Double Quarantine
Date: 
May 7, 2020
blog Series: 
Coronavirus in Palestinian Life

كغيري من البشر وبحكم طبيعة عملي كفنان، فإنني كثير السفر. أسافر إلى «الخارج»، أي خارج فرنسا، لفترات تتراوح بين عدة أيام، وأسابيع، وأحياناً أشهر. أسافر في إطار إقامة فنية قد تمتد من شهر إلى ثلاثة أو ستة أشهر، أو في إطار معرض أو ورشة عمل، لبضعة أيام. إن كانت الإقامة طويلة، فإنني أشعر بالحنين. حنين أولاً إلى باريس، حيث أقيم مع أسرتي بشكل دائم منذ سنة 2006، وحنين إلى غزة، حيث ولدت وترعرعت وحيث تعيش أسرتي الكبيرة، أو كلاهما معاً وبالقدر بنفسه، حتى أن حنيني إلى غزة يكون مضاعفاً أحياناً.

يحدث أيضاً أنني عند عودتي إلى باريس، بعد انتهاء إقامتي، ومنذ اللحظات الأولى لهبوط الطائرة ودخولي إلى المطار، ينتابني ذلك الشعور بالإلفة، وهو يشبه ذلك الذي كنت أشعر به عندما كنت أسافر وأعود إلى البيت في غزة…إلى فلسطين. حتى وقع اللغة الفرنسية على حسي ووجداني يختلف عنه عندما كنت أمكث فترة طويلة في فرنسا دون سفر… تتسلل اللغة إلى الأذن ويتم استيعابها دون عناء أو إحساس بأنك تسمع لغة ليست لغتك الأم. باريس، فرنسا، أو هذا المنفى «الموقت الدائم»، هو ليس بديلاً من المكان الأول، لكنه يصبح في هذه اللحظات درجة أو موقعاً متقدماً هو الأقرب إلى البيت الأصلي، في لعبة تشبه الدمى الروسية من حيث تداخل المنافي. فنيويورك مثلاً، هي غربة بالنسبة إلى باريس، وكلتاهما، غربة بالنسبة إلى غزة.

 أصبح الذهاب والعودة من وإلى فلسطين، وخصوصاً غزة، أمراً شبه مستحيل، بالنسبة إليّ وإلى كثير من الفلسطينيين، وذلك منذ سنة 2006. منذ ذلك الوقت تعاني غزة وأهلها حصاراً فرضه الاحتلال الصهيوني، وبتواطؤ من الأشقاء، ولامبالاة من القوى المتنفذة في العالم. وزاد الطين بلة حالة الانقسام بين حركتي "فتح" و"حماس"، وكلنا يعرف المضاعفات الكارثية لهذا الشرخ. وعلى عكس الناس في غزة، وشعورهم بأنهم سجناء في الداخل، فإنني أشعر أحياناً بأنني سجين، لكن في الخارج. وبالتأكيد فالمقارنة هنا ليست في محلها، فأنا على الأقل حر في السفر والتنقل، وفي مأمن من القصف والقتل اليومي الذي يتعرض له الناس هناك، لكني وعلى الرغم من هذه الحرية في التجول والسفر داخل فرنسا، ومنها وإليها، لست حراً تماماً، فأنا لا أملك أن أعود إلى مسقط رأسي وأن ألتقي بأهلي وأحبائي، وأن أمارس أبسط حقوقي كإنسان، أي أن أغادر وطني وأن أعود إليه متى شئت. ومع جواز سفري الفرنسي، وحتى مع جواز السفر الفلسطيني، بإمكاني السفر إلى أي مكان، إلاّ إلى فلسطين!

بالنسبة إليّ، هذا القطع في بعده الجغرافي والعضوي (استحالة الحركة من وإلى)، يشكل أيضاً قطعاً أو تعليقاً للزمن. فأنت لست فقط بعيداً عن المكان الذي ولدت ونشأت فيه، بل أيضاً بعيد ومنقطع عن التواصل مع ذكرياتك، ذكرياتك مع المكان وفيه. أحياناً تبدو لي طفولتي وشبابي في غزة، وسنوات دراستي في نابلس، وكأنها تعود إلى شخص آخر، أو حياة أُخرى… الأحداث والذكريات، تنمو وتكبر معك إذا بقيت ونمت العلاقة بصورة طبيعية، وفي، أو مع السياق الطبيعي الذي حدثت فيه. في المنفى أنت تكبر وتمضي حياتك، لكن تبقى ذكرياتك في الخلف، توقفت عند نقطة ما أو تجمدت. في المنفى تأخذ الذكريات، وكل ما يرتبط بها ماديا ومعنوياً، معانٍ جديدة: ألبوم الصور، المنديل، الخاتم، زبدية الفخار، وكبشة المفاتيح التي لم تعد تفتح أي باب، كلها تتحول إلى كنوز تحافظ عليها بكل ما أوتيت من قوة وحنان، وكأن ضياعها هو ضياع لآخر ما يربطك بماضٍ / حاضرٍ بعيد المنال.

 

هذا الشعور بـ «السجن في الخارج »، أصبح مضاعفاً منذ اندلاع أزمة فيروس الكورونا، واضطراري، كحال الملايين من البشر إلى التزام البيت مع أسرتي، والخروج فقط للضرورة، والمشي في دائرة لا تتعدى الكيلومتر الواحد، ولمدة لا تزيد عن ساعة. أنت سجين في سجنك في الخارج. العلاقة بين الغرفة، الشقة، المبنى، الشارع، الحي، المدينة، الدولة، العالم… بحسب تصنيف جورج بيريك في

Espèce d’espace تتخذ معنى جديداً، تتحول إلى سجون أو مساحات منفصلة عن بعضها البعض، والانتقال من حيز إلى آخر لم يعد كما كان، من الأمور البديهية التي نقوم بها حتى دون التفكير فيها، وإنما هو قرار قد تتوقف عليه حياتنا. الداخل والخارج، بحسب المفاهيم المتعارف عليها، ما زالا يتبادلان الأدوار: يتداخلان يتراكبان أو تختفي الحدود بينهما أحياناً، لكن بصورة أو بطريقة جديدة. الداخل ليس بداخل تماماً، والخارج ليس بخارج تماماً. كلها تساؤلات تحاول طرحها هذه المجموعة من الصور والتي بدأت بتسجيلها بشكل شبه يومي في البيت، ضمن الحيز الشخصي والحميمي، وفي الشارع، أو الحي، ضمن المساحة المتاحة للحركة بحسب التعليمات الخاصة بتجنب انتشار فيروس كورونا. هل إن فعلي هذا يستجيب لحاجة ملحة للشهادة على ما نعيشه الآن؟ هل هو محاولة لتزجية الوقت؟ لا أدرى بالضبط، لكنه الشيء الوحيد، بين أشياء أُخرى، الذي أشعر بأنني قادر علي فعله الآن بكامل إرادتي، وأشعر معه بوجودي، في سياق يبدو فيه هامش الحركة والفعل، والتأثير في مجريات الأمور، ضيقاً جداً أو شبه معدوم. الرسم والقراءة، وأمور أُخرى كنت أنغمس فيها، قبل الحجر، إلى حد أن أنسى نفسي وأنسى مرور الوقت، لم تعد كذلك، بل إنني توقفت عن الرسم، وأحاول أن أقرأ، لكن أجد صعوبة في التركيز. وفي اعتقادي فإن كثيرين الآن يمرون بهذه الحالة. 

إذا استثنينا من ذلك الجنود وهم يجوبون الشوارع بمكبرات الصوت، والاقتحامات الليلية، والاعتقالات التعسفية، والترويع، فإن هذا الوضع يذكرني بمنع التجول في أثناء الانتفاضة الأولى، وكأني أشاهد فيلماً للمرة الثانية، أو كما يحدث للكثير منا، بأن نرى أو نعيش موقفاً، ونشعر بأننا عشنا الموقف نفسه من قبل، لكن لا ندري متى وأين… هذا على الرغم من أن الحجر بسبب الكورونا تخطى الآن أطول منع تجول عشته، والذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين، خلال الغزو الأميركي للعراق، سنة 1990، مباشرة بعد غزو العراق للكويت، والذي امتد لأكثر من خمسين يوماً‪. من عاشوا تجربة منع التجول، يعرفون تماماً حالة الإرباك، والتشتت، بل الاكتئاب أحياناً، التي تنتاب الإنسان عند رفعه. فالمنع يفرض عليك نوعاً من التكيف معه إلى درجة يصعب معها العودة فجأة إلى «حياة طبيعية». وهذا ما أخشاه الآن عندما يتم رفع الحجر الصحي…

 حجر ومنع تجول، حالتان وزمنان يلتقيان ويتراكبان، وكأنهما بذلك يختصران ما يفصلهما من سنين وتجارب عشتها منذ وصولي إلى أوروبا في منتصف التسعينيات وحتى هذه اللحظة.

 كثيراً ما أندم لأنني لم أكن أمتلك كاميرا فوتوغرافية أيام الانتفاضة الأولى!

Read more