The Palestinian Media and the Coronavirus Pandemic: The Absence of Criticism, Accountability and Diversity
Date: 
June 3, 2020
blog Series: 
The Palestinians, the Media, and the Coronavirus

وضعت جائحة كورونا التي فاقمت أزمات اقتصادية وسياسية وتعليمية وصحية وإنسانية على صعيد كوني، الإعلام بمختلف وسائله على المحك، مقدمة تساؤلات مشروعة بشأن أدوار الإعلام في أثناء تلك الأزمات. فهل انحاز الإعلام لإنقاذ البشر وتوقف عند معاناتهم وأمنهم الاجتماعي وحياتهم ومصائر استقرارهم، أم انحاز إلى الدول التي كان مركز اهتمامها استمرار الأرباح والاحتكارات الكبرى؟ ولمّا كان الإعلام المهيمن لا ينفصل عن الممولين أصحاب الإمبراطوريات الإعلامية وقيم السوق، ولا عن الدول التي تضع الإعلام في خدمة سياساتها ومصالحها الضيقة، كان جزء من الإعلام صدى للسياسات التي يروجها مسؤولون كالرئيس الأميركي ترامب صانعاً ما يُسمى "وباء المعلومات" بحسب تسمية منظمة الصحة العالمية. في مقابل ذلك فإن جزءاً من الإعلام المهيمن اتبع سياسة أكثر عقلانية إضافة إلى إعلاميين وبعض مراكز إعلامية وصحف ليبرالية وناشطين في وسائط التواصل الاجتماعي، هؤلاء رفضوا الدور الاستخدامي للإعلام وقاوموا الأكاذيب بشأن وجود الفيروس وخطورته ومعالجته التي دفع البشر أثمانها. بهذا المعنى كان الإعلام إعلامَيّن، وكان الإعلام المهيمن جزءاً من أزمات كورونا على صعيد كوني، كما كان قبلها داعية لقيم السوق (الاحتكار والاستهلاك والخصخصة والربح والعسكرة والمغامرة بالعدوان وباستقرار الدول ومواطنيها).

وبعيداً عن تجربة الإعلام الكوني، فإن ما يهمنا في هذا المقال، هو تجربة الإعلام الفلسطيني في زمن كورونا، والتي ستكون محط نقاش. في البداية، كيف كان دور الإعلام الفلسطيني في مواجهة المعلومات المضللة بما في ذلك إنكار كورونا التي كان ضحاياها كُثر؟ لحسن الحظ أن الإعلام الرسمي الفلسطيني التزم مواقف وزارة الصحة الفلسطينية التي اعتمدت تعليمات منظمة الصحة العالمية إلى حد كبير، وكان دور الوزيرة مي كيلة لافتاً في التناغم مع المنظمة الدولية، فضلاً عن دخولها في التفصيلات بشكل مستمر، وهذا جَنَّبَ الإعلام الرسمي الذي كان حاضراً باعتباره مصدراً للمعلومة والرواية الفلسطينية، الوقوع في براثن الشائعات والمعلومات المضللة بشأن فيروس كوفيد 19. ويسجل للإعلام الرسمي أنه وضع سلامة المواطنين في مركز الاهتمام، وأظهر الخطاب الرسمي الذي قدمه الناطق الإعلامي باسم الحكومة الزميل إبراهيم ملحم، الحرص على سلامة المواطنين، ولاقى استحساناً ومستوى من الثقة الشعبية التي كانت شبه مفتقدة قبل إعلان حالة الطوارىء. لقد راعى الناطق الرسمي مخاوف المواطنين ونجح في تبديدها نسبياً مستخدماً اللغة االتي يستوعبها عامة الناس. لكنه راوح في هذا المستوى الذي تجاوزته حاجات الناس المعيشية بعد تعطل أعمالهم، فصارت الإجابة عن الحاجات الضرورية مسألة ضاغطة ومهمة، وحاول التغلب على ذلك بإضفاء طابع ديني على خطابه الموجه، فكان يكرر قول "لا أحد يموت من الجوع"، المهم "المحافظة على حياة الناس" التي هي ضرورة بالفعل، ويسجل له أنه اعترف ببعض الأخطاء والمضايقات التي تعرض لها بعض الإعلاميين وأبرزهم نزار حبش مدير وكالة وطن للأنباء، واعتذر بصورة عامة عن مضايقة الإعلاميين، إلا إنه أكْثَر من الإشادة بالمسؤولين وفي بعض الأحيان مَجَّدَهم مذكراً بخطاب الولاء التقليدي الذي عفا عنه الزمن.

 لقد خصص الإعلام الجزء الأكبر من مساحاته للوباء ولنقل الأخبار الرسمية، ونجح في الدعاية للوقاية كالتباعد الاجتماعي وحظر الاختلاط واتباع القواعد. وكان التزام المواطنين في مواقع انتشار الوباء مُرضِياً بوجود خطر ملموس. أمّا التحقيقات والقصة الصحافية المكتوبة والمصورة التي تفسر ما يحدث فكانت محدودة أو غائبة، ولا تتناسب مع التفاعل والتعاضد المجتمعي والتطوع والدعم، ولا مع معاناة الناس الذين انقطعت موارد عيشهم، ولا مع جيش العاطلين عن العمل، وخصوصاً في قطاع غزة. وبقي الخطاب الإعلامي في أثناء الطوارىء على حاله في اعتماد بند واحد في تغطية الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي يتمحور حول عرض انتهاكات الاحتلال مع تجاهل المبادرات وأشكال الصمود وعناصر القوة والمبادرة التي يستخدمها المواطنون في مواجهة سلطات الاحتلال. وقبل الجائحة كان صوت الإعلام الخاص أعلى من الإعلام الرسمي في إثارة قضايا المجتمع ومساءلة المسؤولين، لكنه تراجع خلال الجائحة ولم ينجح في سد الفجوات التي خَلَّفَها الإعلام الرسمي.  

 ومن جهة أُخرى، تسللت الإشاعات والمعلومات الخطأ إلى المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض مراكز المعلومات التي تداولت الشائعات كأخبار دون أن تعالجها من خلال ذوي الاختصاص في الجهاز الصحي، فانعكس التداول سلباً على الرأي العام. يحضرنا هنا شائعة أطلقها رجال دين تقول إن فيروس كورونا لا يصيب المسلمين لأنه جاء كعقاب من الله ضد الكفار في أوروبا وأميركا والصين. ورجال دين ينتمون إلى ديانات أُخرى استثنوا دياناتهم من الإصابة بالفيروس أيضاً. وكان من نتيجة ذلك إضعاف الالتزام بالتباعد الاجتماعي، وعصيان قرار إغلاق المساجد كمصدر للاختلاط، وذلك حين قامت مجموعات وأئمة مساجد بالتمرد عليه في بعض المحافظات. ولم يتصد الإعلام لهذا التفسير المتداول، ولا سيما بعد ازدياد عدد المتدينين المصابين والناقلين للفيروس لإنهم لم يلتزموا بالإجراءات.

ولم تسلم فلسطين من العنصرية تجاه الوافدين الآسيويين التي انتشرت في أوساط الرأي العام في دول عديدة، "فقد اشتكى آسيويون مقيمون في فلسطين من مضايقات يتعرضون لها في الأماكن العامة منذ انتشار الفيروس. 'أوبا' فتاة يابانية تتعرّض للتنمّر في رام الله منذ أكثر من شهر، وذلك لأنها تحمل ملامح آسيوية، ينادونها الناس: 'كورونا' أو يحاولون تجنّبها فور رؤيتها هي وصديقاتها كما تقول. وصديقتها يوريكو قالت 'يناديني الناس بكورونا'!، أصبح مشهداً يومياً، أتعرّض لهذا في اليوم عشر أو عشرين مرة، وبات أمراً روتينياً بالنسبة للآسيويين هنا. في المقام الأول جئنا هنا لدعم الفلسطينيين، وبالمقابل أتوقّع منهم أن يحترموني كما أحترمهم". "وتوضح طالبة يابانية أُخرى في جامعة بيرزيت، وتعيش في فلسطين منذ أشهر أن الحوادث اليومية التي نتعرض لها، من قبل فلسطينيين من فئات عمرية مختلفة، مخيّب للآمال. وتضيف، في أحد المرّات أقدم شبّان على تصويرها من بعيد وهم يسخرون منها.[1]"

وقد صوّر الإعلام الرسمي حادث الاعتداء على شابتين يابانيتين في رام الله بأنه حادث فردي وغريب، واعتذر الناطقون الرسميون عنه وأوقفت الشرطة المعتديتين. لكن كلام المتحدثات اليابانيات يشير إلى مشاركة أعداد كبيرة من المواطنين في مواقف ذات طابع عنصري، ولم تنته هذه الأحداث إلاّ بعد مغادرة الآسيويين البلد. بعض الإعلام الخاص عرض المشكلة كأخبار موسعة ونقل رواية ومواقف ثلاث يابانيات، من دون تحليل ونقد لمستوى الإساءة التي لحقت بمتضامنات ومتضامنين، والضرر الذي لحق بالشعب الفلسطيني، وضعف ثقافة الانفتاح واحترام أصدقاء فلسطين، وهشاشة الوعي المتشكل بشأن فيروس كورونا.

وقد اكتسبت الرقابة المفترضة للإعلام على القرارات والسياسات الحكومية أهمية أعلى في أثناء الأزمات، وخصوصاً ما تسببت به كورونا من ضيق اقتصادي، ومن حالة الإغلاق التي أوقفت مختلف أنماط الحياة. في تلك الأجواء الحساسة، صدر مرسوم رئاسي يقضي برفع رواتب الفئة العليا من الموظفين كالوزراء ومن هم بمستوى وزراء، والمحافظين ورؤساء المنظمات والهيئات وأعضاء المجلس التشريعي السابق – على الرغم من قرار حله-. المرسوم يتضمن أيضاً تمديد سن التقاعد لهذه الفئة. جاء هذا المرسوم في الوقت الذي تحدث رئيس الحكومة عن شح الدعم، وطالب المواطنين بشد الأحزمة. وقد أثار المرسوم غضب المواطنين واحتجاجهم، وأدت وسائل التواصل الاجتماعي كإعلام مستقل دوراً مهماً في الاحتجاج على المرسوم، الأمر الذي أدى إلى التراجع عنه وكان ذلك بمثابة إنجاز مهم لكل المشاركين في ممارسة الضغط على مركز القرار. كما صدر مرسوم آخر يقضي باستحداث "ديوان الرئيس" كمؤسسة مستقلة. وقد فسر قانونيون استحداث هذا الديوان باعتباره إطاراً موازياً للحكومة وعلى حساب صلاحياتها، وغير قابل للمساءلة والرقابة، ويعزو هؤلاء الاستحداث كاستجابة لمراكز قوى متنافسة داخل المركز السياسي. لكن هذا المرسوم لم يواجه بحملات إعلامية، نظراً إلى عدم وضوح أبعاده السياسية والإدارية، وبسبب صمت القوى السياسية، وهو ما أدى إلى بقائه ساري المفعول.  

مارس الإعلام الرسمي كمؤسسة وكأفراد ونقابة صحافيين، الصمت ولم يحرك ساكناً إزاء المرسومين وإزاء معظم القضايا الداخلية سابقاً، وهو ما يشير إلى تراجع هوامش حرية التعبير أكثر فأكثر. وفي هذا السياق ما تزال الصحافة المكتوبة تملك هامشاً للنقد والاختلاف، لكنه يتراجع أيضاً بحسب تجربتي ككاتب مقالة أسبوعية في صحيفة الأيام. ومن يتابع فضائية وإذاعة فلسطين والفضائيات والإذاعات والمواقع الإلكترونية التي تخص قوى معارضة للسلطة، يجد أنها لا تمارس التعدد في القضايا الداخلية، لذا تطغى استضافة لون واحد موالٍ على طول الخط، مع استثناءات قليلة، إلى درجة أن البعض يتساءل "لِمَ يسمون تلفزيون فلسطين وصوت فلسطين، ولا يسمون تلفزيون وصوت "فتح" حتى يكونوا منسجمين ومعبرين عن واقع الحال؟". المؤسسة الإعلامية الرسمية تتراجع وعنوان التراجع غياب النقد والمساءلة والتعدد، وطغيان نوع من الموالاة التقليدية البائسة. لا أحد ينكر أن الإعلام الرسمي يتصدى للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، ويقدم رواية فلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية، لكن هذا غير كافٍ لنظام سياسي يعتمد التعدد السياسي والثقافي والديني.

 

[1] المصدر: آسيويون في فلسطين يتعرضون لمضايقات يومية/ موقع اخبار 24 /محمود الخواجا 2-3-2020  https://www.24fm.ps/ar/news/1583140316

 

Read more