On the Political and Artistic Fields Among Palestinians in Israel in a Period of Transformations
Date: 
May 29, 2020
Author: 

لعل أكثر ما يميّز المتبقين الفلسطينيين في الداخل، هو علاقتهم المعقدة بدولة إسرائيل، بحيث يضبط صراعهم مع هذا الكيان توتراً دائماً ما بين هويتهم العربية الفلسطينية من جهة وما تفرضه عليهم شروط مواطنتهم الإسرائيلية من جهة أُخرى. مواطنة أُرغموا على القبول بها لـ "يبقوا". 

توتر لا يمكن حله إلاّ بحل أحد أطراف التوتر، على الأقل، إمّا حل المواطنة – بالانفصال (أو المطالبة بالانفصال) التام عن الدولة، وهذا لم يكن مطروحاً يوماً كحل جماعي، وإمّا تفكيك قوميتهم – بتنازلهم التام عن انتمائهم القومي الفلسطيني-العربي. حل الشرط الثاني في هذا التوتر، وإن لم يكن هو الآخر مطروحاً أو قابلاً للتحقيق لأسباب ثقافية إلى جانب الأسباب السياسية، في الحالة الإسرائيلية، لا يضمن للفلسطينيين تحقيق الشرط الأول، ألا وهو مواطنة كاملة الحقوق ومتساوية. ويعود هذا في الأساس، إلى كون دولة إسرائيل دولة "الشعب اليهودي"، وتنازلهم عن انتمائهم الفلسطيني-العربي لا يضمن لهم المواطنة الكاملة.

لا يعني وجود توتر ضرورة وجود تحجّر في شكل العلاقات بين أطرافه، وقد أخذ التوتر أشكالاً متعددة منذ سنة 1948. فعلى سبيل المثال، لم تكن المواطنة في السنوات الأولى بعد النكبة، ذات وزن حقيقي في تعامل الدولة مع المتبقين، وقد كان انتماؤهم الفلسطيني العربي الهاجس الأساس في سياسات تلك الفترة. والتعبير عن هذا نجده في معظم سياسات إسرائيل، بداية في الهاجس الأمني وتعريف المتبقين "بالطابور الخامس"، كما نجدها في الشعور بالتهديد من عروبة المكان الفعلي والرمزي وصلت إلى درجة هدمه وعبرنته، وصولاً إلى التهديد من ملكية المتبقين للأراضي والعقارات والعمل على إبعادهم عنها من خلال حصرهم في غيتوهات المدن، أو تحويل قراهم ذاتها إلى غيتوهات، تحضيراً لتجريدهم منها.  

في المقابل، طغى كف المواطنة على المشهد منذ منتصف التسعينيات. وتميزت تلك المرحلة في اعتراف المؤسسة الإسرائيلية بالتمييز المدني تجاه المتبقين، وعملت على تحسين شروط الحياة اليومية، وفي الوقت ذاته، عمدت إلى تثبيت سقف المواطنة وتغليب المطالب المدنية على تلك القومية، وصلت في السنوات الأخيرة إلى اشتراط التنازل عن تحقيق الحقوق القومية لتحصيل حقوق مدنية.  

جاءت هذه التحولات في الأساس نتيجة تفاعل بين الفلسطينيين (عموماً وليس فقط المتبقين) من ناحية، وخطط إسرائيل ورؤيتها لفلسطين والفلسطينيين من ناحية أُخرى. ساهمت هذه التحولات في أشكال التوتر، وليس في بنيته، في إحداث تحولات في مبنى المجتمع الفلسطيني في الداخل (وأيضاً في إحداث تحولات في مبنى المجتمع الإسرائيلي –لكن هذا ليس موضوع مقالتنا).

ما نشهده مؤخراً، بتقديري هو مرحلة إضافية من هذه التحولات. فمن ناحية، هناك ضعف في الحقل السياسي في الداخل الفلسطيني، أسبابه متعددة يمكن الإشارة هنا إلى أهمها، أولاً، تشكيل القائمة المشتركة وتحولها سريعاً من مشروع يطمح إلى رفع السقف السياسي، بمبدأ الكل أكبر من مجموع مركباته، إلى سياسة التوافق والتي تتلخص في القبول بالحد الأدنى من الشروط السياسية، للمحافظة على التحالف وضمان استدامته. ثانياً، تهميش دور لجنة المتابعة نتيجة صراع على عرش "الممثل الأوحد" للمتبقين بين القائمة المشتركة من ناحية ولجنة المتابعة من جهة أُخرى، وأيضاً بسبب صراع بين تيارات سياسية، غلب فيها حالياً، التيار الذي يخشى من أن زيادة قوة لجنة المتابعة قد يحمل مؤشراً لنزعات انفصالية عن إسرائيل. أمّا السبب الثالث فيعود إلى استقواء التمثيل المحلي؛ السلطات المحلية بدعم من السلطة المركزية (حكومة إسرائيل)، على التمثيل القطري، وتعزيز المباني التي تُعيد إنتاجها انتخابات السلطات المحلية، العائلية والطائفية والفئوية.

في الوقت ذاته، نشهد عزوف الشريحة الشابة، وخصوصاً تلك المعنية بالشأن العام، عن العمل السياسي الرسمي، وعن تشكيل حراكات سياسية غير حزبية، كما كان في حراك برافر، وهذه قضية بحد ذاتها جديرة بالبحث والتعمق. يبادر بعضهم، في بعض الحالات، إلى إقامة حراكات اجتماعية (وهي قليلة جداً)، بينما يتصدر انخراطهم في الحقل الفني الثقافي "المستقل" المشهد العام. يتماشى هذا الخيار مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الفلسطيني والتي تبرز فيه شخصية حداثية "فردانية" "مستقلة" تجمع الإرث ما بعد جمعياتي.

اشتد بروز الحقل الفني والإبداعي بعد أن بهت حضور الجمعيات الأهلية، لقلة الموارد وشحتها، أو تحول التمويل من القضايا السياسية المباشرة إلى قضايا اجتماعية وفنية. وأدى الإعلام كما الإعلام البديل والمواقع الاجتماعية المرتكزة جميعاً على الصوت والصورة كأدوات تعبيرية، دوراً في زيادة حجم وتأثير هذا الحقل. كما حدث ويحدث في مواقع أُخرى في العالم وخصوصاً ما يُسمى دول الجنوب، حيث نشهد بروز دور الحقل الفني والثقافي بصورة خاصة في الاحتجاجات السياسية، كما مثلاً في تركيا سنة 2013، وفي ثورة لبنان الأخيرة، وتحوّل الفاعلين في هذا الحقل إلى أهداف بارزة لقمع السلطات وتضييق مساحة الحريات وتعبيراتها، كما يحدث حالياً في مصر.  

وفي العودة إلى الثابت في علاقتنا مع دولة إسرائيل، يتفاعل التوتر البنيوي الثابت في مضمونه والمتغير في شكله مع هذه التحولات الاجتماعية. وفي ظل ضعف الحقل السياسي وتنازله، في أحسن الأحوال، عن جزء من وظيفته، ألا وهي الفعل السياسي وعلى رأسها الاجتهاد في الحفاظ على نقطة التوازن في التوتر بين المواطنة والقومية، وفي أسوأ حالاته، محاولة بائسة لحل التوتر لمصلحة المواطنة على حساب القومية، يجد الفلسطينيون أنفسهم، أمام مشقة تحمل ثقل التوتر أو حله.

بروز دور الحقل الفني الثقافي في المجتمع الفلسطيني، في هذه المرحلة من التحول، يضع الفاعلين فيه بشكل مستمر تحت المجهر. وما يزيد المشهد تعقيداً، حقيقة الاستشراس الإسرائيلي في استعمال الأدوات الفنية والإبداعية ذاتها، لتبيض صورته في العالم وأيضاً للتطبيع مع العالم العربي، إمّا للضغط على الفلسطينيين بقبول تسويات، وإمّا لإعادة محوهم كشعب يمتلك حق تقرير مصيره أو الاثنين معاً، مستعملاً في بعض الأحيان الفلسطيني ذاته أحد أدواته في هذه المحاولة.

وهكذا يقفل مسرح "الميدان" بحجج بيروقراطية، ويُلاحق الفنانون في المحاكم بدعوى المس بـ "طهارة جنود جيش الاحتلال" بينما ينخرط آخرون في أعمال سنيمائية إسرائيلية أقل ما يُقال عنها إشكالية في طريقة تصويرها للفلسطيني ولحقه الشرعي في مقاومة الاحتلال. وتقف القيادة السياسية في موقف المتفرج، وفي أفضل الأحوال، تشارك استنكارها ببيان، أو تشارك في وقفة احتجاجية، لا تكن هي من بادر إلى إقامتها، وكأن الأمر لا يصب في الشؤون السياسية. فيتحول وِزر إيجاد نقطة الاتزان في هذا التوتر، إلى الأفراد، وفي الأساس إلى هؤلاء الفاعلين في الحقل الفني. وبدلاً من أن ينشغل الناشطون والناشطات في هذا الحقل في أسئلة الذوق بالإضافة إلى تلك المتعلقة بعلاقة الفن بالمجتمع والسياسية، يجدون أنفسهم ملزمين بالتعامل مع أسئلة متعلقة أساساً بالتعبيرات السياسية للفن، وهم الوحيدون المسؤولون عن إيجاد نقطة التوازن والحفاظ عليها، في هذه المرحلة الحاملة للتحولات.

Read more