Absence of Palestinian Planning to Meet the Challenges Facing Jerusalem
Date: 
July 29, 2020
Author: 
blog Series: 
Jerusalem Institutions Facing Israeli Repression

ليس غريباً على المقدسيين تأثر مدينتهم سلبياً نتيجة التدهور السياسي في المنطقة، كما لم يعد مفاجئاً تراجع الاقتصاد المقدسي المحاصر والمحروم من أسواقه المحلية التاريخية والطبيعية. وليس غريباً انحسار المؤسسة السياحية والتجارية والثقافية المقدسية نتيجة التحولات السياسية المتسارعة، والمستهدفة الوجود الفلسطيني في القدس. وليس غريباً حجم تأثير وباء عالمي في اقتصاد مدينة مثل القدس تعتمد في الدرجة الأولى على القطاع السياحي كمحرك رئيسي لها. لكن الغريب هو استمرار تفاقم التحديات وانحسار المدينة وتحولها إلى حارة تابعة للمركز الإسرائيلي، في ظل غياب تخطيط فلسطيني على مستوى هذه التحديات التي تواجهها المدينة.

فاستمرار اعتماد القدس على القطاع السياحي بصورة أساسية منذ مئات السنين لم يسعفها من التقلص والانكماش، وبالتالي، فإن إغلاق نصف عدد الفنادق الفلسطينية، وتقلّص عدد المتاجر في البلدة القديمة، وتلاشي الحِرف المقدسية، وانحسار البرنامج الثقافي والتراثي، أمور تشكل أكبر دليل على خطورة التهديدات ونجاح الخطط  الرامية إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة وسلبها دورها المركزي كعاصمة  للدولة الفلسطينية، من خلال تفريغ محتواها كمدينة تاريخية فلسطينية عريقة.

 

بلدة القدس القديمة، تصوير عبد الرؤوف ارناؤوط

 

من خلال نظرة سريعة إلى الوراء، فإن المدقق في وضع مدينة يافا، سيلاحظ أنها عانت جرّاء عملية تهميش وتحوّل، من مدينة تاريخية ومهمة على المستوى العالمي، إلى إحدى حارات المدينة الإسرائيلية الجديدة، ثم ضمها وأسرلتها بشكل شبه كامل على الصعد والقوانين كافة. وتتعرض يافا اليوم لتغيير في شكلها الديموغرافي، إذ يتم شراء عقارات قديمة وترميمها واستثمارها، وخصوصاً في منطقة يافا القديمة التي تخدم كموقع سياحي مميز وأساسي، بينما يهجرها أهلها كتحصيل حاصل، وكنتيجة طبيعية لوضع يبدو للزائر أنه طبيعي وعادي. 

وتستمر السلطات الإسرائيلية في تجذير سيطرتها على مدينة القدس في إطار مرحلة الضم التي تمر بها المدينة، والتي تتحول من خلالها مرافق الحياة، عبر عملية تطبيع ممنهجة، في اتجاه الأسرلة. فقوانين العمل والبناء والصحة والمواصلات قد تم تحويلها بالكامل إلى النظام الإسرائيلي، ويتم العمل على اختراق المنظومة التعليمية والمنهاج التعليمي بالتدريج، من خلال سيطرة نظام المعارف الإسرائيلية عليها. كما تتم وبشكل حثيث متابعة وإغلاق أي نشاط ثقافي أو مجتمعي أو تجاري أو سياحي إذا ما اشتُمت رائحة تدخّل من جانب السلطة الفلسطينية، بغض النظر عن توفر الإثباتات والأدلة، أو إذا كان صحيحاً أم لا. 

وفي ظل هذه الأجواء، واستكمالاً لمرحلة التهميش التي جردت القدس من الكثير من مؤسساتها لتسهيل عملية الضم، ليس غريباً أن تتعرض المؤسسة الثقافية أيضاً للمراقبة والحصار، وخصوصاً أن الهوية الثقافية المقدسية الفلسطينية أصبحت رأس حربة في معركة الدفاع عن المدينة. 

في هذا الإطار، على المجتمع المقدسي، من مرجعيات ومؤسسات، وكذلك المؤسسات الوطنية الفلسطينية على جميع الصعد، الانتباه لهذا الخطر، والسعي لوضع الخطط لمنع أي مؤسسة فلسطينية من الإغلاق في المدينة التي يرزح كثير منها تحت خطر الإفلاس في ظل جائحة كورونا. القدس تعاني بالتأكيد، مثل غيرها من مدن فلسطينية أُخرى أو حتى عالمية بسبب الجائحة، لكن الواقع السياسي المفروض على القدس، وخطط التهميش والضم يجب أن تضع شعار حماية المؤسسة المقدسية على رأس أولويات المرحلة، على أن يتم دعم أصحاب وموظفي المؤسسات المتعددة، كونهم أعمدة الاقتصاد الوطني للمدينة.

فإذاً، كيف تتم حماية المؤسسة المقدسية؟ طبعاً الجواب بحاجة إلى تخطيط ودراسة، لكن في الوضع الطبيعي، واعتماداً على موارد القدس وإمكاناتها، فإن مفتاح الحل يكمن في طبيعة وشكل المحرك الاقتصادي الرئيسي للمدينة، ألا وهو القطاع السياحي، لكن بمفهوم واسع وشامل. فالقطاع السياحي ليس قطاعاً صناعياً فقط، بمعنى أنه ليس فقط مؤسسات اقتصادية، كالفنادق والمطاعم والمتاجر، وما إلى ذلك. القطاع السياحي له أبعاد تنموية، وهو متصل بهوية المقصد السياحي والتجربة السياحية والثقافية والتراثية العامة. والنشاط السياحي الثقافي التراثي  يعكس المستوى الحضاري الفلسطيني ومستوى التعامل مع الزائر، مثل حُسن الضيافة وحُسن الاستقبال واحترام الغير واستيعاب حضاراتهم وثقافاتهم، وعليه فإن التقاطع مع قطاعات التعليم والثقافة والشباب والإنتاج المحلي الحرفي والتراثي جزء لا يتجزأ من مكونات هذا القطاع. إن استيعاب العمق التشبيكي والتوظيفي لقطاع السياحة وارتباطه الوثيق بجميع أشكال النشاط المجتمعي والثقافي والتعليمي والتجاري وحتى الديني يعكس أهمية الشمولية كإحدى صفات الاستراتيجيا التنموية من ناحية، وضرورة تعزيز القدرة التنافسية الفلسطينية المقدسية من ناحية أُخرى.

إذا كان للسياحة كمنبر للهوية أهمية على هذا المستوى والتشبيك في القدس، فمن البديهي أن تتطور استراتيجيا تنموية واستثمارية تعكس هذه الإمكانات الكامنة، لكن ما حدث عكس ذلك، ومستوى الإدارة السياحية ضعيف ويفتقر إلى الالتفاف المجتمعي والرسمي حوله، إذ يمكن متابعة ذلك من خلال مختلف محطات التراجع التي شهدتها المدينة، من حروب وإغلاقات وحصار وأوبئة. تتراجع المؤسسة السياحية والتجارية والثقافية، وتغيب من معاجم الحماية والتدخل، فتبدأ بالتحلل والانقراض، وتصبح هدفاً سهلاً ضعيفاً ووحيداً. وتعزيز القدرة التنافسية هو عبارة عن معادلة تعكس قدرة المجتمع على توظيف متميز لإمكاناته وموارده وكفاءاته، ولا تغيب عن القاصي والداني القدرات الكامنة في مدينة القدس من تنوع حضاري وثقافي وديني. إن الجهة المؤهلة حماية هذا التنوع وتعزيز التنافسية هي أبناء المدينة ومؤسساتها، لأن التنوع من سماتهم وجزء من هويتهم، إذ حافظوا عليه على مر السنين، وفي هذا التنوع يكمن سر القوة ومفتاح القدرة التنافسية.

بناء على ما سبق، على المهتمين والجهات المعنية الخاصة والأهلية والرسمية جميعها الالتزام بالبوصلة التي تحددها طبيعة المرحلة، والتي يجب ألّا تغيب عنها حماية المؤسسات السياحية والثقافية والمجتمعية والتعليمية والتجارية، واستعادة مركزية القدس على المستوى السياحي والثقافي التراثي.  ولمفهوم الحماية هنا أهمية خاصة لِما تواجهه المدينة من تحديات لا تكاد تنتهي، وما يزيده موقع القدس من حساسية وهشاشة على الصعد والمستويات المحلية والإقليمية والدولية كافة.

واعتماداً على ذلك، فإن القدس بحاجة ماسة إلى مجموعة من الخطط قد تبرز بينها ضرورة وضع خطط لمواجهة حالات الطوارىء المتتالية والمتعددة التي تواجهها المدينة في فترات متقاربة جداً أدت إلى فقدان نصف عدد الفنادق وعدد غير قليل من المحال التجارية، كما شكلت تهديداً للمؤسسة الثقافية، ناهيك بانحسار الحركة حول البلدة القديمة وداخلها، وانتقالها إلى الضواحي، الأمر الذي زاد في هشاشة مركز القدس المدني التجاري.

وفي ظل الكورونا، تراجعت المؤسسة السياحية والتجارية المقدسية بشكل خطِر وكبير بات يهدد وجودها واستمرارها، كما أن استمرار السلطات في ملاحقة النشاط الثقافي والمجتمعي وشح الإمكانات لدى المؤسسات الأهلية سيهدد إنجازاتها السابقة، وسيُضعف عملها المستقبلي في حال تمكنت من اجتياز المرحلة الحالية.

 

Read more