How the Coronavirus Brought me Back to the Skype Room and to Alienation at my Home
Date: 
April 30, 2020
Author: 
blog Series: 
Coronavirus in Palestinian Life

منذ اليوم الأول للتقييدات التي فرضتها ألمانيا على سكانها، في ظل وباء كورونا، أتساءل أكثر عن مفهوم البيت، أسئلة لم تغب عن بالي منذ عشت في عكا، المدينة التي تقبع تحت الاستعمار، ويعيش سكانها شعور غربة مستمرة في وطنهم، في ظل نظام استعماري وعنصري يعمل جاهداً على طردهم منها، وتحويلها إلى بلد سياحي بلا أية ملامح، أداء، لا يختلف كثيراً عن نكبة 1948.

في عكا، عشت مع أهلي في ثلاثة بيوت، آخرها يقع عند الشاطئ الغربي للمدينة ويطل على البحر. لكن بسبب التعليم والعمل، انتقلت إلى حيفا، وعشت هناك إلى أن تركت فلسطين إلى برلين. فأصبحت حيفا، مثل عكا، بيتاً، وغربة أيضاً.

"ابقوا في البيت"، تقول كل التعليمات التي تبث عبر القنوات الرسمية وتلك الافتراضية التي نتعرض لها يومياً، في برلين والعالم... لكن، ما هو البيت؟ وأين يكون؟

كأني أدركت، فقط في هذه الأيام، أني كنت أقيم ببرلين بنفسية سائحة؛ لدي بالتأكيد غرفة أنام فيها، تضم ملابسي وكتبي وبعض الأغراض والذكريات التي حملتها معي من عكا وحيفا، وتلك التي اقتنيتها في أثناء سفري وإقامتي بالبلد الجديد. لكني، وقبل كورونا، كنت أعيش معظم وقتي خارج جدران بيوت برلين التي استأجرتها. أمشي في شوارع المدينة، ألتقي بأصدقاء وصديقات في البارات، ألعب الموسيقى في الحفلات، أرقص في النوادي أو بيوت الأصدقاء بعد دعوة عشاء. فكانت بيوتي في برلين، كل ما هو خارج غرفة النوم.

 اتصل بي صديق من دمشق، يقيم ببرلين، في أيام الحجر الأولى "ليشمت"، ساخراً، كوني "معروفة" بتمضية معظم وقتي في برلين خارج البيت، على عكسه، فهو يمضي معظم وقته داخل جدران بيته.

"شماتته" كانت في مكانها، لأني شعرت مع بداية الحجر الصحي بأن هنالك من يعاقبني ويفرض عليّ البقاء في البيت، ومنعي من ممارسة حياتي الطبيعية، في التقاء الناس والاستماع إلى قصصهم، هذه التفصيلات التي تشكّل جزءاً أساسياً من هوية حياتي هنا، والتي بشكل ما، جئت من أجلها إلى برلين.

في أيام الحجر الأولى، ومع بداية الربيع، نشر كوميدي معروف في برلين  فيديو وهو يتجوّل إلى جانب نوادي ليلية مغلقة، يقول فيه: "هل جئت إلى برلين لأتنفس الهواء النقي؟!"، احتجاجاً على من يقول أن الهواء أصبح نقياً بسبب توقف شكل الحياة "الطبيعي". فلم يأت أحد إلى برلين ليتنفس هواء نقياً، بل جاءوا إليها لأنها صاخبة وحيّة وقذرة، ولأن أهم ما فيها، يحدث خارج البيوت.

امتداداً لسؤال ما هو البيت، أسأل نفسي في هذه الأوضاع أكثر من أيّ وقت مضى: لماذا جئت إلى برلين؟ لا تختلف إجابتي اليوم عن تلك التي أجبتها لكل من يسألني السؤال نفسه منذ وصولي إليها؛ فقد جئت إلى برلين بحثاً عن بيت يستطيع أصدقائي وصديقاتي من بيروت ودمشق وصنعاء والإسكندرية والرباط وبغداد، إلخ… الوصول إليه دون تأشيرة دخول أو تصريح من أحد، سواء أولئك الذين يعيشون في المدينة، أو الذين انتقلوا إليها بحكم اللجوء القسري أو الاختياري، أو أولئك الذين يمرّون بها بزيارة سريعة أو إقامة موقتة.

الحلم ببيت طريقه مفتوح بلا استعمار ولا أنظمة قمعية، هو حلم قديم، لم يكن يرى برلين فضاءً لتحقيقه، ولو كان موقتاً، بالنسبة إليّ، أنا الفلسطينية ابنة عكا، حاملة لجواز السفر الإسرائيلي، ككل الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني، والتي لطالما عاشت شغفاً مزمناً للتواصل مع محيطها الفلسطيني والعربي الذي قُطعت عنه بفعل الاحتلال. هذا الشغف كان - وما زال - مجبولاً بالغضب والحاجة الإنسانية إلى البحث عن حلول قدر المستطاع، في عالم لا تبدو فيه أحلامنا بالتحرر والحرية من الاستعمار والأنظمة الديكتاتورية، قريبة من أن تصبح حقيقة، للأسف.

تركت عكا وحيفا إلى برلين، في سنة 2017، بعدما زرت المدينة مراراً في أثناء زمالة أقمتها في مدينة شتوتغارت الألمانية في سنة 2016. تزامنت الزيارات بهدف الكتابة عن الحضور الثقافي العربي فيها، بعد الموجة الأكبر من اللجوء السوري القسري إلى ألمانيا.

 آنذاك، ذهبت لمشاهدة عمل مسرحي سوري. كنت أرتجف وأنا في المترو في الطريق إلى المسرح. "هذه المرة الأولى الذي سأشاهد فيها عملاً مسرحياً سورياً وجهاً لوجه، بلا شاشة تلفاز." كان هذا الشعور أحد الأسباب الكافية لأن أحمل نفسي من فلسطين إلى برلين، كي أنقل حياتي من شاشة "السكايب"، التي ارتكز عليها في تواصلي مع الأصدقاء، والعشاق أيضاً، لسنوات طويلة… وأنقل حياتي إلى "الحقيقة"، مع الإدراك التام والموجع، أن الحقيقة "الجميلة" التي ذهبت إليها مع انتقالي إلى برلين، تتكئ على خراب وألم كبيرين، يتمثلان في الكوارث المستمرة التي تحصل في بلادنا، وبلاد أُخرى تعيش شعوبها اضطهادات عديدة، على المستويين الجماعي والفردي.

مع كورونا، تغيّر شكل مدينة برلين وأنماط حياتنا العفوية فيها. فزيارة بيوت الأصدقاء ومواعيد الحبّ في البارات، وحتى لقاء الغرباء مصادفة في الشوارع، كلها توقفت. الحركة توقفت. المسافات أصبحت أطول بين حيّ وآخر.

وفي هذا الواقع الجديد، أعادني كورونا إلى السكايب، وإلى كل ما "هربت منه" في فلسطين. فمن كان في الأمس يمرّ إلى بيتي حاملاً زجاجة نبيذ، قبلات وحكايات، عاد من جديد ليعيش داخل شاشة الهاتف وعبر مكالمات الفيديو في "واتساب" اليوم. بمعنى، هو والحبيب القديم الذي عاش في مصر، وكنت أزوره مع فيزا كل مرة، اليوم يعيشان - في حياتي المعاصرة – في المكان نفسه: الشاشة. هكذا، باردة وبلا روائح ومع الكثير من الخيال والأحضان المؤجلة. ومرة أُخرى، يعود البيت ليكون غربة مألوفة، لمن عاشت في عكا ممنوعة من زيارة دمشق.

من حسن حظي، ألاّ حواجز تفحص المارين من مكان إلى آخر في برلين. يمكنني أن أذهب للمشي تحت شمس الربيع، والجلوس في الحدائق العامة مع الحفاظ على مسافة مترين على الأقل، بين شخص وآخر.

لكن هذا لا يمنع أن تحمل التجربة المعاشة هذه، وإن كانت موقتة، أبعاداً عن مفهوم الحرية، الحدود، القيود المفروضة على الحركة، العزلة، الاختباء في البيوت خوفاً من "وحشٍ خارجي"، البحث عن أنيس في هذه الوحدة، القلق، الأسئلة عن مصير الغد المجهول، التفكير بمن نحب، التفكير بما نحب فعلاً، وتقدير قيمة اللحظة، واليوم، والحاضر، قدر الإمكان، والتفكير المكثف اليوم أكثر، بكل من لا يمكنه العودة إلى بيته الأول، لأنه ممنوع من العودة، سواء بسبب سيطرة الاستعمار، أو الأنظمة القمعية في بلاده.

هذه الأفكار، لا تبتعد عن واقع فلسطيني عشته، أو تفصيلات عرفتها حقيقة و/أو ورثتها من قصص وذكريات آخرين وأُخريات، فأعيشها اليوم في مدينة، يجعل منها الفيروس بمثابة غربة لأول مرة بالنسبة إليّ، تشبه بشكل ما تلك الغربة التي أعرفها في بيتي الأول، في وطني. كأن الغربة تعيد تعريف ذاتها وإن كانت مألوفة، كأنها لا علاقة لها بالبيت، إنما في ما يحدث أو مُنع من الحدوث، خارج عتبة بابه.

Read more