On Cultural Normalization
Date: 
September 4, 2020

تعد رواية " صمت البحر" للفرنسي من أصول مجرية، ذي الاسم المستعار فيركور، في نظر كثير من  النقاد أهم رواية مقاومة في القرن العشرين، علماً أنه لا يحدث شيء طوال هذه الرواية القصيرة المكثفة سوى الصمت،  الصمت المطبق؛ فالرجل الفرنسي الشيخ وابنة أخيه الشابة لم يتبادلا أي كلمة مع الضابط الألماني الشاب فيرنر فون أبرناك الذي فرض عليهما استضافته وخدمته في بيتهما الريفي المتواضع. وعلى الرغم من لطف الضابط وثقافته وإعجابه بالثقافة الفرنسية، التي يرى أنها أكثر تفوقاً من الثقافتين الألمانية والإنجليزية، وعلى الرغم من ميل الفتاة العاطفي له، إذ كان وجهها يتوهج عندما يشاركهما المائدة، فإنه  لم يسمع منهما كلمة واحدة، حتى لو كانت رداً على تحيته الصباحية أو المسائية، ولما حان موعد رحيله وقال وداعاً، لاحظ الشيخ أن شفتي الفتاة قد تحركتا، إلا أنه لم يسمع أي صوت.

 هذه الأسرة الصغيرة، الشيخ وابنة أخيه، لم يكن في حوزتها  أي وسيلة للمقاومة سوى الاعتصام بالصمت. ويبدو أن ذلك كان بالغ الأثر على الضابط النازي الذي أبدى لطفاً استثنائياص، وتعاطفاً كبيراً مع الأسرة الصغيرة لدرجة أنه كان يحذرهما حين يعرف بحدوث تفتيش للبيوت بحثاً عن عن أي شيء له علاقة بالمقاومة، لكي يتخذا احتياطهما، ولكنه في الوقت نفسه  أيضاً  إضاءة على بطولة العم وابنة شقيقه اللذين ظلا مخلصين للموقف الوطني والأخلاقي المبدئي في عدم التعاطي بأي شكل من الأشكال مع القوة التي تحتل وطنهما. وهذا التأثير ينتقل بطبيعة الحال إلى المتلقي الذي ما زالت هذه القصة الطويلة، بسيطة التركيب، تمارسه عليه بعد سنوات طويلة من كتابتها في بداية أربعينيات القرن الماضي. أحد الضباط النازيين المشاركين في احتلال باريس كتب لأمه قائلاً: إنه أمر لا يطاق، فهم  (أي الفرنسيون) يحاربوننا  بنظراتهم.

ولكن على العكس من هذ الرواية التي كان الصمت فيها مسموعاً أكثر من أعلى الأصوات، لن يكون صمت المثقف العربي هو الوسيلة الأمثل الآن، في سياق التهافت العربي الأخير، للتصدي للتطبيع السياسي والثقافي مع  هذا الاحتلال الذي يتفوق في بشاعته وشراسته على ما عداه في التاريخ الحديث، لأنه لا يكتفي فقط باحتلال الأرض ونهبها، بل  يستهدف السردية الكبرى لوجودنا على أرضنا، ولا يعترف بأي حق لنا، علماً  أن  هذا الوجود بدهي ليس بحاجة إلى البرهنة عليه بأي من وسائل الحجاج العقلي أو السياسي، إلا أنه سيورطنا في الدفاع عن هذه البداهة، ليس أمام الاحتلال نفسه الذي لن يكتفي سوى عندما ينجح في إلغائنا وحذفنا من التاريخ والجغرافيا كمقدمة لابتلاع المنطقة العربية  وإخضاعها، وليس أيضا أمام الدوائر الصهيونية غير اليهودية في أمريكا وأوروبا، بل أيضاً أمام أشقائنا الذين شاركونا حتى الآن روايتنا في خطابهم الثقافي والإعلامي والتربوي، وهو ما بدأت بوادره تظهر الآن على شكل موجة كاسحة استفادت من وسائط الاتصال الاجتماعي المتاحة للجميع ، لكي تبسط هذا الخطاب المتهافت الذي لا ينم سوى عن سذاجة فكرية وضحالة في التعاطي مع الواقع، فوق ما يشي به من ركاكة أخلاقية، لدرجة أن أصحابه يبدون أكثر تهافتاً  على التطبيع مع العدو من العدو نفسه الذي كانت أقصى أحلامه  طوال عقود طويلة، أن يشارك أحد أبطاله الرياضيين في مباراة يشارك فيها طرف عربي على أرض بعيدة محايدة، ولكنه صار يحصل الآن على أكثر من ذلك بكثير، إذ صارت فرقه الرياضية تستقبل بعزف نشيده الوطني الذي يتهدد أعداءه في بابل ووادي النيل بأن يجعلهم يرتعدون عندما تنغرس رماح صهيون عميقا في صدورهم.

إن المعنى الأبسط والمباشر للتطبيع هو  قبول هذا الآخر المحتل ضمن شروط هيمنته وإكراهاتها العسكرية المفروضة بالتفوق الذي أتاحته له راعيته الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية،  والتعامل " بصورة طبيعية"  مع مؤسساته المختلفة التي هي جزء لا ينفصل عن هذا الاحتلال، وعليه، فإن أي تعاط معها يعني القبول بشرعية هذا الكيان الاستعماري البشع.  وهو أمر لا يمكن تحقيقه فعلياً إلا بإلغاء الرواية العربية البدهية حتى الآن، وإحلال رواية استعمارية غالبة يتوجب قبولها على أنها الصيغة الوحيدة المقبولة حتى الآن ، حتى لو لزم الأمر الاستشهاد بآيات قرآنية عن بني اسرائيل الذين قيل لهم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتبت لكم، من  دون التفريق اللازم بين إسرائيل  المعاصرة بصفتها مشروعاً استعمارياً غربياً، أوروبياً بالدرجة الأولى في البداية على الأقل، وبني إسرائيل القدامى  بصفتهم " شعباً" منقرضاً بالمفهوم التاريخاني، شأنهم في ذلك شأن جميع الشعوب القديمة التي أعادت إنتاج ذاتها في سلسلة لا نهائية من التحولات الثقافية واللغوية والحضارية ضمن شروط الاستمرار في المكان، وكل ذلك على أي حال يظل جدالاً  لا ضرورة له نتورط فيه بين حين وآخر، بعيداً عن المعطيات التاريخية السياسية المعاصرة التي لا تنظر إلى الكتب المقدسة بوصفها وثائق دولية يُستند إليها في اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية.

إن الأمر هذه المرة مختلف عن المرات السابقة في النموذجين المصري والأردني، حيث ظل التطبيع الثقافي والاجتماعي أمراً محرماً،  وكأن هذين البلدين لا يرتبطان من وجهة النظر الشعبية  بمعاهدة سلام مع هذا الكيان؛ ففي مصر تشكلت سنة  1979  " لجنة الدفاع عن الثقافة القومية" التي رفعت شعار المقاطعة الشاملة  لأي عملية من عمليات التبادل العلمي أو الثقافي أو الفني أو التربوي أو الرياضي، وتم الأمر نفسه تقريباً  في الأردن الذي قوبل فيه التطبيع الثقافي بصرامة كاملة من العاملين في الشأن الثقافي.

إن أي قبول بمثل هذا التطبيع هو تنازل مجاني عن روايتنا وتاريخنا، وتنكر مبتذل لنضالنا منذ مئة عام، ولتضحيات الأمة العربية ودماء شهدائها ومعاناة أسراها، لأنه يعني قبول هذا "الآخر" تحت مظلة غلبته  العسكرية ومعطياتها الراهنة، كأنها قانون كوني أبدي غير قابل للتغيير، ناهيك عن عدم جدوى التصدي له من وجهة النظر المتهافتة هذه، وهو موقف ساذج  لا يأخذ في حسبانه مكر التاريخ وتحولاته المفاجئة، وكأن حالة الضعف العربية السائدة أمر  بنيوي جوهري غير خاضع لظروفه، وبالتالي غير قابل للتحول، وشرطه القبول بمعادلتهم العنصرية المتغطرسة: "منكم المال ومنا العقول"، وفي هذا السياق لا يفوتون أي فرصة لبث رسائل رمزية هدفها العميق أن تلقي في روع الآخر، الذي هو هنا نحن جميعا، أن هذه الدولة انتصرت عليكم في الماضي السحيق، وفي الماضي القريب، وسوف تواصل انتصارها على عقولكم وأسواقكم وجيوشكم في المستقبل أيضا؛ إذ ليس من قبيل الصدفة أن تكون الطائرة التجارية التي تهبط  في أول رحلة علنية في عاصمة الإمارات تحمل اسم "قريات غات"، المستوطنة الصناعية التي أقيمت على أرض "عراق المنشية" وتوسعت على حساب أراضي "الفالوجة"؛ ففي رواية التوراه هزم داود ملك العماليق الفلسطيني جالوت على بوابة غات إحدى مدن الفلسطينيين  الخمس، وقتله بحجر من مقلاعه، وكانت "عراق المنشية" مع "الفالوجة" هما آخر قريتين تسقطان في فلسطين بعد  أحد عشر شهراً من الصمود الأسطوري للجيش المصري والأهالي فيهما، وبعد ما يقارب العام من النكبة. "عراق المنشية" هي القرية التي هُجّر منها أبي وأمي، واستشهد فيها  جدي الذي أعدمته عصابات الهاغانا على أكياس القمح في بيته بقذيفة مضادة للدبابات، جعلت حبات مسبحته تتفتت على عظام صدره وتغوص عميقاً في لحمه الممزق. إن هذه الطائرة، التي تحمل السلام  الموهوم ، توجه إهانة شخصية لي بصفتي أنحدر من أسرة لاجئين فلسطينين خرجوا من القرية التي تحمل  بالذات اسم مستعمرة أقيمت على أنقاضها، وفوق رفات مئات اشهداء المصريين والسوادنيين والفلسطينيين، ومنهم  رفات جدي أحمد  أبو هشهش.

إن المقاطعة الثقافية أمر غير عاطفي يستند إلى قانون الفعل ورد الفعل، بل موقف معرفي مبدئي نابع من مهمة المثقف المسلح بأدوات معرفية وفكرية متماسكة وصلبة، والتزام  أخلاقي ثابت، وانحياز تام لا مواربة فيه  لمصلحة شعبه ولقيم الحق والعدالة، من  دون التفات إلى أي مكاسب أو خسائر، وهذه المهمة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، بعد تدمير المراكز العربية الحضارية في العراق وسوريا، وتراجع دور مصر، وتوظيف إمكانات مالية طائلة في تمويل مؤسسات ثقافية وإعلامية لا يمكن تجاهل أثرها، وهو أمر يستدعي إعادة النظر في كل شيء، وخاصة ضرورة إنعاش الأدوار الثقافية للأفراد والمؤسسات التي لا تخضع لأي إكراه مالي يفرض اشتراطاته، أو على الأقل يضمن تحييد المثقف. وهنا لا أقلل من أهمية الاستثمار في مجال الثقافة، أو توظيف اليسرة المالية لتقوية الرأسمال المعنوي، فالكويت مثلاً  تضطلع منذ الخمسينيات بدور لايمكن تجاهل فضله في إنشاء مؤسسات ثقافية عربية من مجلات ودور نشر ومراكز ترجمة، من دون أن يتهمها أحد بالرشوة السياسية، وهو دور محبذ ، لأننا في العالم الثالث، وفي الدول العربية بالذات، لا بد لنا من تدخلات حكومية في الشأن الثقافي، كون السوق والمبادرات الفردية، لا تستطيع حتى الآن القيام بكل هذه الأدوار، نظراً  لضعف إمكانات الصناعات الثقافية، وعدم قدرة " السوق" وحدها على النهوض بهذا الدور.  

وأخيراً، أراني ملزماً بالقول، إن من أصعب الأمور على النفس وأكثرها مشقة، الدعوة إلى مقاطعة مؤسسات ثقافية في دول عربية شقيقة، مهما قيل أو يقال في دوافعها أو أهدافها؛ فالفعل الثقافي لم ينفصل يوماً عن الفعل السياسي، ولكن وقبل كل شيء ، لا يمكن لأي مثقف  عربي  أن يتعاطى مع أي فاعلية تضع الآخر المغتصب المحتل على قدم المساواة مع العربي عموماً، والضحية خصوصاً،  في التعاطي معه، بل والترويج له والتحالف معه، مع عدم نسيان الأصوات الشجاعة من المثقفين التي ارتفعت رافضة هذا التطبيع في خضم الحماس الرسمي والإعلامي لهذا التطبيع، لأنها أصوات شجاعة حقاً، وشجاعتها تتفوق على أي صوت آخر، حتى على أصواتنا نحن الذين نتكلم من بعيد. 

Read more