ندوة: هموم الهوية في منظار أربعة من كبار الفنانين الفلسطينيين

>> ندوة: هموم الهوية في منظار أربعة من كبار الفنانين الفلسطينيين

هموم الهوية في منظار أربعة من كبار الفنانين الفلسطينيين

 

 

 

استضافت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ودار النمر للفن والثقافة في بيروت أربعة من كبار الفنانين الفلسطينيين هم: سليمان منصور ونبيل عناني وتيسير بركات وفيرا تماري، الذين أقاموا معرضاً وعقدوا ندوة في دار النمر، مساء يوم 30 نيسان/أبريل، تحت عنوان: "هموم الهوية".

وخلال الندوة، التي أدارها الفنان الفلسطيني الشاب عامر الشوملي، تحدث نبيل عناني عن "الرموز في الفن التشكيلي الفلسطيني" في مرحلة ما قبل النكبة وما بعدها، فعدّد عدداً من هذه الرموز وبعض دلالاتها، كالعلم، الذي كان الاحتلال الإسرائيلي يمنع اللجوء إليه كرمز قبل "اتفاق أوسلو"، وهو منع التف عليه خالد الحوراني عندما رسم  "حزاً" من البطيخ الأحمر يشتمل على ألوان العلم الفلسطيني الأربعة، والمرأة كرمز للوطن، والحصان كرمز للثورة، والقبضات كدلالة على رفض الاستسلام، والتطريز للدلالة على التراث والتجذر في الأرض، والبرتقال للدلالة على فلسطين ما قبل النكبة، إذ كان البرتقال يزرع على الساحل الفلسطيني عموماً، والزيتون الذي صار يُستخدم كثيراً بعد سنة 1967، لكونه يزرع بكثرة في الضفة الغربية المحتلة، والصبّار للدلالة على القرى المدمرة التي يجري إحياؤها في الذاكرة كما تحيا نبتة الصبار، والمفتاح للدلالة على العودة، ورموز القدس كالصخرة وكنيسة القيامة، والأسلاك الشائكة، والجدار، وخارطة فلسطين للدلالة على التعلق بالوطن الممتد من النهر إلى البحر...إلخ.

ثم تحدث سليمان منصور عن "بناء المؤسسات الفنية في فلسطين"، الذي انطلق مع تأسيس رابطة الفنانين الفلسطينيين سنة 1974، التي اعتبرت نفسها فرعاً للاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين، ونظمت أول معرض في القدس جال على مدن فلسطينية عديدة مثل رام الله وغزة والناصرة، وضمت الرابطة 18 فناناً في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، وأقامت في سنة 1979 أول غاليري في فلسطين باسم "غاليري 79". ثم تطرق منصور إلى معاناة الفنانين والفنانات مع سلطات الاحتلال التي كانت تصادر أعمالهم الفنية، وتمنعهم من اللجوء إلى رموز فنية معينة،  وتحول دون تأسيس كلية للفنون الجميلة في فلسطين، وكيف أنه جعل في البدء من سيارته مقراً لرابطة الفنانين، وهو ما فرض على الفنانين أن يأخذوا في الحسبان لدى إنجاز أعمالهم إمكانية إدخالها في السيارة، وذلك قبل أن تنجح الرابطة في افتتاح مقرات ثلاثة في البيرة والخليل وغزة لم تعمر طويلاً. وبعد اندلاع الانتفاضة، وتشكيل "جماعة التجريب والإبداع" من الفنانين الأربعة المذكورين، تأسس –كما يتابع منصور- مركز الواسطي للفنون بعد استئجار بيت قديم في حي الشيخ جراح في القدس، استضاف عدداً من الفنانين المقيمين في الخارج، مثل كمال بلاطة وفلاديمير تماري وليلى الشوا، ونظّم عدة معارض، مثل "معرض من المهجر إلى القدس" و "معرض من الجليل إلى القدس"، كما أطلق المركز مشروعاً لتوثيق الفن الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه.  وبعد توقف نشاط مركز الواسطي، جرى تأسيس "قاعة الحلاج" الفنية في مدينة رام الله وأقيمت في المدينة نفسها سنة 2006 أكاديمية للفنون استمرت في نشاطها مدة عشر سنوات، وخرّجت عشرات الفنانين الشباب،  قبل أن تُلحق بجامعة بير زيت. ويعتبر منصور أن المرحلة التي سبقت قيام السلطة الفلسطينية  كانت، وعلى الرغم من كل معاناتها، أحلى من الآن، إذ كانت المعارض الفنية تجذب سابقاً المئات من الناس ومن مختلف فئات المجتمع، بينما صار الجمهور الذي يتذوق الفن ويرتاد معارضه أكثر نخبوية اليوم.

بعد سليمان منصور، توقف تيسير بركات عند تجربة "جماعة التجريب والإبداع" التي ضمت الفنانين الأربعة، فأشار إلى أن الحافز إلى تأسيسها كان اندلاع الانتفاضة الشعبية الكبرى في أواخر سنة 1987، إذ شعر هؤلاء الفنانون آنذاك أن "الشارع قد سبقهم" وأنهم باتوا في حاجة إلى تغيير أساليبهم الفنية والخروج من النمطية ومن تحكم السوق، بحيث تكون لغتهم البصرية أكثر تطوراً وحداثة،  وطمحوا إلى أن يشقوا طريقاً جديداً لهم بعيداً عن المؤثرات الخارجية، وأن يسعوا إلى نقل تجاربهم إلى خارج فلسطين. وهكذا، راحوا يلجأون إلى طرق تعبير مختلفة ويستعملون الخامات المحلية، كالطين والقش والخشب والفخار والجلد. وخلص بركات إلى أن الفنانين الفلسطينيين يورثون، من خلال أعمالهم الفنية، الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الطالعة. 

ثم تحدثت فيرا  تماري عن "الفن المعاصر في فلسطين"، فأشارت إلى أنه حدث بعد قيام السلطة الفلسطينية انفتاح كبير وحركة عمرانية واسعة، وعاد إلى الوطن عدد من الفنانين المقيمين في الخارج، مثل سامية حلبي وناصر السومي ومنى حاطوم وسمير سلامة، وصاروا يتفاعلون مع فناني الداخل، كما أنشئت قاعات متخصصة لعرض الأعمال الفنية، وبرزت مبادرات عدة كمبادرة  خليل رباح لإقامة متحف للتاريخ الطبيعي والإنساني، يشتمل على مواد من طبيعة فلسطين، ومبادرة خالد الحوراني الذي نجح في أن يجلب إلى فلسطين أحد أعمال الفنان العالمي الكبير بيكاسو، وضمن حمايته من خلال توفير حراسة رسمية له. كما تطرقت تماري إلى الأساليب الجديدة التي يعتمدها الفنانون الشباب كنقل الأعمال الفنية من صالات العرض المتخصصة إلى الحيز العام، أو عرض الأعمال على الأرض وليس على الجدران، ولجوئهم، أكثر فأكثر، إلى الفيديو، والتجهيز، والفنون الأدائية.

وختاماً، فقد قدم الفنانون الأربعة الكبار عرضاَ لتاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني ورموزه ومؤسساته ومراحل تطوره، تخلله عرض لعدد من الأعمال الفنية، استمتع به جمهور الحاضرين كثيراً.

ماهر الشريف