In the Beginning Was The Community: The Coronavirus and the Fragility of False Communal Stakes
Date: 
April 8, 2020
blog Series: 
Social Conditions of the Palestinians in the Time of the Coronavirus

قبل أسابيع قليلة من اندلاع أزمة كورونا في المجتمع الفلسطيني، كنت قد أنهيت تأليف كتاب بعنوان "بلاد على أهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور"؛ انشغل الكتاب وانشغلت أنا في التجوال في تجربة بيت ساحور وعصيانها المدني، 1988-1989 في إبان الانتفاضة الشعبية (الأولى). ومن خلال التاريخ الشفوي، الأوراق العائلية، الأرشيفات، البيانات، والصحافة الفلسطينية، التي اعتمدت عليها كمصادر أولية، استكشفت حجم التلاحم الاجتماعي الفلسطيني خلال الانتفاضة الأولى، وفي بيت ساحور بالتحديد، اكتشفت أهمية العمل الجماهيري والتطوعي والمؤسساتي، والتنظيم الذاتي، وإبداعات السكان، والتعاضد الاجتماعي والتلاحم الاجتماعي، واطلعت على عدد كبير من المبادرات المجتمعية مثل الزراعة المنزلية (بساتين النصر)، وتعاونية الأبقار، والامتناع عن دفع الضرائب، ولجان الحارات، وإبداعات سكان بيت ساحور تحت الحصار والقمع الذي امتد مدة عامين، وتكثيف في حملة ضرائبية إسرائيلية عنصرية شرسة على مدى 42 يوماً. وفي النهاية انتصرت الإرادة الجماعية في بيت ساحور بفضل التلاحم الاجتماعي والتعاضد والتنظيم والتآخي، والحرص الجماعي على صمود بيت ساحور، وكان للسكان والبسطاء وغير المتحزبين دور في بث روح الصبر الجماعي في المدينة، ولم ينكسروا أمام الإغراءات الإسرائيلية بدفع مبلغ قليل جداً لا يتجاوز (شيكل واحد) من أجل شطب كل المطالب على الأموال الضريبية. وكانت هذه الخطوة التعاضدية الجماعية لكي لا ينكسر القرار الجماعي الذي اتخذته بيت ساحور في العصيان المدني. كان ذلك زمن المبنى الجماعي للمقاومة والصمود والعصيان المقاوم، والعمل الجماعي الجماهيري والشعبي، وكانت المبادرة تأتي من أسفل، من قاعدة الهرم الاجتماعي.

وقبل سنوات قليلة (سنة 2018)، نشرت أنا والباحثة (عايدة الحجار) دراسة في مجلة المستقبل العربي موسومة "الشباب الفلسطيني كفاعل ثوري: قراءة في التحول من الالتزام الجماعي إلى الالتزام الفردي"؛ انطلقت الدراسة من فكرة المقارنة بين نضال الفلسطينيين خلال الثمانينيات من القرن الماضي، ونضالهم خلال العقد الثاني من القرن الحالي، وتحول نضال الشباب من عمل جماعي منظم إلى عمليات وبطولات فردية (مثل عمليات الطعن والدهس). وكان التحول مرده إلى بعض التحولات البنيوية في المجتمع الفلسطيني التي أدت إلى ازدياد روح الفردية والانشغال في الحياة اليومية، وبروز مظاهر استهلاك استعراض مرتبطة بالعولمة، وتغيرات في أنماط العمل والسكن والحياة بصورة عامة. وأنا أكتب عن بيت ساحور، حاولت أن أجترح مقولة أو فكرة جديدة عن العصيان المدني اليوم بعد التحولات المجتمعية الكبيرة التي تراكمت على كاهل المجتمع الفلسطيني خلال العقدين ونصف الماضيين. تعثرت أحياناً وأصبت أحياناً أُخرى في الكتابة، وكنت أعتقد وما زلت، أن هناك خميرة ما في الشعب الفلسطيني تأتي أُكلها في لحظات الشدة والأزمة والانكشاف أمام جبروت القوة المرئية واللامرئية، وتبرز عندها طاقات المجتمع الفلسطيني وشبابه، ونعود حينها إلى الذات الفلسطينية؛ إلى التلاحم الاجتماعي والتعاضد، والصبر الجماعي الاجتماعي، والتكيف المقاوم، وتبرز من جديد قيم العمل الجماعي والعمل التطوعي والمبادرات المجتمعية التي تنطلق من القاعدة الشعبية الاجتماعية. وتكون المبادرات بسيطة وجميلة وتحقق أهدافها من كونها نابعة من نبض جراح المجتمع، في محاولة لتضميد الجراح وتطهيرها وشفائها أحياناً.

في العودة إلى الحاضر بعد التعريج على درس التاريخ وتبصره؛ لقد بدأت أزمة كورونا في المجتمع الفلسطيني عند اكتشاف سبع حالات مصابة بالفيروس في مدينة بيت جالا بتاريخ 5 آذار/ مارس 2020. كانت صدمة كبيرة للمجتمع في محافظة بيت لحم وباقي الوطن، ومؤشر الصدمة خروج بعض الشباب في مدينة أريحا والخليل وإحدى قرى شرق بيت لحم بتظاهرات على مداخل مدنهم لمنع نقل المصابين بالفيروس خارج بيت لحم. وقد عبّرت تلك التصرفات الشبابية غير الواعية عن الصدمة والتخبط وعدم المسؤولية المجتمعية، وربما الروح الفردية التي تراكمت ونمت على مدار 37 عاماً منذ نهاية الانتفاضة الأولى.

بعد ذلك التصرف غير السوي اجتماعياً ونفسياً، نشر صديقي فراس بدر (موظف حكومي، وكان سابقاً رئيس مجلس الطلبة في جامعة بيت لحم) على صفحته على فيسبوك، منشوراً ذا طابع احتجاجي على سلوك الشباب في الخليل وباقي المدن والقرى وسوء تصرفهم، وتحدث بحرقة عن بيت لحم التي سكن وتعلم فيها وكون صداقات ما زالت مستمرة، وقال إن التصرف لا يمثله ولا يمثل أهل الخليل. كانت مبادرة فراس جميلة، وترياقاً لنا شباب بيت لحم الذين نعرف فراس كصديق وفي، ونحن نعرف كرم الخليل وأهلها، وبعد أيام وصلت أول شاحنة مساعدات إلى بيت لحم من الخليل كجزء من التعبير عن محبة المحافظتين وأهلهما. وبعد أيام وصل فراس إلى مدينة الخليل مسقط رأسه وصمم بوستراً تضامنياً مع بيت لحم جاء فيه "بيت لحم كوني قوية #الخليل- بيت لحم #جسد - واحد". وتم وضع البوستر على مدخل الخليل للقادمين من بيت لحم على دوار راس الجورة؛ كانت هذه المبادرة اعترافاً بالجميل لبيت لحم التي تؤازر الخليل بمشافيها ومتاجرها وجامعاتها ومجتمعها، وتعبيراً عن وفاء أهل الخليل لبيت لحم وأهلها.    

وبعد أيام قليلة من انتشار الفيروس في مدينة بيت لحم شهد المجتمع الفلسطيني العديد من المبادرات المجتمعية، التي يصعب رصدها وحصرها لكثرتها وتعددها، وقد أخذت تلك المبادرات عدة أشكال، منها على سبيل المثال لا الحصر: توزيع معقمات ومواد تنظيف، توزيع كمامات ومساعدات طبية، توزيع مواد تموينية وغذائية، تأمين حاجات المنازل بالمواد الأساسية بأسعار التكلفة دون خدمة التوصيل، جمع أموال وتبرعات (في بلدة عقربا قرب مدينة نابلس تجاوز المبلغ مليون شيكل خلال يومين من الجمع)، دعم نفسي واجتماعي، توزيع الخبز، إعفاء بعض المستأجرين من أجرة البيوت والمحلات، حملات تعقيم للشوارع والأماكن العامة، إعداد وجبات الطعام للعاملين في الميدان من أطباء ورجال أمن وللمحجورين، حملات إعلامية إلكترونية تضامنية مع الأسرى، تظاهرات إلكترونية رقمية لإحياء الذكرى 44 ليوم الأرض، مبادرات أطباء متقاعدين ومن القطاع الخاص وضعوا أنفسهم وخبراتهم تحت تصرف الحكومة، دورات تدريب على التعقيم، وضع مراكز وفنادق ومنازل تحت تصرف الحكومة الفلسطينية لتحويلها إلى مراكز حجر صحي، ومبادرات تصنع كمامات ولباس واقي وأجهزة تنفس صناعي، الحواجز الشعبية، حكايات وقصص يقدمها مبدعون إلكترونياً... وغيرها من المبادرات التي ما زال الباب مفتوحاً لها.

لقد كانت أغلبية المبادرات المجتمعية ذات طابع شعبي وجماهيري، وكانت هناك بعض المبادرات الرسمية، وبعضها بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والأهلي، أمّا المبادرات من القطاع الخاص فهي تسير على عكاز ومتأخرة وخجولة، وبحسب تصريح لباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين فإن مبادرات القطاع الخاص لا تتجاوز 1% من أرباح القطاع الخاص. وقد أخذت المبادرات المجتمعية العديد من التسميات مثل: فينا الخير، قلوبنا معكم، الناس لبعض، التزامك.. مسؤوليتك لتحمي عيلتك، قادر إذاً بادر، وقفة عز، نعم نستطيع، براعم الخير... إلخ.

أمّا القائمون على المبادرات فهم متنوعون، ويتوزعون على الطيف الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: ناشطون اجتماعيون، جمعيات أهلية ومدنية، أكاديميون، هيئات محلية، ناشطون سياسيون، حركات الشبيبة، متطوعون، إعلاميون، مجموعات كشفية، شركات ومؤسسات خاصة، وزارات حكومية مثل وزارة الأوقاف ووزارة التنمية الاجتماعية، جمعيات نسوية، أصحاب مطاعم، عمال، شباب، طلبة جامعات، فنانون، قادة سياسيون ورسميون، وغيرهم.

ما يمكن ملاحظته خلال أزمة كورونا، وفي ظل ارتفاع موجة المبادرات المجتمعية المتنوعة من حيث الشكل والمضمون والهدف، ونطاقها الجغرافي، أن هناك خدشاً لمنظومة التحولات المجتمعية الفلسطينية التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني على مدار عقدين ونصف العقد وتكثفت في العقد الأخير، والتي أعلت من قيم الفردانية، وازدياد ظاهرة الاستهلاك الاستعراضي، وتراجع قيم التطوع والعمل الجماعي، والرهان على الثقافة الاستهلاكية، والتغيير في نمط الإنتاج الفلسطيني، والاعتماد على الوظائف أكثر من الاعتماد على العمل اليدوي والعمل في الأرض، وبروز أنماط حياتية وسكنية جديدة لمواكبة التغيرات التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني. إن تلك التغيرات والرهانات الاجتماعية الفردانية وغير التضامنية سقطت في مختبر كورونا، وتم الإطاحة بها على رؤوس الأشهاد. إن انطلاق المبادرات المجتمعية الكثيفة والكثيرة وغير المركزية والمشتتة والمتنوعة على الرغم من ضعفها البنيوي وقلة مواردها الاقتصادية، فإنها تعبّر عن عمق القيم التضامنية والوحدوية في المجتمع الفلسطيني، وهي مؤشر على استعادة روح العمل التطوعي، وثقافة العمل الجماعي، وهي غمزة في وضح النهار لتؤكد أن العائلة والأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي تحافظ على المناعة الصحية والوطنية والثقافية والسياسية، فالأسرة هي التي تبدع دائماً ثقافة التكيف المقاوم والعمل الجماعي، وتتقن لعبة تقسيم الأدوار.

إن العودة إلى الفعل الجماعي والتشاركي والتطوعي والتلاحم الاجتماعي والتعاضد، وإعلاء ثقافة الجماعة والالتزام بقيم الجماعة والمجتمع، صحياً وسياسياً وثقافياً ووطنياً، هي السبيل للتخلص من فيروس كورونا وفيروسات أُخرى أخطر من كورونا، مثل فيروس الاستعمار الاستيطاني ونموذجه المرئي إسرائيل، ونموذجه المتواري عن الأنظار كالفصل العنصري والهيمنة ومنظومة المراقبة والمعاقبة، وسرقة الموارد الفلسطينية ونماذج لا تعد ولا تحصى تُمارس ضد الفلسطينيين ومجتمعهم الذي تحاول "إسرائيل" تفكيكه وترحيله. إن المبادرات المجتمعية وعودة التفاعل الاجتماعي والثقافي إلى ساحة الفضاء العام، هي أول الخطوات في تصحيح المسار السياسي، وجعل الخطاب السياسي نابعاً من قيم المجتمع واهتماماته وانشغالاته وأسئلته الصغرى والكبرى.

Read more