Russia Strikes a Fine Balance in MENA Region
Full text: 

لقد تعزز التصور بأن روسيا عادت إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال الأحداث الأخيرة، ولا سيما دورها في تنظيم دوريات عسكرية في المنطقة الحدودية مع تركيا في شمال شرق سورية، في أعقاب انسحاب القوات الأميركية من تلك المنطقة، والجهود اللاحقة التي بذلتها القوات السورية المدعومة من تركيا لإخراج القوات الكردية السورية من تلك المنطقة.

لكن الحديث عن عودة روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحتاج إلى بعض التدقيق، فهي لم تخرج منها أصلاً، وإنما تراجعت علاقاتها مع دول المنطقة إلى مستوى منخفض في العقد الذي تلا انهيار الاتحاد السوفياتي، بسبب تركيزها على عملية الانتقال الداخلية في تلك الفترة، وحرصها على إقامة علاقات أوثق وعلى نطاق أوسع، مع أوروبا والغرب. وبدءاً من سنة 2000، بدأ الوضع يتغير، إذ بذلت روسيا جهوداً متضافرة لتكثيف ارتباطها بالمنطقة، وما زالت تفعل هذا منذ ذلك الحين.

إن المصالح الاقتصادية محرك رئيسي لتركيز روسيا المتزايد على المنطقة، ولا سيما من خلال حرصها على زيادة مبيعات الأسلحة، والتبادل التجاري بصورة عامة، والتعاون في مجال الطاقة، كوسيلة لتغذية الانتعاش الاقتصادي في روسيا. علاوة على ذلك، تُعدّ المخاوف الأمنية أيضاً عاملاً في هذا السياق، ولهذا عملت روسيا على إشراك دول المنطقة في العمل للحد من تهديد التطرف الإسلامي الذي يمكن أن يكون له تداعيات على روسيا وجوارها. وهذا الجمع بين الاقتصادي والأمني لم يؤدّ إلى قيام روسيا بإعادة إحياء العلاقات مع شركاء الحقبة السوفياتية فقط، بل أيضاً إلى تعزيز العلاقات الجديدة، بما في ذلك مع دول تُعد حليفة تقليدية للولايات المتحدة.

ويجب فهم الانخراط الروسي المتزايد في المنطقة من خلال منظور روسيا إلى العالم، والمكانة التي ترنو إليها فيه. فموسكو تسعى لأن تكون واحدة من القوى العظمى ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب تُعطى فيه الأهمية القصوى لسيادة الدول، وليس للديمقراطية الليبرالية، لذلك، فإن عمل روسيا الدؤوب كي تصبح قوة عظمى، ومقاومتها الجهود الغربية التي تشجع على تغيير الأنظمة السياسية، هما من الدوافع الإضافية وراء انخراط روسيا في المنطقة، والذي تجلى بوضوح في الانخراط في النزاع السوري.

ونتيجة توطيد روسيا علاقاتها بالتدريج مع دول المنطقة، ومشاركتها في النزاع السوري، فإنها زادت من مكانتها كقوة نافذة في الشرق الأوسط بصورة خاصة. ومع ذلك، لا تسعى روسيا لتحلّ محل الولايات المتحدة في المنطقة، إذ إنها لا تمتلك الإرادة السياسية، ولا الوسائل الاقتصادية لفعل ذلك.

ومن المرجح أن تمضي روسيا بحذر كي تتجنب الانجذاب إلى الانقسامات الإقليمية التي قد تعرّض مصالحها الاقتصادية والأمنية للخطر، أو تدفعها إلى المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. فروسيا تحظى بميزة هي أنها تُعتبر مورِّداً جذاباً للأسلحة وشريكاً لتطوير البرامج النووية المدنية، وبالتالي، فإن من المرجح أن تظل التجارة، ولا سيما مبيعات الأسلحة، وكذلك التعاون في مجال الطاقة، وخصوصاً في المجال النووي، ثوابت في أنشطة روسيا في المنطقة. وقد تحاول موسكو أيضاً المشاركة بشكل أكبر في إدارة النزاعات وحلّها، نظراً إلى علاقاتها مع جميع دول المنطقة تقريباً، ورغبتها في الاعتراف بها بصفتها وسيطاً رئيسياً قوياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحيث تكون المشاركة الغربية غير كافية، ستتدخل موسكو لملء الفراغات.

يطرح الحضور المتزايد لروسيا في المنطقة السؤال عمّا إذا كانت علاقاتها مع الأطراف الخارجية الرئيسية الأُخرى ستكون تنافسية أم تعاونية، وبالنسبة إلى فرص التعاون مع الولايات المتحدة، يبدو أن هناك قليلاً من هذه الفرص خارج نطاق خفض النزاع على الأرض في سورية. ومع أن الرئيس ترامب يرغب في تحسين العلاقات مع روسيا، إلّا إن الأغلبية داخل المؤسسة الأمنية الأميركية تعارض ذلك، والانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (Joint Comprehensive Plan of Action/JCPOA) التي ترمي إلى الحد من برنامج إيران النووي، يضع الولايات المتحدة على خلاف مع روسيا في هذا الملف، كما أن التعاون محدود مع الاتحاد الأوروبي ولا يمكن أن يجري سوى على أساس كل حالة على حدة. غير أن النهج البراغماتي الذي تتبعه روسيا، والذي يعطي الأولوية لاستقرار الدولة وعدم التدخل، يجد له قواسم مشتركة أكثر مع الصين منه مع الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يكون تركيز الصين على الاقتصاد الجغرافي، بدلاً من المسائل الأمنية، مكملاً لقوة روسيا الاقتصادية الضعيفة ورغبتها في الاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز مكانتها السياسية - الأمنية في المنطقة، مع تولّي الصين في النهاية دوراً أمنياً أكبر يمكن لروسيا أن تستفيد منه.

إحياء العلاقات القديمة

يجب ألّا تشكل عودة روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مفاجأة، ذلك بأن العلاقات السوفياتية كانت قوية بصورة خاصة مع عدد من الدول، بما في ذلك الجزائر وسورية ومصر (حتى أوائل السبعينيات)، ومع ليبيا بعد ذلك. وقد سعت روسيا لإحياء العلاقات مع هذه الدول كوسيلة لدعم الانتعاش الاقتصادي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القيام بذلك خدم أيضاً هدف الترويج لعالم متعدد الأقطاب، تُعدّ فيه روسيا أحد الأقطاب الرئيسية.

ومع أن موسكو تلجأ اليوم إلى بعض الوسائل المماثلة للتعاون مع دول في المنطقة مثلما فعل الاتحاد السوفياتي إلى حد كبير، إلّا إن مقاربتها مختلفة أيضاً، فهي ليست مقاربة أيديولوجية، وإنما واقعية جداً. فليس لدى موسكو رؤية خاصة إلى المنطقة، بل مجموعة من المصالح التي يُنظر إليها على أنها يمكن أن تُلبى بصورة أفضل من خلال الدفاع عن استقرار الدول ومقاومة الجهود المدعومة من الخارج لإسقاط الأنظمة. وهذا النهج البراغماتي يعني أن موسكو كانت على استعداد للتعاون مع أنواع متنوعة من الأنظمة السياسية، وكذلك مع دول لا تتشارك الرأي نفسه بشأن الانقسامات الإقليمية.

لقد انطلقت جهود روسيا لزيادة وجودها في المنطقة إلى حد كبير بعد سنة 2000، بدءاً بحلفاء الاتحاد السوفياتي السابقين. وجرى التركيز إلى حد كبير على بناء العلاقات بالتدريج من خلال مبيعات الأسلحة، والتجارة على نطاق أوسع، فضلاً عن التعاون في مجالَي الأمن والطاقة، حيث ينطوي المجال الأخير في كثير من الأحيان على بناء وصيانة المفاعلات النووية ومحطات الطاقة.

ففي سورية، ومع أن الرئيس السابق حافظ الأسد سعى لتنويع شركاء بلده بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق في سنة 2003، إلّا إن المصالح الروسية والسورية عادت فتلاقت.[1] وفي سنة 2005، شطبت روسيا الديون السورية العائدة للحقبة السوفياتية، والتي عوّضتها ببيعها أسلحة روسية، ليستمر الأمر على قدم وساق خلال العقد التالي حين أصبحت روسيا المورّد الرئيسي للأسلحة إلى سورية. كما مُنحت روسيا الإذن بتجديد قاعدة طرطوس البحرية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، وهي القاعدة البحرية الروسية الوحيدة خارج المجال السوفياتي السابق. وشكلت مشاريع النفط والغاز، فضلاً عن بناء محطة كهربائية بالطاقة النووية، جزءاً من تعميق العلاقة أيضاً.[2]

وأحيت روسيا كذلك العلاقات مع الجزائر، على الرغم من أن هذه الأخيرة لم تكن يوماً متحالفة كلياً مع الاتحاد السوفياتي، لكنها كانت مع ذلك شريكة له خلال الحرب الباردة. وفي سنة 2001، أبرمت الجزائر وروسيا شراكة استراتيجية كان أحد أبعادها الرئيسية شراء الأسلحة الروسية. ومع أن روسيا كانت في موقع يؤهلها لأن تكون المورّد المفضل نظراً إلى أن الجيش الجزائري زُوِّد بأسلحة ومعدات سوفياتية (روسية إلى حد كبير)، إلّا إنه جرى تسهيل شراء الأسلحة الروسية من خلال إلغاء ديون الجزائر العائدة إلى الحقبة السوفياتية، مثلما هي الحال مع سورية. وازدادت وتيرة التدريب العسكري وتبادل الخبرات والاستخبارات بشأن الإرهاب في أعوام الألفين، غير أن محاولات موسكو إقناع الجزائر بالسماح لها بإنشاء قاعدة بحرية في المرسى الكبير في وهران، لم تؤتِ ثمارها، بسبب تمسّك الجزائر الشديد بالاستقلالية،[3] وترددها في الاعتماد بشدة على أي شريك بمفرده. وشكّل التعاون في مجال الطاقة أيضاً جزءاً من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ولا سيما مع بناء وتشغيل محطات الطاقة النووية التي من المقرر أن يبدأ تشغيل الأولى منها بحلول سنة 2025. وشكل استكشاف الغاز واستغلاله جزءاً من الشراكة أيضاً، ومع ذلك، تواجه روسيا منافسة شديدة من الشركات الأميركية والأوروبية الموجودة فعلاً في السوق.[4]

وتحسنت العلاقات أيضاً بين ليبيا وروسيا خلال العقد الأول من أعوام الألفين، ويُعزى ذلك جزئياً إلى خيبة أمل معمر القذافي من تحقيق أي فائدة جرّاء التخلي عن أسلحة الدمار الشامل الليبية، والذي دفعته خيبة أمله من استجابة الحكومات الغربية للتنازلات التي قدمتها ليبيا، إلى اللجوء إلى روسيا. وسهّل توثيقَ العلاقات بين ليبيا وروسيا إلغاءُ ديون الحقبة السوفياتية في مقابل شراء الأسلحة وعقود بناء خط للسكة الحديد عالي السرعة في ليبيا وتطوير حقول الغاز الطبيعي فيها، كما منح القذافي روسيا حق الوصول إلى ميناء بنغازي.[5] غير أن العديد من العقود لم يتحقق ، فقد أدى اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا في سنة 2011 إلى تعقيد العلاقات مع ليبيا، وإلى أن تخسر روسيا نحو 4 إلى 4,5 مليارات دولار من العائدات المتوقعة من العقود التي أبرمتها في عهد القذافي، وإلى أن تفقد أيضاً حق الوصول إلى ميناء بنغازي.[6] وبعد امتناعها من التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي فوّض التدخل في ليبيا بقيادة حلف شمال الأطلسي، لم تعد روسيا شريكاً مفضلاً في مرحلة ما بعد القذافي، كما أن الصراع الحالي تسبب بتعقيد إضافي في عملية تعميق العلاقات.

أمّا بالنسبة إلى مصر، فبدا أن تعزيز العلاقات معها خلال العقد الأول من أعوام الألفين يواجه تحديات صعبة، نظراً إلى علاقات مصر الوثيقة مع الولايات المتحدة، وإلى المحدودية التي يمكن أن تتعامل بها روسيا مع القاهرة، وخصوصاً من خلال مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري الأمني. ولم تتوفر فرصة مهمة لتقوية العلاقات مع مصر إلّا عندما أوقفت الولايات المتحدة بشكل جزئي المساعدات العسكرية لمصر في سنة 2013 رداً على مجزرة ميدان رابعة العدوية التي قُتل فيها عدد من أنصار الرئيس المخلوع محمد مرسي. في سنة 2014 تولى عبد الفتاح السيسي الحكم، وأظهر انفتاحاً على تنويع شركاء مصر، وقد أثمر دعم روسيا الثابت للسيسي[7] زيادة في مبيعات الأسلحة الروسية إلى مصر، وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب.[8] ونمت التجارة الخارجية خارج إطار مبيعات الأسلحة بين البلدين، بسبب استيراد مصر القمح من روسيا، وفيما يتعلق بمجال الطاقة، فإن من المقرر أن تبني روسيا محطة تعمل بالطاقة النووية، ويُموَّل 85% منها عن طريق قرض روسي. كما فازت روسيا بحقوق تطوير حقل الغاز ظُهر (Zohr)، على الرغم من أن شركاتها ستضطر إلى التنافس مع الشركات الموجودة مسبقاً في السوق.[9]

ولم تكتفِ روسيا بإعادة الروابط القوية السابقة بشكل خاص خلال الحرب الباردة، بل عملت أيضاً على نسج علاقات مع دول لم تكن حليفة وثيقة في العهد السوفياتي، ولا سيما إيران. وكما في معظم الحالات الأُخرى، سعت روسيا لتعزيز العلاقات مع إيران من خلال مبيعات الأسلحة وتوفير المعرفة التكنولوجية النووية، وفي هذا السياق أكملت روسيا بناء مفاعل بوشهر النووي الذي بدأت ألمانيا بناءه قبل الثورة الإسلامية في سنة 1979.[10] ومع أن روسيا حرصت على تحسين التجارة بين البلدين خارج نطاق مبيعات الأسلحة، إلّا إنها ظلت محدودة على غرار محدودية استثمارات روسيا في إيران، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى العقوبات المفروضة على هذه الأخيرة. وعلى الرغم من صعوبات تطوير العلاقات مع إيران، فإن روسيا تشترك مع طهران في مخاوفها من تغيير النظام بدعم من الخارج، كما أن موسكو ساعدتها على الصمود من خلال برنامج "النفط في مقابل السلع" الذي أُنشئ في سنة 2015، والذي يسمح لإيران بدفع ثمن البضائع بالنفط بدلاً من العملة النقدية.[11] وتتعاون روسيا أيضاً مع إيران في الملف السوري، مع أن أهدافهما مختلفة فيما يتعلق بتوفير الدعم العسكري لنظام الأسد.

علاقات خارجية جديدة

لم تعمل روسيا فقط على إعادة إحياء التعاون مع الدول التي كانت شريكة للاتحاد السوفياتي، بل أقامت علاقات جديدة غالباً مع حلفاء تقليديين للولايات المتحدة. فقد كانت روسيا حريصة على بناء علاقات أفضل مع دول الخليج، وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية التي كان التعاون معها جزءاً من جهود روسيا للحدّ من خطر التطرف الإسلامي الذي يمكن أن يمثل عامل عدم استقرار بالنسبة إلى روسيا ودول "الجوار القريبة" منها. وتحديداً، فإن التصور بأن المال والدعم من مصادر سعودية كانا يساعدان على تأجيج التمرد في الشيشان، دفع روسيا إلى السعي لتوثيق العلاقات مع المملكة العربية السعودية. ولاحقاً، دفعت المخاوف من خفض الوجود الأميركي من الشرق الأوسط الرياضَ إلى اللجوء إلى موسكو لإثبات أن لديها بدائل من الولايات المتحدة، وكذلك سعياً لإبعاد روسيا عن إيران. ويبدو أن صفقة الأسلحة التي وُقّعت في سنة 2017 بين روسيا والسعودية تشير إلى تحسّن العلاقات،[12] وبالتالي، فإن استمرار الأهمية التي تميز العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية حدّت من المدى الذي تستطيع فيه روسيا بيع الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية. كما أن غنى الأخيرة بالهيدروكربونات يجعل النفط والغاز وسيلة غير جذابة لتعميق التجارة بين البلدين، ومع ذلك، فإن لدى كلا البلدين مصلحة في الحفاظ على استقرار أسعار النفط، ويُتوقع أن يتعاونا في هذا المجال.

كانت روسيا حريصة أيضاً على تطوير العلاقات مع إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة التقليدية الأُخرى، وسعت، في أعقاب مذبحة بيسلان في سنة 2004، للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع تل أبيب. غير أن علاقات موسكو مع "حماس" بعد فوز الأخيرة في الانتخابات في سنة 2006، وكذلك علاقات موسكو بإيران، أدت إلى تعقيد العلاقات بين روسيا وإسرائيل. وزاد في صعوبة تنمية العلاقات أيضاً، تزويد إسرائيل جورجيا بالمعدات العسكرية والتدريب خلال الحرب بين روسيا وجورجيا، وكذلك وضع إسرائيل كحليف تقليدي للولايات المتحدة. ومع ذلك، ازدادت التجارة بين البلدين منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وصارت إسرائيل اليوم واحدة من أكبر شركاء روسيا التجاريين في المنطقة بعد تركيا ومصر والجزائر،[13] إذ تستورد إسرائيل النفط والحبوب من روسيا،[14] وهي من الدول القليلة في المنطقة التي تزود روسيا بالأسلحة (طائرات من دون طيار).[15] وترتبط الدولتان أيضاً بعلاقات ثقافية نظراً إلى وجود يهود ناطقين بالروسية ممّن هاجروا إلى إسرائيل. وأدّت العلاقات الوثيقة بينهما إلى إحجام إسرائيل عن انتقاد ضم روسيا شبه جزيرة القرم في سنة 2014، وهو ما عبّرت موسكو عن امتنانها له. وفي المقابل، تأمل إسرائيل بأن تستطيع روسيا مساعدتها في تخفيف بعض مخاوفها الأمنية المرتبطة بحزب الله وإيران.[16]

وُثقت العلاقات مع تركيا أيضاً بشكل قوي منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وخصوصاً مع زيادة خيبة أمل البلدين من أوروبا والغرب عامة، ونمت التجارة والتعاون بينهما، وخصوصاً في مجال الطاقة.[17] وتركيا هي حالياً أهم شريك تجاري لروسيا في المنطقة،[18] فهي تعتمد بصورة خاصة على واردات النفط الروسي، بينما تمثل روسيا سوق تصدير مهمة للمحاصيل التركية والمنسوجات والمنتوجات الاستهلاكية الأُخرى. وتوسعت السياحة بين البلدين.[19] وفي سنة 2010، وقّع البلدان شراكة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني.[20] ومع أن تركيا اشترت بشكل مثير للجدل نظام الدفاع الجوي "أس400" من روسيا، إلّا إن البعد السياسي - الأمني للعلاقات بينهما ظل في المرتبة الثانية مقارنة بقطاعَي التجارة والسياحة، نظراً إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي وتباين مصالحهما الإقليمية.

الاستفادة من الوضع السوري

أدى تدخل روسيا العسكري في سورية منذ سنة 2015 إلى تعزيز صورتها إلى حد كبير كدولة قوية في المنطقة. وبعد أن تمكنت موسكو حتى اليوم من العمل بثبات على بناء علاقات مع دول المنطقة من خلال التجارة، ولا سيما مبيعات الأسلحة والأمن العسكري والتعاون في مجال الطاقة، فإن مشاركتها في النزاع مثلت مرحلة جديدة من انخراط روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الأمر الذي ربما يبدو مفاجئاً نظراً إلى أن هذه المنطقة ليست ذات أهمية حيوية لروسيا.

يجب رؤية تصرفات روسيا من منظور مخاوفها من تغيير الأنظمة بتحريض أو تشجيع من الخارج؛ تلك المخاوف التي تصاعدت منذ غزو العراق في سنة 2003 وما لحقه من ثورات ملونة، ولا سيما ما يسمى "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا خلال الفترة 2004 - 2005 والتي رأت موسكو أن الولايات المتحدة هي التي رعتها،[21] وبلغت ذروتها في التدخل الذي قاده حلف شمال الأطلسي في سنة 2011 في ليبيا. ففي الحالة الأخيرة ، لم تستخدم روسيا حق النقض (الفيتو) لمنع إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 الذي سمح بالتدخل في ليبيا، ودعا جميع أعضاء الأمم المتحدة ومنظماتهم الإقليمية إلى استخدام الوسائل اللازمة كلها لحماية المدنيين في ليبيا من هجمات قوات النظام. لكن سرعان ما تحول ذاك التفويض إلى مهمة إنهاء حكم القذافي، معززاً مخاوف موسكو من أن قرارات مجلس الأمن أدت إلى تغيير النظام من الخارج. واكتسى الأمر حساسية أكبر بالنسبة إلى موسكو، لأن روسيا نفسها شهدت احتجاجات داخلية في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي شابتها اتهامات بالتزوير في أواخر سنة 2011.[22]

فضلاً عن ذلك، كانت موسكو مقتنعة بأن الانتفاضة في ليبيا، وانتفاضات "الربيع العربي" الأُخرى، ستولد حالة من عدم الاستقرار والتطرف الإسلامي، من شأنها أن تؤثر في النهاية في روسيا وجوارها. لقد راقبت موسكو الإطاحة بنظام القذافي واندلاع الحرب الأهلية، وكيف أن أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة، وهي جماعة سلفية سعت سابقاً للإطاحة بالقذافي، شكلوا جزءاً مهماً من القوات المنتفضة على النظام، بمساعدة قطر. كان هناك قلق في موسكو إزاء احتمال ظهور سيناريو مماثل في سورية، لا يهدد بإسقاط أحد أقرب شركاء موسكو في الشرق الأوسط فحسب، بل يفسح في المجال أيضاً، لإمكان إقامة العناصر الإسلامية المتطرفة قاعدة لهم في البلد. وتأكدت هذه المخاوف من التطرف الإسلامي في سنة 2014 عندما أعلنت جماعة تنظيم الدولة الإسلامية [داعش] إقامة خلافة في سورية والعراق، فضلاً عن سيطرتها على جيب في ليبيا.

بعد إخفاق روسيا في نقض قرار مجلس الأمن الذي أتاح تغيير النظام في ليبيا، فإنها كانت مصممة على منع تكرار الأمر نفسه في سورية التي مثّلت خطاً أحمر بالنسبة إليها. في البداية، لجأت موسكو إلى الوسائل الدبلوماسية لمنع القوى الخارجية - وخصوصاً الولايات المتحدة التي دعت الأسد إلى التنحي في آب / أغسطس 2011 - من الضغط من أجل إزاحة الأسد، واستخدمت حق النقض في مجلس الأمن الدولي لمنع تمرير مشاريع قرارات دولية كان من الممكن استخدامها ذريعة لتغيير النظام. لقد نقضت روسيا مشروع قرار لمجلس الأمن قدمته فرنسا وألمانيا والبرتغال والمملكة المتحدة في تشرين الأول / أكتوبر 2011 يدين الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في سورية، واستخدام العنف ضد المدنيين، ويدعو إلى مراجعة الوضع في غضون 30 يوماً للنظر في الخيارات.[23] ومن خلال القيام بذلك، لم تكن موسكو ترغب فقط في تعزيز مبدأ عدم التدخل، بل في حماية مصالحها الاقتصادية المتنامية في المنطقة أيضاً، نظراً إلى موقع سورية المركزي في الاستقرار في الشرق الأوسط.[24]

غير أن منع سقوط نظام الأسد لم يتطلب وسائل دبلوماسية فقط، فعندما قررت روسيا التدخل عسكرياً في سورية في أيلول / سبتمبر 2015، بدا أن نظام الأسد يواجه خطر السقوط. في تلك المرحلة، كان النظام يسيطر على ربع البلد فقط، وكان أحد الأهداف الرئيسية لروسيا هو منع انهيار النظام، الأمر الذي استلزم تقديم مساعدة عسكرية للقوات السورية. وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة، وبوضوح، غير متحمسة للتورط عسكرياً في سورية، وهو ما بيّنه فشل إدارة أوباما في فرض خطها الأحمر في سنة 2013 رداً على استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، وهذا الأمر جعل من تقديم المساعدة العسكرية مهمة أقل خطورة بالنسبة إلى روسيا. وساعد الدعم الجوي الذي قدمته روسيا على تغيير التوازن في ساحة المعركة، وبحلول سنة 2018، كان النظام يسيطر على أكثر من نصف البلد.[25] وهكذا تمكنت روسيا من دعم صمود النظام.

بمجرد سيطرة النظام على مزيد من الأراضي، وظفت موسكو عملية دبلوماسية رفيعة المستوى للمساعدة في توطيد موقف الأسد، وكذلك لأداء دور في التوسط لإنهاء النزاع. ففي أوائل سنة 2017، أطلقت روسيا، إلى جانب تركيا وإيران، عملية أستانا كمسار بديل من الوساطة التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة كمراقب. وقد تمحورت المحادثات حول الاتفاق على العديد من مناطق فضّ النزاع بين النظام وقوات المتمردين بهدف الحد من العنف وتمهيد الطريق أمام المفاوضات من أجل حلّ سياسي للصراع، بدلاً من التركيز على الانتقال السياسي، الأمر الذي كان من المحتمل أن يعني نهاية نظام الأسد. وعلى الرغم من فشل عملية أستانا في تمهيد الطريق للتوصل إلى حل سياسي، فإن هذه العملية نجحت في التغطية على المحادثات التي قادتها الأمم المتحدة لبعض الوقت، ومكّنت روسيا من الارتقاء بمكانتها كصاحبة نفوذ في المنطقة.[26]

استخدمت المرحلة الجديدة من الانخراط الروسي في المنطقة الذي تمثل في تدخّلها في النزاع السوري، مجموعة واسعة من أدوات السياسة الخارجية والأمنية التي كانت تُستخدم في المنطقة منذ عودة روسيا إليها. وقد أتى الأمر ثماره. فروسيا هي المورّد الرئيسي للأسلحة إلى سورية، وستظل القوات الروسية هناك في وضع ما بعد النزاع للمساعدة في الدفاع عن النظام، وبالتالي فإن التعاون العسكري الوثيق بين روسيا وسورية سيستمر في المستقبل. فقد مُنحت روسيا إذناً بتوسيع قاعدة طرطوس البحرية واستخدامها إلى جانب قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية لعقود مقبلة، الأمر الذي يتيح لروسيا إمكان زيادة وجودها العسكري في البحر المتوسط والشرق الأوسط، كما أن الشركات الروسية تبدو مستعدة للاستفادة من المعاملة التفضيلية في مقابل عقود لإعادة إعمار سورية.[27]

علاوة على ذلك، مكّن التدخل في النزاع السوري روسيا من تقوية علاقاتها مع الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية المشاركة في النزاع بشكل مباشر أو غير مباشر. فالعلاقات مع حزب الله وإيران أصبحت أوثق، بفضل التعاون العسكري في الساحة السورية،[28] كما أن روسيا وضعت آلية تنسيق في أيلول / سبتمبر 2015 مع إسرائيل لتجنب الاحتكاك العسكري المباشر في سورية.[29] أمّا بالنسبة إلى العلاقات مع تركيا، فقد تعززت نتيجة دعم هذه الأخيرة عملية أستانا، وبسبب تنازلات روسيا لتركيا في سورية، بما في ذلك الدعم الروسي للدعوة التركية إلى إنشاء منطقة عازلة بين قوات النظام والمتمردين في إدلب،[30] والاتفاق الأحدث على تسيير دوريات روسية على الحدود بين تركيا وسورية في أعقاب توغّل مقاتلين سوريين تدعمهم تركيا في شمال شرق سورية في تشرين الأول / أكتوبر 2019.[31]

وسعت موسكو كذلك للاستفادة من وجودها المعزز في سورية من خلال محاولة إقامة علاقات أوثق مع لبنان، ولا سيما في المجال العسكري، بما في ذلك استخدام القوات الروسية المنشآت العسكرية اللبنانية، والتدريب والتعليم العسكري المشترك. ولعل لبنان نظر بإيجابية إلى توثيق العلاقات مع روسيا نظراً إلى علاقاتها بنظام الأسد وافتراض أنها قادرة على المساعدة في إنهاء النزاع، وفي تسهيل عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى سورية.[32] ومع ذلك، تم التخلي عن إقامة تعاون عسكري أوثق جرّاء معارضة الولايات المتحدة لأي شكل من أشكال التعاون الذي يهدد بتقويض النفوذ الأميركي مع الجيش اللبناني. وفي الوقت الحالي على الأقل، تبقى الأسبقية لعلاقات لبنان بالولايات المتحدة.[33]

دور لا يزال محدوداً

مع أن التدخل العسكري في سورية نجح في تعزيز صورة روسيا كقوة ذات نفوذ في المنطقة، فضلاً عن تعزيز علاقاتها بنظام الأسد وحليفيه إيران وحزب الله، إلّا إن من المرجح أن تتقدم روسيا بحذر في المنطقة. فعلى الرغم من أنها بَنَت ببطء علاقات مع عدد آخر من دول المنطقة من خلال مزيج من التعاون التجاري والعسكري والأمن، والتعاون في مجال الطاقة، وهي بالتأكيد مهتمة بتعزيز التعاون مع دول في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فإنها لا تسعى بجدية كي تحل كلياً محل الولايات المتحدة في هذه المنطقة، فطموحها لا يمتد إلى ذاك الحد. إن روسيا تفتقر إلى الإرادة السياسية لتولي دور مهيمن في المنطقة، إذا كان ذلك يعني تحدي الولايات المتحدة، كما أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست مهمة بما يكفي لها كي تعمل على تحقيق مثل هذا الارتباط، أو أن تجد نفسها في صراع محتمل مع الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، تفتقر روسيا إلى الثقل الاقتصادي الذي يخوّلها تولّي دور مشابه لدور الولايات المتحدة في المنطقة، حتى إن رغبت في ذلك.

ومن غير المرجح أيضاً أن تسمح روسيا لنفسها بالانخراط كثيراً في المحور الموالي للشيعة وإيران، ذلك بأن التورط في المنافسات الإقليمية لن يكون في مصلحتها، وهي فعلاً تجنبت ذلك حتى الآن عن عمد. إن حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية تعني الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول التي لا تتشارك الرأي نفسه بشأن الانقسامات الإقليمية، ويبدو أنها تأمل بأن توفر لها إقامة علاقات ودية مع جميع دول المنطقة، وسيلة متدنية المخاطر إلى حد ما لأداء دور وسيط ذي نفوذ في المنطقة. ومع ذلك، من غير المؤكد إلى حد كبير إن كان سيُنظر إلى روسيا كوسيط نزيه، أو كوسيط ذي تأثير كافٍ لإنجاح الوساطة. لقد فشلت عملية أستانا في الوصول إلى مفاوضات سياسية، كما أن جهود الوساطة الروسية في النزاع الليبي لم تحقق إلّا نجاحاً محدوداً، ولهذا، فإن استخدام الوساطة كوسيلة لتعزيز مكانتها في الشؤون الإقليمية قد يثبت أنه يمثل تحدياً لموسكو.

وفي الوقت الذي تظل روسيا حذرة، فإن من المتوقع أن تستفيد من الفرص المتاحة لزيادة مكانتها الإقليمية، وخصوصاً إذا نتجت تلك الفرص من الفراغات التي تركتها المشاركة غير المتسقة من جانب الولايات المتحدة والأوروبيين. إن بعضاً من أكبر المكاسب التي حققتها روسيا في المنطقة كان جرّاء التدخل الأميركي غير المتكافئ، سواء في حالة مصر أو سورية. فنظراً إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تعد ذات أهمية استراتيجية حيوية للولايات المتحدة بسبب انخفاض اعتماد هذه الأخيرة على الطاقة في الشرق الأوسط، فإن التزامات الولايات المتحدة ربما ستظل مركزة على حماية مصالح حلفائها التقليديين، ولا سيما إسرائيل والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الرئيسية الأُخرى، الأمر الذي قد يترك بعض المجال مفتوحاً أمام روسيا لزيادة مستوى تعاونها مع بعض الدول، وخصوصاً تلك غير المفضلة أميركياً، والتي ستجد في روسيا، في هذه الحالة، شريكاً محتملاً موثوقاً به أكثر من الولايات المتحدة.

وبينما من غير المرجح أن تتحدى روسيا الولايات المتحدة بشكل مباشر، بل إنها ستستفيد من غيابها أو عدم انخراطها، فإن من المحتمل أن العلاقات بين البلدين ستكون تنافسية أكثر ممّا هي تعاونية. ومع أن وجهات النظر بين روسيا والولايات المتحدة ربما التقت بشأن بعض القضايا المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل إدارة أوباما، إلّا إن خروج ترامب عن النهج السابق الأكثر توازناً تجاه المنطقة لا يترك سوى أرضية صغيرة للتفاهم بين واشنطن وموسكو. لقد شهد النزاع السوري مستوى متدنياً من التعاون في فض الاشتباك، ومع ذلك، فإن التعاون فيما يتعلق بجهود إعادة الإعمار يبدو بعيد المنال. فجهود بوتين لإقناع الولايات المتحدة بالمساهمة في إعادة إعمار سورية لم تؤتِ ثمارها، كما أن واشنطن شجعت القوى الإقليمية على المساهمة بأموال لإعادة بناء سورية، من دون أن تساهم هي نفسها في ذلك. علاوة على ذلك، فإن التعاون بشأن الملف الإيراني أمر غير مرجح أيضاً، في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، واعتمادها سياسة الضغط القصوى على إيران. وعلى الرغم من أن احتمالات استمرار الاتفاق النووي، أو أي اتفاق آخر، في هذه المرحلة، تبدو ضئيلة، فإنه ليس من مصلحة موسكو التخلي عن إيران.

وفي المقابل، يمكن أن تكون علاقات التعاون مع أوروبا ممكنة على أساس كل حالة على حدة. فعلى الرغم من تدهور العلاقات بين أوروبا وروسيا منذ سنة 2014، فإن الاتحاد الأوروبي يتّبع سياسة الارتباط الانتقائي مع روسيا. ومع أن الاتحاد الأوروبي غير مستعد في الوقت الحالي للالتزام بإعادة إعمار سورية، لأنه يؤكد أن القيام بذلك من شأنه أن يشير إلى أن الوضع آمن كي يعود اللاجئون قبل الأوان، إلّا إن موقفه قد يتغير إذا توفرت ضمانات لعودة آمنة للاجئين وكذلك للنازحين[34] داخل سورية. إن الاتحاد الأوروبي وروسيا متحمسان أيضاً للمحافظة على خطة العمل الشاملة المشتركة، ويتشاركان في مواقفهما إزاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ولهذا، ربما يكون من الممكن تحقيق مستوى معين من التعاون، مع أنه سيكون محدوداً على الأرجح نظراً إلى التوتر بشأن موضوعات أُخرى في علاقات الجانبين، والتباعد بين النهج الروسي البراغماتي ونهج الاتحاد الأوروبي القائم على بعض المعايير.

وفي المقابل، فإن نهج الصين البراغماتي تجاه المنطقة يشبه إلى حد بعيد نهج روسيا، فهو، على غرارها، يشدد على ضمان استقرار الدول وعدم التدخل، ولهذا، استخدمت الصين حق النقض لمنع تمرير قرارات في مجلس الأمن الدولي بشأن سورية إلى جانب روسيا. ومع ذلك، كانت الصين حذرة من الانخراط بشكل أكبر في النزاع،[35] على الرغم من أنها تعهدت بعدة مليارات من الدولارات للمساعدة في إعادة إعمار سورية. وهذا في الواقع دليل على تفضيل الصين طريق الالتزامات الاقتصادية في المنطقة، بدلاً من محاولة الانخراط في المسائل الأمنية. كما أن تنامي الوجود العسكري الصيني في المنطقة، لم يغيّر من النهج الاقتصادي الجغرافي المهيمن على مشاركتها في الوقت الحالي، الأمر الذي يمكن أن يساعد في تجنب التنافس مع روسيا التي تغتنم الفرص لتكون أكثر حضوراً في المجال الأمني. لكن مع نمو الرهانات الاقتصادية للصين في المنطقة، سيكون من المحتم عليها أن تشارك بشكل أكبر في شؤون الأمن الإقليمي،[36] وربما تنفذ بعض الأنشطة المتعلقة بالأمن بالتعاون مع روسيا.

وبالتالي، فإن التزام روسيا بالمنطقة أقل قوة ممّا قد يبدو عليه للوهلة الأولى عند النظر إلى السياق السوري، فهي بعيدة كل البعد عن أن تتولى دور الحكم الجديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثلما قد يقترح المنتقدون، حتى لو كانت مشاركتها في النزاع السوري قد عززت صورتها كقوة إقليمية قوية. إن موسكو ستغتنم الفرص لتعزيز مكانتها كقوة عظمى من خلال المشاركة الإقليمية المنخفضة المخاطر والمنخفضة التكلفة، مع الاستمرار باطراد في تعزيز التعاون التجاري والأمني وفي مجال الطاقة مع مجموعة من الدول. إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست مهمة بما يكفي لروسيا لتبرير انخراطها على نطاق أوسع من ذلك، ومن المرجح أن تترك العبء الثقيل لأصحاب المصلحة الخارجيين الرئيسيين الآخرين في المنطقة.

 

[1] Talal Nizameddin, Putin’s New Order in the Middle East (London: C. Hurst & Co, 2013), p. 180.

[2] Anna Borshchevskaya, “Russia’s Goal’s Go beyond Damascus”, Middle East Quarterly (Winter 2018), p. 6.

[3] Andre McGregor, “Defense or Domination? Building Algerian Power with Russian Arms”, Eurasia Daily Monitor, vol. 15, no. 122 (5/9/2018); Kassim Bouhou, “Algeria-Russia: Military and Energy Cooperation”, Actuelles de l’Ifri, vol. 9 (September 2008); Anna Borshchevskaya, “The Tactical Side of Russia’s Arms Sales to the Middle East”, in: Russia in the Middle East, edited by Theodore Karasik and Stephen Blank (Washington: The Jamestown Foundation, 2018), pp. 183-211.

[4] Yahia Zoubir, “Algeria and Russia: Reconciling Contrasting Interests”, The Maghreb Review, vol. 36, no. 2 (2011), p. 100; Tobias Schumacher and Cristian Nitoiu, “Russia’s Foreign Policy towards North Africa in the Wake of the Arab Spring”, Mediterranean Politics, vol. 20, issue 1 (2015), pp. 103; “Algeria–Oil and gas–Hydrocarbons”, “Privacy Shield Framework”, “Export.gov".

[5] Federica Saini Fasanotti, “Russia and Libya: A Brief History of an On-Again-Off-Again Friendship”, “The Brookings Institution”, 1/9/2016.

[6] Schumacher and Nitoiu, op. cit., p. 100.

[7] Lisa Watanabe, “Russia’s Renaissance in the Arab World”, in: Strategic Trends 2019: Key Developments in Global Affairs, edited by Jack Thompson and Oliver Thränert (Zurich: Center for Security Studies, ETH), p. 73.

[8] Dalia Ghanem-Yazbeck and Vasily Kuznetsov, “The ‘Comrades’ in North Africa”, in: Russia’s Return to the Middle East: Building Sandcastles?, “EUISS Chaillot Papers”, no. 146 (July 2018), p. 75; Ramy Aziz, “Russia’s Alarming Attempts to Establish Influence in Egypt”, “The Washington Institute for Near East Policy”, 24/5/2018.

[9]Russia, Egypt Agree to Set up Industrial Zone in East Port Said”, “Russia Briefing”, 13/6/2018; Ghanem-Yazbeck and Kuznetsov, op. cit. pp. 75-76; Raphael Ofek, “Egypt’s Nuclear Deal with Russia”, “BESA Perspectives Paper no. 710”, 8/1/2018; “Egypt Signs Agreement with Russia to Build First Nuclear Power Plant”, “Power Engineering International (PEI)”, 9/5/2017.

[10] Mark Katz, “Russia and Iran”, Middle East Policy, vol, XIX, no. 3 (Fall 2012), p. 55.

[11] Nikolay Kozhanov “Russian-Iranian Dialogue after 2012: Turning a New Page?”, Russian Analytical Digest, no. 192 (10/11/2016), pp. 2-3.

[12] Li-Chen Sim, “Russia’s Return to the Gulf”, in: External Powers and the Gulf Monarchies, edited by Jonathan Fulton and Li-Chen Sim (London and New York: Routledge, 2019), p. 36.

[13] المعلومات مستقاة من خدمة الجمارك الروسية الفدرالية.

[14] Martin Russell, “Russia in the Middle East: From Sidelines to Centre Stage”, “European Parliamentary Research Service (UPRS)”, November 2018, p. 8.

Nikolay Kozhanov, “Russian Policy Across the Middle East: Motivations and Methods”, “Chatham House Research Paper”, (21/2/2018), p. 15.

[15] Mark N. Katz, “Support Opposing Sides Simultaneously: Russia’s Approach to the Gulf and the Middle East”, “Aljazeera Centre for Studies”, 23/8/2018.

[16] Russell, op. Cit., p. 8.

[17] Stephen J. Flanagan, “The Turkey-Russia-Iran Nexus: Eurasion Power Dynamics”, The Washington Quarterly, vol. 36, issue 1 (Winter 2013), pp. 164, 166.

[18] Russell, op. cit., p. 7.

[19] Flanagan, op. cit., p. 167.

[20] Ibid., p. 166.

[21] Borshchevskaya, “Russia’s Goals Go beyond Damascu”, op. cit., p. 3.

[22] John W. Parker, “Understanding Putin Through a Middle Eastern Looking Glass”, “Institute for National Strategic Studies (INSS)–National Defence University: Strategic Perspectives”, no. 19, 1/7/2015, p. 11.

[23] “Expressing Grave Concern at the Situation in Syria:

Recalling its Presidential Statement of 3 August”, “United Nations Security Council”, “Resolution S-2011-612”, 4/10/2011.

[24] Watanabe, op. cit., pp. 67-68.

[25] Ibid., p. 68.

[26] "Syria: the Astana peace process”, “France 24”, 5/9/2018.

[27] Watanabe, op. cit., p. 68.

[28] Russell, op. cit., p. 6.

[29] Ibid., p. 8.

[30] Ibid., p. 6.

[31] Bethan McKernan, “Russian Troops Patrol Between Turkish and Syrian Forces on Border”, The Guardian, 15/10/2019.

[32] Emil Avdaliani, “The Nascent Russia-Lebanon Alliance and Israel,” “BESA Prespectives Paper no. 778”, 23/3/2018.

[33] Nicholas Blanford, “Russia-Lebanon Deal? What the Resurgent Power Sees in Syria’s Tiny Neighbour”, “The Christian Science Monitor”, 15/3/2018.

[34]The EU and the Crisis in Syria”, “European Union External Action Service”, 20/9/2019.

[35] Degang Sun & Yahia H. Zoubir, “China’s Economic Diplomacy towards the Arab Countries: Challenges Ahead?” Journal of Contemporary China, vol. 24, issue, 95 (2015), p. 904.

[36] Lisa Watanabe, “The Middle East and China’s Belt and Road Initiative”,“Center for Security Studies (CSS) Analyses in Security Policy”, no. 254, (December 2019).

 

* المقالة في الأصل مداخلة بالإنجليزية قُدّمت خلال حلقة عمل استراتيجية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية نُظّمت في بيروت بين 9 و10 تشرين الثاني / نوفمير 2019، وعنوانها:

“Russia Strikes a Fine Balance in MENA Region”

ترجمتها إلى العربية: صفاء كنج.

Author biography: 

ليزا واتانابي: رئيسة الفريق الأمني السويسري والأطلسي - الأوروبي في مركز الدراسات الأمنية (Center for Security Studies/CSS)

Read more