Apocalyptic Peace: The Deal of the Century or the Devastation That Promises Prosperity
Full text: 

ومثلما سار المسيح على البحيرة سرت في رؤياي

لكني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلو ولا أبشر بالقيامة

محمود درويش

I - في المشهد

لم يتفاجأ الفلسطينيون بإعلان ترامب بشأن صفقة القرن قبيل الانتخابات الإسرائيلية الثالثة، لكنهم على الرغم من ذلك تابعوا طقس الإعلان بنوع من الذهول والصدمة أعقبها سيل من السخرية والتهكم. وبخلاف مرات سابقة، حين عُرضت على الفلسطينيين صيغ تسوية لم تكن تلبّي الحد الأدنى من تطلعاتهم كخطة ريغان في سنة 1982 التي دعت إلى حكم محلي في الضفة وقطاع غزة، ورفضها الفلسطينيون بينما كانوا يقاومون الغزو الإسرائيلي للبنان وهم تحت وطأة الحصار في بيروت، فإن "طقس" إعلان الصفقة، وما أحاطه شكلاً ومضموناً، كانا بمثابة حفل تنكيل وإهانة وإذلال للشعب الفلسطيني في بثّ مباشر.

جاء إعلان الصفقة في 28 كانون الثاني / يناير في حفل برّاق حضره غلاة الداعمين لإسرائيل من التيار المسيحي الصهيوني ومن اللوبي الصهيوني، مزينين بحضور سفراء دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وعُمان، وكان ترامب في كل جملة يقولها، يحطم أساساً من الأسس المتفق عليها دولياً لأي اتفاق مقبل، أو على الأقل كموضوع يتفق عليه الطرفان.

أعلن ترامب بداية أن الصفقة ستؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، وأنه لن يتم إخراج أي فلسطيني أو إسرائيلي من أرضه (أي سيتم إبقاء جميع المستوطنين في مستعمراتهم، حتى في الأماكن المعزولة، وأن كل مستوطن هو الحدود، وهو مَن يعلّمها)، وستظل القدس موحدة، طبعاً بكل ما فيها من أماكن مقدسة. والمطلوب فلسطينياً، وفقاً ترامب: إيقاف التعويضات المالية للـ "إرهابيين" (الأسرى).

بعد كل جملة يقولها ترامب كان يعلو التصفيق، بينما نتنياهو يهز رأسه موافقاً ومبتسماً، ليتلقى بعد ذلك الثناء والشكر من ترامب على كرمه في قبول السير بالخطة.

كان الإعلان بمشهديته بمثابة عرض فيلم جريمة حقيقية (snuff movie) في بثّ مباشر، جرى فيه بشكل استعراضي وعلى الملأ، إطلاق الرصاص على التسوية السياسية التي كانت أصلاً في حالة نزع منذ أعوام طويلة، وعلى جميع المرجعيات والأسس الدولية لعملية السلام، كما تم إعدام معادلة حل الدولتين، وقُدّم للفلسطيني نص صك استسلام للتوقيع تحت التهديد: إمّا الموافقة في مقابل الاستفادة من مشاريع اقتصادية بمليارات الدولارات، وإمّا البدء بالتنفيذ من جانب واحد.

أعلنت صفقة القرن نهاية ما قبلها، وأخذت فقط من خطاب رابين الذي ألقاه قبل اغتياله بعدة أيام لاءاته لتأطير صك الاستسلام وتقديمه بعنوان واعد: "السلام من أجل الرخاء: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي". هذا العنوان يشكل بوابة النص، فهو يضع ويحدد السياقات الإدراكية التي ستشكل أساسات حاملة لما سيبدو أنه مقترح لتسوية صراع بين جانبين متساويين من حيث الشروط والمطالب، ومن هذه البوابة "المساواتية" سيتم اعتماد التبادلية: على الطرفين إبداء المرونة؛ التنازل؛ عدم طرد أي من السكان لا من المثلث ولا من المستعمرات، إذ لا فرق بين المسجون والسجان والمستوطن والفلسطيني، ولذلك "يجب ألّا يطلب السلام اقتلاع الناس - العرب أو اليهود - من منازلهم. فمثل هذا الترتيب الذي من المرجح أن يؤدي إلى اضطرابات مدنية، يتعارض مع فكرة التعايش"، وهو كالذئب الذي قتل الجدة وارتدى ثيابها في قصة "ليلى الحمراء"، إذ استخدم النص لغة التعايش والمحبة والسلام وحقوق الإنسان في صنع رداء لتغطية السلب والنهب والاستعمار وجرائم الحرب.

في النص: "يجب على الطرفين تقديم تنازلات كبيرة ومحددة لتحقيق مكاسب أكبر"، وهنا يصاب الفلسطيني بالحيرة: ما الذي يمكن أن أتنازل عنه؟ الإجابة باختصار: كل شيء.

لن تفكك أي مستعمرة، لا في كتل المستعمرات الرئيسية، ولا في الكتل التي تقع عميقاً شرقي الجدار والتي يصل عدد مستوطنيها إلى 100,000 مستوطن، بمَن فيهم 14,000 مستوطن يسكنون في 15 مستعمرة معزولة في جيوب في عمق المناطق التي ستكون "الدولة الفلسطينية"، والتي سيتم ربطها بشبكة طرق خاضعة للسيادة الإسرائيلية. وللتوضيح، يسكن في هذه المستعمرات المعزولة غلاة المستوطنين، وقد شُيدت لتمنع مستقبلاً إقامة دولة فلسطينية من خلال فرض وجود مستوطنين على الأرض كأمر واقع، مثل مستعمرتَي عيلي ويتسهار، أي أنها ستكون في عمق الدولة الفلسطينية الموعودة 15 مستعمرة، وسيكون لها وفقاً للعقلية الاستيطانية، حاجات طبيعية كالزيادة السكانية والبناء المستقبلي والتطور، تماماً مثلما كان لأمهاتها من المستعمرات حاجات إلى النمو الطبيعي لُوّح بها في كل مرة طُلب تجميد الاستيطان حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه. بناء عليه، ستضم إسرائيل 30% من مناطق الضفة الغربية: 17% من الأغوار، و3% من مناطق المستعمرات، و10% من كتل الاستيطان والطرق والشوارع التي ستؤدي اليها. وفي المناطق التي ستسيطر عليها إسرائيل ستتوزع جيوب فلسطينية تضم على الأقل 140,000 فلسطيني يتوجب عليهم دخول "فلسطين" الموعودة عبر الطرق التي تسيطر عليها إسرائيل.

الدولة الفلسطينية الموعودة ستكون من دون أي تواصل، وستقسَّم إلى ستة معازل موجودة كلها تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية؛ إسرائيل ستسيطر على جميع الطرقات التي ستربط المعازل، وعلى المعابر الخارجية كمعبر رفح ومعبر الكرامة، وسيتم وضع حدود بطول 1400 كيلومتر بين ما سيُعتبر دولة فلسطين وإسرائيل، أي ضعف الخط الحالي الفاصل،[1] وطبعاً ستوزَّع الحواجز لضمان عدم الخلط بين الطرفين والحفاظ على الحدود. بكلمات أُخرى: من المهين توصيف المقترح بأنه وصفة للأبارتهايد، لأنه أقرب إلى معسكرات تجميع (concentration camps) فلسطينية.

في جميع الأحوال، وكي يتم الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كحرس حدود لإسرائيل، فإن عليها أن تعبر امتحان الأهلية بأن تثبت قدرتها على محاربة الإرهاب. لكن ما هو الإرهاب؟ وهل يمكن التعامل مع النضال السلمي على أنه إرهاب؟ هذا ما ستحدده إسرائيل وأميركا. إن تجربة مواجهة حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات تُظهر تماماً أن المطلوب من الفلسطينيين هو قبول المعروض من دون معارضة من أي نوع، لأن أي معارضة ستكون، اعتماداً على التجربة مع أميركا وإسرائيل، شكلاً من الإرهاب!

تتبنّى الصفقة في الكامل المنظور الصهيوني اليميني لفرض تسوية ظاهرها إنهاء الصراع، وباطنها صك استسلام غير مشروط يحوّل الفلسطينيين إلى حرس حدود لإسرائيل، وهي رؤية لم تولد بشكل مفاجىء، فالإعلام الإسرائيلي سبق أن كشف أن نص الرؤية وضعه سياسيون أميركيون وإسرائيليون، وبالتشاور مع معاهد أمنية كمعهد الأمن القومي الذي تم إطلاعه على النص في مختلف مراحل بلورته. والتقت في نص الصفقة رؤى اليمين الإسرائيلي الجديد مع حماسة مجموعة استيطانية إفنجيلية صهيونية يقودها الثلاثي غرينبلات وكوشنير وديفيد فريدمان، وتتحكم في مفاصل القرار الأميركي المرتبط بالمسألة الفلسطينية.

 II - لحظة مفصلية

من الصعب التعامل مع صفقة القرن بصفتها مجرد خطة تضاف إلى عشرات القرارات والخطط التي سبقتها وظلت حبراً على ورق في التاريخ الفلسطيني، إذ إنها جاءت في لحظة تاريخية مواتية تقاطعت فيها عدة عوامل فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية وإسرائيلية. فالوضع الفلسطيني في أسوأ حالاته: أراضي 1967 مشروخة بين حيز غزة المحاصر والمحكوم من قبل قيادة محاصرة غير معترف بها دولياً ومتهمة بالإرهاب من طرف أغلب القوى المؤثرة في العالم، وحيز مقابل في الضفة موزع بين معازل مربوطة بشبكة مواصلات يتحكم في إغلاقها وفتحها الاحتلال الذي يُحكم قبضته على مناحي الوجود كلها، ويشكل فعلياً أعلى سلطة سيادية، كونه في النهاية صاحب القول الفصل في كل شيء. وتعيش السلطة الوطنية في هذا الحيز في حال توتر مستمر بين كونها "سلطة سياسية" تمثل جميع تطلعات الشعب لإنهاء الاحتلال، وتدير منذ اتفاق أوسلو الحياة المدنية المباشرة، وبين كونها "سلطة "غير سيادية" تنتظر بلا طائل أن تتحول إلى سلطة حقيقية!

لقد تمخض إسقاط السلطة لكل خيار باستثناء المفاوضات، والانقسام وما رافقه من صراعات بين السلطة و"حماس"، عن حالة من الركاكة السياسية يوازيه ضعف في الأداء القيادي يعيد إلى الأذهان حالة الفلسطينيين عشية النكبة.

في الوقت نفسه، يعاني المحيط الإقليمي العربي حالة انهيار مستمر بدأ باتفاق كامب ديفيد، وتفاقم بانتهاء ما كان يُعتبر مخاطر استراتيجية إقليمية مثلتها الجيوش العربية (تحييد الجيش المصري والسوري والعراقي والأردني التي لم تعد تشكل مصادر تهديد، حتى لو كانت وهمية)، وكذلك غرق دول عربية في صراعات بعد تعثّر الربيع العربي، وإعادة تموضع دول عربية خليجية جيو- استراتيجياً عبر نسج علاقات مباشرة مع إسرائيل، والتحول من العداء (ولو ظاهرياً) معها إلى التعاون والتطبيع والدخول في حلف مشترك لمواجهة إيران التي تحولت إلى العدو الأخطر بالنسبة إلى أنظمة كالسعودية والبحرين، فضلاً عن الحاجة إلى تحالف استراتيجي مع أميركا لمواجهة الخطر الإيراني.

يتقاطع الوهن الفلسطيني والعربي والحماسة الإفنجيلية في أميركا مع واقع إسرائيلي استعماري استيطاني مركب ومميز، يسمح باقتناص الفرصة لحسم الصراع تحت غطاء صفقة القرن. هذا الواقع يدمج بين ثلاثة مركبات: اقتصاد قوي، وتقانة عالية، ومنظومة عسكرية تكنولوجية متطورة يمكن استثمارها لتنفيذ المراقبة والحراسة والمتابعة لسكان المعازل، وشعبوية سياسية متغولة تعتمد التحريض والمزايدة ومستعدة للذهاب إلى الحافة لتحقيق رؤاها، والأهم طبعاً وجود حامل فكري قومي صهيو - يهودي استيطاني يصارع بقايا النخب الأشكينازية التي تمثل صهيونية دولاتية تمثل إسرائيل الأولى (أبيض أزرق بصفته إعادة إنتاج محدثة لحزب مباي). وخلافاً لأنماط عمل تزن فعلها من خلال علاقته بالمعايير والقيم، وتكون حذرة في سنّ قوانين أو إجراءات مخالفة لحقوق الإنسان على سبيل المثال، فإن النمط الشعبوي بتقاطعه مع الفكر اليميني الاستيطاني في إسرائيل كثّف في الأعوام الماضية (وخصوصاً منذ سنة 2015) استخدام أدوات الديمقراطية، مثل أداة حكم الأغلبية، كغطاء قانوني لتنفيذ رؤى ومشاريع تكثيف الاستيطان وتعميق القمع للفلسطينيين ونزع شرعية نضالهم وسنّ قوانين مناقضة للقيم الليبرالية، وعلى رأسها قانون القومية. إن هذا النمط يمكن استخدامه لفرض تنفيذ صفقة القرن من خلال سن التشريعات المتدحرجة بحسب مصالح إسرائيل، وفي طليعتها ضم المستعمرات والأغوار، ثم لاحقاً دحرجة الخطط وفقاً للواقع الذي يُفرض، ولرؤى اليمين الشعبوي.

ضمن هذه البيئة، ومع استمرار صراع تيار اليمين الأيديولوجي بقيادة نتنياهو وتيار معارضي نتنياهو بقيادة بيني غانتس، تتحول صفقة القرن إلى عامل مهم جداً يرغب نتنياهو في تسليط الضوء عليه بدلاً من تسليطه على محاكمته. وإذا ما أخذنا الحالة المرتبكة له في ظل الحديث عن بداية نهايته ورغبته في أن يكون إحدى أكثر ثلاث شخصيات تأثيراً في تاريخ إسرائيل الحديث، إلى جانب هيرتسل وبن - غوريون، فإن قيامه بخطوات بعيدة الأمد لفرض رؤيته ليست مستبعدة إطلاقاً.

ثمة نقطة في هذا السياق، من المهم جداً التوقف عندها، وهي تلاقي سيرورتين تاريخيتين متوازيتين في إسرائيل وأميركا، مرتبطتين بتفاعل وتقاطع عوامل ثيولوجية مع عوامل جيو – سياسية، وتمخّضتا عن تحولات داخلية مثلت ذروتهما صفقة القرن. وهذه التحولات ترتبط أميركياً بتعاظم قوة التيار الصهيوني المسيحي وتقاطعه مع الشعبوية اليمينية العنصرية والبيضاء، وإسرائيلياً بالتحول الباراديغمي للمشروع الصهيوني بعد سنة 1967 من مشروع استعماري قومي إلى مشروع استيطاني ديني، وهو تحوّل مرتبط بشكل بنيوي منذ البدايات بالعلاقة العضوية بين الدين والقومية، وبين الثيولوجيا والصهيونية.

ضمن هذا السياق من المهم قراءة صفقة القرن ليس بصفتها مشروعاً سياسياً جيو - استراتيجياً فقط، بل مشروعاً ثيولوجياً جيو – استراتيجياً أيضاً.

 III - المسيحية الصهيونية: القيامية التي ستأتي بالمملكة

سبقت الصهيونيةُ المسيحية الصهيونيةَ السياسية اليهودية بعدة قرون، وكانت التيارات الإنجيلية البريطانية حاضنتها الأولى. وقد انتشرت أساساً في القرن الثامن عشر بين الطبقات الفقيرة، ثم انتقلت لاحقاً مع الهجرات إلى الولايات المتحدة.

خضع انتشار الصهيونية المسيحية للظروف التاريخية، فكانت تقوى أحياناً، وتضعف أحياناً أُخرى. لكن مع ظهور الصهيونية السياسية في القرن التاسع عشر تقاطعت الرؤى بين الجانبين، وقد أسهب في هذا الإطار المؤرخ بول ميركلي الذي رصد خلال الفترة 1891 - 1948 العلاقات المتشابكة بين القيادات الصهيونية اليهودية وعلى رأسها هيرتسل، وبين شخصيات مسيحية صهيونية مأخوذة بفكرة عودة اليهود إلى البلاد المقدسة.[2]

تؤمن المسيحية الصهيونية (christian zionism) بأن فلسطين هي الأرض الموعودة للشعب اليهودي، وأنه يجب أن يعود إليها ليقيم كياناً يهودياً فيها يمهد لعودة المسيح الثانية الذي سيؤسس مملكة الألف عام. وقد ساعد بشكل كبير وجود شخصيات محسوبة على المسيحية الصهيونية، في استصدار وعد بلفور، بما فيه دعم رئيس الحكومة البريطانية لويد جورج، ووزير الخارجية مارك سايكس، واللورد روبير سيسيل، والسير رونالد غراهام الذي أدى دوراً مهماً في صوغ تصريح بلفور الذي أُعلن رسميا في 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1917. وعبّر ناحوم سوكلوف في كتابه "تاريخ الصهيونية" الذي نشره في سنة 1919، عن الدور الكبير الذي أدته الصهيونية المسيحية في دعم الصهيونية السياسية، ونجاحها في استصدار وعد بلفور.[3]

لقد كُتب كثير عن العلاقة بين المسيحية الصهيونية والصهيونية السياسية، وبعض هذه الكتابات بالغ في دور الصهيونية، بينما قلل البعض منه، لكني لن أدخل الآن في تفصيلاتها. المهم هو أن الصهيونية السياسية التي تبلورت كحركة قومية استعمارية يهودية، تقاطعت مع فكر مسياني ثيولوجي في بريطانيا، تحول لاحقاً وبالتدريج إلى مصدر قوة ورافعة استراتيجية لإسرائيل بعد أن انتقل مركز ثقله إلى الولايات المتحدة، أكبر مركز عالمي للتيار الإفنجيلي الذي يدعم بأغلبيته الفكر الصهيوني المسيحي. وقد ساهم الدعم الشديد لهذا التيار في فوز دونالد ترامب الذي حصد في انتخابات 2016 أصوات 81% من الناخبين الإفنجيليين، طبقاً لاستطلاعات مركز "بيو" للأبحاث، أي أن انتصار ترامب الانتخابي وفوزه بالرئاسة مدين لأصوات الإفنجيليين أساساً. ويُقدّر عدد الإفنجيليين في الولايات المتحدة بـ 75 مليون نسمة منهم 50 مليوناً يعبّرون عن دعمهم للصهيونية المسيحية،[4] ويعتبرون أن دعم إقامة دولة اليهود هو واجب ديني وشرط للخلاص، وأن مَن لا يقوم به سيعاقَب.[5]

تكمن أهمية التيار الإفنجيلي الصهيوني في تقاطع أفكاره مع التيار الأكثر تطرفاً في الصهيونية، بل إن هناك من يؤمن بأن النهاية التي ستأتي بعدها المملكة لن تحدث قبل أن توسع إسرائيل حدودها إلى منطقة الهلال الخصيب كلها. وفي الحد الأدنى، تؤمن المسيحية الإفنجيلية بحق اليهود الحصري في فلسطين، بما في ذلك بناء الهيكل وتجميع يهود العالم فيها، باعتبار أن ذلك يمثل مقدمة لعودة المسيح وإقامة مملكة الألف عام. ويتميز كثير من أفكار الإفنجيلية فعلياً بمعاداة السامية، فأتباعها يؤمنون بأنه يجب تنصير اليهود بعد عودتهم وقدوم المسيح ليحظوا بالخلاص أو يُبادوا، وهم يتعاملون مع القصص التوراتية بحرفيتها.[6] هذه الأفكار أدت إلى عدم تعامل المؤسسة الرسمية الإسرائيلية مع الصهيونية المسيحية لأعوام طويلة، غير أن هذا التوجه تغير بالتدريج وتعاظم بشكل غير مسبوق مع فترة حكم نتنياهو[7] الذي قال: "لا أعتقد أن دولة إسرائيل كان من الممكن أن تقوم لولا دعم الصهيونية المسيحية."[8]

لقد جذب الفكر المسيحي الصهيويني بحمولته الميثولوجية شعراء وأدباء ساهموا في أسطرة الصهيونية السياسية الاستعمارية باعتبارها إعادة إحياء لإسرائيل التوراتية مرة، أو مقدمة لتحقيق وعد إلهي مرة أُخرى. فعلى سبيل المثال، نشر بورخيس، كاتب الأرجنتين الأعظم، مباشرة بعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل لما نجا من فلسطين في نكبة 1948، قصيدته "إلى إسرائيل" التي صاغها بلغة محملة بالميثولوجيا الدينية والرموز التوراتية، وعبّر خلالها عن تصوره للعلاقة العضوية بين إسرائيل الدولة الحديثة التي تشكلت عبر أدوات الاستعمار الاستيطاني وتحولت إلى دولة احتلال، وبين إسرائيل المقدسة التوراتية، إذ تظهر إسرائيل الحديثة بصفتها عبارة عن إنهاء لحالة توهان وضياع استمرت عدة قرون:

 

مَن سيخبرني إن كنت تجرين

في متاهة أنهار دمي الضائعة منذ قرون

يا إسرائيل؟

في أي الأماكن طافت دماؤنا؟

 

لم يعد يهم استذكار تاريخ الضياع المشترك لبورخيس الذي يربط توهانه بإسرائيل متخيلة بواسطة الميثولوجيا الدينية، وبأعمدة الكتاب المقدس وصولاً إلى آدم، ويجيب:

 

لا يهم، أعلم أنك

في الكتاب المقدس المطوق للزمن،

في تاريخ آدم الأحمر

وفي ذاكرة وعذاب المصلوب.

في هذا الكتاب أنت،

مرآة تُرى فيها:

الوجوهُ المنحنية على نفسها

ووجه الرب الكريستالي القاسي

حيث الفزع في الثنايا.

 

وينهي بورخيس قصيدته بصلاة لإسرائيل: "بوركت يا إسرائيل، لتحمي جدار الرب في قلب المعركة".

قصيدة بورخيس هذه تشبه بروحها قصائد آباء الصهيونية القومية، وتذّكر إلى حد بعيد بقصيدة "أورشليم من ذَهَب" للشاعرة الصهيونية واليمينية، المستوطنة نعمي شيمر التي أعادت صوغ قصيدتها كي تلائم احتلال القدس في سنة 1967:

 

كيف نضبت آبار الماء في البلدة القديمة؟

ميدان السوق خالٍ

وما من زائر لجبل الهكيل

وفي الكهوف التي في الصخور عويل الريح

ولا أحد ينزل في اتجاه البحر الميت في طريق أريحا

أورشليم من ذَهَب ومن نحاس ومن نور

لكل أغانيك أنا قيثارة

وتنهيها:

عدنا إلى آبار المياه

للسوق وللميدان

مزمار يعلو في جبل الهيكل في البلدة القديمة

وفي الكهوف التي في الصخر

آلاف الشموس تشرق

ونعود إلى النزول في طريق أريحا إلى البحر الميت

أورشليم من ذَهَب ومن نحاس ومن نور

لكل أغانيك أنا قيثارة[9]

ما يهمنا في قصيدة بورخيس من جهة، ونعمي شيمر من جهة أُخرى، هو التناص بين القومية الصهيونية والثيولوجيا التوراتية، والذي تعاظم مع احتلال 1967، وشكل من وجهة نظر الصهيونيين المسيحية والقومية معجزة ربانية إلى حد كبير، أعادت إلى الواجهة مجدداً أسطرة إسرائيل الاستعمارية، وقولبتها في خطاب مسياني صهيو - مسيحي من جهة، وصهيو - استيطاني يهودي من جهة أُخرى، تكثفا وتطورا ووصلا إلى لحظة الذروة في إعلان صفقة القرن التي تقاطعت فيها الرؤى الميثولوجية مع المصالح الجيو - استراتيجية التقليدية، في حين ساهم صعود الجهادية الإسلامية، وعلى رأسها "داعش"، في الدفع في هذا الاتجاه.

 IV - صفقة القرن: أميركا الإفنجيلية طرفاً

ضمن هذا التقاطع والتماهي لم يعد ممكناً الحديث عن انحياز الوسيط الأميركي إلى إسرائيل، فهذه اللغة لم تعد ملائمة للواقع، لأن أميركا انتقلت تحت تأثير التيار الإفنجيلي من وسيط سياسي في الصراع، إلى شريك في مشروع مسياني تتموضع فيه إلى جانب إسرائيل في جبهة مشتركة في مقابل الفلسطينيين، وتتشاركان معاً في رؤية أيديولوجية ثيولوجية، وليس في مصالح استراتيجية فقط. فقد طرحت أميركا عدة مبادرات سابقة بدءاً بمشروع روجرز في سنة 1969، ومبادرة ريغان في سنة 1982، ثم مؤتمر مدريد، وخطة كلينتون، وخريطة الطريق لجورج بوش التي كانت في أغلبيتها منحازة إلى إسرائيل، لكن مع صفقة ترامب كانت المرة الأولى التي يبدو فيها الحل مصاغاً من طرف مجلس المستعمرات في الضفة، وهذا أمر ليس مستغرباً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العلاقة العميقة بين سفير أميركا ديفيد فريدمان والمشروع الاستيطاني ودعمه له.

إن أحد أهم إرهاصات الصفقة هو أنه بتبنّيه اللغة التوراتية أخرج الصراع من السياسة وأدخله إلى الثيولوجيا، وبالتالي بات الفلسطيني يشعر بعمق بأنه ذاهب إلى الهاوية، والإسرائيلي إلى المملكة.

يمكن تلمس البعد الإفنجيلي بشكل جليّ في البند المتعلق بالقدس في نص الصفقة، والذي جاء فيه:

بالنسبة إلى اليهودية، تقع القدس حيث يقع جبل موريا. فوفقاً للتقاليد اليهودية ضحى إبرهيم هناك بابنه إسحق، حتى تدخّل الله. بعد قرون، أصبحت القدس المركز السياسي للشعب اليهودي عندما وحّد الملك داود بين اثنتي عشرة من قبائل إسرائيل، الأمر الذي جعل المدينة العاصمة والمركز الروحي للشعب اليهودي، والتي ظلت ما يقرب من 3000 عام كذلك. بنى ابن الملك داود، الملك سليمان، المعبد الأول على جبل موريا، فبحسب التقاليد اليهودية، تم تخزين الوصايا العشر الأصلية، التي كشفها الله لموسى في جبل سيناء، داخل المعبد، داخل قدس الأقداس. جرى تدمير الهيكل الأول على يد البابليين في سنة 586 قبل الميلاد، وبُني الهيكل الثاني فوق الجبل نفسه حيث بقي قائماً حتى دمّره الرومان في سنة 70م. ومع ذلك، لم تفقد القدس قداستها قط لدى الشعب اليهودي: فهي تظل الاتجاه الذي يتجه إليه اليهود في جميع أنحاء العالم في الصلاة، وهي وجهة الحج اليهودي. ففي كل عام، في اليوم التاسع من شهر Av اليهودي، يصوم اليهود ويحيون ذكرى تدمير المعبدين. ومع أن اليهود يصلّون اليوم عند حائط المبكى الذي هو كناية عن جدار إسنادي في الهيكل الثاني، إلّا إن جبل الهيكل نفسه هو أقدس موقع في اليهودية. هناك ما يقرب من 700 إشارة منفصلة إلى القدس في الكتاب المقدس العبري، وعلى مدى 100 جيل، كانت آمال وأحلام الشعب اليهودي تتجسد في عبارة: "السنة المقبلة في القدس".

يتحدث النص بعد ذلك عن أهمية القدس للمسيحية ثم الإسلام، وأخيراً يصل إلى النتيجة الأهم:

بينما يجب تجنّب التقسيم المادي للمدينة، يوجد حالياً حاجز أمني لا يتبع الحدود البلدية ويفصل فعلاً الأحياء العربية (أي كفر عقب، والجزء الشرقي من شعفاط) في القدس عن بقية الأحياء في المدينة .يجب أن يظل هذا الحاجز المادي في مكانه، وينبغي له أن يكون بمثابة حدود بين عواصم الطرفين .ستبقى القدس عاصمة دولة إسرائيل، ويجب أن تظل مدينة غير مقسمة. يجب أن تكون عاصمة دولة فلسطين ذات السيادة في الجزء من القدس الشرقية الواقعة في جميع المناطق الواقعة شرقي وشمالي الجدار الأمني الحالي، بما في ذلك كفر عقب، والجزء الشرقي من شعفاط وأبو ديس، ويمكن تسميتها القدس، أو أي اسم غير ذلك تحدده دولة فلسطين.

يستخدم غونثر أندرس مفهوم القيامة العارية (naked apocalypse) في مقالة له،[10] في إشارة إلى النهايات القيامية التي لا يوجد بعدها أي بداية، والتي لا تنطوي سوى على سقوط وانتهاء وإقفال من دون أي بدايات بعدها؛ قيامة بلا مملكة موعودة، فقط خراب ينهي كل شيء. ويستخدم أندرس هذا المفهوم ليشير إلى الخراب والدمار الذي يتلو الحرب النووية التي لا يأتي بعدها شيء، فهذه هي النهاية التي لا فاتحة لفردوس موعود بعدها، وبتعبيره: "هذه هي النهاية القيامية بلا مملكة (apocalypse without kingdom) تقابلها المملكة من دون قيامة (the kingdom without apocalypse)"، وبتحوير إسلامي "معركة ياجوج وماجوج" التي تُغلق العالم ولن يبزغ بعدها أي شيء غير محو البشرية. القيامية تَعِد بالمملكة، لكن القيامية التي لا تَعِد بشيء هي خراب مطلق.

ومثلما أدت الثورة الشيوعية دور نهاية العالم، وفقاً لأندرس، وقام المجتمع غير الطبقي بدور "ملكوت الله"، فإن صفقة القرن تريد أن تؤدي هذا الدور بالضبط، معلنة نهاية العالم الحالي، والمباشرة في تأسيس مملكة الوعد ليس رمزياً، وإنما على أرض الواقع، عبر إنهاء الصراع وافتتاح السلام الأبدي للمملكة التي ستقوم حين يُهزم الفلسطيني وتتم إزاحته تماماً عن مشهد التاريخ، بعد أن يوقّع صك هزيمته وينزل عن منصة الصراع.

إلى أين يذهب الفلسطيني؟ إلى العدم السياسي؛ يترك الحيّز السياسي ويضع خلفه جميع المصطلحات المرتبطة بالقومية والوطن والتحرر، ويدخل إلى المعازل التي ستعمل وفقاً لشروط معينة، ويتقلص بالتالي إلى ذرات بيولوجية، ومع نهايته كقضية سياسية، تولد مملكة إسرائيل.

وبتأثير من أندرس، استخدم سلافيو جيجيك مفهوم "القيامية المتعددة" (multiple apocalyptic threats today)، ليشير إلى تعدد مصادر المخاطر وانبعاثها من جهات مختلفة تنبىء بالنهايات، وإلى الكيفية التي تحوّل معها خطر النهايات إلى حامل نفسي جمعي في خطابات متناقضة من اليمين واليسار.

في حالة الفلسطيني تطرح صفقة القرن موضعة الفلسطيني في حقل قيامي متعدد: أبارتهايد؛ معازل؛ قمع؛ تذرير؛ طرد وترانسفير؛ وإلى جانبه مملكة بلا قيامة (في الحاضر طبعاً إذ إن القيامة ستحدث) هي "مملكة إسرائيل" التي تسيطر على كامل البلد وتنعم بالأمن والسلم، حيث "يسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان، تربض أولادهما معاً، والأسد كالبقر يأكل تبناً، ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان، لا يسوؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي، لأن الأرض تمتلىء من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر" (إشعياء، الإصحاح 11: 6 - 9)

 V - الصهيونية اليهودية والتحول من الدولة إلى المملكة،

أو الغوليم الذي ثار على خالقه

في التراث اليهودي الديني يشير "الغوليم" (Golem) إلى إنسان مصطنع خُلق من طين على شاكلة إنسان، ويُبعث إلى الحياة من خلال استخدام توليفات الاسم المقدس للرب ومعادلات حسابية مستنبطة من الأبجدية العبرية، واعتماداً على حسابات من كتاب الخلق العبري (سفر يتسيرا)، يمكن التوصل إليها فقط على يد الورعين الصديقين ممّن قاربوا اكتمال فهم الدين، بينما الغوليم المصنوع من طين لا يمتلك قدرة الكلام، ويكون خاضعاً لإرادة سيده. وتشكل قصة غوليم براغ أكثر القصص الشعبية انتشاراً، والتي وفقاً لها قام الحاخام يهودا لوي الذي كان حاخام مدينة براغ في القرن السادس عشر، بصنع غوليم وبثّ الروح فيه وأعطاه اسم يوسف. كان الغوليم يوسف عبداً مطيعاً لسيده الذي استخدمه أساساً لبثّ الرعب في نفوس الأغيار ممّن كانوا ينشرون فرية الدم عن اليهود ويقومون بمضايقتهم، كما استخدمه الحاخام في أكثر من مرة في مهمات داخلية تخص اليهود، وساهم في إرساء الأمن والنظام في المدينة.

كان يوسف المصنوع من طين، روحاً بلا نفس، جسداً بلا لغة، كائناً برزخياً يتوسط الإنسان والجن، ويطيع سيده بلا أسئلة، وينفذ إرادته بالتمام من دون نقاش. وفي كل يوم جمعة حين تقارب الشمس الغروب يقوم الحاخام بسحب الروح منه قبل دخول السبت خوفاً من أن يدنس قدسيته فيقع المحظور، أمّا الغوليم فيتمدد كتلة باردة بلا حراك حتى انتهاء السبت، ثم يعود الحاخام لإعادة الروح إليه ويبعثه إلى الحياة.

في إحدى المرات نسي الحاخام أن يُخرج الروح منه عشية السبت، فدنّس الغوليم قدسية السبت وبثّ الرعب في النفوس وعرّض السكان للخطر. لحق الحاخام بالغوليم حتى ألقى القبض عليه أمام كنيس آلت - نوي شول في براغ، وسحب منه الروح فانهار الغوليم على باب الكنيس حطاماً. ويقال إن على جبين الغوليم كانت محفورة كلمة "حقيقة" بالأحرف العبرية، وإن الحاخام محا منها حرفها الأول الذي يشير في الثيولوجيا اليهودية إلى الاسم المقدس" فصارت الكلمة "ميت"؛ وهكذا استطاع أن يسحب الروح من الغوليم ويحوله إلى حطام، أمّا بقاياه فحُفظت في عليّة الكنيس المغلقة، وما زالت هناك إلى يومنا هذا، تبثّ الخوف والرهبة وتسقي الحكايات والأساطير المتولدة في برزخ الجماعة والدين.

شاءت المصادفة المحضة، أو ربما مكر التاريخ المستبطن في ثناياه، أن يشتق ثيودور هيرتسل - الأب الروحي للصهيونية - بعد قرنين ونيف، اسم كتابه اليوتوبي النبوئي الذي سيصير منارة القومية الصهيونية الصاعدة لدولة اليهود "الت - نوي - لاند" من اسم الكنيس "الت - نوي - شول" في براغ، الذي تحطم على بابه الغوليم ذرات.

جاء استخدام الاسم من طرف هيرتسل العلماني الملحد والمخذول من فرص الاندماج، مدخلاً رمزياً لمخاطبة اليهود ومدّ جسر بين فكرته القومية الحديثة وبين ماضيهم القديم، مستبدلاً الكنيس بالبلد، والمقدس الديني بالأرضي العلماني، ومؤسساً برنامجه العملي لدولة اليهود على هذا الاستبدال الذي يشكل فعلاً مؤسساً بدئياً للصهيونية المعلمنة. لكن هذا الاستبدال الذي اتخذه مدخلاً لفهم تحولات الصهيونية وتطورها من حركة معلمنة تُخضع الدين لفكرتها القومية، إلى حركة قومية يهودية تُخضع الدين للقومية، وتحمل في طياتها أبعاداً مركبة وطبقات من المعاني عن العلاقة البنوية بين القومية والدين في المشروع الصهيوني، وعن بذور تحول الصهيونية من حركة استعمارية علمانية إلى قومية دينية يهودية. إن استنارة هيرتسل بدلالة مأخوذة من اسم كنيس يمد جسراً بين القديم والجديد لوضع اسم لكتابه، ربما تبدو مجرد فعل رمزي مربح لتجنيد الجماعة بسبب مخزونه الروحاني الثقيل للفكرة القومية، لكن هيرتسل العائد إلى يهوديته بعد أن لفظته القومية الألمانية جانباً، وبعد أن ارتفع منسوب خطاب اللاسامية إلى درجات عالية، وفي ظل التخبط الوجودي المجدول بعلو الفردانية والبحث عن الذات في ظلال الحداثة، مد جسره القومي للبلد المتخيلة بين القديم والحديث، ومثلما يشير آحاد هعام، ارتكازاً على أساس سوء فهمه البدئي للموروث اليهودي، فخلط الأشياء وبلبل المعاني. فالكنيس الذي استقى منه عنوان كتابه "الت - نوي - لاند" لم يكن اسماً ألمانياً أصلاً يشير إلى "قديم جديد" مثلما تخيل، وإنما كان تحريفاً لتوليفة عبرية من "عل - تناي"، أي على شرط، وهو الاسم العبري للكنيس العتيق الذي بُني على حجر حُمل - وفقاً للأسطورة - من الهيكل، وسُمي بالعبرية "عل – تناي"، أي "على شرط"، كونه بناءً موقتاً إلى أن تتم عودة المسيح وتحقق العودة المسيانية المخلصة. غير أن عل - تناي حُرّفت بمرور الوقت إلى لالت - نوي (القديم – الجديد)، فأخطأ هيرتسل أصلها ومعناها (آحاد هعام، 1902).

استقت الصهيونية العلمانية أيديولوجيتها القومية من الثيولوجيا الدينية والتوراتية، وتداخلت الرؤى النبوئية بالقومية، وحوت من البدايات بذور تديين الصهيونية وصهينة الدين.[11]

تحدث هيرتسل إلى الكاتب والأديب روبن بْرَاينِن (Reuben Brainin) عن حلم رآه وهو فتى في الثانية عشرة، عن ظهور المسيح له، وقال:[12]

أخذني بين ذراعيه وحلّق بي على أجنحة السماء. وفوق إحدى السحب ذات الألوان القزحية التقينا موسى. كانت تقاطيعه شبيهة بتقاطيع تمثال مايكل أنجلو.. ثم نادى المسيح موسى قائلاً: لقد صليتُ من أجل هذا الفتى..! هيا أعلن لليهود أنني قادم قريباً وعازم على إنجاز أعمال عظيمة ومدهشة لمصلحة شعبي، ولمصلحة الجنس البشري!

ليس غريباً أن شخصيات صهيونية مسيحية أطلقت على هيرتسل لقب الملك، فقد تقاطعت السياسة والثيولوجيا في لحظة فارقة استبدلت فيها الصهيونيةُ اليهودية القومية الخلاصَ الديني بالخلاص القومي، أمّا الصهيونية المسيحية فاعتبرت الخلاص القومي بداية خلاصها الديني. وقد لخص يهودا شنهاف الأمر قائلاً: "[....] تميزت الصهيونية بكون الوعي القومي لديها كان منذ البداية بمثابة تفسير للأسطورة الدينية."[13]

التأمل في الخطاب الصهيوني يُظهر الكيفية التي اقتربت المسيحية ثيولوجياً فيها باستمرار من الصهيونية، فقد تحولت الأساطير الميثولوجية والدينية بالتدريج من أدوات لتحقيق فكرة الدولة اليهودية القومية عبر الأدوات الاستعمارية الاستيطانية، إلى هدف يتحقق عبر إقامة إسرائيل التوراتية بعد احتلال 1967. فهذا الاحتلال شكل فعلياً لحظة مفصلية، إذ بعد أن تحولت الصهيونية من المستعمرة إلى الدولة في سنة 1948، فُتح المشروع الاستعماري مجدداً في سنة 1967، لكن بمعنى مثقل بالأبعاد والرموز الدينية المستقاة من سفر يهوشوع، إذ استُبدلت المستعمرة ذات المعنى الاستعماري الأوربي الحداثي بالمستعمرة ذات المعنى التوراتي الديني.

في سنة 1967 التقت الصهيونية العلمانية بأساطيرها التوراتية التي انطلقت بقوة، ولم تعد أساطير يهوشوع بن نون مجرد قصص، وإنما جزء من مكان فعلي ملموس من أرض إسرائيل المتخيلة التي جرت إعادة تسمية أماكنها مجدداً: بيت إيل؛ بنيامين؛ شيلو؛ جلجال... إلخ، بهندسة توراتية.

ضمن هذا السياق سكّ غرشوم شالوم مصطلح "ثمن المسيحانية"، إذ اعتاد طرح السؤال: هل سيكون في إمكان التاريخ اليهودي تحمّل الدخول [الصهيوني] إلى الواقع الحقيقي من دون أن يدفع ثمن المطلب المسيحاني المنبثق من أعماق هذا التاريخ؟[14]

لقد مرت الصهيونية بعدة تحولات باراديغماتية وانزياحات استراتيجية، إذ تحولت الأساطير الدينية من أدوات للشحن والاستقطاب للفكرة الصهيونية في الكتابات المؤسسة السياسية والأدبية، ومن خطاب لبلورة الروح القومية في فترة الييشوف، إلى ناظم لهندسة حدود الهوية القومية اليهودية والعلاقات الداخلية بين المركّبين الديني والمدني - قومي في العقود الأولى للدولة. وقد تحوّل هذا الناظم إلى مصدر للتوتر بين العلماني القومي والديني القومي بعد احتلال 1967 حين التقت القومية الحديثة بأسطورتها الدينية، ونظرت دولة إسرائيل الاستعمارية - علمانية إلى أرض إسرائيل التوراتية النازلة من المقدس إلى الأرض، ليتبعه تنحٍّ متدرج للمستعمرة كفكرة علمانية قومية في مقابل هيمنة متصاعدة للمستعمرة الدينية، وصلت إلى ذروتها بإزاحة مركبات الدولة المدنية والمواطنة والديمقراطية الاستعمارية لمصلحة تلك الاستيطانية الدينية والهوية القبلية، مثلما تجلّت في سنّ قانون القومية اليهودية مؤخراً، ثم في صفقة القرن.

تقاطع فوز ترامب في انتخابات 2016 وتعيين شخصيات إفنجيلية في مفاصل صنع القرار مع هيمنة الصهيونية الاستيطانية، ومن رحم هذا التقاطع الذي يخلط المسياني والدين بالسياسي، ولدت صفقة القرن لحسم المسألة الفلسطينية نهائياً عن طريق إقامة المملكة اليهودية التي يختلف بشأن دورها الطرفان ويفترقان.

 VI - صفقة القرن: عود على بدء (ربما)

يُظهر أداء القيادة الفلسطينية العام أنها غير قادرة على مجاراة الأحداث التي تتسارع كالشلال من حولها، فهي تستمر في ممارسة العمل كأداء بروتوكولي دبلوماسي مقطوع عن الشرط الكلي، ويستخدم الأدوات ذاتها التي ثبت فشلها في واقع عالمي متغير وخائف من البلطجة الأميركية، مثلما حدث لمحاولة استصدار قرار أممي ضد صفقة القرن الذي تم تخفيفه ليكون مع حل الدولتين، ثم جرى سحبه أخيراً، وأعقبه خطاب دون التوقعات للرئيس أبو مازن، خُتم بلقاء هامشي مع رئيس حكومة إسرائيل السابق إيهود أولمرت الذي فقد صدقيته في الشارع الإسرائيلي بعد تهم الفساد التي أدين بها وبعد سجنه. وبينما يرى البعض أن الأداء الفلسطيني السياسي الذي لا يتبنّى إلّا العمل الدبلوماسي سمح بالتمادي الصهيوني - أميركي (وهو ما لا أعتقده)، فإن هذا الأداء في أعقاب زلزال صفقة القرن، عزز الشعور العام بالإحباط والغضب.

لقد سحبت صفقة القرن من الفلسطيني مطالبه كلها، وتبنّت جميع المطالب الإسرائيلية: لا عودة إلى حدود 1967؛ لا تفكيك للمستعمرات؛ لا عودة للاجئين؛ سيطرة أمنية كاملة لإسرائيل على الأمن والجو والحدود والمياه؛ القدس عاصمة إسرائيل كاملة وموحدة. بمعنى آخر صك استسلام على الفلسطينيين أن يوقّعوه، أو يُفرض تنفيذه من جانب واحد.

تنطوي الصفقة على المدى المتوسط والقريب، على مخاطر كارثية من حيث مأسسة الأمر الواقع وتعميقه باعتباره الحل، كما تنطوي على المستوى البعيد على فرص يمكن استغلالها:

أولاً: فتحت الباب مجدداً أمام الفلسطيني الذي وجد نفسه منذ أوسلو أسير عملية سياسية عقيمة، للتحرر من منطق التفاوض للتفاوض فقط، والتحرر من الدور الأميركي.

ثانياً: تعيد الصفقة فتح الصراع إلى نقطة بدئه بدلاً من إغلاقه، وهي بما تضمنته من خطاب وما رافقها من طقوس ومن ممارسات، أغلقت حقبة تاريخية استُخدمت لتمدد إسرائيل في فلسطين كلها، ونقلت المسألة الفلسطينية إلى وضع جديد لم يعد ممكناً معه استخدام اللغة والخطاب والمعادلات ذاتها للتعامل معها.

ثالثاً: الصفقة هي معادلة إقامة معازل فلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية، وتشبه الأبارتهايد. والصفقة تؤسس "دولة واحدة" عنصرية رسمياً فيها نوعان من المواطنين، نصفهم من الفلسطينيين الذين يمكن أن ينقلبوا على إسرائيل، مثلما انقلب الغوليم على صانعه، الأمر الذي يعيد المسألة إلى ما قبل سنة 1948، ويفتح المستقبل مجدداً على خيارات الدولة الواحدة أو الثنائية القومية.

 أنا أرفض، إذاً أنا موجود / أنت لست موجوداً!

وضعت صفقة القرن الفلسطيني على الحافة وطالبته بإلقاء نفسه إلى الهاوية، عارياً من كل شيء. والشرعية الدولية التي اتخذها الفلسطيني علماً يلوّح به ليل نهار لتحقيق الاستقلال وإنهاء الاحتلال جرى إلقاؤها إلى سلة المهملات، واستُبدلت بمرجعية صهيو - مسيحية ووعد قيامي. وهذا الاستبدال يعني، فلسطينياً ودولياً، أن الدبابة هي الشرعية، أمّا المواثيق الدولية ومرجعيات القانون الدولي والقرارات الدولية فلا وزن لها، ما دامت غير متلائمة مع ما تريده الدبابة. هذه مقولة تتعدى أبعادها الفلسطينيين وتتجاوزهم كثيراً، إنها رسالة إلى جميع الأنظمة المستبدة والدموية والاستعمارية: افرضوا كل ما تريدونه بقوة السيف، ارموا جميع الأعراف والقوانين إلى سلة المهملات، لا شيء يهم من الآن فصاعداً غير القوة في تنفيذ المآرب، وربما القدرة على دفع الخوة إلى أميركا كي تقف إلى جانبكم حتى لو قطّعتم الناس بالمنشار!

ضمن علاقات القوة القائمة وفي هذه اللحظة الحاسمة يشكل الرفض الفلسطيني فعلاً مهماً ليس فقط لأنه لا يقبل توقيع صك الاستسلام، بل لأن الرفض أيضاً هو تعليق للاعتراف بالآخر وموضعته في قلب الصراع مرغماً، فمجرد عدم قبول الفلسطيني يخلق أثراً مزدوجاً: أنا أرفض إذاً أنا موجود، ذلك بأن الاعتراف بالصفقة يتطلب أن يقبل الفلسطيني بها. أمّا حين يرفضها ويرفض ما جاء فيها، فهو يعلق شرعيتها ويضعها في موقع عمل من طرف واحد، بل يسلبها شرعيتها حتى لو دعمتها أميركا ووافقت عليها دول العالم كافة. الاعتراف الفلسطيني وحده يعطيها الشرعية بمنطق هيغيلي. وأبعد من ذلك، فإن إسرائيل تحتاج إلى الاعتراف الفلسطيني أيضاً كي تكون ذاتاً، إذ إن عدم الاعتراف بها من عدوها يُبقيها معلقة في مسعى مستمر للحصول على الاعتراف.[15]

في اللحظة الكدرة الحالية، على الفلسطيني ألّا يكتفي بالقول: أنا أرفض، إذاً أنا موجود، بل: أنا أرفض، إذاً أنت لست موجوداً.

 

[1] الأرقام الإحصائية مستقاة من موقع معهد الأمن القومي والأبحاث التابع لجامعة تل أبيب:

Udi Dekel & Anat Kurz & Noa Schusterman, “The Deal of the Century: Where Does it Lead?”, Tel Aviv University: The Institute for National Security Studies – Special Publication, 20/2/2020,

https://www.inss.org.il/he/publication/where-does-the-deal-of-the-century-lead/

[2] Paul Charles Merkley, The Politics of Christian Zionism, 1891-1948 (London: Frank Cass, 1998).

وللمزيد انظر: أحمد مصطفى جابر، "الصهيونية المسيحية المقاتِلة: 'باترسون' و'وينغيت' و'ماينرتزهاجن' "، موقع "باب الواد"، 3 / 2 / 2019، في الرابط الإلكتروني التالي:  https://bit.ly/2VtBP1e

[3] Nahum Sokolow, “History of Zionism, 1600-1918” (London: Nabu Press, 2010).

 [4]ليات شلزينغر، "صعود وتأثير التحالف السياسي بين اليمين الإسرائيلي والمسيحية الإفنجيلية (evangelical christianity): تقرير استقصائي من إصدار المركز لتجدد الديمقراطية (مولاد)"، ترجمة وتلخيص جميلة دغش، "قضايا إسرائيلية"، العدد 63 (خريف 2016)، ص 75 - 89، في الرابط الإلكتروني التالي: https://tinyurl.com/wyrjbt7

[5] Charles M. Sennott, “The End Of Days, Season 7, Episode 1: The King is Coming: The Rise of Christian Zionism”, “The Groundtruth Project”, 12/4/2019, https://thegroundtruthproject.org/the-king-is-coming-the-rise-of-christian-zionism/

[6] Stephen Sizer, Christian Zionism: Road-Map to Armageddon? (Illinois: Inter-Vasity Press, 2004), pp. 96-103.

[7] شلزينغر، مصدر سبق ذكره، ص76.

[8] Sizer, op.cit.

[9] للمزيد، انظر: هنيدة غانم، "تحويل القدس إلى أورشليم: عن سياسات التهويد، المحو، والإحلال والمقاومة"، "سياسات"، العدد 33 (2015)، ص 30 – 45، في الرابط الإلكتروني التالي: http://www.ipp-pal.ps/PDF/Seyasat33.pdf

[10] Günther Anders, “Apocalypse Without Kingdom”, e flux, vol. 97 (February 2019),

https://www.e-flux.com/journal/97/251199/apocalypse-without-kingdom/

[11] عزمي بشارة، 1997، "مائة عام من الصهيونية: من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر"، مجلة "الكرمل"، العدد 53 (خريف 1997).

[12] Merkley, op.cit., p.37.

[13] يهودا شنهاف، "في مصيدة الخط الأخضر"، ترجمه عن العبرية سعيد عياش (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار، 2011).

[14] المصدر نفسه، ص 79.

[15] عن جدلية الاعتراف في سياق مشابه، وأنه طلبُ الاعتراف باسرائيل دولة يهودية، انظر: رائف زريق، "مطلب الدولة اليهودية من الجانبين التكتيكي - السياسي والفكري - الأيديولوجي"، في هنيدة غانم وأنطوان شلحت (إعداد وتحرير)، "في معنى 'دولة يهودية' " (المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار، 2011).

Author biography: 

هنيدة غانم: باحثة في علم الاجتماع السياسي، والمديرة العامة للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية/مدار.

Read more