Two Butterflies in the Sky above Nafha Prison: Where the Child Calls Her Father’s Name for the First Time under the Jailor’s Supervision
Date: 
May 6, 2020
Author: 

[يُعتبر سجن نفحة الاحتلالي الصحراوي من السجون القريبة جغرافياً إلى غزة ومخيمات اللجوء فيها. رسالة الأب الأسير إلى طفلتيه لا تصل إلاّ تهريباً، والتهريب هو بريد الأسرى الشرعي، إنه بريد الحرية وللحفاظ على بسمة الأطفال وعلى روح كاتبها.

عندما قرأت الرسالة في الأمس، وبعد تسعة عشر عاماً، لم أتمالك نفسي، إذ ربما هذا ما يخيفني من محاولة الكتابة. آمل بأن أتغلب على ذلك.]

 

 

حبيبتي فداء،  سمرائي حنين،

 

لا أعرف كم من الزمن سيمر حتى تصل إليكما هذه الرسالة، وكم محطة مراقبة وسياج، ونقطة تفتيش وحاجز عليها أن تخترق حتى تستطيعان قراءتها، ولا أعرف كم من السنين ستمر حتى تستطيعان إدراك معانيها، ومضامينها، لأن قياسات الزمن في زمانكما هذا تختلف عن القياسات الاعتيادية.

لكن ما أنا متأكد منه أن شوقي لكما يتأجج مع نفاذها من كل شبك وسياج، ومع اختراقها كل حاجز تفتيش، ومع قطعها كل متر من المئتي كيلو متر-المسافة الفاصلة بين زنزانتي في سجن نفحة الصحراوي، وفراش منامكما في مخيم البريج- وهى المسافة ذاتها التي تطيرها روحي كل ليلة لتهدهدكما، وتطبع على جبينكما قبلة المساء قبل النوم.

 

فـداء،

 

في هذه الليلة، ومع ساعات الفجر الأولى، والسجان بحذائه الثقيل يذرع ممر القسم، يدس أنفه بين الفينة والفينة من الطاقة الصغيرة في باب الزنزانات، ليفحص ويعدَ النيام من رفاقي في الزنزانة، في هذه الليلة التي أبدأ بها العام السابع منذ انتزعوني من فراشنا الدافئ، تحضرني صورتك يا فداء، حين صحوت على صوت الجنود وصياحهم وهم يهجمون عليَ في غرفة النوم شاهرين دستة من رشاشاتهم الأميركية، فأخذتِ تفركين عينيك محاولة استجلاء المشهد الذي ترين، ولأنك لم تكوني قد تجاوزتِ السنتين من عمرك يومئذ، أذكر يا حبيبتي أنك لم تصرخي، لكنني لا أستطيع تقدير كم من الرعب تركه ذلك الحدث في نفسيتك.!! وحين طبعت على وجنتيك قبلتي الأخيرة، والضابط الصهيوني يشدني بقوة دون أن أكمل وداعكم .......كان أول ما فكرت فيه حين خرجت مقتاداً من عتبة الدار، كيف ستستطيعين العودة إلى النوم؟!  وماذا ستسألين في الصباح؟!

 

تلك الصورة يا فــداء، هى إحدى ثلاث صور لك تتكرر في ذهني باستمرار كأسطوانة مكسورة.

 

أمّا الصورة الثانية فهى لأول مرة زرتني فيها في سجن غزة، بعد ستة أشهر من تلك الليلة، وكيف أخذتِ تصرخين هاربة بوجهك مني، متشبثة بصدر أمك حين شاهدتني من خلف شبك الزيارة الحديدي بقميص السجن ذي اللون البرتقالي الفاتح المثير للأعصاب- وعلى فكرة يا فـــــداء هذا اللون اختاره لملابس السجناء متخصصون صهيونيون في علم النفس البشرية!!- وأذكر يومها أن عدوى صراخك قد انتقلت إلى كل الأطفال في غرفة الزيارة، وكيف أخذت أمك وجَدتكِ تحاولان تهدئتك قائلتان لك: هذا يا فــــداء  بابا.. هذا أبوكي!! حينها أوقعتني في حيرة  سأعاتبك عليها يوماً ما. فبين رغبتي الجامحة في رؤيتك، واشتياقي إلى تلمس أصابعك الرقيقة من بين فتحات الشبك، وبين حرصي على ألاّ أسبب لك مزيداً من الرعب المزروع في قلبك، صرت في لجة من أمري، وانحدرت من عيني دمعتان لم يفرح برؤيتهما الجلاد طوال فترة التحقيق وعذاباته البشعة.

 

الصورة الثالثة يا فـــداء، والتي أشعرتني بالأبوة أول مرة، كانت عند استلامي صورتك وأنت تعودين إلى البيت في أول يوم لدخولك المدرسة.

إنه اليوم الذي لطالما حلمت به أن أوصلك إلى المدرسة بنفسي، صورتك تلك بالمريلة والشنطة ما زلت أمتنع من إهدائها إلى أي من زملائي في السجن على الرغم من إهدائهم العديد من صورك أنت وحنين. وعلى فكرة، جميع مَن معه صوركما من زملائي الأسرى في سجن الجنيد، ونابلس والجلمة وعسقلان وشطة والخليل ونفحة، وحتى أشبالنا النسور في التلموند، وفي الرملة وفي أنصار يهدونك أنت وأختك أحر السلامات، والجميع يرسلون خطاّبين!

آهٍ يا فــــداء لو تسمعين زملائي الآباء من الأسرى وهم يتنادرون "طالبين يديكما" لأبنائهم، والشاطر منهم يعدد مناقب ابنه وجماله ومستقبله الزاهر، وأنا بتعزز مبالغ فيه أقول لهم: "الأمر متروك للبنات، بنشوف كيف!"

 

أمّا أنتِ أيتها الشقية السمراء حنين،

فيبدو أنك لست أحسن حالاً من أختك، فلا زلت أذكر أول مرة سمح لنا في سجن نفحة باحتضان أطفالنا خلال زيارة عيد الفطر- بعد سنوات طويلة من النضال والمطالبة- وعندما دخلت أنت وفــــداء مع أبناء زملائنا الأسرى وانتقلتم من جانب الزائرين الأهالي إلى الجانب الآخر من الشبك، وأقبلت فرحة باللقاء، وحين ضممتك إلى صدري وتشبثت بي، لم أجد وقتئذ تفسيراً لصراخك المفاجئ الذي استوجب إضاعة نصف الدقائق العشر المسموح بها في محاولة لتهدئتك دون جدوى. وبقيت يا حنين طوال الأسبوعين أفكر في السبب الذي دفعك إلى الصراخ مع أنك أنت التي أيقظت ماما وبقية الأسرة مبكراَ فجر ذلك اليوم ليستعدوا للزيارة عندما علمت أنك ستحضنين بابا، وخصوصاً أنني تركتك في "الكافولة" حين تم اعتقالي.

 

في الزيارة التالية أخبرتني أمك سبب صراخك....لقد أدهشتني وأقنعتني إجابتك حين قلت: "إنني لا أريد أن تُسجن ماما كمان زي بابا".

        

نعم يا صغيرتي... فكما هو السجن النقيض المكاني الآخر لحياة الإنسان الحر، كذلك كان عند دخولك إلى جانبي ورؤيتك لأمك خلف الشبك الحديدي الملعون في الجانب الآخر. فتهيأ لك – أننا.. أنا وأنت –  أصبحنا أحراراَ، وأن أمك هي التي أصبحت في السجن. لأن وصف الحالة "بابا في السجن" مرتبطة في ذهنك بوجوده خلف الشبك ... لذا ألتمس لك ولأمثالك من الأطفال الذين يدخلون عندنا عذراً، وإني سامحتك أيتها الكبيرة في شقاوتها، والصغيرة على إدراك مفاهيم الأبعاد المكانية بعد.

 

أمّا بشأن أسئلتك الجريئة ومناوشتك لرفاقي سمير وأحمد وعلي، واستفساراتك المتجددة منهم عن بلادهم لبنان، وممازحتك مع رفيقي السوداني موسى، وشقاوتك مع محمود، وشدك لشعر لحية أبو حيدر في "الجلمة"، وتقاسمك لحبات الحلوى المعدودة، وقطع البسكوت الصغيرة التي ندرك أهمية إخراجها لكم عن الشبك، وتقاسمك إياها مع زميلاتك وزملائك الصغار أبناء الأسرى في يوم الزيارة، وتصرفاتك كأم لمن هن أصغر منك سناً، كلها أحاديث ومواقف نتجاذبها خلال سمرنا في زنازيننا مع عشرات القصص التي يرويها الزملاء الأسرى عن أبنائهم بعد كل زيارة، كطيور تعود في المساء بحوصلات ملأى ... فتزيد في نفوسنا الحقد على المحتلين الطغاة.. وتوقد فينا الشوق إلى الحياة، وترعرع أملنا باللقاء، وتجدد عزمنا على تحقيق الانتصار.

ولا زلت يا حنين لا أعرف بماذا أجيب عن سؤالك لي في آخر زيارتين حين تضعين يدك الصغيرة تحت ذقنك المدببة وتسألين: "وقتيش بدك تروح يا بابا"؟ وعينا أمك تلتمعان في محاولة لمنعك من السؤال، إنقاذاً لي من حرج الإجابة.. وقلت لك: "عندما ننتصر ونطرد جيش الاحتلال"... وبادرت بتلقائيتك المعهودة قائلة: "ما أنا برجم عليهم حجار يا بابا، وبنعمل مظاهرات ونرفع أعلام ونقول لهمP.L.O   إسرائيل NO".

 

نعم يا حبيبتي ... فطالما أنت من هذا الجيل الذي يطلق صرخة الميلاد إيذاناً بالحياة، فتستقبله قنابل الغاز الخانق الصهيوني في محاولة محاصرة رئتيه بالموت- كما حدث في قسم الولادة بمستشفى غزة - جيل زهراته تفتح عيونهن، وتتلمس أياديهن الطرية صدر الأم بحثاً عن الحليب، فيطلق جنود الاحتلال رصاصهم المطاطي والمعدني والبلاستيكي والحي يفقأ ماء العين .. جيل يُفطم عن ثدي أمه مبكراً ليحمل الحجر، يهجر مقعد الدراسة مرغماَ ليصول في ميدان المعركة، جيل يعلن تحديه ويوقظ بمقلاعه ضمير العالم المخدر... هو جيل لكنَّ يا صغيرتاي شرف الانتماء إليه، هو جيل يحمل النصر في كفيه.....

 

وبعد وقت من الزمن، حين تكبرين يا حنين، ستقرأين ما كتبه الشهيد عاشق الأطفال غسان كنفاني حين قال عن جيله: "إنه جيل المبشرين بالثورة" وعن جيلنا "إنه جيل الثورة"، واسمح لنفسي بالقول يا ابنتاي، "إن جيلكما هو جيل انتصار الثورة".

 

يا فـــــداء ويا حنيـــــن،

 

في ليالي المنافي الطويلة كم حلمت بطفلة لي في بلادي، فعلى شطآن الغربة في الإسكندرية وبين همسات نخيل البصرة وسقسقات النوارس على شط العرب، وفوق مكاتب رجال الاستخبارات العربية الكئيبة، وعلى جدران صلب الفلسطيني في المطارات، كانت تلازمني صورة طفلتي التي لم تولد بعد، وعند الرجوع إلى أرض الوطن وميلادك أنت يا فـــــداء، لم أستطع يا حبيبتي تفحص ملامح وجهك إلاّ من خلف قضبان السجن، وبين عوينات الشبك. ولم أسمع كلمة (بابا) منك يا حنين إلاّ تحت مراقبة أذن السجان.

فأي زمن هذا الذي يدّعي التحضر ويتفاخر به. لكنه آت ذلك اليوم الذي تتشابك فيه أياديكما يا ابنتيّ مع كل أقرانكن بنات وأبناء بلادي، منهم من خرج أبوه وعاد ملفوفاً في علم، ومنهم من حُرم حضن الأمومة وحنان الأبوة، ومنهم تلك الطفلة التي أخذت تبحث عن دميتها بين ركام البيت سواء أكان البيت في البقعة، أم تل الزعتر أم في صبرا وشاتيلا، أم نسفه للتو جنود الاحتلال، فمهما كان وسيكون، سوف نردد دائماً: "إذا كنا نأمل بغــد هانئ لكل أطفال العالم، فلنعمل لأن يكون أطفال فلسطين جزءاً من هذا الغد."    

 

مع حبي وقبلاتي لكما ولرفيقة عمري أمكما.

 

  والدكما

جــبر وشــاح

  سجن نفحة الصحراوي

5/6/1991

                   

 

 

 

الصورة من بوستر أسبوع التضامن مع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، أصدرته لجنة الدفاع عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية عام ١٩٨٠، المصدر: مكتبة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت

Read more