مخيم الجليل: (ويفل) ثكنة بلا عسكر

>> مخيم الجليل: (ويفل) ثكنة بلا عسكر

 

مخيم الجليل: (ويفل) ثكنة بلا عسكر

 

   

 

 

على مدخل مدينة الشمس، بعلبك، وعلى مقربة من قلعتها التاريخية يقع مخيم الجليل أحد أصغر مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان والذي لا تتعدى مساحته 0.4 كم2. وإذا استثنينا التجمعات الفلسطينية الأُخرى، فهو المخيم الوحيد في منطقة البقاع وتفصله عن العاصمة بيروت مسافة 90 كم، وعن الحدود مع فلسطين نحو 127 كم، وإن كان البعد عن فلسطين أو القرب منها لا يُقاس بالمسافات.

 

رحلة اللجوء

في سنة 1949 كانت الرحلة الجديدة فنُقل الفلسطينيون من منطقتي بنت جبيل وعنجر والقرعون إلى ثكنة ويفل ليستقر بهم المقام هناك. وهذه المرة لم تكن الخيمة منزلاً، إذ كان البناء العسكري المهجور هو البديل، فتوزع اللاجئون في ثكنة عسكرية فرنسية قديمة كانت تُستخدم خلال الانتداب الفرنسي، وتضم سكن الضباط والجنود واسطبلات الخيل. المضحك المبكي هنا، أن نزلاء الثكنة اختصروا المرور عبر مراحل كان لا بد لكل مخيم من أن يمر بها، من الخيمة إلى بعض الحجارة الداعمة، إلى الزينكو وصولاً إلى المنزل الحجري، فحصلوا على بناء جاهز، وإن كان قديماً مهترئاً، وإن كان في قسم منه مأوى للخيل. هذا ترف لم ينله كثيرون.

في المرحلة الأولى تكدست العائلات في غرف الثكنة واسطبلاتها، وأطلق السكان عليها اسم "البراكسات"، ولم يكن البناء في المساحات الفارغة المحيطة بالثكنة مسموحاً، لكن الأمور تبدلت بالتدريج أولاً مع قدوم الفصائل الفلسطينية، ثم مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، فبدأت عمليات البناء والتوسع العشوائي في المساحات الفارغة، ثم أصبح البناء عمودياً، قبل أن تمنع القوانين اللبنانية البناء داخل المخيمات.

يروي أبو عادل حكاية اللجوء إلى ثكنة ويفل؛ كان عمره تسع سنوات عندما وصل مع أهله إلى بنت جبيل، وهناك قضوا أياماً تحت شجر التين مع غيرهم من الفلسطينيين، ثم انتقلوا إلى مدينة عنجر البقاعية لكن الأرمن رفضوا استقبالهم، وجاء القرار بنقلهم إلى ثكنة ويفل في بعلبك. ظل أبو عادل حافي القدمين منذ مغادرته فلسطين حتى وصوله إلى بعلبك، ولأنهم سكنوا في طابق علوي، فهو يروي كيف كانوا يشاهدون تمثال السيدة العذراء في تل شيحا من المخيم.[1]

 

متغيّرات ديموغرافية

بحسب سجلات الأونروا يبلغ عدد السكان المسجلين في مخيم الجليل 8000 لاجئ[2]، فيما تشير مصادر اللجنة الشعبية في المخيم إلى 3500 لاجئ يسكنون المخيم ومثلهم يقيمون خارجه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه نتيجة الزيادة السكانية، اضطر عدد من أبناء المخيم إلى مغادرته والسكن في محيطه وفي مدينة بعلبك وضواحيها. وقد استقبل المخيم منذ بداية الأزمة السورية عدداً لا بأس به من النازحين، وخصوصاً من أبناء مخيم اليرموك، وهو الأمر الذي زاد في العبء على صعيدي السكن والخدمات.

"ويفل" هو الاسم الرسمي للمخيم، والمعتمد لدى الأونروا نسبة إلى الثكنة العسكرية الفرنسية، وهو "محل الإقامة" الذي كان وما زال مكان إقامة سكان المخيم تتوارثه الأجيال، وكأنه علامة فارقة، تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى اللاجئين الذين سكنوا بضع سنوات في ثكنة غورو قبل نقلهم إلى مخيم الرشيدية فظلت الثكنة محل إقامتهم.

أمّا لماذا استُبدل الاسم ومتى، فهو أمر تختلف الروايات بشأنه، لكن معظمها يشير إلى أن الاسم أُطلق في سبعينيات القرن الماضي، نسبة إلى قرى الجليل التي ينحدر سكان المخيم منها الذين رفضوا أن يحمل مخيمهم اسم ثكنة عسكرية.

يرسم الجليل، كغيره من المخيمات، خريطة الجغرافيا القروية لسكانه الذين جاءوا من منطقة الجليل فلسطين، وأبرز هذه القرى: لوبية، وصفورية، والمجيدل، وفراضة، وحطين، وسعسع، وسحماتا، وشفاعمرو، وغيرها .... وعلى الرغم من وجود أحياء داخل المخيم تحمل أسماء القرى، مثل حي اللوابنة وحي الصفافرة وحي المجادلة، فإن هذه الأحياء مختلطة وسكانها ليسوا حكراً على قرية دون الأُخرى.

 

الخدمات

ماذا بالنسبة إلى الخدمات؟ من المعلوم أن الأونروا هي الجهة المسؤولة عن تنظيم شؤون المخيمات الخدماتية على الصعد كافة، لكن التقليص المتواصل في تقديم هذه الخدمات أثر سلباً وبصورة كبيرة، وخصوصاً، في مجالي الصحة والتعليم. وفي هذا الإطار يلخص أمين سر اللجان الشعبية في منطقة البقاع، أبو جهاد عثمان[3] الوضع الخدماتي في المخيم؛ الماء والكهرباء والصحة والتعليم على النحو التالي:

الماء: يفتقر المخيم إلى مياه صالحة للشرب، وقد جرت أكثر من محاولة لحفر بئر داخله إلاَ إن المحاولات باءت بالفشل، إذ بيّنت الفحوصات المخبرية أن المياه المستخرجة غير صالحة للشرب. وكانت المحاولة الأولى بتمويل من الحكومة الإيطالية، ثم أجرت الحكومة السويسرية عملية معالجة للمياه لكن النتيجة كانت سلبية. وبعد إلحاح اللجان الشعبية في المخيم، تأمّن التمويل لحفر بئر جديدة من الحكومة اليابانية لكن المحاولة فشلت أيضاً ولم يتم استخراج المياه بالشكل المطلوب. ويضطر السكان حالياً إلى شراء المياه، مع العلم بأن الأونروا متعاقدة مع مصلحة مياه بعلبك لتأمين المياه بمعدل 150 متر مكعب يومياً لكن هذه الكمية لا تصل إلى نصف المعدل المطلوب وهي غير صالحة للشرب.

 

الكهرباء: في المخيم الكهرباء  مؤمنة بصورة عامة عن طريق مؤسسة كهرباء لبنان، فهناك ساعات وعدادات رسمية، ويقوم الجباة بتحصيل الرسوم، إلاّ إن هناك تعديات على الشبكة العامة وهو ما يؤدي إلى احتراق المحولات فيقوم فريق الصيانة في اللجنة الشعبية بإصلاح الأعطال.

 

الصحة: في المخيم عيادة للأونروا لكنها تفتقر إلى أطباء متخصصين، ما عدا طبيب أسنان ومختبر يعمل بنصف دوام، إضافة إلى النقص في كمية الدواء ونوعيته. وتتعاقد الأونروا مع ثلاثة  مستشفيات في المنطقة، اثنان منها بنسبة 90% وواحد بنسبة 60%. وتكمن المشكلة في الأمراض المستعصية مثل أمراض الكلى والسرطان والتصلب اللويحي إذ إن الأونروا في هذه الحالات لا تغطي كامل التكلفة بل تساهم فقط في جزء منها. كما يوجد في المخيم مستوصفان: الأول تابع للهلال الأحمر الفلسطيني وهو يفتقر إلى التجهيزات، والثاني تابع لمسجد بلال بن رباح وفيه عيادة أسنان.

 

التعليم: في المخيم مدرستان: طبريا وهي ابتدائية والقسطل متوسطة – ثانوية، وتعاني المدرستان نقصاً في الشواغر فيما يتعلق بالمعلمين، وهذا يعود إلى سياسة تقليص الخدمات التي تقدمها الأونروا، بالإضافة إلى عدم وجود مختبر حديث متطور. لكن على الرغم من كل المعوقات فإن نسبة النجاح في الامتحانات الرسمية تعتبر من الأفضل بين المخيمات، كما أن مشكلة التسّرب المدرسي تكاد تكون معدومة في المخيم.

بالنسبة إلى رياض الأطفال، هناك روضتان: روضة الأقصى وروضة الإنعاش. أمّا النوادي فيصل عددها إلى أربعة: بيت جالا، والفالوجة، والنقب، وفلسطين.

واللافت في مخيم الجليل هو عدد الجمعيات، إذا أخذنا في الاعتبار مساحة المخيم وعدد سكانه، وهي تعمل في عدة مجالات، ونذكر منها: جمعية النجدة الاجتماعية، ومركز أطفال الجليل، وجمعية الصمود، وجمعية براعم، وجمعية الغوث الإنساني، وجمعية البرامج النسائية.

وترى السيدة كاملة حمود، وهي تشرف على جمعية البرامج النسائية، أن عمل الجمعيات في المخيم متنوع، فجمعيتها مثلاً تهتم بالمرأة بصورة أساسية، وينصب عملها على تمكين المرأة ومساعدتها على الرغم من عدم وجود فرص عمل. وتنظم الجمعية محاضرات ودورات تدريبية تعنى بشؤون المرأة. كما نظمت بالاشتراك مع جمعية "أبعاد" دورة في مواجهة "العنف القائم على النوع الاجتماعي". وبحسب السيدة كاملة فإن المتدربات أبدين اهتماماً كبيراً بالنواحي الثقافية أكثر من النواحي المهنية، ربما لأنهن شعرن بنوع من الثقة بالنفس وقوة الشخصية نتيجة الدعم النفسي - الاجتماعي الذي تقدمه هذه الدورات.

بدوره يضيء السيد علي طه، المسؤول عن مركز أطفال الجليل على أهمية الجمعية، فيوضح أن أهدافها تنموية اجتماعية وهي تهتم بشؤون الأطفال واليافعين من خلال نشر ثقافة حقوق الإنسان، وخصوصاً حقوق الأطفال لتمكينهم من المشاركة الفاعلة والنهوض بمجتمعهم. ويشير إلى تنوع النشاطات التي تقوم بها الجمعية بين ثقافية وتعليمية وترفيهية ورياضية، إضافة إلى دورات تركز على بناء القدرات والتوعية لمواجهة الأخطار (مثلاً: مضار التدخين، الإدمان على المخدرات وغيرها)، كما تهتم الجمعية بمساعدة النازحين القادمين من سورية.

 

العمل

خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته، كانت الزراعة الموسمية العمل الرئيسي لسكان المخيم بالإضافة إلى الأعمال المهنية الاُخرى التي كانت متاحة حينها، فكان أبناء المخيم يقصدون منطقة زحلة والسهول المحيطة للعمل بحسب المواسم، وفي مواسم أُخرى يعملون في البناء. وأتاح مجيء فصائل الثورة الفلسطينية إلى المخيمات في أواخر الستينيات مجالاً جديداً للعمل، فالتحق عدد كبير من أبناء المخيم بهذه الفصائل، إذ كانت تؤمن دخلاً شهرياً ثابتاً من ناحية، وتعطي الفلسطيني شعوراً بالأمان والثقة والانتماء الوطني من ناحية ثانية. وفسحت الأوضاع الجديدة المجال أمام أبناء المخيم للقيام بأعمال تجارية بسيطة في المخيم وفي الجوار. لكن التطورات السياسية والعسكرية التي حدثت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982، أدت إلى تراجع كبير في مستويات الدخل الفردي في المخيم. وشكلت موجات الهجرة إلى الدول السكندنافية متنفساً لأهالي المخيم الذين صارت تحويلات أبنائهم وأقاربهم المنقذ من الفقر والعوز.

 

مخيم الدانمارك

لماذا مخيم "الدانمارك"؟ لا شك في أن الأوضاع الصعبة التي عانى جرّاءها أبناء المخيم ولا يزالون، دفعت نسبة كبيرة منهم إلى الهجرة عندما فتح عدد من الدول الأوروبية أبوابه لاستقبال الفلسطينيين خلال منتصف ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وتشير بعض المصادر إلى أن نحو 7000 شخص من سكان المخيم والمناطق المحيطة به هاجروا إلى الدانمارك والسويد وبنسبة أقل إلى النرويج. هذه الهجرة الكبيرة خلعت على المخيم تسمية "مخيم الدانمارك"، إذ يكاد كل منزل في المخيم لديه مهاجر في إحدى الدول السكندنافية، وتعيش هذه العائلات على التحويلات والمساعدات المادية التي يرسلها الأبناء.[4]  ويروي الأهالي قصصاً عن الهجرة "في ناس باعت بيوتها لتسافر، وفي نسوان باعت الذهب والمقتنيات." وساعدت التحويلات في عمليات البناء والتوسع عمودياً لا أفقياً.

 

السياسة والأمن

على عكس المخيمات الأُخرى لا يوجد حاجز للجيش اللبناني على مدخل المخيم؛ فهناك مدخل رئيسي للسيارات بالإضافة إلى مدخلين فرعيين للمشاة فقط، ويعزو أبو جهاد عثمان ذلك إلى خلو المخيم من أية قوى إسلامية، وإلى الأمن الممسوك داخلياً. كما يؤكد على متانة العلاقة التي تربط المخيم بأهالي مدينة بعلبك وقراها، فالمخيم بمثابة حي من أحياء المدينة، وأمنه من أمنها، كما يلفت إلى العلاقة الممتازة مع البلدية والمحافظ والأحزاب والقوى اللبنانية، مشيراً إلى علاقات المصاهرة التي تعزز الروابط، وإلى التعاون الدائم. أمّا بالنسبة إلى الخريطة السياسية للمخيم، فيشير أبو جهاد، إلى توزع القوى بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وقوى التحالف الوطني، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللجان الشعبية. وهنا يشدد أبو جهاد على التعاون الذي يسود العلاقة بين اللجان الشعبية التي تضع مصلحة المخيم فوق كل اعتبار، فهناك قيادة عمل واحدة تتابع شؤون المخيم في الداخل ومع الدولة اللبنانية والأونروا، وتهتم بالقضايا الاجتماعية والحياتية اليومية على مستوى الخدمات والإغاثة والطبابة والتعليم وغيرها، وهي تجتمع وتقوم بجولات مشتركة، كما ترفع المذكرات باسم اللجنة الشعبية لمخيم الجليل، ويصف اللجنة ببلدية مصغّرة.

 

المخيم بين الأمس واليوم

المتجول في أحياء المخيم يكتشف أنها صغيرة، فهناك "زواريب" بعضها واسع نسبياً، وبعضها الآخر ضيق جداً. من يسكنون الثكنة، يتشاطرون السقف والشرفة، لكن الغرف الداخلية الصغيرة لا تصلها الشمس، وتفتقر إلى التهوئة، فتصبح مظلمة خانقة عند انقطاع الكهرباء. وعلى الرغم من ذلك، يبقى هناك مساحات صغيرة في المخيم تؤمّن للأطفال مكاناً للهو والتسلية.

والمتتبع أخبار المخيم يلفته الأفلام القصيرة التي تناولت الحياة فيه، منها فيلم بعنوان: مخيم خمس نجوم[5]، أعده عمر كايد، بإشراف الجامعة اللبنانية – كلية الإعلام والتوثيق، أظهر من خلاله أن للمخيم ميزات جوهرية جعلته استثنائياً، منها النظافة وتنظيم البنى التحتية والتعليم، ويخلص إلى أن مصطلحات مثل: الفقر والسلاح والنفايات والأميّة تحوّلت في مخيم الجليل إلى تكافل وأمن ونظافة وتعليم.

وخلال التجوال تستوقفك المحال التجارية المنتشرة في المخيم، والتي تكاد تلبي معظم حاجات السكان، فتجد محلات ألبسة وسمانة ومطاعم صغيرة ومقاهي إنترنت وصيدليات وغيرها، فهناك مثلاً فرن أبو بكر، وصيدلية الجليل، وملحمة الجليل، وقهوة الجليل، وصالون منير، وصالون جوكندا، وبوتيك أم جمال، ومحلات لبيع الهواتف الخلوية، وأُخرى لبيع وتصليح الكومبيوتر، وغيرها ....

وبالإضافة إلى صور الشهداء والقادة وأعلام الفصائل التي تزدحم بها شوارع المخيم، تستقبلك لافتة كبيرة: "من جيل لجيل عن العودة والقدس مش متنازلين"، ثم تقف متأملاً لوحة جدارية جميلة بألوانها، يرفرف فيها علم فلسطين وتحته بخط أنيق: "هل أراك ... سالماً منعماً وغانماً مكرماً."

وللمناخ مع المخيم قصة أُخرى، فالجليل لا تكفيه قساوة اللجوء، فتأتي قساوة المناخ لتزيد هذه الأوضاع سوءاً. وإذا كان سكان المخيم قادرين على تحمّل حرّ الصيف الشديد، فإن قساوة البرد، والثلوج تقاقم معاناتهم؛ إذ إن ارتفاع أسعار المازوت لا يتيح للجميع إمكان تخزين كميات كافية لتشغيل الصوبيات، ناهيك بالمياه التي تتسرب إلى معظم المنازل خلال فصل الشتاء، فتزيد من رطوبة الجدران والأسقف، وتؤدي بالتالي إلى انتشار الأمراض خلال هذا الفصل.  

 

 

 

حكايات يرويها سكان المخيم

لا تكتمل قصة المخيم من دون الاستماع إلى سكانه، فهم وحدهم قادرون على وصف معاناتهم وعلى رواية حكايات لجوئهم. وقد تطوع السيد حسين الحاج (أبو عبد الله) من قرية وعرة السريس قضاء حيفا، وابنته نور الهدى وشقيقه عدنان للقيام بالمهمة.[6]

يحدثنا أبو عبد الله عن بدايات المخيم: "الناس تهجرت من فلسطين على بنت جبيل بعدين على عنجر بعدين نقلونا على بعلبك، وبعلبك كانت منفى، قليلة السكان والبناء. هاي الثكنة عمرها الآن أكثر من 100 سنة، بالأول كانوا يسموها مهاجع، يعني قاعات كبيرة للسكن والنوم. في ناس سكنت بغرف الضباط وناس بالاسطبلات والغرف كلها مفتوحة على بعض. وصرنا نحط بطانيات وحرامات لنفصل بين العائلات، وبعد فترة قطّعنا بخشب أو بحجارة وفي ناس قطعت بكرتون، بس السقف واحد. والحمامات كانت مشتركة، واحد تحت البناية للرجال وواحد بطرف المخيم للنسوان." ويصف أبو عبد الله الحياة اليومية تحت ذلك السقف "كنا نسمع أصوات بعض كأن الكل ساكنين بغرفة وحدة، وما كان في كهارب [كهرباء] ولا تلفزيونات، بعدين صرنا نستعمل قناديل كاز. وكنا نعبي المي بالتنك والسطل، كان في حنفية بكل حارة، تشوف الناس صافين بالدور طوابير، حاملين التنك والسطول لتعبي المي، ومرات بعد نطرة ساعة أو ساعتين تنقطع المي. ومن الساعة أربعة الصبح تسمع صوت البوابير تشتغل، تبلش الناس تسخن المي."

وماذا عن حرية الحركة والتنقل؟ في البدايات كانت القوى الأمنية اللبنانية صاحبة السلطة في المخيمات. يستعيد أبو عبد الله وشقيقه عدنان تلك المرحلة: "كان أيامها الدرك والشعبة الثانية بالمخيم وعلى البوابة، والفايت والطالع لازم ينسأل، وهاي البوابة تفتح الصبح ومع آذان المغرب بسكروها وممنوع الخروج من المخيم بعد هالوقت، وممنوع نفتح راديو." والمضحك المبكي أن المخيم لا يبعد كثيراً عن قلعة بعلبك الأثرية حيث كانت تُقام الحفلات صيفاً، لكن كان ممنوعاً على أبناء المخيم الخروج، فكان الناس يسمعون أصداء الحفلات وكأنها تأتي من عالم آخر. لكن الأمور تغيرت مع دخول المقاومة إذ زالت القيود وانتعش المخيم اقتصادياً، "وصار وضع المخيم أحسن، وصار في مساعدات وعمار وبناء ونظافة وترتيب."

ماذا عن العلاقة مع المحيط؟ يؤكد أبو عبد الله على متانتها، فهناك نَسَب ومصاهرة وشراكة في الحرمان، وخصوصاً أن بعلبك في الأساس تعاني بسبب الإهمال والضائقة الاقتصادية، حتى أن عدداً من أبناء المدينة يقصدون عيادة طب الأسنان في المخيم لعدم قدرتهم على دفع تكلفة العلاج المرتفعة في العيادات الخاصة.

وعن الحياة المشتركة لسكان المخيم يقول أبو عبد الله "أهل المخيم عيلة وحدة، وبنقف مع بعض بالأفراح والأتراح .... مثلاً إذا حدا احتاج دم بينزل 50 – 60 شاب من المخيم يتبرعوا، والأخوة اللبنانيين إذا احتاجوا دم الشباب بينزلوا من المخيم يتبرعوا .... في صندوق تكافل للمساعدة، ويلي بالمهجر بساعدوا، وأي شي بصير بنادوا بالمخيم والناس بتعرف وبتساعد ...."

ويتحدث عدنان الحاج عن مشكلة العمل، فيشير إلى أن عدداً لا بأس به من الأساتذة الفلسطينيين يعمل في أفضل مدارس المنطقة، وكلهم من ذوي الاختصاص، ومنهم مهندسون لم يجدوا عملاً متاحاً إلاّ التدريس. وعلى الرغم من النتائج الممتازة التي يحققها هؤلاء الأساتذة، فلا حقوق لهم بسبب قوانين العمل في لبنان. أمّا بالنسبة إلى الخريجين الجدد، فالوضع مأساوي، إذ فيهم المهندس والطبيب وخريج إدارة الأعمال، ومعظمهم يتسكع في شوارع المخيم، أو يعمل سائق تاكسي، ينتظر الفرج الآتي عن طريق فتح باب الهجرة.

أمّا نور الهدى، الطالبة في كلية الإعلام، فتشير إلى نسبة المتعلمين الكبيرة في المخيم، ومنهم شقيقها الذي تخرج من كلية إدارة الأعمال بتقدير جيد جداً، ولما لم يجد عملاً اضطر أن "يفتح قهوة صغيرة في المخيم." أمّا هي، فعندما تحدثك تشعر بعمق حماسها وإصرارها على متابعة مسيرتها التعليمية، ويعجبك الأمل الكبير الذي يغلّف كلامها، فهي تطمح إلى إكمال الماجستير والدكتوراه والعمل في التدريس الجامعي، وقد نفذت فيلمين عن قصة الفقر والحرمان في مخيمها الأول كان بعنوان "البداية لا تشبه النهاية"، والثاني عن طفل يعاني مرض التوحد. مع نور تصبح على يقين أن لا مكان لليأس، على الرغم من حجم المعاناة.

 

الخريطة السياسية للمخيم منذ نشأته إلى الآن

حتى أواخر ستينيات القرن الماضي، كان المخيم يخضع لسلطة القوى الأمنية اللبنانية، التي كانت تفرض قيوداً صارمة على أبناء المخيم على الصعد كافة. وبعد توقيع اتفاقية القاهرة سنة 1969 وانتقال قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان، أصبحت المخيمات، والجليل واحد منها، في عهدة الفصائل الفلسطينية. وتميزت تلك الفترة بزوال القيود، وبمناخ الحرية الذي شعر به أبناء المخيمات. وكانت المرحلة الثالثة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، وخروج قوات المنظمة من لبنان. وإن كان المخيم بعيداً عن بيروت، وعن التداعيات المباشرة لعملية الخروج، إلاّ إنه عانى بعد تلك الفترة بسبب الانقسام الداخلي الفلسطيني والتشتت الذي أصاب الساحة الوطنية الفلسطينية، وربما كان هذا من أهم الأسباب التي دفعت بشباب المخيم وعائلاته إلى الهجرة.

ويمكن القول إن المخيم نأى بنفسه خلال الحرب الأهلية اللبنانية، باستثناء حوادث قليلة. كما تمكنت القوى السياسية والعسكرية في المخيم من تحييده خلال حرب المخيمات.[7]  ولم ينجُ المخيم من الاعتداءات الإسرائيلية، ففي سنة 1984 شنّت الطائرات المعادية غارة أسفرت عن وقوع عدد كبير من الضحايا. ولا شك في أن أبناء المخيم يحرصون دائماً على المشاركة في المناسبات الوطنية كافة، ومنها مثلاً مسيرات العودة التي نظمها الفلسطينيون إلى الحدود اللبنانية-الفلسطينية في أيار/ مايو 2011، حيث استشهد أحد أبناء المخيم، خليل محمد أحمد، 22 عاماً بعد أن أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار في اتجاه المتظاهرين سلمياً.[8]

وحالياً، تتقاسم فصائل منظمة التحرير وفصائل قوى التحالف الوطني النفوذ داخل المخيم، واللافت هو استتباب الأمن والهدوء، في ظل التنسيق والتعاون القائم بين مختلف القوى.

مخيم الجليل ابن مدينة الشمس، وجار سهل البقاع، وشريك المنطقة النائية، الفقيرة، المهملة، كسب رهان التحدي، وأثبت أن اللجوء والفقر والبرد القارس، كلها عوامل زادت من عزيمة أبناء المخيم وقدرتهم على الصمود.

الحياة في هذا المخيم المنسي ترسم فكرة واضحة عن التجربة الفلسطينية في لبنان، وتعطي درساً عن مدى أهمية العمل المؤسساتي المنظم في تعزيز التماسك السياسي والاجتماعي داخل مخيمات اللاجئين في هذا البلد.[9]

وتبقى العودة، أمل وحلم الجميع، شباناً وشيباً، وفي هذا يقول عدنان الحاج: "أنا ما بدي شي، بس يسمحولنا نعيش بكرامتنا، وإحنا حلمنا نرجع على فلسطين، وبدنا نكتب بالخط العريض: لن نرضى بغير فلسطين وطناً."

إعداد سناء حمودي

 

 

 

 

[1]  حنين شبشول، مخيم الجليل .. مدينة ظل بعلبكية. موقع المدن، 21/1/2016.

https://bit.ly/2I9tQPU         

[2]  موقع الأونروا: https://bit.ly/2ITz7do 

[3]  مقابلة هاتفية أيار/ مايو 2019.

[4]   Mahan Abedin, Jalil: The Forgotten Refugee Camp. Middle East Monitor, January, 2014.

https://www.middleeastmonitor.com/20140125-jalil-the-forgotten-refugee-camp/ 

[5]  https://www.facebook.com/aljaleelnews/videos/698403617258298/?epa=SEARCH_BOX

[6]  مقابلة هاتفية، 15 و16 حزيران/ يونيو 2019.

[7]  سعدى علوه: مخيم الجليل في بعلبك: ضيوف في مدينة الشمس، جريدة "السفير"، العدد 8238، الأربعاء 3 آذار/ مارس 1999.

[8] Israel: Ongoing Extra- Judicial Execution of Peaceful Demonstrators and Activists.

https://www.alkarama.org/en/articles/israel-ongoing-extra-judicial-execution-peaceful-demonstrators-and-activists 

[9]  Mahan Abedin, op.cit.