ناجون بأعجوبة من مجزرة صبرا وشاتيلا: حقنا مهدور

>> ناجون بأعجوبة من مجزرة صبرا وشاتيلا: حقنا مهدور

 

ناجون بأعجوبة من مجزرة صبرا وشاتيلا: حقنا مهدور

 

 

(مقتطفات من شهادات ناجين من المجزرة من كتاب "صبرا وشاتيلا ذاكرة الدم"، للكاتب محمود عبد الله كلّم).

  

في الأيام الأولى للاجتياح الإسرائيلي للبنان، اعتقل الجيش الإسرائيلي الشاب الفلسطيني المعروف بعصام أبو دهيس واسمه الحقيقي عصام عرسان المحمد، وبعد رحلة من الأسر تنقّل خلالها بين أحد المعسكرات الإسرائيلية القريبة من صفد داخل فلسطين، ومنه إلى مركز اعتقال أنشأه الجيش الإسرائيلي خلال اجتياحه للبنان سنة 1982 في معمل الصفا على طريق صيدا صور، تمّ الإفراج عن الشاب الذي تحوّل لاحقاً إلى واحد من أبرز الشهود على مجزرة صبرا وشاتيلا.

يروي عصام أنه يوم 16/9/1982 كان في مسستشفى غزة يساعد بعض المصابين جرّاء القصف الإسرائيلي على مخيمي صبرا وشاتيلا، توجه بعد ذلك إلى منزل صهره في الزاوية الجنوبية الشرقية من مخيم شاتيلا، ولدى اقترابه من المكان فوجئ بمجموعة من المقنعين قدّر عددهم بنحو 25 مسلحاً، توقف عن السير للتأكد من هويتهم فناداه أحدهم بلهجة لبنانية: تقدّم إلى هنا. لدى اقترابه سأله المسلحون: هل يوجد فدائيون في الجوار؟

"أدركت عندها أنني وقعت في مصيدة، حاولت النجاة، أجبته: ربما كان هناك فدائيون، هل أذهب لأتأكد من ذلك؟"، يقول عصام، مستطرداً: "لم يجبني المسلح المقنع على سؤالي، بل طلب مني الاقتراب والانبطاح على الأرض، عندما انبطحت على مقربة من المسلحين، وجدت العديد من الرجال في الوضعية نفسها، بينما يقف في زاوية قريبة العشرات من النساء والأطفال في حالة من الذعر الشديد". حاول عصام أن يبحث عن صهره بين المنبطحين على الأرض، جال ببصره يمنة ويسرى، ليكتشف أن صهره إلى جانبه، فسأله همساً: "من هؤلاء؟" فأجابه: "لماذا أتيت إنهم من اليهود والكتائب". مرت اللحظات ثقيلة، صمت مطبق قطعه أحد الملثمين متوجهاً إلى زميله: يا بول خذ النساء والأطفال إلى أقرب مركز للصليب الأحمر، وهكذا قام بعض المسلحين باصطحاب النساء والأطفال باتجاه الحرج، بينما أمر مسلح آخر الرجال بالوقوف ووجوههم إلى الحائط استعداداً للتفتيش، وهكذا وقفوا في صفين متقابلين، الوجوه إلى الحائط والأيادي مرفوعة للأعلى، وفي هذه الأثناء أمكن لعصام أن يتعرف على معظم الرجال الذين كانوا من سكان المخيم، والذين هم في الأصل من الذين هربوا من مخيم تل الزعتر.

 ظل الرجال في وضعية الوقوف وكان عدد من المسلحين يصوّب بنادقه في اتجاههم من على بعد 4 أمتار، مع تبادل نظرات وإيماءات غريبة، وما هي إلا لحظات حتى انهمر الرصاص بغزارة، اعتقد عصام بداية أن إطلاق النار يجري في الهواء لإرهاب الرجال "لكن الصراخ والأنين وارتطام الأجساد بالأرض كانت تنم عن شيء آخر".
لا تغيب تلك اللحظة عن ذهن الشاب الذي كان في الـ 27 من عمره، يقول: "كنت أقف في بداية الصف المواجه للمسلحين، بدأ الغبار ينبعث من حولي بكثافة... ارتطم رأسي بالجدار وأحسست بشيء حار يلمس وجهي وبدأت أتهاوى إلى الأرض، في هذه اللحظة اخترقت جنبي بضع رصاصات، ولكنني تمالكت نفسي وألقيت بجسمي باتجاه بوابة البيت القريبة مني. كان الغبار كثيفاً، والرصاص ما زال ينهمر بغزارة، استطعت جرّ نفسي إلى داخل البوابة، وأسرعت بالبحث عن ملجأ داخل البيت... وقفت للحظات خلف شجرة في ساحة البيت، كان صوت الرصاص يصمّ الآذان، ومع ذلك فقد كنت أسمع أنين الضحايا وحشرجاتهم وكأنها تتمرد على الموت".

على الرغم من الألم الشديد الذي كان يعانيه والجراح النازفة، شعر الشاب للحظات ببعض الأمان، حتى سمع أحد المهاجمين يقول للآخر: فتش البيت فربما نسينا أحداً ما بداخله. على الفور حاول عصام إيجاد ملجأ آخر للاختباء، عثر على سيارة في ساحة المنزل لكن آلامه منعته من الارتماء تحتها مفضلاً المغامرة، فتسلل إلى بيت مجاور ومن هناك عبر أحد الأزقة باتجاه جامع شاتيلا، وخلال هروبه لمحه أحد المسلحين فرماه بقنبلة أصابت شظاياها ذراعه الأيسر لكنها لم تمنعه من مواصلة سيره إلى الجامع لينضم إلى مجموعة من اللاجئين الذين كانوا يحتمون بالجامع من القصف الإسرائيلي، وهؤلاء لم يكونوا على علم بأن هناك مذبحة ترتكب في مخيمي صبرا وشاتيلا.

عبثاً حاول عصام أن يقنع المحيطين به بأن هناك مجزرة تجري، وذلك لاعتقادهم بأنه يهوّل الأمر، وبعد أن خارت قواه تم نقله إلى مستشفى غزة ليتلقى الإسعافات اللازمة والضرورية وهناك أيضاً عجز عصام عن إقناع الأطباء والممرضين بأن هناك مجزرة، فبقي ما يجري خارج دائرة التصديق. لكن بعد ساعات من وجوده داخل المستشفى جاءت ممرضة أجنبية تعمل في مستشفى عكا إلى مستشفى غزة وأخبرت الحاضرين بما شاهدته من فصول المجزرة، ووقع الناس في حيرة بين مستنكر ومستغرب ومصدق على مضض.

وبالعودة إلى النساء والأطفال الذين شاهدهم عندما تم اعتقاله، يقول عصام: "في البداية اعتقدت أنهم يريدون تسليمهم للصليب الأحمر، وإبعادهم عن المخيم، ولكنني عندما كنت أهم بالهرب من البيت بعد إصابتي سمعت زخات كثيفة من الرصاص على بعد عشرين أو ثلاثين متراً وكانت الأصوات المنبعثة هذه المرة لنساء وأطفال، أظنهم نفس النساء والأطفال الذين اقتادهم المسلحون الجبناء بحجة إرسالهم إلى مقر الصليب الأحمر."

ينقل محمود عبدالله كلّم في كتابه "صبرا وشاتيلا ذاكرة الدم" مجموعة من الشهادات الأخرى التي تشير إلى هول المجزرة. سنية محمد قاسم رمضان إحدى النساء الفلسطينيات الناجيات من الموت، وقد رأت يوم الجمعة 17/9/1982 مجموعة مسلحين يدخلون منطقة بئر حسن حيث منزل أهلها، وقال لها أحدهم : "لا تخافوا نحن جيش لبناني". وبحسب شهادتها فإن المسلحين منعوهم من إغلاق أبواب منازلهم واتضح لاحقاً أن هؤلاء من "جيش سعد حداد" التابع لإسرائيل، تروي هذه المرأة للكاتب كيف نقلها المسلحون إلى المدينة الرياضية، لتصل إلى اللحظة التي طلب والدها منها العودة إلى مخيم صبرا صباح يوم السبت، لكن العودة تأخرت إلى يوم الاثنين، وقتذاك شاهدت سنية زوجها مقتولاً على مفرق صبرا قرب تمثال أبو حسن سلامة، بالإضافة إلى جثث كثيرة بعضها كان مغطى بالحرامات.

أن تفقد سمر قاسم أبو حرب ثمانية من أهلها في وقت واحد ذلك ليس بالأمر الهيّن، فالمرأة الفلسطينية من بلدة شفاعمرو كانت في وقت ارتكاب المجزرة تقيم في شارع الدوخي في مخيم شاتيلا. تذكر سمر أن المسلحين نزلوا من زاروب الدوخي ومن المدينة الرياضية ومن اتجاه روضة الصاعقة حيث قتلوا خالها أمام زوجته وأولاده، ثم قتلوا خالها الثاني فالثالث. تقول سمر: "كان القتلة مدورين مسجلة وبيقولوا شو بتحبوا تسمعوا أم كلثوم أو أبو عرب (شاعر الثورة الفلسطينية) ويضحكوا علينا... صاروا يأخذوا كل عائلة لوحدها... حاولوا أن يأخذوني من أهلي حمتني أمي، إجا واحد من المسلحين وخلصني منهم... وقال للآخر اتركها... هذا الشخص شاهدته قبل المجزرة بأسبوعين في بلدة الناعمة جنوب بيروت حيث كنا نسكن قبل مخيم شاتيلا. قال هذا الجندي لأمي حمليها ولد صغير وقولي هذا ابنها... قال لنا امشوا على الباطون وليس على الرمل لأن الرمل ملغم ومن ثم وصلنا إلى المدينة الرياضية ... وعلى السفارة الكويتية كان فيه إسرائيلية كثير مغبرين وحالتهم بالويل كان أربع ضبّاط ومعهم شارون... شارون أعرفه من صورته من التلفزيون والجرايد." وتضيف: "شارون كان موجود في البناية الثانية من مساكن الضباط اتجاه المدينة الرياضية على الطابق الثاني على البرندا... كان معه ناظور يتفرج على مخيم شاتيلا، شارون كان لابس بدلة جيش. نحن قربنا منهم حتى نقول لهم فيه مجزرة... بدأوا يقوصوا علينا رصاص".

لم يكن الفلسطينيون وحدهم في الفاجعة، إذ شاركهم المعاناة بعض اللبنانيين. سميحة عباس حجازي امرأة لبنانية من حريص فقدت ابنها وابنتها في المجزرة. تحكي سميحة: "يوم المجزرة كنت في ملجأ النمساوية قريب مخيم شاتيلا، سمعنا رصاص وسمعنا قصف وقنابل مضيئة... قلت لأم صلاح أنا خايفة على بنتي زينب، قالت لا تخافي سلميها لله. ظهرت من الملجأ لقيت أبو أكرم في بيتهم، قلت لهم ماذا سنفعل؟.

في الصباح خرجت سميحة إلى الشارع حيث رأت احد معارفها جريحاً يئن إلى جانب أولاده المقتولين، حملته بالتعاون مع أحد السوريين، ونقلاه إلى مستشفى غزة وهناك رأت جارة لها أخبرتها أن أولادها فهد، زينب، فؤاد، علي، محمود الطيطي، طارق الطيطي وزوجة محمد الطيطي، قتلوا كلهم. تروي سميحة رؤيتها لنحو 21 جثة قرب المدينة الرياضية.

قصة علي سليم فياض (أبو رضا) وهو لبناني أيضاً ومن بلدة مجدل زون لا تختلف كثيراً عن غيره من الشهود، إذ فقد في المجزرة زوجته وأختها وثلاثة من أبنائه هم نجاح، عباس ونهى. يتذكّر أبو رضا ليلة الجمعة 17/9/1982 بحرقة. يحكي عن 50 مسلحاً كان بينهم إسرائيليون عرفهم من عربيتهم "المكسرة". يقول فياض: "جمعونا وفرزوا النسوان والأولاد لحالهم والرجال لحال ثم صفونا على الحائط ورشونا فوراً، الأولاد والصغار والنسوان قتلوهم بجانب بيت جارنا أبو أحمد سرور المرعي.. وبعدما رشونا وقعنا جميعاً على الأرض، أنا تصاوبت رصاصة بالكتف الأيمن وفي الظهر قرب القلب وبالقدم اليمنى... لا ازال أعاني من مشاكل بالقلب حتى اليوم من الرصاصة التي أصابتني. وبعدين المسلحين راحوا اتجاه الغرب. وأنا أنزف دماً مرق بالصدفة شخص نوري (عرب رحّل) اسمه أبو الذهب سألني شو نايمين هون على الشارع... ما كان عارف أي شيء ولما عرف راح أبو الذهب ودب الصوت على الناس... الناس ما كانوا عارفين إنه في مجزرة. حوالي الساعة الثانية والنصف ليلاً اجت زوجة ابني زينب الزين وابنتي رندا وصديقة بنت حبيب الحاج ونقلوني إلى مستشفى عكا"، ويتابع علي: "بقيت في المستشفى أتعالج ثلاثة شهور، والآن لا ازال أعاني من الإصابات خاصة الإصابة من جهة القلب... ابنتي رندا عندما شافت أمها وأخواتها مقتولين مرضت وبعد مدة ماتت".

قصص الفلسطينيين واللبنانيين، شهاداتهم، تروي هول المجزرة التي ارتكبت على مدى نحو ثلاثة أيام، لكن على الرغم من حجم الفاجعة وإبادة عائلات بأكملها، بينها عائلات لبنانية، إلا ان احداً لم يلتفت إلى الضحايا والذين كان معظمهم يختم شهادته بالقول: "لليوم ما حدا سأل عنا. ما حاد أخذلنا حقنا، حقنا مهدور".