The Prisoners’ Swap Deal and the Visions of the Parties
Date: 
May 21, 2020
Author: 
blog Series: 
On the Prisoners' Swap Agreements

هناك مقولة دارجة في السياسة، مفادها بأنه لا يوجد أمر مؤكد ومحسوم طالما لم يَجرِ تطبيقه وتنفيذه على أرض الواقع. تنطبق هذه المقولة بالذات جراء تكرار الحالات التي تبدو فيها الأمور بأنها تنحو صوب صفقة تبادل، ويرتفع منسوب التوقعات والآمال والترقّب والقلق المرافق، ثم تلي ذلك مرحلة الإحباطات وتبدد الآمال إلى حين. إن عمليات التبادل لا تُبنى على ثقة بل على إدارة صراع ضمن معركة مفتوحة لا مجال فيها لأية ثقة، بل على ضمانات أطراف متداخلة، وعلى موازين القوى العينية والقدرة على دفع ثمن المناورة.

في السنوات 2017 و2018 وكذلك 2016، أوحت وسائل الإعلام وكذلك التصريحات الرسمية أو المقربة من مواقع اتخاذ القرار، بأن الصفقة أصبحت قاب قوسين أو أدنى، لكن تمر السنين على هذه الحالة ترافقها حالات أمل وحالات إحباط.

قد تكون مصلحة للطرف الإسرائيلي في التهدئة ضمن مصالح ومخططات عظمى يجري الإعداد لها في المنطقة وبالذات صفقة القرن التي تقوم على قلب طبيعة التحالفات والاصطفافات والمحاور في المنطقة، وبالتالي إنهاء القضية الفلسطينية ضمن هذا النظام الإقليمي الجديد. يقابلها مصلحة "حماس" في كسر الحصار الاحتلالي على قطاع غزة وتحرير الأسرى وتعزيز سلطتها، ضمن الحرب المفتوحة التي تحتمل التهدئة والهدنة بين الطرفين لكن ليس الحل النهائي.

لقد نجحت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مجدداً وبشكل لافت في تحريك ملف الأسرى وصفقة تبادل ممكنة. كما أنها استغلت ضائقة وباء الكورونا كفرصة للدفع نحو هذه الغاية، وقد استخدمت لغة الحالة الإنسانية وفي الوقت ذاته لغة التهديد في حال انتشر الوباء في قطاع غزة، والتهديد بمواجهة عسكرية "تقطع نفس الإسرائيليين"، وقد استوعبت إسرائيل الرسالة بشقّيها. كما تدرك "حماس" أن المجتمع الإسرائيلي غير جاهز لحالة تتزامن فيها محاربة الكورونا ومواجهة عسكرية مع "حماس"، وهو غير معني بذلك في هكذا وضع.

في المقابل نقل الجانب المصري إلى "حماس" أن لدى إسرائيل النيّة بذلك. وكما يظهر فقد شكّل الوباء المنتشر وحالة الطوارئ والأضرار الاقتصادية الهائلة محفّزاً للحديث عن صفقة جزئية أو ما يُطلق عليه صفقة معلومات من منطلقات إنسانية، تحصل إسرائيل بموجبها على معلومات من "حماس" لم تحدَّد بعد، في مقابل تنفيذ الشرط المسبق لـ"حماس" وهو إطلاق محرري صفقة وفاء الأحرار (شاليط) الذين أُعيد اعتقالهم في سنة 2014، إضافة إلى الأسرى المرضى وكبار السن والأشبال والأسيرات. وفي حال توفرت الشروط تعقد صفقة تبادل متكاملة. وقد تحدث في إطار المحادثات غير المباشرة سياقات أُخرى ومعدلات غير معلن عنها.

إنّ صفقة جزئية تحت مسميات إنسانية، من الأسهل تقبّلها في السياسة الإسرائيلية من صفقة شاملة تخضع للتجاذبات السياسية داخل تيارات اليمين، وتؤدي إلى إحداث شرخ متوقع في هذه الكتلة والتي تأتي منها النخب الحاكمة والمتنفذة في الدولة. ويرى نتنياهو أن صفقة "إنسانية" من شأنها أن تجنبه مثل هذا الصدام في معسكره.

وللتوضيح فإن المعارضة اليمينية لنتنياهو في هذه الحالة لا تتأتّى من مفهوم إعادة ضم غزة إلى دولة الاحتلال كما ينظرون إلى الضفة الغربية والقدس، وإنما من منطلق عقيدة تدفيع الثمن للجانب الفلسطيني، والتحوّل من مفهوم استعادة الجنود الأسرى أحياء كانوا أم رفاة ومهما كان الثمن، أي من خلال صفقة تبادل، إلى مفهوم استعادتهم من خلال إنزال أقصى العقاب الانتقامي بالفلسطينيين، وأبهظ الأثمان حتى يتخلوا عن استراتيجيا الأسر.

عملياً، وعلى أرض الواقع بالإمكان ترجمة مفهوم "تدفيع الثمن" باستدامة "إجراء هنيبال" العسكري القتالي والقاضي باستخدام القوة المفرطة، وبأقصى كثافة ممكنة، وذلك لتعطيل أية عملية اختطاف فور حدوثها ودونما انتظار أوامر عليا، وحتى لو أدى الأمر إلى سقوط جنود خلال العملية ومنهم المخطوفون. وقد جرى تفعيل هذا الإجراء عند أسر الجندي غلعاد شاليط، لكن بعد مرور ساعة على أسره. والحالة الثانية كانت عند أسر الضابط هدار غولدين سنة 2014، وفي الحالتين أخفق الإجراء؛ فالعمليتان جرت كل أحداثهما على أرض فلسطين. وتقول عقيدة تدفيع الثمن بعدم قصور استخدام أقصى درجات القوة الممكنة على لحظة الحدث، بل استدامتها حتى استعادة جنودها مهما تطلب الأمر من وقت، وحتى بعد ذلك ومن باب الردع كما حدث في اغتيال إسرائيل للقيادي المسؤول عن ملف شاليط في "حماس" محمد الجعبري. أو اغتيالها سنة 1992 لأمين عام حزب الله عباس موسوي والذي كان المقصد بحسب المصادر الإسرائيلية، اختطافه في سياق المساعي لاستعادة الطيار رون آراد وهو ما أكده المحلل رونين بيرغمان في كتابه "دولة إسرائيل لا تدّخر جهداً" (بالعبرية).

إن الهدف السياسي لجزء من الاغتيالات والتصفيات والاختطاف واحتجاز الجثامين هو إجبار "حماس" على التسليم بضرورة تحرير معلومات، أو تحويل الأسرى الإسرائيليين لديها إلى عبء عليها. وهذا موقف عائلة غولدين مثلاً، التي وقفت إلى يمين نتنياهو وطالبته بإجبار "حماس" على إعادة ابنها الجندي حياً أو رفاة، وذلك من خلال استخدام القوة العسكرية والحصار، وليس بإطلاق أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية.

 في الأزمة مخرج

شكّلت أزمة وباء الكورونا مخرجاً على الأقل موقتاً لرئيس الحكومة الإسرائيلية من أزمته ومن لوائح الاتهام المقدمة ضده إلى المحكمة الإسرائيلية، ومن عدم قدرته على مدار عام ونصف تشكيل ائتلاف حكومي. هذا على المستوى الحزبي السياسي الداخلي. كما أن الانشغال الشعبي في الوباء، وثقة الإسرائيليين الواسعة بنتنياهو يمنح الأخير فرصة اتخاذ قرارات بشأن صفقة تبادل، لكن المسألة لا تنحصر في اقتناص الفرص وإنما في الوجهة الاستراتيجية.

ترى إسرائيل في الانقسام الفلسطيني عمقاً استراتيجياً لمخططاتها بعيدة المدى في المنطقة، وعليه ترى في التهدئة الشاملة طويلة الأمد "ربحاً صافياً" حتى أن من سيدفع ثمن استدامتها هو الجانب العربي وبالذات القَطَري.

لقد شكلت أزمة الكورونا فرصة ذهبية لإسرائيل لتعزيز نفوذها عربياً، فقد أوجدت "عدواً" مشتركاً جديداً لتعميق التنسيق الاستخباراتي والأمني، يتكامل مع التعاون الطبي ومحاربة الوباء الذي يندرج ضمن استراتيجيا "القوة الناعمة"، وهي استراتيجيا اعتمدتها في بناء نفوذها وتوسيعه في أفريقيا.

العوامل المذكورة تحفّزها على الإسراع في التوصّل إلى التهدئة طويلة الأمد مع "حماس". وإن فك الارتباط بين تحديات الجبهتين الشمالية (لبنان وسورية) والجنوبية (قطاع غزة)، هي قضايا استراتيجية، تشكل صفقة التبادل عاملاً واحداً فيها لكن من الضروري تحييده عن طريق مخططاتها الأكبر.

الوسطاء الدوليون

تتكاثف الاتصالات غير المباشرة ومساعي المبعوثين الدبلوماسيين لعدد من الدول الأوروبية ودول المنطقة بشأن صفقة تبادل الأسرى. وتؤكد الأطراف حدوث تقدم ملموس في هذا الصدد من دون تقديم أية إيضاحات..

وفي الواقع فإن الطرف المصري هو الأكثر فاعلية وأثراً بين كل الأدوار الدولية الأُخرى، ولمصر مصلحة مباشرة تمس أمنها القومي.

إضافة إلى الدور المصري الوسيط والمتدخل بشكل ثابت، فقد تعزز دور الوساطة الألمانية، وهي الجهة التي تنأى بصورة عامة عن الإدلاء بأية معلومات تتعلق بسير المحادثات. وإذ تسعى "حماس" للتنسيق مع روسيا وتوفير الشروط لوساطتها، إلاّ إن هذا ليس ما تريده إسرائيل. كما أصبح ملموساً دور المبعوث الدبلوماسي الأمني السويسري. ويُطرح السؤال: لماذا التركيز على مبعوثَين أوروبيين؟

الاتحاد الأوروبي معني بالتهدئة، ومعني بالمصالحة الفلسطينية وكذلك معني في الأساس بمنع تطبيق خطة ترامب أو صفقة القرن لأنها تنسف جوهر الحل الدولي الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي والقائم على حل الدولتين في حدود الـ67.

ويمثل المبعوث الألماني الموقف الرسمي لبلاده وأوروبا كموقف مستقل عن الولايات المتحدة ومناوئ لإدارة ترامب. والدور الألماني ليس بجديد، فقد كان حضوره قوياً في التمهيد لصفقة وفاء الأحرار سنة 2011 خلال إدارة أوباما التي كانت رؤيتها متناسقة مع الأوروبيين.

أوروبا المعنية باستراتيجيات السوق والتجارة الحرة مع المنطقة، ولديها مصالح كبرى تعبّر عنها اتفاقيات "الشراكة " و"حسن الجوار" و"الائتلاف من أجل المتوسط"، ترى أن التقدم في المسار الفلسطيني الإسرائيلي هو حجر الزاوية لمشاريعها. هذا على الرغم من مؤشرات لنشوء نزعة في بريطانيا وشرق أوروبا والنمسا تتساوق مع المخطط الأميركي. أمّا المبعوث السويسري للوساطة بين إسرائيل و"حماس" فهو يمثل التوجه السويسري الدبلوماسي الأوروبي والذي يرعى في الوقت ذاته مصالح الولايات المتحدة في إيران. وهذا الدور يتسع ليطال قضايا تدور في هذا الفلك بما فيها تبادل الأسرى، والتهدئة، وفصل قضية غزة و"حماس" عن الضفة وفتح، والسعي الأميركي والإسرائيلي لإضعاف العلاقة بين "حماس" وايران.

إضافة إلى الأدوار المذكورة، توجد أطراف مساندة وميسّرة وبالذات تركيا وقطر. وللتذكير فقد جرت صفقة 2011 بدعم من هاتين الدولتين واللتين استوعبتا فعلياً عدداً من الأسرى المبعدين ضمن الصفقة. في حين أن السعودية ودورها الإقليمي، ووظيفتها الإقليمية ضمن السياسة الأميركية هي إلى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية ومصر وفي مواجهة مع تيار الإسلام السياسي الذي تقع "حماس" ضمنه.

 الأسرى: لاعبون أم ورقة لعب؟

هناك نقطة قوة لدى "حماس"، أو ما يُسمى في الاستراتيجيات "العامل المضاعِف للقوة"، وفي حالتنا هو مستوى التناسق والتنسيق وإتقان تكامل الأدوار بين "حماس" كتنظيم مركزي و"حماس" السجون، وهو قائم على اعتبار "حماس" لذاتها تنظيماً واحداً له عدة أذرع تعمل بالتوازي. وفي مقابل هذا يقوم الاحتلال باعتماد المعادلة ذاتها المحورية. كما ويدرك أنه في حال جرى مس جوهري بحقوق الأسرى وبالذات أسرى "حماس" في السجون، فإن "حماس" بجناحها العسكري ستقوم بخطوة عسكرية رادعة، لا تكون إسرائيل معنية في تلك اللحظة بدفع ثمن تداعياتها، أو أن يقوم أسرى "حماس"  باتخاذ خطوة معينة بما فيها مثلاً، طعن سجان كردة فعل على أحداث تجري خارج السجون، أو في أحد السجون، وهم يعلنون ذلك ويقومون بتنفيذه، وتدرك إدارات السجون ذلك وتتوقّعه. لذلك فإن قوة "حماس" في السجون أكبر من وزنها الكمي العددي بين الأسرى وخارج السجون.

وإذ تدرك إسرائيل هذه الاستراتيجيا وتسعى هي بدورها لاستخدام الأوراق التي تتيح لها مضاعفة القوة، تقوم مؤسستها الأمنية والسياسية بالتعامل مع مفهوم تدفيع الثمن بتضييق الخناق على أسرى "حماس"، ويتيح مبنى السجون ذلك كون الأقسام فيها موزعة على أسس جهوية وكذلك سياسية وبالذات نتاج الانقسام الفلسطيني الكبير بين "فتح" و"حماس". إن الهدف الاحتلالي من استخدام فائض القوة هو إبطال مفعول مضاعِف القوة لدى الطرف الآخر. ويجب الأخذ في الحسبان التوتر الذي كثيراً ما يحدث داخل المؤسسة الحاكمة بما فيها مصلحة السجون بشأن إسقاطات استخدام القوة وزعزعة الأمن في السجون والمعتقلات، وهذا ما يولّد البلبة أحياناً في صفوف الأسرى فيما يخص قراءة خارطة الأدوار، ويتعزز الوهم بوجود أكثر من سياسة وأكثر من جهة اتخاذ قرار.

تستغل استخبارات السجون الوضع، فنراها تقوم بما يشبه التفاوض مع قيادات أسرى التنظيم أحياناً للتداول، وأحياناً أكثر لإرباك "حماس" ودق أسافين في صفوف أسراها، وبينها وبين الفصائل الأُخرى. فعلى سبيل المثال تطلب استخبارات السجون قوائم للأسرى بحسب تصنيفات معينة كالأقدمية أو الحالات المرضية أو الأسيرات والأشبال ...إلخ. مع العلم بأن ملفات الأسرى هي لدى السجون؛ فلكل أسير أو أسيرة ملف متكامل لا يحق له الاطلاع عليه، إضافة إلى ملف تفصيلي لدى ضابط الاستخبارات، وآخر لدى جهاز الأمن العام، الشاباك. وهذا طالما أثار التساؤلات لدى البعض: لماذا يقومون باللعب على أعصاب الأسرى وتوقعاتهم بأن المفاوضات وكأنها عشية صفقة؟ وفي المقابل هناك انشغال كبير في إعداد القوائم ومن بعد ذلك تأتي الإحباطات.

إنّ ما يبدو خلق الانطباع لدى الأسرى بأنهم شركاء في القرار، يكمن في جوهره النيّة بإلهاء الأسرى وزرع التوترات بينهم، والتدافع نحو الأمل وزيادة الضغط على قيادة "حماس" للإسراع في تنفيذ الصفقة على وتيرة الأسرى وليس على وتيرة المفاوض الحذِر. أن ما يميز هذا التعامل الصهيوني تاريخياً هو أنه جوهرياً قائم على هذا الأساس، لكن الفلسطيني المجزّأ والمشتت يصعب عليه رؤية الصورة المتكاملة، فغالباً، ومن ضمن أدوات الهيمنة هو تحديد مدى رؤية المستضعفين إلاّ إذا كانوا يعون كيفية عمل منظومة القهر التي تحكمهم.

كما أن استراتيجيا تدفيع الثمن تدخل إلى السجون، ويجري التعامل مع الأسرى بصورة عامة، وأسرى "حماس" حصرياً كرهائن للسياسة الإسرائيلية، ويشمل ذلك التضييقات وحجب محطات التلفاز التسع المتاحة وتقليصها إلى أربع، وتحديد ساعات الفورة اليومية في الساحة وحسابات الكانتينا وسلة المشتريات المتاحة، وسياسة التنقيلات المنهكة في السجون، والعزل والمداهمات وغيرها. إنها تهدف إلى التلاعب بنفسية الأسرى وتتيح لهم أن يشكلوا ضغطاً على المفاوض من "حماس".

حدود القوة الإسرائيلية

إن معادلات توازن القوى تأخذ أشكالاً متعددة، وبالتحديد حين تكون الفجوة كبيرة للغاية بين القوتين المتصارعتين كما هي الحال بين إسرائيل و"حماس". وقد جرى بحث هذا الأمر في أدبيات المدارس الحربية من كارل فون كلاوزفيتس ولغاية اليوم في كل ما يتعلق بحركات التحرر الوطني وما يُطلق عليه حرب العصابات أو "الغوريلا".

القانون الذي يحكم هذه الحروب أو المواجهات ليس القوة العسكرية أو الاقتصادية فحسب، بل أيضاً إلى أي مدى ينجح الطرف الضعيف عسكرياً في إلحاق خسائر سياسية أو ميدانية بعدوّه لدرجة يتمكن فيها من تعطيل مردود تفوقه المطلق وجبروته، ويضطر إلى التفتيش عن حلول بخلاف القوة.

لا مجال للمقارنة بين قوة إسرائيل وقوة "حماس"، وهذا يطرح السؤال: لماذا تقبل الدولة القوية بالتفاوض وإبرام صفقة تبادل؟

من ناحية، لا تدّخر إسرائيل جهداً وعدواناً وعمليات كوماندو إلاّ وتستخدمه، لكن لم يحدث أن أفلح مثل هذا المسار منذ عملية مطار عنتيبي (أوغندا 1976). في حين أن عملية اختطاف شاليط وأسره في سنة 2006، وشاؤول وغولدين، 2014، دارت كل أحداثهما في الأراضي الفلسطينية، وعلى الرغم من الثمن الفلسطيني الباهظ لم تنجح إسرائيل في التملص من عقد صفقة تبادل كما حدث سنة 2011، وما يجري التفاوض عليه اليوم من خلال وسطاء دوليين. ودائماً يبقى المجال مفتوحاً لحدوث مفاجئات أو تطورات غير متوقعة.

لقد راكم الطرفان تجارب وجلادة وحنكة في التفاوض وفي المساعي لإيجاد مصلحة لدى الطرف الآخر بالتبادل، ويشمل ذلك تحريك الرأي العام أو ركوب موجة العوامل الدولية والإقليمية.

وإذ تعتبر إسرائيل الحدث الفارق في صفقات التبادل هو صفقة سنة 1985 مع الجبهة الشعبية القيادة العامة، والمعروفة باسم صفقة جبريل، فإن مسعاها هو دائماً في كيفية عدم الرضوخ لمطالب الطرف العربي أو الفلسطيني لاعتبارها بحسب مفرداتها "تنظيماً إرهابياً". وقد بحثت لجان تحقيق رسمية هذا الأمر، وبالذات لجنة التحقيق في حرب لبنان الثانية المعروفة باسم لجنة شمغار (نسبة إلى رئيسها القاضي مئير شمغار)، والتي أُنيطت بها مهمات التحقيق في مجمل حيثيات حرب لبنان الثانية، بما في ذلك موضوع خطف الجنديين الإسرائيليين، الحدث الذي أدى إلى "أطول حرب في تاريخ إسرائيل" والثمن الذي دفعته. وفي هذا الصدد أُنيط باللجنة صوغ معايير ملزمة في مسائل تبادل الأسرى قائمة على تخفيض الثمن الإسرائيلي إضافة إلى الجانب القانوني في المسألة. بدأت اللجنة عملها في سنة 2008، وقدمت توصياتها سنة 2012 عدة أشهر بعد "صفقة شاليط".

اعتبرت توصيات ومداولات اللجنة سرية للغاية، لكن الموضوعات التي ناقشتها معروفة، وإحداها هي المسألة القانونية في تنفيذ صفقات تبادل أسرى بحسب معايير المحكمة الدولية، باعتبار أن الأسير في العرف الدولي هو جندي في جيش دولة عدو. بينما في تنظيمات عسكرية فإن الجندي الإسرائيلي في هذه الحالة لا يُعتبر أسيراً وإنما مخطوفاً، وفي المقابل فإن إسرائيل لا تحتجز أسرى  بل سجناء أمنيين أو جنائيين ومنهم من جرت إدانتهم بالقتل وصدرت بحقهم أحكام بالسجن مدى الحياة، ولذلك فإن إطلاقهم يلحق الضرر بالجهاز القضائي الإسرائيلي وبمبدأ المساواة مقارنة بالسجناء الإسرائيليين.

ومن دلالات موضوعات اللجنة أن روح العمل فيها انطلقت من منحى تدفيع الثمن والمكمل لعقيدة هنيبال والتي ناقشتها أيضاً. في حين أن تدفيع الثمن هو عدم التسليم بالأسر واستخدام ذروة القوة العسكرية والاقتصادية والحصار وتشديد الخناق على الأسرى الفلسطينيين وبالذات أسرى "حماس" حتى تردع مستقبلاً عملية أسر جنود وحتى يضطر الطرف الآخر إلى التعامل مع أسر جندي إسرائيلي كعبء لا ككنز. وهي أقرب إلى التحول من عدم ترك أي جندي في ساحة المعركة إلى عدم دفع أي ثمن في مقابل عودته.

السرية هنا هي لضمان تماسك المجتمع الإسرائيلي ذاته؛ إذ من دون العقيدة المذكورة سوف تتآكل الجهوزية النفسية والحافزية على التجند للوحدات القتالية، وهناك ظاهرة تراجع التجنيد للوحدات القتالية في مقابل الولوج إلى وحدات السايبر والاستخبارات العسكرية التي تمنح فرصة عمل في مجال التكنولوجيا عالية التطور بعد انتهاء الخدمة العسكرية.

وبما أن نصوص لجنة شمغار محاطة بالتكتم والسرية فهذا لا يعطي لأصحاب الشأن إمكان بلورة حملات ضغط على أساسها أو ضدها وذلك لتحرير جنودهم الأسرى أو المفقودين، وباستثناء النقاش الحقوقي الذي يطالب بالكشف عنها من باب حق الجمهور في المعرفة وقانون حرية المعلومات.

كما أن هنالك تحولات في النخب والقيادات العسكرية وبالذات في زيادة نفوذ التيار القومي الديني الاستيطاني العقائدي في الوحدات القتالية كما تشير المعطيات الإسرائيلية المتداولة في وسائل الإعلام، وهو التيار الذي يعتمد في الجوهر استراتيجيا تدفيع الثمن، ويعتقد أن دور الجندي هو القتال، وهو من يجب أن يكون في الجبهة الأمامية لا الجبهة الداخلية أو المواطنين، وكتحصيل حاصل من شأنه أن يكون أول من يدفع الثمن بروحه.

الوحدة في الحروب هي مركّب أساسي وجوهري في النفسية الإسرائيلية، لكن هناك منحى إسرائيلياً داخلياً يسعى لإسكات أي صوت يطالب باسترجاع الجنود، وتحميل كل من يخرج بأي تصريح مسؤولية عن الأمن القومي، ومساع وجهود لإيقاف هذا السد الذي تصنعه الضغوط الشعبية، وبالتحديد من أهالي جنود أسرى، أو لنَظم الانضباط في الجيش.

خلال نظر المحكمة في الدعوى القضائية للكشف عن توصيات لجنة شمغار، قالت رئيسة الرقابة العسكرية إنّ نشر التقرير عن المخطوفين والمفقودين من شأنه أن يلحق الضرر بإمكان استعادتهم، وأن يرفع الثمن والمقصود ثمن أية صفقة تبادل، وأضافت: "توجد علاقة مباشرة بين كل نشر أو حديث في إسرائيل، وبين رد "حماس" المباشر"، وقد استشهدت كمثال حادثة الاحتفاء بعيد ميلاد أورون شاؤول والذي جرى في كفار غزة في كانون الأول الأخير، وفي اليوم ذاته جرى إطلاق صواريخ راجمات على المنطقة. (معاريف 22/4/20018)

وفي المقابل أبرمت في سنة 1979 "صفقة عمرام" التي حصل فيها الرأي العام الإسرائيلي على أسماء مئات الأسرى الفلسطينيين والعرب المحررين من بيانات منظمة التحرير الفلسطينية لا من الحكومة الإسرائيلية. وهذا ما دفع نحو إلزام الحكومات المتعاقبة بنشر أسماء الأسرى المحررين سلفاً لتمكين عائلات الجنود والجهات الإسرائيلية المعنية تقديم اعتراضات قضائية قبل أن تخرج أية صفقة إلى حيز التنفيذ.

وعلى الرغم من أن لجان التحقيق المتعددة دأبت على وضع مزيد من المعوقات أمام تنفيذ صفقات تبادل والإفراج عن أسرى فلسطينيين، لكن ما يميز التطورات التي تلت تلك اللجان هو أن الواقع كان أقوى من النصوص.

 الحذر من تحميل الصفقة أكثر من طاقتها

في غياب أوراق اللعب الضاغطة وخيارات القيادات الفلسطينية، هناك منحى شرعي لكنه غير ممكن، وهو تحميل الصفقة أكثر مما يمكن أن تحمل من إمكان تجاوُب مع الإفراجات المستحقة. وفي كل الصفقات التي جرت كانت هناك إنجازات عظيمة، وكانت مظالم دفع ثمنها أسرى وأسيرات قدامى ومرضى وكبار السن، وهذا يجب أن يُصحح ولو تأخر سنين طويلة.

وفي المقابل، لا يستطيع الشعب الفلسطيني كما أي شعب أن يحصر اعتماده على خيار واحد لتحرير الأسرى. وعلينا تذويت الحقيقة أنه ما دام هناك احتلال وغبن تاريخي سيكون هناك أسرى.

وفي الخلاصة، هناك مصلحة آنية لدى مختلف الأطراف في التقدم نحو إبرام صفقة تبادل أسرى، وتوجد مؤشرات بأن الأمر ممكن لكن علينا ألاّ نتفاجأ إذا كان مصير هذه الأجواء الإخفاق كما تكرر عدة مرات في الماضي.

From the same blog series "On the Prisoners' Swap Agreements"

Read more