نهر البارد: ازدهار اقتصادي يميزه عن باقي المخيمات

مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان >> نهر البارد: ازدهار اقتصادي يميزه عن باقي المخيمات

نهر البارد: ازدهار اقتصادي يميزه عن باقي المخيمات

 

 

كان مخيم نهر البارد، قبل أن يُدمر في إثر المعارك التي دارت بين الجيش اللبناني ومجموعة "فتح الإسلام" الإرهابية (أيار/مايو – تموز/يوليو2007)، شرياناً اقتصادياً حيوياً، كونه مثّل سوقاً استقطبت سكان بلدات وقرى منطقة عكار. وقد تميّز عن باقي المخيمات الفلسطينية في لبنان بحالة الازدهار الاقتصادي التي عرفها، بالاستناد إلى بنية اقتصادية وإنتاجية نشطة، كما تميّز أيضاً بموقعه الجغرافي الاستراتيجي عند الخط الساحلي الدولي بين طرابلس والحدود اللبنانية السورية، فضلاً عن الاستقرار الأمني الذي حظي به قبل سنة 2007، وذلك بسبب بعده نسبياً عن الحروب والاعتداءات التي شهدتها الأراضي اللبنانية.

 

التأسيس والتوسع

 تم تأسيس مخيم نهر البارد من قبل عُصبة جمعيات الصليب الأحمر في سنة 1949 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين القادمين من قرى وبلدات الجليل في شمال فلسطين، ولا سيما سعسع وصفورية والدامون وسموع والغابسية والشيخ داود وعمقا، وقد سميت حارات المخيم بأسماء تلك القرى والبلدات كرمز للتمسك بالهوية، وتسلمت الأونروا إدارة المخيم وتقديم الخدمات لسكانه في سنة 1950، في أعقاب قرار الأمم المتحدة إنشاء هذه الوكالة الدولية.

ويشير المدرس المتقاعد أحمد عودي، اللاجئ من قرية صفورية قضاء الناصرة، إلى أن سكان المخيم هم من مجاميع اللاجئين الذين أعيدوا من الحدود السورية بعدما أُقفلت الحدود بوجههم سنة 1948، إذ كان عدد كبير قد دخل قبل ذلك إلى سورية، كما هم  من العائلات التي لجأت إلى المعسكر الفرنسي قرب بحيرة القرعون في البقاع وتم نقلهم لاحقاً إلى نهر البارد، وكذلك من عائلات سكنت أولاً في منطقة خان العسكر في طرابلس، ثم نُقلت لاحقاً إلى المخيم الذي بني بالقرب من مجرى نهر البارد، وكانت تنتشر في تلك البقعة، في حينه، مئات الخيم من مختلف الأحجام، وبعضها استخدم لاحقاً كصفوف دراسية.

ويضيف أحمد عودي، أن زعماء ووجهاء القرى والبلدات التي جاء منها اللاجئون، تولوا في البداية تنظيم توزيع المواد والمؤن التي كانت تقدمها عصبة الصليب الأحمر ولاحقاً الأونروا، فيما كان الأمن بيد الجيش والدرك اللبنانيين، قبل أن تدخل الفصائل الفلسطينية إلى المخيم، وتتولى إدارته عملياً اعتباراً من سنة 1969.

 

المساحة والسكان

بلغت مساحة المخيم عند تأسيسه 1.8 كيلو متر مربع، ثم اتسعت مساحته، بحكم النمو الطبيعي السكاني، لتصل إلى أكثر من3 كيلومترات مربعة، بعدما تملك بعض سكانه أراضٍ بمحاذاته، باتت تُعرف  بالمخيم الجديد الذي تبلغ مساحته 1.6 كيلو متر مربع.

ووفق سجلات الأونروا، يبلغ عدد سكان مخيم نهر البارد قرابة 31 ألف نسمة، علماً بأن المخيم كان قد استوعب أعداداً من النازحين، الذين لجأوا إليه في إثر الحروب الداخلية والاعتداءات الخارجية التي طالت العديد من المناطق اللبنانية منذ سنة 1975، ومنهم، على سبيل المثال، عدد من سكان مخيم تل الزعتر الذين سكنوا في منطقة أُطلق عليها لاحقاً اسم "حي المهجرين".

وبحسب التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، الذي أشرفت عليه لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني سنة 2017، بلغ عدد سكان المخيم 9470 نسمة، يتوزعون على  8091 لاجئاً فلسطينياً من سكان المخيم الأصليين، و1015 من فلسطينيي سورية، و208 من السوريين. فيما يبلغ عدد سكان المخيم الجديد 15.997 نسمة وفق التعداد نفسه.

 

 

المخيم بعد أحداث 2007

نزح أهالي مخيم نهر البارد من مخيمهم خلال أحداث أيار/مايو 2007، بعد توافق بين الفصائل الفلسطينية والحكومة اللبنانية، وتعهد بعودتهم بعد انتهاء المعارك، لكن الدمار الشامل الذي لحق بالمخيم، أخَّر هذه العودة كثيراً، إلى أن بدأت عملية الإعمار، وبدأ سكانه بالعودة إلى القطاعات التي يتم إنجاز بنائها، وذلك بتمويل عربي ودولي، وتنفيذ وكالة الأونروا وإشراف الحكومة اللبنانية. وقبل ذلك، عاد قسم كبير من سكان المخيم، وسكنوا في منازل مؤقتة هي عبارة عن مستوعبات معدنية (كونتينرات/بركسات)، أو في كراجات غير صالحة للسكن، ومن يملك بعض المال استأجر بيتاً في المخيم الجديد أو في محيطه. 

وكان قرار إعادة الإعمار قد اتخذ في مؤتمر عقد في فيينا بتاريخ 23 / 6 / 2008 بعد نداءات وجهتها الحكومة اللبنانية إلى المجتمع الدولي لتمويل إعادة الإعمار، لكن عملية تلزيم إعادة الإعمار لم تتم إلا في نيسان/أبريل 2009، أي بعد سنتين من تدمير المخيم، وقد باشرت الشركة العمل في حزيران/يونيو من العام نفسه.

لقد تم الاتفاق والالتزام في مؤتمر فيينا من قبل الأطراف جميعاً: الحكومة اللبنانية والأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية، على إعادة إعمار مخيم نهر البارد والتعويض على محيطه بما يحقق إعادة الوئام الاجتماعي لهذه المنطقة من لبنان. وللوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه تم تحديد عدد من الأهداف، ومنها إعادة إسكان الأهالي في منازل ملائمة، وتمكين السكان من العودة إلى حياتهم الطبيعية قبل الحرب من خلال مجموعة من البرامج الاجتماعية والاقتصادية. وحدد وقت الانتهاء من التنفيذ في مدة أقصاها ثلاث سنوات من تاريخه (منتصف 2011، وبالتحديد في أيار/مايو 2011) وبتكلفة قدرها 277 مليون دولار أميركي.

لقد تمّ تجاوز الكثير من العقبات السياسية والقانونية وإلادارية وحتى المالية المرتبطة بإعادة الإعمار، وتم التصدّي لعقبات استجدت، منها عقبة الآثار التاريخية والطعن القانوني لتأخير الإعمار أو محاولة إعاقته، وإدخال العملية في نطاق التجاذبات الداخلية اللبنانية. ولكن التحديات لم تقف عند هذا الحد، بل برزت عقبات أخرى لاحقاً، وهي: انخفاض ملحوظ في التمويل، جراء تبدّل الأولويات بعد دخول الأزمة السورية والأزمات الإقليمية على خط أزمة البارد. وفيما صدر مرسوم الاستملاك في نيسان/أبريل 2007، فإن توقيع المخطط التوجيهي تم بعد سنتين في أيار/مايو 2009، وكانت قد ظهرت في نيسان/أبريل 2009 مشكلة الآثار التاريخية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2009 وضعت المنطقة في عهدة الأونروا، ومع انتهاء أعمال الطمر فرشت المنطقة بأول طبقة من الاسمنت، تمهيداً لصب الأساسات وتدعيمها، والتصدي للعقبات الناتجة عن مستلزمات حماية الآثار. وقد تم إعمار قرابة 70% من المخيم حتى بداية سنة 2019.

 

متغيرات ما بعد الأحداث

طرأ على المخيم عدة متغيرات بعد أحداث 2007: منها الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وتأثير الأزمة السورية على الوضع الديموغرافي بسبب لجوء عدد كبير من الفلسطينيين من مخيمات سوريا وعدد قليل من السوريين أيضاً. وأهم المتغيرات، هو المتغير السياسي، إذ أصبح مخيم نهر البارد اليوم هو المخيم الوحيد في لبنان الذي يقع تحت سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها، وذلك بخلاف باقي المخيمات الفلسطينية في لبنان. وباتت تتولى المسؤولية الأمنية فيه الأجهزة الأمنية الرسمية اللبنانية، وبات يوجد فيه مخفر للأمن الداخلي اللبناني.

أما اقتصادياً، فلم يعد المخيم يتمتع بدرجة ازدهاره السابق، على الرغم من أنه لا يزال إلى الآن أفضل المخيمات الفلسطينية في لبنان، اقتصادياً وتنظيمياً وحداثة في العمران، والبنى التحتية الجديدة والمحال التجارية المتعددة الأحجام. ويعود ذلك إلى كونه المخيم الأول في لبنان الذي يتم إعماره بعد تدميره وبقرار رسمي، وهذا لم يحصل لمخيمات أخرى تم تدميرها سابقاً، مثل مخيمات النبطية وجسر الباشا وتل الزعتر.

بيد أن قرب المخيم من البحر جعل مياه الشرب فيه مالحة في نحو 60% من مناطقه، وذلك على الرغم من وجود عدد من الخزانات والآبار فيه، وتسعى الأونروا حالياً إلى حفر آبار ارتوازية لمواجهة مشكلة ملوحة المياه هذه.

 

نشاطات ثقافية واجتماعية

يشتهر مخيم نهر البارد بتعدد الأنشطة الثقافية والتربوية فيه، وبوجود عدد من المؤسسات الاجتماعية والإنسانية والشبابية والنسائية، ودار للمسنين، ومعهد الشمال للتعليم المهني التابع لوكالة الأونروا، و8 مدارس تغطي المراحل الابتدائية والإعدادية الثانوية، وعدد من نوادي كرة القدم وأندية رياضية أخرى. وقد أُنشئت فيه عدة ملاعب لكرة القدم وملعب كبير سمي "ملعب نهر البارد الكبير"، ساهمت في إنشائه مؤسسة انيرا ودولة قطر. وتقوم اللجنة الشعبية الفلسطينية في المخيم، التي تمثّل الفصائل الفلسطينية وبعض الشخصيات المستقلة، بدور خدماتي واجتماعي وسياسي. وتنشط الفصائل الفلسطينية، في المجالات السياسية والجماهيرية والمدنية، ضمن مراكز ثقافية واجتماعية، وليس لها أي تواجد عسكري أو دور أمني. وينشط  في محيطها عدد من المؤسسات الأهلية والحراكات الشبابية والشعبية وجمعيات ذات مطالب ملحة.

إعداد شذى عبد العال