It’s a Pity, You Live in Italy!
Date: 
April 28, 2020

أيلول/ سبتمبر 2017

على امتداد حياتي، لم يكن لديّ تاريخ ميلاد. منذ وصولي إلى الشمال الإيطالي قبل 3 سنوات، خسرت اسمي أيضاً. فهنا لا أحد يناديني باسمي إطلاقاً ، هنا أنا  la ragazza palestinese أي: "البنت الفلسطينية". أن تكون فلسطينياً في إيطاليا يعني أن تعيش في خانة البطولة، تعلّق على صدرك أوسمة حروبٍ عظمى لم تخضها، ومعارك صغرى لم تخترها. فالإيطالي لا يعرف فظائع الانقسام الداخلي ولا خيانة العملاء، لا يعرف تطرّف أولئك ولا فساد هؤلاء، كل ما يعرفه الإيطالي البسيط هو أنك المقاوم الشجاع الذي ولد يقاتل حتى وإن لم يحمل بندقية يوماً. هنا الكل يعرفنا، ويعرف رموزنا أكثر منا. أمّا نحن فلا نعرفهم جيداً، فأنا لولا قراري بإكمال دراساتي العليا في علوم الجغرافيا البشرية، لم أفكر يوماً بزيارة إيطاليا ولا عرفت قبل وصولي إلى هنا عن وجود مدينة اسمها بادوفا. وفي محاولة لتفسير موقع المدينة الغريب لإخوتي عبر الهاتف كنت أحاول تبسيط الموضوع: "أتعرفون مدينة البندقية؟ أكثر مدن العالم إثارة، 20 دقيقة غرباً منها تجد أكثر مدن العالم مللاً: بادوفا".

ما زلت أذكر أيامي الأولى في المدينة، لم يكن في بادوفا أي شيء ملفت، جغرافيا المدينة ترهقني، والكلمات الإيطالية المعدودة التي تعلمتها لا تكفي لفهم ما تحاول هذه المدينة قوله لي. لا أفهم رسومات الجدران ولا حديث المارّة، لا أعرف إن كان الشبان يحاولون التحرش بي، أم السخرية من ملابسي القديمة الطراز، لا أفهم يافطات الشوارع ولا محتوى قائمة الطعام. في ثالث يومٍ ممل، فقدت الأمل بالمرور بأي شيء جديد، أمرّ في شارع ضيّق مزدحم بالتلاميذ، مبنىً قديم ضخم يستحوذ على حيّز المكان، ويستحوذ على المساحة أمام عيني، ألمح صورة أحمد سعدات فأظن أني أهذي، لكني أراه يمسك بيد كل من جورج عبد الله ومروان البرغوثي فأتأكد أني قد جننت. أقف مواجهة للمبنى بجمود طويل الثواني، تستقر عينايَ على واجهة المبنى الكبرى، لأرى ليلى خالد الشابة ببندقيتها العالية على حائط أحمر يلمع تحت أشعة الشمس. أفكر، أتذكر، ويقول الذئب في داخلي "ماذا لو لم نرحل وبقينا قرب كل ما أحببنا؟" تقف بقربي عجوز شقراء تحييني بابتسامة عريضة وبضع الكلمات التي قد أكون اكتسبت، تغوص في ارتباكي فتكمل معي حديثاً يبدو وكأنه مكوّن من بضعة أسئلة، أبتسم مشيرة إلى أني لا أفهم لغتها، فتنطق بضع كلمات إنكليزية يبدو أنها قد جمعتها بصعوبة فائقة "this woman bad for israelis?"

ضحكت، أدركت أنني لا أهذي، هذا المكان ليس من صنع مخيلتي. هي تراها بقدر ما أراها، لا بل وتعرفها بقليل من الذاكرة. يومها فقط فهمت لماذا يسموني  .la ragazza palestinese  لحظتها فهمت أنني لم أترك كل ما أحب، بل وجدت ما أحب. لحظتها تذكرت بيروت التي كنت أضطر فيها إلى إخفاء لكنتي الفلسطينية أحياناً تفادياً لبعض التعليقات غير المرغوبة. تذكرت بيروت التي أحببت، بيروت التي لم تحببني يوماً، بيروت التي آلمني فراقها على الرغم من محاولاتها الحثيثة للتخلص مني. فأنا التي سكنت بيروت منذ بدأت أحتل رقماً خاصاً بي في سجلات وكالة الأونروا، إلاّ إنه لم ولن يسعني يوماً أن أقول أنني "لبنانية منذ عشر سنوات أو أكثر".

آذار/مارس 2020

البرد لا يزال قارساً في أوائل آذار، فالشتاء هنا في الشمال الإيطالي أطول قليلاً مما ينبغي. قليل من المطر لا يؤذي أحداً، لكن بيروت كانت حتماً لتدفئني في هذه الأيام. أضيف شالاً آخر حول رقبتي، وأرتدي جوزاً آخر من الجوارب الصوفيّة ، أسخّن الماء في القدر وأخوض -للمرة العاشرة هذا اليوم- جدالاً طويلاً أقنع فيه نفسي بجدوى خياراتي الجغرافية. يصبح الجدال مقيتاً، فأحاول إسكات الأطراف المتنازعة داخل جمجمتي بصوت التلفاز المرتفع. لا شيء يزيح عني ثقل هذه الوحدة، لا مذيعات الطقس ولا ألعاب المسابقات، لكن بضع كلمات مألوفة الوقع تسكت ضجيج الملل في داخلي: "نشعر بأننا لاجئون، نحاول الهروب من مدن!". يقولها شاب أبيض البشرة لا يشبهنا البتّة...لا يحاول قطع الحدود التركية ولا دخول الأراضي اليونانية. شاب بلهجة شمال إيطاليا المتعالية، يصرخ وسط أناس تتسابق للصعود على متن آخر قطار يخرج من المدينة، ورسالة نصيّة تضيء هاتفي وسط كل هذا الارتباك :"هل نحن تحت حجر صحي مفاجىء؟"
بادوفا الهادئة لم تكن يوماً مقصداً سياحياً أو مسرحاً لأي أحداث إقليمية، لكن اليوم يبدو أن شيئاً ما قد تغيّر. في هذه المدينة التي لا يحدث فيها عادة أي شيء يستحق الذكر: تم تسجيل أول حالة وفاة بفيروس كورونا الجديد في إيطاليا. المدينة التي لم تعتد لفت الأنظار قررت إغلاق أبوابها دون سابق إنذار، وفرض عزل كامل تجبرنا فيه على ملازمة منازلنا. أمّا أنا فهل يحق لي أن أهلع فعلاً؟ أنا ابنة البطاقة الزرقاء وصفوف الإعاشة، وليدة أكثر مناطق الأرض بؤساً، خرّيجة السجن المفتوح المسمّى مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، أهلع بسبب إغلاق مؤقت؟ لقد احتملنا سبعين عاماً من العزل الاجتماعي والاقتصادي، أفلا أحتمل أسبوعاً أو اثنين من العزل في الشمال الإيطالي العريق؟ سينتهي قريباً كل هذا، ولن تنتهي معضلة اللجوء الفلسطيني. حتى وإن انتهى هذا الوباء فلن تنتهي مشاكلي، إذ لدي شؤون أكبر لأهلع بشأنها.

نيسان/أبريل 2020

في المرة الأخيرة التي غادرت فيها غرفتي، كان شتاء بادوفا القاتم يقرص عظامي جميعها. كنت أتذمر من اضطراري إلى الخروج في المطر يومها، أمّا اليوم فأنا أشاهد المدينة من نافذة غرفتي فقط. مضى شهر أراقب فيه تحوّل ألوان اللوحة في نافذتي من درجات البني إلى تدرجات اللون الأخضر. سمعت أن الربيع قد أتى، لكنني لم أختبره بعد. أطلّ عليه من نافذة صغيرة ترى جزءاً صغيراً من الحديقة، ولا تلمح أي إشارة إلى الوجود البشري. أرى بساط الأرض الأخضر الملآن بالورد الأصفر. وعلى الرغم من اختلاف الطبيعة الجغرافية، فإن هواء هذا اليوم يشبه دفء بيروت في أيار/مايو عند غروب الشمس على كورنيش الروشة. يا ترى هل سأتمكن من الخروج إلى هذا الربيع والنوم ربما على العشب كما بتّ أحلم مؤخراً؟ أم سيفوتني فصل الربيع بأكمله هذه السنة وستطول هذه الحال حتى الصيف؟ أتعجب من نفسي، متى أصبحت أحلامي بهذه البساطة؟
أفكر كثيراً في كسر القانون والتسلل إلى الحديقة، لاتمرمغ في العشب بضع دقائق فقط، لا أريد أكثر من ذلك. أتذكر وصية والدتي، وعقوبة مالية قدرها ثلاثة آلاف يورو، أردد اقتناعي التام بخياري الذي اتخذه طوعياً وأكمل تصفح مواقع الأخبار مراراً وتكراراً. أراقب ارتفاع أعداد الإصابات، أنوح على كل وفاة جديدة وكأنني كنت أعرفها معرفة شخصية، أراقب لقطات عربات الجيش وهي تنقل جثث الموتى من برغامو إلى المدن المجاورة، أرد على اتصالات والدتي التي بدأت تفوق احتمالي، أدحض لها بالمصادر كل تلك الأخبار الكاذبة، وأجامل أصدقاء الوطن الذين يكلمونني بنبرة شفقة. لم أخمّن يوماً أن الناس في المخيم ستشير إليّ قائلة "يا حرام هاي ساكنة بـ إيطاليا".

وسط كل هذا الخراب، أفكّر فيه هو فقط، أهاتفه، أنتقل مباشرة إلى الحديث عن الوباء اللعين قبل أن يستطيع قراءة ملامحي جيداً. يكتشف الذئب الراقد في داخلي من مطلع لحن الكلام ككل مرة، يحكي لي بهدوءٍ كم هو مؤمن "بأن الله لا يزال يحبنا"، وأنا ككل مرة أسمع فيها كلماته تلك، أؤمن بأنني ما زلت أحبه هو.
أفكر في بيروت، والذئب في داخلي هذه المرة يقول "لو ببيروت إسّا كنتِ تمرمغت بالعشب قد ما بدك". لم أتمالك نفسي, خسرت أمام الذئب، صرخت في وجه الحائط حيث ينام كل ليلة، جهشت واصفة له، بالتواريخ والإحداثيات الدقيقة، كل المرّات التي سجنتني بيروت في داخلها، لكنه نظر إليّ ساخراً: "انظري حولك، وهل ظننتِ أنك قد غادرتِ السجن يوماً؟ لعنة السجن ستلاحقك أينما ذهبتِ، اِسألي إيليا سليمان الذي هرب من عسكرة الناصرة ليكتشف فلسطنة العالم"، يا ترى هل نحن ملعونون فعلاً؟ هل السجن يلاحقنا نحن بالذات أينما ذهبنا؟ وإلاّ ما الرابط بين بيروت وبادوفا؟ وما الشبه بين بيروت والناصرة إذاً؟ يردّ الذئب واثقاً بأن مدننا المتعبة هي انعكاس أفئدتنا المثقوبة، هي سجننا الطوعي، الذي لا نسكنه خوفاً، بل يسكننا رغماً عنا.

Read more