COVID-19 Tightens Its Grip on Prisoners and Exacerbates Their Suffering
Date: 
February 4, 2021

يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي زهاء 4400 أسير فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والفتيات والنساء وكبار السن، ومنهم المرضى والجرحى وذوي الإعاقات الجسدية والنفسية، ويتوزع هؤلاء المعتقلون على قرابة اثنين وعشرين سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف، موزعة جغرافياً على أنحاء متفرقة من البلاد، يعيش فيها الأسرى واقعاً مأساوياً وظروفاً قاسية، ويواجهون أوضاعاً صحية في غاية الخطورة، ويتعرضون لانتهاكات جسيمة وجرائم إنسانية عديدة. ولدينا الكثير من الشهادات المؤلمة التي تصف حال الأسرى وتعكس حجم معاناتهم، وتكشف بشاعة السجانين والعاملين في السجون الإسرائيلية وقسوة معاملتهم، والتعمد في إيذائهم وإهمالهم طبياً.

فالاستهتار الإسرائيلي بحياة الأسرى وعدم تحسين الشروط الصحية والخدمات الطبية المقدمة لهم أدى إلى ارتفاع أعداد المرضى إلى نحو سبعمئة أسير، وتزايد أعداد المصابين بالسرطان الذي كان سبباً رئيسياً في سقوط أربعة أسرى شهداء في الأسر خلال العام المنصرم، ليلتحقوا بمئات آخرين من الأسرى الذين استشهدوا في ظروف مشابهة.

ومنذ أن أُعلن انتشار جائحة "كورونا" في المنطقة أوائل آذار/مارس من العام الماضي، أعربت المؤسسات المختصة واللجان الفاعلة في مجال الدفاع عن الأسرى والعديد من الناشطين والحقوقيين في فلسطين وخارجها، عن قلق وخشية كبيرين على الأسرى بصورة عامة، والمرضى بصورة خاصة. وتحرك الجميع وأُطلق العديد من الحملات التضامنية، الإعلامية والحقوقية، والتي تلخصت مطالبها بالتالي:

- إلزام دولة الاحتلال باتخاذ جمبع تدابير وإجراءات السلامة داخل معتقلاتها وسجونها، وتوفير أدوات الوقاية وسُبل حماية الأسرى من خطر العدوى والإصابة بـفيروس كورونا.

- الإفراج عن الأسرى المرضى وكبار السن والأطفال والنساء، باعتبارهم الفئات الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالفيروس، وخصوصاً أن دولاً كثيرة أقدمت على مثل هذه الخطوة، بما فيها دولة الاحتلال.

- مطالبة المؤسسات الدولية، ولا سيما منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بإرسال وفد طبي دولي محايد لزيارة السجون والمعتقلات الإسرائيلية، للاطلاع عن كثب على حقيقة الأوضاع الصحية هناك، والإشراف على الإجراءات الواجب إتباعها وضمان توفير سُبل الحماية للأسرى، والمتابعة عن قُرب تجنباً لتفشي الوباء في صفوف الأسرى.

وعلى الرغم من هذه الدعوات المطالبة بتحقيق هذه المطالب، والجهد الذي بُذل تجاه المؤسسات الدولية لدفعها نحو تحمل مسؤولياتها والقيام بدورها، وما رافق ذلك من حراك سياسي وحقوقي وإعلامي وشعبي، وما حققه من مردود إيجابي في أوساط المحجورين في العالم واتساع دائرة المتضامنين إقليمياً ودولياً مع الأسرى والمعتقلين المحجوزين في سجون ومعتقلات الاحتلال، فإن دولة الاحتلال –كعادتها- لم تلتفت إلى صرخات المُعذَبين في سجونها أو آهات أطفالهم وعائلاتهم، ولا إلى أصوات القانونيين المدافعين عن حقوق الإنسان، ولم تُجرِ أي تحسينات على النظام الصحي أو الغذائي، ولم تُبدِ أي تجاوب مع مناشدات الناشطين ومذكرات المتضامنين من مختلف دول العالم، بل واصلت تعنتها وإهمالها الطبي لهم، ولم تخفض مستوى الاحتكاك والمخالطة، أو الإجراءات التي تُنفذها إدارة السجون يومياً بذريعة (الأمن)، دون اكتراث بما قد يصُيبهم ويلحق بهم من ضرر، حتى فوجئ أحد الأسرى الفلسطينيين بإجابة أحد المسؤولين في إدارة السجون الإسرائيلية، حينما طلب منه توفير كمامات للأسرى لمواجهة فيروس كورونا، بالقول: "استخدموا الجوارب".

تلك الإجابة كشفت ومنذ بداية انتشار الجائحة نية دولة الاحتلال ترك الأسرى وحدهم يواجهون الفيروس القاتل الذي تفشى في أغلب بقاع العالم، من دون أن توفر لهم أي وسيلة للوقاية. وأعقب ذلك إقدامها على الإفراج عن مئات السجناء الإسرائيليين، في مقابل عدم الإفراج عن أسير فلسطيني من أولئك المرضى وكبار السن، في خطوة عكست بشاعة المحتل والتمييز العنصري في تعامله مع المعتقلين الفلسطينيين.

ولم تكتفِ سلطات الاحتلال بذلك، بل سعت لتوظيف فيروس كورونا لمعاقبة الأسرى وذويهم، وكأن ممارسات التعذيب التي تنتهجها ضد الأسرى الفلسطينيين لم تعد كافية لإشباع نهمها الانتقامي وتنفيس حقدها، فصادرت الحق في زيارة الأهل، ووضعت عراقيل أمام زيارات المحامين، وفرضت إجراءات استثنائية بذريعة كورونا، والتي يُخشى أن تتحول إلى قاعدة يحتاج تغييرها وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل انتشار الفيروس إلى كثير من التضحيات والخطوات النضالية.

ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، إذ قامت سلطات الاحتلال باعتقال قرابة أربعة آلاف فلسطيني/ة، منذ آذار الماضي، ومن دون أي تغيير يُذكر في ظروف الاحتجاز وقواعد المعاملة وطبيعة الإجراءات اليومية، على الرغم من تفشي الفيروس في صفوف الجيش والسجانين الإسرائيليين، حتى داهم الفيروس السجون واقتحم غرف الأسرى فكان الأسير المريض بالسرطان، كمال أبو وعر، أول أسير يُصاب بالفيروس في تموز/يوليو الماضي، ورفضت الإفراج عنه حتى استشهد في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. ومع ذلك لم تُغير إدارة السجون إجراءاتها، وبقيت مشكلة الاكتظاظ على حالها، ومستوى الاحتكاك والمخالطة مع السجانين بالوتيرة نفسها، وهو ما أدى إلى إصابة آخرين، من دون توفير شروط حياتية مناسبة في أقسام العزل المخصصة للمصابين، أو تقديم العلاج اللازم لهم والعوامل الغذائية المساعدة لتقوية المناعة لديهم، فتدهورت الحالة الصحية لبعضهم ونقل عدد منهم إلى المستشفيات، كما ارتفع عدد الأسرى المصابين بالفيروس ووصل مع بداية شباط/فبراير الجاري إلى قرابة ثلاثمئة وخمسين أسيراً، جلهم في النقب وعوفر وجلبوع وريمون. هذه الأرقام وفقاً للرواية الإسرائيلية المشكوك فيها دوماً، إذ  لدينا تجارب سابقة مع إدارة السجون الإسرائيلية التي كثيراً ما أخفت الملفات الطبية، وفي مرات عديدة تكتمت على طبيعة الأمراض التي كان يعاني جراءها بعض الأسرى المرضى. لذا فإننا نعتقد أن الأرقام أعلى من ذلك وهي مرشحة للارتفاع أكثر، في ظل استمرار ظروف الاعتقال الصعبة والاستهتار الإسرائيلي المتواصل وغياب الرقابة الدولية المحايدة، وهذا ما يزيد في خشيتنا عليهم، إذ لم يعد هناك فرق بين كورونا والسجان الإسرائيلي، فكلاهما فيروس قاتل، وإن اجتمعا تفاقمت معاناة الأسرى واشتد الخطر.

ومع تفاقم الأوضاع سوءاً وتزايد أعداد المصابين في صفوف الأسرى وارتفاع وتيرة مطالبات المؤسسات الحقوقية والإنسانية، أعلن وزير الصحة الإسرائيلي، يولي إدلشتاين، في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير المنصرم البدء بتطعيم الأسرى الفلسطينيين باللقاح المضاد. وجاء هذا الإعلان بعد التصريحات العنصرية لوزير الأمن الداخلي، أمير أوحانا، الذي رفض جهاراً إعطاء الأسرى الفلسطينيين اللقاح، والاكتفاء بتطعيم السجانين والعاملين في إدارة السجون، تلك التصريحات التي قُوبلت برفض فلسطيني وتحرك قانوني، وفي المقابل أحدثت جدلاً في الساحة الإسرائيلية.

إن التصريحات الجديدة لوزير الصحة الإسرائيلي لم تكن تعني بالمطلق حرصه على صحة الأسرى الفلسطينيين وحياتهم، إذ لوحظ غيابه المتعمد وصمته المطبق منذ انتشار الجائحة أمام سوء الأوضاع الصحية وتردي الخدمات الطبية المقدمة للأسرى. ومع ذلك فإن إجباره على هذا الإعلان شكّل انتصاراً معنوياً وأخلاقياً وإنسانياً وقانونياً لحقوقهم المشروعة.

وفعلاً، تم البدء بتطعيم الأسرى، بدءاً بإعطاء ثلاثة أسرى من المرضى في سجن عسقلان، وذلك يوم السبت الموافق 16 كانون الثاني المنصرم، ومن ثم أعطي لآلاف الأسرى في السجون الأُخرى، حتى وصلت نسبة من حصلوا على اللقاح من الأسرى الفلسطينيين إلى قرابة (75%)، مع استمرار غياب الإشراف الدولي والرقابة الطبية المحايدة على طبيعة اللقاحات وفعاليتها ومدى انسجامها مع المعايير التي حددتها منظمة الصحة العالمية، وهو ما أحدث حالة من الخوف والقلق والإرباك في صفوف الأسرى والمعتقلين، ودفع الكثيرين إلى رفض تلقي اللقاح في ظل انعدام الثقة بإدارة السجون الإسرائيلية والتشكيك الفلسطيني الدائم بنياتها العنصرية، استناداً إلى التجربة المريرة والقاسية معها عبر السنوات الماضية، مع وضع جميع الاحتمالات، بما فيها احتمال استخدامها أجساد الأسرى حقولاً لتجارب الفيروس وتأثيراته.

واليوم، وبعد مرور عام على انتشار الجائحة في المنطقة، وعلى الرغم من إعطاء أغلبية الأسرى اللقاح المضاد، واتخاذ إدارة السجون الإسرائيلية إجراءات محدودة وشكلية في محاولة للتحايل على القانون الدولي وخداع وتضليل الرأي العام العالمي، فإننا نجدد تمسكنا بمطالبنا السابقة التي تطرقنا إليها آنفاً وطالبنا بتحقيقها مع بداية انتشار الجائحة ولم يُلبَ منها شيئ، وندعو المؤسسات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية والضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي وإلزامها احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في تعاملها مع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وتوفير الحماية لهم من خطر الموت أو الإصابة بالأمراض الخطيرة والفيروس القاتل، وضمان وجود رقابة دولية محايدة. 

Read more