحتوي الجميع وتقدم الحلول، وبصورة خاصة المشاكل التي تتطلب حلولاً من خارج السجن، من خلال علاقاتها وموقعها كنائبة في المجلس التشريعي.

ولجرار الفضل الكبير في تنظيم عملية تعليم الأسيرات، فقبل تدخُّلها لم يكن مسموحاّ للطالبات بتقديم امتحان الثانوية العامة "التوجيهي" في السجون، فقامت بحكم منصبها كنائبة بالتواصل مع وزارة التربية والتعليم واعتماد برنامج للامتحانات داخل السجن، وأخذت على عاتقها تدريس الطالبات والإشراف على الامتحانات ونقلها إلى الوزارة، حتى تمكنت مجموعة من الأسيرات من اجتياز الامتحان.

وسعت جرار لإدخال الدراسة الجامعية من خلال التنسيق وانتساب الأسيرات إلى جامعة القدس المفتوحة، فعملت كمحاضرة للطالبات، كونها تحمل درجة الماجستير، وهو ما مكّن سبع طالبات من استكمال دراستهن الجامعية داخل السجن.

والدور الأكبر لجرار في السجون كان بتوجيه الأسيرات وتوعيتهن بكيفية التعامل مع الإدارة والمطالبة بحقوقهن، وبصورة خاصة بعد الإفراج عن لينا الجربوني في سنة 2017، والتي كانت ممثلة الأسيرات لدى الإدارة لسنوات طويلة، فكانت جرار كما هي الآن مع ممثلة الأسيرات شروق دويات الداعم و الموجه.

وعلى الرغم من صعوبة السجن والسجان، إلّا إن جرار تدرك أنها الضريبة التي تدفعها ثمناً لمواقفها الوطنية، لكن وفاة والدها خلال وجودها في السجن في سنة 2015 لا تزال "غصة في قلبها"، وهو ما خلق هاجساً لديها، تخشى من أن يتكرر مع والدتها المريضة، كما يقول زوجها بأنها تشعر بحالة من تأنيب الضمير الدائم لعدم وجودها مع عائلتها حين توفي والدها، وفي آخر زيارة قالت له "الاعتقال والسجن لا يهمان، لكن همي أن أخرج وأمي في قيد الحياة."

Read more