Corona and the Recent Demise of the Media and the Palestinian Authority
Date: 
March 28, 2020
Author: 
blog Series: 
Coronavirus in Palestinian Life

 الإعلام هو ذلك الوسيط  بين الناس وواقعهم، يساهم في بناء معرفتهم به ورسم تصوراتهم عنه. وفي وقت الأزمات يكاد الإعلام يحتكر تلك الوساطة، إذ تتحول الجماهير إلى ذوات مستهلكة للمحتوى الإعلامي بنهم، وذلك بفضل ما تتمتع به وسائل الإعلام من سرعة وبساطة ومباشرة في تقديم ذلك المحتوى، إضافة إلى الأبعاد الدرامية التي تميز الرسالة الإعلامية، فتربطها بعاطفة وسيكولوجيا الجماهير، في تجاوز للبعد الإدراكي والذهني. ولأن الأزمة الحالية التي يعيشها العالم أجمع تتمثل في فايروس يهدد صحة البشر وحياتهم، فإن الدافع وراء الاستهلاك الإعلامي هو الخوف بالدرجة الأولى، أكثر مما هو الفضول وحب المعرفة، ما يمنح الإعلام سطوة إضافية ضمنية على الناس، وهو ما يجعل من هذه الأزمة الكونية مناسبة لتحقيق فهم إضافي لماهية الإعلام، وميكانيزمات عمله، وعلاقته بالسلطة ودوره في الهيمنة على المجتمعات ووعيها بواقعها.

العلاقة بين الإعلام والواقع معقدة ولا يمكن اختزالها بدور الوساطة والنقل. فهو ليس وسيطاً مستقلاً عن الواقع ولا تفصله مساحة موضوعية عن الجماهير، بل يشكل الإعلام واقعاً موازياً للواقع المادي، عبر اللغة والرموز والصور والمعاني، ومن خلال ما يقدمه وما يحجبه من معلومات، وكأن لا واقع خارج ما يرسمه الإعلام. عبر المفكر الفرنسي جان بودريار (Baudrillard) عن ذلك حين أعلن "موت الواقع"، مقابل هيمنة ما يسميه " الواقع المفرط"، أي الذي يمتزج فيه الحقيقي بالخيال، ويصعب فيه على الوعي التمييز بين الواقع ومحاكاة الواقع. لذلك كان "بودريار" قد كتب مقالاً في صحيفة ليبراسيون، بعد حرب الخليج الأولى بعنوان "حرب الخليج لم تحدث"، محاولاً القول إن صورة الحرب التي هيمنت آنذاك على الرأي العام الغربي، وتحديداً الأميركي، هي تلك التي رسمتها وسائل الإعلام الغربية، وليست التي وقعت في ذلك الحيز الزماني والمكاني الذي نظنه.

وهو المنطق الذي يمكن أن نقيسه اليوم على "الحرب" في سوريا على سبيل المثال، فهنالك حرب واحدة تدور في واقع مادي واحد، ولكنها تشظت وتوزعت إلى حروب مختلفة بصور ومعاني متفاوتة ومتناقضة، رسمتها وسائل إعلام محكومة بايديولوجياتها الخاصة التي تعبر عن أنظمة  سياسية واقتصادية مهيمنة. هذه "الحروب" هي المستقرة والفاعلة في وعي الجماهير، وليست تلك الحرب التي تدور في "الواقع المادي". والجماهير تختار "حربها الواقعية" وفقاً لما يمكننا تسميته "الاستعداد الأيديولوجي" للجمهور، أي ذلك المخزون الذهني والعاطفي من المعاني والمفاهيم الخاصة بها، حيث لا معنى خارج الأيديولوجيا أيضاً، مثلما لا واقع خارج الإعلام.

هذه المسافة اللينة، غير المرئية بين "الواقع" ومحاكاته، وهيمنة الثاني على الأول، أي هيمنة الخيالي على الواقعي، تحكم اليوم إلى حد بعيد "صورة الموت" الناتج عن انتشار فايروس كورونا، وتشكل معانيه وتضعه ضمن سياق خاص به. عالمنا ليس عادلاً، وأسباب الموت فيه كثيرة، فالناس تموت يومياً، نتيجة الحروب والصراعات، والفقر والظلم، وغياب العدالة ونقص الرعاية الصحية، ولكنه موت يومي وحدوثه بات وكأنه جزء من العادة، له حضوره في الإعلام، لكنه لا يلفت الانتباه كثيراً. ومع ظهور كورونا، غادر الموت العادي نهائياً الإعلام، وبالتالي خرج من ديناميكية الوعي إلى استاتيكيته، لصالح موت طازج، وكأن الإنسان الآن لا يموت إلا بالكورونا.

لا نهدف ولا نقصد هنا التقليل من كارثية كورونا، ولا المقارنة بين موت وآخر، ولا تحديد حجم بشاعة الموت بعدد الموتى، فالإنسان قيمة بحد ذاته. ولكن نحاول البحث في دور الإعلام وأيديولوجيا السلطة في تحديد أولوياتنا وتحفيز أو تخدير إنسانيتنا، ودوره في تحديد الموت العادي والموت الاستثنائي، وبالتالي دوره في توقيت متى نحتشد ونتعاضد كبشرية في وجه الكارثة والموت، ومتى نتفرق ونتقبل موتنا اليومي والبطيء. الكورونا حظي بصفة "الموت الاستثنائي" ليس لخطورته وشدة فتكه بحياة الناس فقط، وإنما لأن المسؤول عنه "فايروس" وليس أيديولوجيا أو مصالح اقتصادية وسياسية، وإلا لكان موتاً عادياً، لذلك حين نتابع  نشرات الأخبار في وسائل الإعلام المختلفة حول انتشار الفايروس، نجد هنالك موتاً واضحاً لا يقبل التأويل، ونجد الرسائل الإعلامية مثقلة بالدراما التي تستثير عواطفنا، وترسم لنا تلك المعاني الخالصة السامية للحياة، ولكن حين نتابع أخبار من يموتون من اللاجئين في البحار وعلى الحدود، أو أخبار مليون طفل يموتون في دولة تخضع لعقوبات اقتصادية من قبل دولة أقوى، أو الموت البطيء لملايين الفقراء بسبب إهمال نظام الرعاية الصحية، تغرق الرسائل الإعلامية في تعقيدات السياسة والهوية والجغرافيا والقانون، فنجده موتاً معقداً عصياً على الفهم. وكأن المعادلة هنا تقول: الموت باسم الأيديولوجيا والهيمنة مباح، بينما الموت من خارج الأيديولوجيا مرفوض بوضوح لا يقبل التأويل.

مع ذلك، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب أدلجة هذا الموت حين أسمى كورونا بـ "الفايروس الصيني"، ويبدو أنه لم ينجح، لذا فهو يحاول على الأقل أدلجة العودة من هذا الموت بالسباق المحموم لإيجاد دواء، ليس لإنقاذ البشرية، وإنما لإنقاذ الأيديولوجيا التي تبقي على الموت العادي مقبولاً. وقد رصدت قناة "الجزيرة" في تقرير لها كيف تتعمد الصحف والمجلات الأوروبية اختيار الصور المرافقة لموادها الإعلامية لوجوه آسيوية، في محاولة أيضاً لإبعاد هذه الكارثة عنها وإلصاقها بالصين، وكيف باشرت هذه الأخيرة بعد سيطرتها على الفايروس بشن "حرب إعلامية مضادة" لتحويل أزمتها إلى فرصة، وفرض حضورها في الوعي العالمي كدولة حديثة قوية قادرة. 

إذن، هنالك منظومة إعلامية مهيمنة تعمل في انسجام مع السلطة السياسية لتشكيل أدق معاني حياتنا. تحاكي واقعنا وتدخلنا عنوة في المتخيل على أنه المادي الحقيقي، أو بلغة نعوم تشومسكي، نحن نعيش تحت وطأة منظومة إعلامية تمتلكها الدولة أو تستخدمها دون امتلاك مباشر، لتوجيه وضبط المجتمعات. وعملية التوجيه والضبط هنا لا تمارس في المجتمعات "غير الديمقراطية" دون "المجتمعات الديمقراطية"، ولا يمارسها الشمال الغني القوي على الجنوب الضعيف دون أن يمارسها على مجتمعاته.  لهذا يتساءل تشومسكي حول مفهوم وصور الديمقراطية في الغرب: هل هي تلك التي يمتلك فيها "العامة" الوسائل اللازمة للمشاركة الفاعلة في إدارة شؤون حياتهم؟ أم هنالك مفهوم آخر تدار فيه حياة "العامة" من قبل "النخبة"؟

لو خرجنا من مقارنة "الموت الاستثنائي" بـ "الموت العادي"، لندقق النظر في كيف تعالج هذه المنظومة الإعلامية-السياسية هذا الراهن الاستثنائي، سنجد بعض ملامح الإجابة على تساؤل تشومسكي، وسنجد هنالك محاولات للتوجيه والضبط. إذ إن كارثة بهذه الضخامة تهدد المجتمعات البشرية كلها، كفيلة بفتح ورشة ضخمة من التساؤلات والمساءلة والنقد وإعادة النظر في نمط الحياة المعولم والمهيمن. بمعنى آخر، إن لم تقم المنظومة المهيمنة عالمياً بصياغة رواية هذه الكارثة وتشكيل وعينا بها وفقاً لأيديولوجيتها، فقد تواجه خسارة هيمنتها، أو على الأقل قد تصبح النيوليبرالية محل شك وتساؤل، مما قد يفرز في المستقبل حراكات اجتماعية ونقابية أكثر جذرية من الراهن.

منذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية هذا الفايروس وباء عالمياً، بدأت محاولات احتكار رواية  ما يحدث، من خلال ضبط قنوات المعلومات، وقد تم تسويق المؤتمرات الصحافية الرسمية على أنها مصدر الثقة. ومع أن هذه الآلية أثبتت نجاعتها في محاربة الشائعات والأخبار الكاذبة، وبالتالي حماية المجتمعات من الفوضى في ظل أزمة ضخمة كهذه، خصوصاً في مجتمعات مازال جهازها الإعلامي في حاجة لهيكلة ومأسسة كما في الحالة الفلسطينية، إلا أنها فرضت إلى حد ما رواية واحدة، والأهم من ذلك أن هذه المؤتمرات ضيقت دائرة اهتمام الجماهير، لتنصب على تتبع حجم وأماكن انتشار الفايروس وسبل النجاة منه، وترقب قرارات الحكومات، في استغلال واضح لعامل الخوف. وترافق ذلك مع التركيز على ضرورة "الانضباط" وتحمل "المسؤولية الاجتماعية" و"ممارسة المواطنة السليمة"، وهي مفاهيم إيجابية في مضمونها وظاهرها وضرورية في سياقها، إلا إنها تعني للسلطة السياسية الحد من النقد أو تعطيله نهائياً. غضب دونالد ترامب على صحفي من شكبة NBC لمجرد أنه وجه له سؤالاً في أحد المؤتمرات الصحافية، حول أعداد الوفيات وحالة الخوف التي تسيطر على الأميركيين، واصفاً إياه بانه يسعى للإثارة وبعيد جداً عن العمل الصحفي الحقيقي، في حين ما يهم المواطن الأميركي الآن هو الأمل.

كشفت هذه الكارثة عورات كثيرة لدى مركز النظام العالمي المهيمن، وبينت نقاط  ضعف جوهرية في سياساته الاقتصادية المطبقة في معظم "الدول التابعة"، لذلك فإن ملامح "الرواية الرسمية" تقوم على ربط الوعي بالكارثة انطلاقاً من راهنها، مع بتر كامل لسياقها وتاريخها المفترض. تصور هذه الرواية كورونا على أنه هبط فجأة ودون سابق إنذار على البشرية، وبأن آثاره أضخم من أن تواجه بسهولة، لذلك تم ابتداع شعار "نحن في حرب"، وهو شعار إعلامي ذكي، فالحرب دائماً ضد "عدو خارجي"، وهي تقتضي بالضرورة أن تحتشد الأمة خلف دولتها ونظامها السياسي الذي يتصدر المواجهة، كما تقتضي ضرورة استحضار الرموز والمشاعر الوطنية، وبالتالي بدل أن تكون الدولة هنا محل نقد وسؤال، تصبح هي الحامي، وبدل أن نتساءل: لماذا النظام الصحي عاجز عن توفير الرعاية للمصابين، ولماذا دولة مثل فرنسا بكل جهازها الصحي غير قادرة على إجراء أكثر من 2500 تحليل يومياً لكشف الإصابات، مما يحد من من قدرتها على محاصرة الفايروس؟ ولماذا أميركا غير قادرة على توفير أجهزة تنفس للمصابين وكأنها بلد فقير؟ ولماذا هذا الانهيار السريع في إسبانيا وإيطاليا؟ وهل لهذا علاقة فعلاً بحجم الكارثة الضخم، أم بقطاع صحي سحقته السياسات النيوليبرالية؟ وهل هذا بسبب مشاركة "العامة" في إدارة شؤون حياتهم، أم لأن النخبة سرقت حياة هؤلاء "العامة"؟ بدل طرح جميع  هذه الأسئلة، يقف الناس على شرفات منازلهم يصفقون ويشجعون الأطقم الطبية والأمنية، وينتظرون زعماءهم ليطلون عليهم بخطابات مثقلة بالمعاني الوطنية.  

بطبيعة الحال، الرواية الرسمية لا تهدف فقط للنجاة من الراهن، وإنما للعبور الآمن إلى مرحلة ما بعد الكورونا، أي العودة إلى الموت العادي المقبول، وبالتالي فإن نقد هذه الرواية وفهم آليات ضبط المجتمعات والتنبه لها، حتى في خضم الكارثة التي لا يمكن التقليل منها، يمثل ضرورة لمحاولة عرقلة هذا العبور وللحد من قبول الموت العادي.

إذا ما حاولنا الخروج من إطار المنظومة الدولية وروايتها، والتركيز على مجريات الأمور على صعيدنا المحلي الفلسطيني، سنجد هنالك تقاطعاً في بعض آليات وميكانيزمات العمل الإعلامي في هذا الإطار، مع التأكيد بطبيعة الحال على التباين الجوهري في الشكل والمضمون والظرف بين المستويين، وعلى خصوصية الحالة الفلسطينية لا سيما فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي وبالسياق الاستعماري. فقد عمدت السلطة الفلسطينية ومؤسستها الإعلامية على تمثيل الرواية وامتلاكها، وأصبح المؤتمر الصحفي اليومي للناطق باسم الحكومة أهم حدث إعلامي بهذا الشأن. صحيح أن ذلك ساهم في محاربة الشائعات والأخبار المتضاربة، ولكن في المقابل فقد نجحت هذه الرواية أيضاً بوضع نفسها بموازاة "المصلحة العامة" و"المصلحة الوطنية"، ما أدى إلى اختزال دور الإعلام في نقل هذه الرواية. ويمكننا الاشارة هنا إلى طبيعة الأسئلة التي تطرح في المؤتمرات الصحافية، والتي يمكن وصف معظمها بـ " التقنية"، أي أنها تتعلق بالإجراءات الحكومية، وذلك لنقلها دون نقدها.

لذلك، فقد حققت الرواية الرسمية نجاحاً كبيراً في الشارع، وهذا يظهر من خلال الإشادة والاحتفاء الشعبي بقدرة الحكومة على "ضبط" عدد الإصابات بالفايروس على صعيد فلسطيني - نقصد بالفلسطيني هنا الضفة الغربية- وهذا صحيح لا يمكن انكاره. ولكن المشكلة في الإعلام المحلي ارتهانه للحاضر وبالتالي مشاركته الضمنية بحالة الاحتفاء القائمة، في حين يغيب عنه الكثير من الأسئلة الحيوية والجوهرية، والتي منها: ماذا لو كسر الفايروس حالة الضبط هذه؟ ما هي حالة قطاعنا الصحي ومستواه وجهوزيته للمواجهة الشاملة؟ هل استثمرنا طوال السنوات الماضية في هذا القطاع كما يجب؟ ما هو مصير الفئات الفقيرة وهي الغالبية في ظل إجراءات الحجر ومنع التجول؟ هل يكفي أن نقول للعمال في دولة الاحتلال، سلامتكم تقتضي التزام بيوتكم؟ ما هو دور القطاع الخاص و "رأس المال الوطني" تجاه هذه الفئات في ظل هكذا أزمة وطنية؟ هل قام النظام السياسي بدوره لتحقيق العدالة بين هذه الفئات؟ لماذا هذا "الموت الاستثنائي" يفرض حضوره وقدسيته إلى هذه الدرجة، بينما "الموت العادي" على يد الاستعمار يمر خبراً في متن نشرة مثقلة بأخبار "بناء الدولة"؟  لم تطرح هذه الأسئلة في الإعلام المحلي ولم تعالج بعمق وشمولية، أي لم يقم الإعلام بدوره ومسؤوليته الاجتماعية والوطنية، لدفع الحكومة للانتقال من مرحلة الإجراءات التكتيكة إلى مرحلة القرارات الاستراتيجية. 

الإعلام ناقل غير ناقد، ينطلق من الراهن وبالتالي يحجب عنا المستقبل الذي ما زال رهن المجهول. بكلمات أخرى، لم يستثمر الإعلام المحلي هذه الأزمة الكونية التي نحن جزء منها ليعيد صياغة وتشكيل وعينا بواقعنا، ولم يستثمرها لمحاكمة خيار السير في فلك النيوليبرالية خصوصاً  في سياق استعماري. وهذا يعني ضمنياً مساهمته في الإبقاء على الوعي الراهن  "بالواقع المفرط" دون تغيير.

Read more