مجزرة صبرا وشاتيلا: هكذا تمّ اقتحام مستشفى عكا

>> مجزرة صبرا وشاتيلا: هكذا تمّ اقتحام مستشفى عكا

 

مجزرة صبرا وشاتيلا: هكذا تمّ اقتحام مستشفى عكا

 

 

(مقتطفات من كتاب "صبرا وشاتيلا، أيلول 1982"، للاستاذة الجامعية في العلوم السياسية بيان نويهض الحوت، وردت تحت عنوان: "اقتحام مستشفى عكا، الجمعة 17 أيلول/سبتمبر 1982" ، ص 218-241).

 

مع صباح يوم الجمعة الباكر كانت التعزيزات قد وصلت إلى المهاجمين ودخلوا المنطقة.  ومنذ الصباح الباكر أخذت النداءات تسمع في كل شاتيلا: "سلِّم تسلم".

لكن لو استطاع أحد أن يمر بشوارع وزواريب منطقة شاتيلا بأسرها لاكتشف، من دون أي عناء، عدم صحة أن من "يسـلِّم يسـلم". فالطرقات والزواريب ملآنة بالجثث. أمّا الخائفون الذين امتلأت الملاجئ بهم فقد تمكن بعضهم من الهرب، غير أن العدد الأكبر قتل داخل الملجأ، أو أمامه، أو عند الحائط المواجه، أو في نهاية الزاروب؛ وهذا فضلاً عن ملاجئ بقيـت مملوءة بـالنـاس حتى الجمعـة، فجابهت مصائر متعددة، كاليوم السابق.

إن أمكن القول إن ليلة الخميس كانـت ليلة القضاء على نزلاء الملاجئ، لأمكن القول إن يوم الجمعة (17 أيلول/سبتمبر 1982) كان يوم اقتحام مستشفى عكا.

 

اقتحام المستشفى

كان اقتحام مستشفى عكا الحدث الأبرز صباح يوم الجمعة، وكان المستشفى قد عاد حديثاً إلى مزاولة نشاطه، بعد أن كان معطلاً أيام الاجتياح.  

التجأ إلى المستشفى المئات من السكان للحماية، لكنهم جميعاً كانوا غادروه منذ الفجرقبل اقتحامه. أمّا أهل المستشفى من مرضى وأطباء وممرضات، من عرب وأجانب، فقد لاقى كل منهم مصيراً مختلفاً عن سواه، في تلك الساعات العصيبة.

 

أ - العودة إلى العمل في المستشفى

تأسس مستشفى عكا في أواسط السبعينات، في مبنى يتألف من خمس طبقات، ويقع في شارع السفارة الكويتية قبالة حرش شاتيلا. يحتوي على ملجأ كبير تحت الأرض، وطبقة أرضية، أشـبه بالملجأ، قُسـِمت غرفاً للعمليات الجراحية والطوارئ والأشعة والعيادات. وفوق هذه الطبقة تقع العيادات، والإدارة، وغرف المرضى التي تضم نحو ستين سريراً.  قام مستشفى عكا في المرحلة الأولى من الاجتياح الإسـرائيلي بدور بارز في استقبال الجرحى، وخصوصاً من محيط المطار، وذلك على الرغم من صغره، وكان الجرحى من مختلف التنظيمات الفلسطينية واللبنانية والقوات السورية. أصيب المستشفى خلال الاجتياح، لكن الأضرار لم تكن جسيمة بسبب إخلاء الطبقة العلوية منذ بدء الاجتياح ونقل المرضى إلى الطبقة الأرضـية. غير أنه مع مواصلة الاجتياح وحصار بيروت، ارتأى الهلال الأحمر الفلسطيني فتح مستشفيات ميدانية ومسـتوصفات في مناطق أكثر أمناً في رأس بيروت؛ مستشفى عكا بالذات، لم يعد ً آمنا بسبب موقعه الجغرافي المعرض للقصف الشـديد، من جهة، وبسبب وجود محطة وقود قريبة منه، من جهة أُخرى، الأمر الذي قد يؤدي إلى احتراق المستشفى في حال تعرضت المحطة لإصابة مباشرة. وهكذا تحول المستشفى إلى مجرد مركز إسعاف، وانتقل القسم الأكبر من العاملين فيه إلى المستشفيات المستحدثة في رأس بيروت.

عادت الحياة إلى مستشفى عكا بعد انتهاء الحرب وخروج المقاتلين الفلسطينيين والسوريين من لبنان، وجاء متطوعون من الصليب الأحمر اللبناني للمساعدة في إعادة تأهيل المستشفى. ولم يكن هناك تصور أن يعود الإسرائيليون إلى المنطقة. وقبل منتصف أيلول/ســبتمبر كان العمل قد عاد إلى مستشفى عكا بشكل طبيعي. كما كان عدد من الأطباء والممرضات الأجانب قد انضم إليه.  

موظف في قسم الأشعة رفض إعطاء اسمه، لكنه قال باعتزاز أنه من مدينة عكا أصلاً ومن صـبرا ولادة، تحدث عن كيفية التحاقه للعمل في المستشفى، فقال أنه كان يطمح إلى دراسـة الطب، لكنه كلاجئ فلسطيني ما كان يحلم بإمكان ذلك. درس في صغره في مدرسة يعبد التابعة للأونروا، والواقعة في زاروب الديك في صبرا. ودرس المرحلة الإعدادية في مدرسة الجليل التابعة أيضاً للأونروا في شاتيلا. ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة رأس النبع الرسمية التابعة لوزارة التربية اللبنانية. لم يكن أمامه للتخصص بعد تخرجه سـوى مدرسة للتمريض أنشأها الهلال الأحمر الفلسطيني، وكانت تحتوي على أربعة أقسام: التمريض؛ المختبر؛ الصيدلة؛ الأشعة. وقع اختياره على القسم الأخير، حيث كان أطباء الهلال يوفرون الدروس النظرية لطلاب الأشعة. أمّا الدروس العملية فكانت تعطى في معهد ألماني في شارع الحمرا. ومنذ أن تخرج سنة  1978 وهو يعمل في قسم الأشعة في مستشفى عكا. وكان يوم حاصرت الدبابات الإسرائيلية صبراوشاتيلا، فجر الأربعاء في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر، هو الموظف المناوب.

قال موظف الأشعــة إن دوره في المنــاوبة كان من الثامنــة ليلاً حتى الثامنة صباحاً. وأضاف أنه سهر مع زملائه تلك الليلة، وكانت أحاديثهم تدور عن مقتل الشيخ بشير (الجميَل)، والكل توقع أن يحدث شيء ما، لكن ماذا بالتحديد؟ هذا ما لم يتوصل إليه أحد منهم. نحو الساعة الرابعة من صباح الأربعاء، كان الموظف النشيط لا يزال يقظاً بحكم عمله، فسمع هدير الدبابات وهي تقترب من المدينة الرياضية. وقف ونظر في اتجاه السفارة الكويتية فشاهد الدبابات الإسرائيلية الزاحفة. نادى الطبيب المناوب ليلاً وقـال لـه: "أنظر يـا حكيم". نظر الطبيـب، وهز رأسه، وعلّق بقوله أنه لا بد من أن ينتظر الساعة الثامنة صباحاً، موعد مجيء من سيحل مكانه.  

في الثامنة تماماً سلّم موظف الأشعة لمناوب النهار، وغادر المستشفى إلى بيته  في صبرا. لكنه لن يستطيع العودة إلى مستشفى عكا؛ سـيبقى هناك،وسيصبح  شاهداً على ما جرى يوم السبت في صبرا.

قالت الممرضة نزهة، وهي ممرضة فلســـطينية تعمل مع الهلال الأحمر منذ ســـنة 1979، إن الإسـرائيليين جاؤوا إلى مستشـفى عكا عدة مرات منذ حصارهم المنطقة بحجة التأكد من عدم وجود "مخربين". وكان الطبيب سامي الخطيب يجيبهم بأن لا أحد هنا سوى المرضى والجسم الطبي. قـالت إنهم دخلوا أكثر من مرة وأكلوا في "الكافيتيريا" من دون اسـتئذان، وصعدوا إلى الطبقة الأولى وشاهدوا المرضى، ولم ينسوا قط أن يحملوا للصغار المرضى "البون بون" والشوكولا.  ليس من داع للتعليق بأن الجنودالإسـرائيليين ما كانوا بحاجة إلى "كافيتيريا" المسـتشـفى؛ كانوا بحاجة إلى شيء واحد هو معرفة ما يوجد داخل هذا المستشفى وما يجري فيه. وقد تحقق لهم ذلك.

شهدت الممرضة الفنلندية مارجلينا (ماريا)، زوجة الموظف المصري عرابي، على أن يوم الأربعاء كان يوماً عادياً نسـبياً في المسـتشفى، فقد فُتحت العيادة واستقبلت عشـرين مريضاً. وسمعت ماريا من المرضى أن الإسرائيليين يتقدمون في اتجاه المخيمات، وأن بعضهم وصل إلى الفاكهاني. ولاحظت أن الممرضات والمرضى الفلسطينيين انتابهم الخوف، غير أن العمل في العيادة لم يتأثر، فاستمرت تستقبل المرضى الذين كان معظمهم يشـكو مرضاً عابراً كالزكام، أو جروحاً بسيطة، أو الذين جاؤوا لتغيير الضمادات. كانت تسمع أصوات الرصاص في الخارج، والانفجارات من ناحية المخيمات. ازداد القصف ليلاً، واستقبل المستشفى جرحى، كما استقبل العشرات من المخيم جاؤوا للنوم والحماية. وتفادياً لخطر القصـف اتخذ القرار بالنوم في الطبقة الأرضية.

قالت الممرضة نزهـة أيضاً إن مئـات العـائلات التجـأت إلى مستشفى عكا، وخصـوصاً يوم الخميس، فالكل هرب من القصف. أمّا في المساء فقد أخذت الأخبار تصل عن عمليات قتل مباشرة، وليس مجرد إصابات نتيجة قصف مركز. ومن الجرحى شاب لبناني من الجنوب أطلق المهاجمون عليـه الرصاص بغزارة مع مجموعـة من الشـباب والرجال، بعد أن أمروهم بالوقوف عند الجدار، لكنه لم يصب بغير رصاصتين في رجله، ثم تمكن من الوصـول إلى المستشفى، وكذلك تمكن والده الجريح من الوصول إلى المستشفى. وعلى الرغم من تأكيد الشاب وأبيه القتل الجماعي الذي شاهدوه، فالممرضة تؤكد بدورها أنهم في المستشفى لم يصدقوا ذلك!

تؤكد الروايةَ نفسها النرويجيةُ آن سوندي، وهي من المتخصصات بالحقل الاجتماعي، زارت بيروت أكثر من مرة، لكنهــا في صـيف الاجتياح بدأت العمـل في المستشفيات كونه العمل الرئيسي المطلوب لإنقاذ الجرحى والمصابين. وقد كانت في مستشفى عكا تلك الليلة نفسها. قالت إن المستشفى اسـتقبل أباً وابنه في نحو السـاعة الثامنة والدقيقة الثلاثين مساء كانا مصابين في أقدامهما، لكن الأب كان مصاباً أيضاً في صـدره، وارتأى المسؤولون إرسال الأب إلى مستشفى غزة كونه أكثر اسـتعداداً لاستقبال الحالات الصعبة. لكن إرسال الرجل المصاب كان عملية مستحيلة، وعليه فقد قام طبيب ســريلانكي وممرضــتان نرويجية وفرنســية بإجراء عملية مستعجلة له. وفي منتصف العملية توقف المولد الكهربائي عن العمل بسبب فراغه من المازوت، فاضطروا إلى إنهاء العملية في ضــوء الشــموع. كان التيار الكهربائي مقطوعاً منذ ســاعات طويلة كما قالت.

في أثناء إجراء العمليـة للأب، تروي آن سـوندي عن صبيـة كانـت تبكي بكاء هستيرياً في أسفل الدرج، فنادتها وهدأت من روعها وسألتها ما بها، فأخبرتها أنها تسكن في الحرش، وأن الرصاص أُطلق على كثيرين من الفلسطينيين واللبنانيين عند أحد الجدران، وأن أباها وأخاها كانا بينهم. أدركت آن بعد قليل أن الرجل الذي تجرى له العمليـة في ضـوء الشموع هو أبوهـا، وأن هـذه الفتـاة التي تبـدو منهـارة هي التي أنقذت أباها الجريح وأوصلته إلى المستشفى. ولم تسـتوعب آن، كما لم يسـتوعب أحد في مستشفى عكا حتى تلك الساعة، أن مجزرة حقيقية تجري، وأن هؤلاء الذين سمعوا أنهم إسرائيليون يدخلون المخيمات كانوا من الميليشيات اللبنانية. كانت تقديرات الأطباء، كما قالت، أن المسألة لا تعدو أن تكون نزاعاً محلياً أو ثأراً معيناً! ووصل جريح آخر بعد قليل، وتوجه الطبيب سامي الخطيب لعلاجه.

 

ب - صباح الجمعة في المستشفى

استيقظت آن سوندي في الساعة الخامسة صباحاً. بعد قليل سمعت عبر مكبرات الصوت أن على الناس أن يتوجهوا إلى بيوتهم حيثما كانوا، وأن يضعوا الأسلحة التي يملكونها أمام البيوت. وكانت النداءات بالعربية، فترجمها لها زملاؤها. وسرعان ما أخذ السكان الملتجئون إلى المستشفى يغادرونه. منهم من قال أنه عائد إلى شاتيلا، ومنهم من قال أنه ذاهب إلى مخيم برج البراجنة.

وهكذا، منذ الساعات الأولى من نهار الجمعة خلا المستشفى بصورة شبه نهائية من المئات الذين احتموا به، وهذا ما أكدته أكثر من امرأة في شهادتها؛ منهن أم كمال التي شـاهدت جموع المسـلحين بعينيها، واسـتمعت إلى تهديداتهم بأذنيها، فجر الجمعة، فعادت إلى المستشفى لتخبر الجميع كي يغادروا حالاً. كذلك شهدت سعيدة التي كانت إحدى المشاركات في مسيرة النساء، وإحدى النساء اللواتي ساقوهن في الشاحنة إلى المناطق الشرقية في الرواية السابعة "من الملجأ إلى سيارة الشحن"، على ما رأته في مسـتشـفى عكا في ذلك الصـباح الباكر. قالت أنها تمكنت، هي وأمها، على الرغم من القصف والقنص من الوصول إلى مستشفى عكا بين السادسة والسابعة ً صـباحا، وكانت كلتاهما من العاملات في المستشفى. وتابعت تصف الذعر الذي كان مسيطراً على الناس داخل المستشفى وفي الملجأ:

كان في كتير ناس لسا واقفين. منهم صاروا يقولوا: "يا جماعة تعالوا كلنا نهرب."  ولكن غيرهم كان يقول: "ما تخافوا يا ناس والله ما في شـــــي." وما شـــــفنا غير مَرَه وصــــلت تصــــرخ وتقول: "في مدبحة. أهربوا هلّق بييجوا على مســــتشــــفى عكا." أنا ما عرفتها للمَرَه لكن ســــمعتهم بقولوا: "ســــمعتوا يا ناس شــــو قالت أم كمال؟" وأنا تلفّت حواليّ لقيت ناس بعدها قاعدة وبتقول: "نحنا باقيين هون ما في شـــــي." ولكن على باب المستشفى كان هناك جرحى عم يدخْلوهم.. وما ّحســـينا إلاّ والناس عم تمشـــي ورا بعضـــها فوج ورا فوج، في حدا قال: "إمشـــوا ناس ورا ناس." أنا ســــمعت وما عرفت مين قال. قمنا رحنا مشــــينا لحتى صــــرنا عند الجســـر على طريق المطار. لكن هناك صـــاروا يضـــربوا قذايف علينا، وقفنا هناك. إمي مــا عــاد فيهــا تركض معــانــا، لكن نحنــا كلنــا هربنــا، أنــا وإخواتي الصـــــغــار وأختي ركضنا، وضلّينا هربانين لحد ما وصلنا على بير العبد، لقينا الناس رايحة جاية وما حدا حاسس شو عم بيصير.

قالت آن سـوندي أنها حضرت اجتماعاً عقد في الساعة الثامنة صباحاً للأطباء والممرضات من أجل التباحث فيما عليهم أن يفعلوه. كان السؤال: الهروب أم البقاء؟ وكان القرار البقاء. وذهبت الممرضتان المسؤولتان طوال الليل للنوم والراحة، وتم توزيع العمل على البقية، فبقيت ممرضتان إحداهما فرنســية للعمل في الطوارئ، بينما بقيت ماري الأسترالية وجين لرعاية الأطفال المعاقين. كما بقيت ممرضتان عربيتان في الطبقة الأرضية، وواحدة أو اثنتان في الطبقة العلوية.

في شهادة أُخرى لطبيب فلسطيني رفض ذكر اسمه الصريح جاء ما يتوافق مع شهادة آن أعلاه، إذ قال إن إدارة المستشفى عقدت اجتماعاً لأعضاء الجسم الطبي ما بين الثامنة والتاسعة صباحاً، وكان هناك مجموعة تؤيد الخروج، ومجموعة أُخرى تؤيد البقاء في المستشفى والصمود. وفي النهاية اتخذ القرار بعدم الخروج. وقال الطبيب إن أقصــى توقعاتهم كان التعرض للاعتقال من قبل الإسرائيليين، وقال أيضاً أنهم كانوا واثقين بأن "اصطيادهم" كان سهلاً جداً في حال مغادرتهم المستشفى، فهم محاصرون من كل الجهات. لذلك كان بقاؤهم داخل المستشفى أكثر حماية لهم ً جميعا، وخصوصاً للفلسطينيين منهم.

لكن هذا الطبيب، الذي كان المسؤول الأول في المستشفى، رفض حتى إجلاء الأطفال المرضـى بينما كان رأي الطبيب سـامي الخطيب وسـواه إجلاء الأطفال، ثم كان هو أول من غادر المستشفى مع ثلاثة آخرين فور اقتحام المهاجمين.

لم ينكر الطبيب المسؤول نفسه ذلك، وقد روى لي أنه غادر مع طبيب زميل آخر واثنين من الموظفين قبيـل دخول القوات اللبنانيـة عن طريق بناية يعقوبيان، فـدخـل الرجال الأربعة المبنى وخرجوا من مخرج آخر حيث كان الإسرائيليون، لكنهم لم يتعرضوا لهم. وتقدم شاب فأوصلهم إلى حارة حريك. والواقع ان كل الذين هربوا من المستشفى من أطباء وممرضات نجحوا في ذلك، باستثناء الطبيب علي عثمان.

كان الحدث الأبرز في صـباح ذلك اليوم الطويل المشحون بالمآسي في مستشفى عكا مقتل عرابي، الموظف المصري في قسم الأشعة. كان عرابي نموذجاً للموظف المحبوب النشـيط، وقد بكاه كل من عرفه. تقول الممرضة نزهة إنه في السـاعة العاشـرة صــباحاً ذهب عرابي "لَيْجيب الســيارة لجوّا"، وغيرها يقول إنه خرج لينجو بنفسه. لكن نهاية عرابي متفق عليها، وهي أنه ما كاد يخرج ويمر من جانب المستشفى المواجه للمحطة حتى أردوه. في الوقت نفسه خرجت عاملة مصـرية لتشتري "علبة دخان" للطبيب سـامي، فأصابوها هي الأُخرى برصاص القنص عند باب المستشفى، وماتت.

يقول الطبيب الفلسطيني المسؤول، الذي رفض إعطاء اسـمه، إن عرابي قتل بعد الاجتماع الذي عقدوه مباشرة، ووجد بعد الكشف على جثته رصاصة في جهة الكبد، وثغرة في وجهه إلى جهة اليمين، كما أصابه كسر في رجله اليسرى، وكسر في المفصل. ويعقب الطبيب إنه من الواضح أن عرابي لم يقتل بالرصاص وحده، بل بشــظايا قذيفة أيضاً.

تقول آن سوندي أنها لم تعرف بمقتل عرابي في حينه. كان قد لفت انتباهها حريق شـب في منزل يقع خلف محطة الوقود، وكان الحريق يتصاعد من سقف المنزل ذي اللون القريب من الأحمر. في تلك اللحظات دخل رجل مصاب بجروح بالغة، وكان هذا الرجـل واقفـاً في محطـة الوقود، وهو الـذي أخبرهم بـإصابـة اثنين آخرين في المحطـة، فهل يكون عرابي أحدهما؟

لم يكن عرابي بالنسبة إلى آن صديقاً حميماً فحسب، بل كان أيضاً زميلاً ً مثاليا عملا معـاً في قسم التخطيط، وطالما شـربـت الشاي معه ومع زوجته مـاريا في المستشفى، وقد كانا بالنسبة إليها من أحب من عرفت في بيروت.

حاول الممرض الفرنسي أن يتعرف على المصابين في محطة الوقود، فصعد إلى غرفـة الطوارئ، وتمـدد بهـدوء حتى تمكن من رؤيـة جسد ممـدد بشكـل مواز لمدخـل الطوارئ، وقال لزملائه إنه ليس عرابي. كذلك حاولت آن أن تتعرف على المصاب الآخر بدورها، لكنها لم تتمكن من ذلك، فزحفت نحو الشـرفة ورفعت رأسها قليلاً فوق جدار الشرفـة، وتمكنـت من أن ترى الرجـل المصاب الممـدد على الأرض، ّ ولما رأتـه طويل القامة، طمأنت نفسها بقولها: "صحيح هذا ليس عرابي. إنه أطول قامة بكثير".

كان الهم الأكبر للطبيب سامي الخطيب أن يتمكن من جلب اللذين أصيبا في محطة الوقود لعله يستطيع إنقاذهما أوإنقاذ أحدهما. ولمّا سمع الطبيب صـوت سيارة "رينو 5 " تقف في الخارج، أرسل حالاً يستفسر عن صاحبها. واتضح أن سائق السيارة امرأة لا يعرفونها، فنادوها، وقبلت المرأة حالاً أن تعطيهم سـيارتها لعمل إنساني. فجاءت عاملة مصرية تعمل في مطبخ المستشفى وساقت السيارة، بينما استلقت آن والممرضة إريكا في المقعد الخلفي كي لا يظهر رأساهما. ساقت العاملة المصرية السيارة قليلاً إلى اليمين، ثم قطعـت الطريق واحتمت بين البيوت، ثم سارت في خط مستقيم على الطريق ثانية نحو محطة الوقود. ولكن ما إن وصلن ثلاثتهن إلى هناك حتى اكتشفن أن الرجل الممدد كان عرابي. وتصف آن تلك اللحظات:

لا أدري لماذا بدا لنا من شرفة المستشفى أطول.

كان عرابي قد اختفى لبعض الوقت، ولم يخبر زوجته إلى أين هو ذاهب.

لقد عرفناه من ثيابه ومن الكيس الذي كان يحمله. أمّا وجهه فكان من المستحيل التعرف عليخ. كانت الجهة اليسرى من خده قد طارت (Was blown out)، ولا أعلم أي نوع من الرصــــــاص اســـــتعملوا. كان هناك عدة بقع تنزف من عدة أجزاء من جســـــمـه. وتمكنـا من ســـــحبـه إلى الســـــيـارة أنـا وإريكـا.. نظرت في غرفـة الطوارئ إلى ســــاعته.. فرأيتها في تمام الســــاعة العاشــــرة والدقيقة الحادية والخمســــين. وضــــعنا حوائجه جانباً. وما كاد الطبيب ينتهي من تكفينه (wrapping him) ويذهب ليخبر زوجته بما جرى، حتى شاهدنا مسلحاً يقف بالباب.

تحدثت زوجة عرابي، الممرضة ماريا، عن المرة الأخيرة التي رأت فيها زوجها، فقالت أنها بحثت في الوضع معه صباح الجمعة وهما يرشفان القهوة، وتوقعا أن يكون اليوم يوماً مشحوناً، وخصوصاً بعد الفراغ الذي شـهده المستشفى بخروج اللاجئين المحتمين به، الذين سمعوا بمكبرات الصوت أن على الجميع أن يذهبوا إلى بيوتهم ولا شـيء سـيصيبهم. وتوقعت ماريا صعوبة في تقديم المعونات الطبية للمرضى بسبب النقص في المعدات الطبية. وروت أن جريحاً جاء في نحو التاسعة صـباحاً، وهو مصري يعمل في محطة الوقود القريبة، وسمعته يتكلم عن زوجها، لكنها لم تفهم تماماً ماذا قال، وإن تكن أدركت أن شـيئاً سيئاً قد حدث. فذهبت إلى غرفة الطوارئ، ثم إلى قسم العناية الفائقة حيث الفريق الطبي النرويجي، ولم تلاحظ شيئاً، ولم تعلم شيئاً حتى جاء الطبيب السريلانكي راشا وقال لها إن زوجها عرابي مات نتيجة إطلاق الناروالانفجار.

وكان تعليق الزوجة التي جاءت من صقيع فنلندا إلى جحيم حرب لا تنتهي حتى لو انتهت: "انتابني شعور بأن الدنيا كلها كانت تتقلص؟"

 

ج - نرويجية في مستشفى عكا 

في الساعة الحادية عشرة كان الاقتحام.

كان المقتحمون متوترين وينظرون يمنة ويسرة بحثاً عن "مخربين".

أمّا في أثناء وجودهم في المستشفى في ذلك النهار، فقد كان لديهم الوقت الكافي ليتعاملوا مع كل من الموجودين في المستشفى، أطباء وعاملين ومرضى، معاملة متفاوتة وفقاً للجنسية أحياناً، ووفقاً للمزاج أحياناً أُخرى؛ وهي معاملة تراوحت بين المعاملة بالحسنى وبين التعذيب والاغتصاب والقتل الوحشي.

كانت الممرضة الفرنسية إريكا أول من لاحظ قدومهم، فجاءت مســـــرعة تنادي الطبيب سامي. أسرع الطبيب ومن حوله ليشاهدوا مسلحاً يتقدم مجموعة عبرت المدخل الرئيسي، وهو يزعق بصوت عصبي وعنيف جداً، وكأنه يتوقع معارضة مسلحة. حاولت آن أن تسأل إن كان ممكناً لها أن تأتي بجواز سـفرها. لم يسمح لها بـذلـك. فسألتـه حينـذاك بـالعربيـة المحدودة التي تعرفهـا: "إنتو مين؟" فجـاءهـا الجواب بالإنكليزية أنهم   ."Phalangists" وعادت تسأل الرجلين المسلحين اللذين كانا واقفين أمامها عما يبحثان. وجاء الجواب أنهما يبحثان عن جنود، عن مقاتلين، عن مخربين!

هي لا تستطيع أن تؤكد أية لفظة استُعملت، لكنها تذكر جوابها بأنه لا يوجد جندي مسلح واحد في المبنى، فـالكل مـدنيون. كـذلـك لا يوجـد فيـه أي سلاح على الإطلاق. استوعب المسلح الثاني كلامها وسمح لها بأن تذهب وتأتي بجواز سفرها.

مسلحون آخرون كانوا يجمعون الممرضات وكل العاملين في المستشفى من غرفهم. كانت الممرضة النرويجية أسـتريد باركفيد ما زالت نائمة في غرفتها مرهقة بعد سـهر نوبة الليل الطويل، وما إن فتحت عينيها حتى رأتهم فوق رأسها، وقالوا لها أنهم "فالانج"، لكنها لم تلاحظ أية شارات على لباسهم. وسـرعان ما سمعت أصوات  هؤلاء الجنود وهم يصرخون من غرفة إلى أخرى بحثاً عن جنود فلسطينيين.

بقيت الممرضة أسـتريد النرويجية للعناية بالأطفال، بينما بقيت ماري الأسـترالية وجين مع الأطفال المعاقين، وغادرت آن باب المستشفى في حراسة مسلح لقّن بندقيته على أتم اسـتعداد لاستعمالها إن لزم الأمر. غير أن المسلحين كانوا في واقع الأمر مضطربين ولا يصدقون أن المستشفى خال من المقاتلين، فتضاربت أوامرهم. قال لها مسلح في الخارج بصـيغة الأمر: "تعالي إلى هنا". بينما في اللحظة نفسـها جاء مسلح آخر ليقول لها: "قفي مكانك". ّ ولما كانت آن قوية الشخصية وهادئة بطبيعتها، فقد تمالكت نفسها وقالت لهم بالإنكليزية: "من أطيع منكم؟ الواحد يقول كلاماً مناقضاً للآخر. فإذا فعلت ما يقوله أي منكم، وقعت في مشـكلة." وحلت المشـكلة بأن طلبوا منها أن تخرج فخرجت، ومشـت إلى جانبها العاملة المصرية التي قادت سـيارة الرينو قبل قليل لحمل جثمان عرابي إلى المستشفى، ومشــى آخرون. وسـرعان ما لاحظ الجميع أن الأجانب يسيرون في طابور، بينما يسير الفلسطينيون في طابور آخر.

نظرت آن إلى الأمام عبر الشـارع فرأت المسلحين يجلسون أمام بيوت حرش ثابت حتى مدخل شاتيلا الرئيسي، وتعتقد أنهم كانوا نحو خمسة عشــر مسلحاً. كذلك كان عند المستديرة خمسة أو سـتة آخرون. وكان يوجد عند تقاطع الطرق بين الشارع الرئيسي (شارع السفارة الكويتية) ومدخل شــاتيلا مجموعة أُخرى من المسلحين يبلغ عدد أفرادها ما بين العشرة والخمسة عشر مسلحاً. وما بين هذه النقاط المسلحة أعطت آن جواز السفر، فتأكدوا من كونها أجنبية وقالوا إن لا مشكلة هناك.

وصل السكرتير الأول في السفارة النرويجية كي يعود بالنرويجيين من أعضاء الجسم الطبي في المستشفى، ووافق المسلحون على طلبه. هل ترضى آن بذلك قبل أن تطمئن إلى مصير زملائها الآخرين؟ كانت في تلك اللحظات الحرجة حزينة وغاضبة على مصـرع عرابي، وكيف تنسى أنه ما زال جثة ممددة في الطوارئ، وأن غيره مهدد بالمصـير نفسـه، بينما السـكرتير الأول جاء ليحمي أبناء بلده. ولعله كان على حق.  تصف آن تلك اللحظات الحرجة بقولها:

كان قراراً من أصــعب القرارات في حياتي، وعليّ أن أتخذه في جزء من الثانية. هل أركب السيارة معه؟ هل أترك أصدقائي وأغادر المكان، أم أبقى؟

لم أكن لأعلم مـاذا يمكن أن يجري، ذلـك بـأن مجموعـة الجنود (الميليشـــــيـا) كـانـت مهذبة ولم نكن نعلم في تلك اللحظات ما حدث في المخيمات فعلاً. ولم أجد نفســـــي إلاّ وأنا في السيارة بدافع غريزي لا إرادي.

لمّا ســمحوا لنا بالعودة ثانية إلى المســتشــفى، ســمحوا لنا بأن نأخذ أســتريد معنا، وسمحوا لي بأن آتي بحقيبتي التي كان أهم مافيها أفلام عن الأيام السابقة. سألتهم إن كنـا نســـــتطيع أن نـأخـذ معنـا الأطفـال، فوافقوا. وأخـذنـا أربعـة أطفـال. وكـان هنـاك طفل خامس في تلك الغرفة لم نجرؤ على حمله معنا لصـــــعوبة حالته، فهو بحاجة إلى سيارة إسعاف.

من التناقضات بين المسلحين أنفسهم، أن أحدهم سأل بالفرنسية إن كان لدى السكرتير الأول في السفارة النرويجية سيارة كبيرة تسع بقية الأطفال. وكان الجواب أنه لا توجد سيارة كبيرة،وانتهى الجواب بسؤال مماثل من النرويجي: "هل لديكمأنتم ســـيارة لنقل بقية الأطفال؟" وردالمسلح بقوله إنهليس لديهم. وتم الاتفاق على إمكان العودة لأخذ بقية الأطفال. لكن لن يكون هناك أطفال لأخذهم فيما بعد!!

لاحظت آن سـونـدي في طريق العودة اختفـاء الأصدقاء والزملاء الـذين كـانوا أوقفوهم بالقرب من مدخـل شاتيلا، ولاحظـت وجود شاحنـة كبيرة مقـدمهـا مواجه لمستديرة المطار كان نصـفها مملوءاً بالشـباب والرجال، ودققت في وجوه هؤلاء لكنها لم تجد بينهم من تعرف.

وصلت السيارة الدبلوماسية أخيراً إلى مستشفى الجامعة الأميركية، ورفضت الإدارة في بادئ الأمر استقبال هؤلاء الأطفال المرضى لصعوبة حالاتهم، وما كان في اسـتطاعة آن أن تكشـف عن هوية الأطفال وأنهم من مسـتشفى عكا لأنها – كما قالت - لم تكن تعلم من تكلم، ووجدت الطريقة المثلى في إقناعهم ببقاء ممرضة معهم للاعتناء بهم، وهكذا بقيت الممرضة أستريد.

تتوقف تجربة آن سـوندي في مستشفى عكا، لتبدأ في اليوم نفسه تجربتها في مستشفى غزة؛ فهي "النرويجية" التي تمكنت من الوصـول إلى مسـتشفى غزة وإبلاغهم ما جرى في مستشفى عكا.

 

د - فلسطينية في مستشفى عكا

تختلف تجربة نزهة، الممرضة الفلسطينية، عن تجربة آن النرويجية اختلافاً بيناً. التجربة في بداية النهار كانت متشابهة، فكل منهما كانت انتهت من "حمّام" الصباح وهي تستمع إلى النـداءات عبر مكبرات الصوت بـالتسليم، لكن الاختلاف البين في التجربة ابتدأ منذ تلك اللحظات.

كانت نزهة ما زالت ترتدي ثيابها وهي تستمع وتســـتوعب لأول مرة أن ما يجري شيء خطر. وهي تقول:

مقر الهلال الأحمر كــان في بنــايــة مجــاورة في الطــابق الرابع. تطلعــت هيــك ّ وإلا بيصـــرخوا بالميكروفون. الميكروفون كإني شـــايفته هلّق، الباب تبعه أبيض والمســـكة من ورا حمرا. صـــاروا يعيطوا ويقولوا ســـلموا بتســـلموا. وإذا كان في مخربين وإذا كان في أي شـــي وما مســـترجي يعطينا الســـلاح بيرمي الســـلاح بالشـــارع وبيهرب. بيرمي السلاح إذا كان فزعان وبيهرب.

أكملت نزهة ارتداء ثيابها وغادرت المنزل إلى المستشفى حيث رأت الطبيب سامي، وقـالـت لـه: "منشان الله يـا دكتور سامي خلّينا نهرب." فرد عليهـا بقوله: "يـا نزهـة إسـرائيل فاتت على الجنوب وأهلك هلّق ساكنين بالجنوب، حَكَتْ معهم؟ يعني حَكَت مع النسوان والأطفال؟ ما حَكَتْ معهم." أدركت نزهة أن الطبيب يرفض تصديق أن هؤلاء كتائب وليسوا إسرائيليين. وهي تصف يأسها في تلك اللحظات:

أنا صـــــرت أبكي وأعبطه للدكتور وأبوس إيديه حتى يخلّينا نهرب، ما كان يخلّينا أبداً. قال: "معقولة نترك ونهرب؟"

وهيك بقينا، لحتى وصلوا لعنا.

كان الدكتور ســــــامي عم يكفن عرابي، وقميصــــــه غارق دم. قلّي: "اطلعي يا نزهة جيبيلي قميص نضـــيف لألبســـه." قلتلّو: "ما مســـترجية يا حكيم". وصـــرت أبكي. قلّي، وهوفكره عميشـــــجعني: "والله إن ما طلعت لأرميك من الشـــــباك. كل ها القد جبانة؟" وردّيت عليه: "أنا مش جبانة يا حكيم، بس أنا خايفة، لأنو هاي كتايب..."

وأنا بس ّحســـــيت إنهم دخلوا من مدخل الطوارئ، ما لقيت حالي إلاّ وأنا بهرب من المدخل التاني للطوارئ. وكان معي تلات بنات رفقاتي. كنا كلنا هربانين مع بعض، وكان معنا طفل صغير كمان هرّبناه معنا.

على الطريق شـــفنا دبابة إســـرائيلية قلنالهم شـــو صـــار معنا في المســـتشـــفى وعن الحالات اللّي وصــــلت لعنا؛ عن قتل الناس بالرصــــاص والدبح. صــــاروا الإســــرائيلية يضحكوا علينا ويقولولنا "روخ .. روخ.. خبيبي ما تخاف".

وصلت نزهة مع رفيقاتها إلى مخيم برج البراجنة. نمن ليلتهن هناك. وعادت في اليوم التالي إلى المستشفى لتأخذ هويتها وحقيبتها وما تركته من راتبها الشهري، إذ كانت لا تملك من المال ما يوصلها إلى صور، حيث أهلها. لكنها لم تجد أحداً تعرفه في المستشفى. لا أحد هناك. وجدت شباباً من الصليب الأحمر اللبناني فسألوها: لم تبكين؟ وما إن عرفوا أنها ممرضة حتى صعد معها بعضهم إلى الطبقة الرابعة في مبنى مسكن الممرضات. هناك وجدت نزهة حقيبة يدها، لكنها فارغة من الهوية ومن بقية الراتب.  لم تقف نزهة حائرة بل شعرت بواجبها كممرضة منذ تلك اللحظة، وما عادت تفكر في الهروب إلى صور، وإنما قررت البقاء، وراحت تدقق فيما جرى في المستشفى.

 

هـ - لبنانية في مستشفى عكا

تختلف تجربة شـــابة لبنانية عن التجربتين الســـابقتين لنرويجية وفلســـطينية في مســــــتشــــــفى عكا، بداية ونهاية. إنها تجربة رندة التي أنقذت أباها الجريح في الرواية الســـادســـة عشـــرة، والتي نامت في مســـتشـــفى عكا مع والدها بعد أن أكملوا له العملية الجراحية يوم الخميس ليلاً في ضوء الشموع.

شاهدت رندة تصرفات المسلحين منذ دخولهم مستشفى عكا. وشـهدت أنهم لم يكونوا مهذبين معها كما كانوا مع الأجانب، لكنهم ما كانوا شـرسـين كما كانوا مع الفلسطينيين.

كـانـت رنـدة واقفـة بالقرب من الباب، فلم تشعر إلاّ وهم عنـد الباب وفي المدخـل. وتقول: "فـاجأونـا وأخدوا يـدفشوا فينــا وينزلونـا لتحت." وكان عـددهم كثيراً جـداً، وخصوصاً مع الواقفين في الخارج بين محطة الوقودوالمسـتشفى. وحمدت رندة الله على أن السكان المحتمين بملجأ المستشفى كانوا غادروه، وإلاّ كانت الكارثة أعظم.  تقول:

أنا لمّا دخلوا لجوّا ركضــــت لعند بيّي، وقلتلّو: "إجو الإســــرائيلية يا بيي." لكن ّ همي كانوا وراي قالولي: "لأ. إحنا سعد حداد وكتايب."

وإجا واحد قعد حدّي على سـرير بيّي، وقلّي: "ما تفزعي. نحنا لبنانية متلك." قلتلّو: "بس إنتوا قتلتونا. ليه قتلتونا؟ هاي بيّي وخيّي متصـــاوبين. وفي إلي خيّ انقتل. وأنا متأكدة إنو جتته بعدها بالأرض. وإمي وخيّاتي بعد ما منعرف شو صارفيهم."  قلّي: "لكن إحنا ما فتنا على منطقة الحرش أبداً."

طبعاً عرفت عم يكذب. وإذا كان صــادق إنّو هوّ مافات، في غيره من رفقاته فاتوا. لكن شو بدّي إحكي. مضى الوقت وهمّي ساعة يقولولنا بدنا قهوة، وساعة بدنا شاي، أو قوموا هـاتولنـا مي بـدنـا نشـــــرب. مـا خوّفونـا بـالأول، وصـــــحيح صــــــاروا يمزحوا ويضحكوا معنا، لكن عاملونا برضه زي الخدم.

في واحــد منهم جرّب يحكي على جهــاز اللاســـــلكي ومــا عرف، أو كــان يمكن عم يجرّبني. إجا قلّي: "تعي إنت فوتي إحكي." قلتلّو: "أنا صــرلي بس من امبارح هون وما بعرف اســتعمل اللاســلكي. بعدين أنا لبنانية مش فلســطينية." قال: "نحنا عارفين إنك لبنانية. ليش قاعدة معاهم؟" قلتلّو: " ّطيب فينا إحنا نســـــتأجر بيت بألفين أو بألف ليرة. إحنا الله يساعدنا كلنا بنات وكلنا منشتغل ومنقدم لبيّي.

لم تشهد رندة مقتل أحد أمامها، لكنها سمعت الرصاص حين قتلوا الممرضة انتصار. وقد تحدثت عن ممرضة أُخرى تمكنت من النجاة بنفسها حين قالت لهم أنها ستعود حالاً بعد أن تأتي بالماء، فغافلتهم ورمت نفسها من غرفة أُخرى إلى الخارج، وقد ساعدها ناس فأوقفوا لها سيارة أوصلتها إلى حارة حريك.

لم تحتمل رندة البقاء أكثر من الساعة الثالثة. ادعت أنها جائعة، فقالوا لها: "نحنا منجيبلك أكل. وبعدين إنت قلت إنك باقية للساعة خمسة." أجابتهم بأنها سـتذهب إلى الشـياح حيث يقطن عمها وعائلته وهم في انتظارها.  أما السبب في قرارها الخروج وترك أبيها وأخيها فكان الخوف الذي اعتراها من سـوء أدبهم والكلام الفاحش الذي أسمعوها إياه، وقد تمادى بعضهم في قلة الأدب، فخافت من مصير كمصير اللواتي سمعت عما جرى لهن. وقالت في نفســها إن الله سبحانه وتعالى يحمي أباها وأخاها، لكنها لا تستطيع ذلك بمفردها. وتمكنت رندة من إنقاذ فتاة فلسطينية معها وهي خارجة، فـادعـت أنهـا تعرفهـا وأنهـا لبنـانيـة من بلدتهـا في الجنوب. وكانـت الفتاة قـد مزقت بطاقتها الشخصية ثم أحرقتها.

تنفست الاثنتان الصعداء في الخارج، واسترعى انتباه كل منهما أن الإسرائيليين كانوا غادروا مكانهم تحت جسر المطار.

 

و - مصير الممرضات

روت ممرضة لبنانية في مستشفى عكا لمراسلة صحيفة "ليبراسيون"، مايا ثابت:

في الساعة الحادية عشرة اقتحم المستشفى رجال... يتكلمون العربية والإنكليزية... كـانوا في غـايـة الاضـــــطراب، وبلهجـة عســـــكريـة طلبوا من جميع العـاملين الأجـانـب بالمســـتشـــفى وعددهم يتجاوز أحد عشـــر طبيباً وممرضـــاً أن يخرجوا من المســـتشـــفى رافعين أيديهم في الهواء... وبقيت ممرضــتان تعتنيان بثمانية جرحى وخمســة أطفال معوقين، كما بقي أطفال رضّع آخرون.

على مدخل شــاتيلا طلب منا ضــابط إســرائيلي العودة إلى المســتشــفى وإغلاقه في وجه الجرحى والقتلى، لكنهم احتفظوا بطبيب فلســـــطيني كان معنا، وما عدنا رأيناه منذ ذلك الوقت [تقصد الطبيب سامي الخطيب].

عدنا إلى المســــتشــــفى واكتشــــفنا أن أربعة جرحى اختطفوا، ولكن الممرضــــتين ما تزالان هناك. وبعد الظهر جاء وفد الصــــليب الأحمر للاطمئنان علينا، وأخذ أســــماءنا، عندئذ اكتشــــفنا أن الممرضــــتين اختفتا. وقال لنا الطبيب أنه رأى المســــلحين يخنقون الممرضتين خلف البناية.

إحدى الممرضـــات الفلســـطينيات كانت معنا، ذهبت للبحث عن أختها التي التجأت في بيت قريب من المستشفى فوجدتها عارية ملطخة بالدم.. ومقتولة خنقاً.

يروي طوني، وهو مواطن لبناني يســكن في مبنى مجاور لمسـتشـفى عكا، كيف عاد إلى منزله لتفقده بعد طول غياب خلال الحصارالإسرائيلي لبيروت. وكان سـبب غيابه القسري عن بيته أنه مسيحي؛ فمنطق الحروب الأهلية الطائفية يفرض العزل السكاني لكل طائفة، ولأي طائفة كانت، في كل مكان، وهكذا كان في لبنان.

يروي طوني كيف اضطر إلى الاحتماء بمنزله من الرصاص، فقد كان في الخارج عدد من المسلحين يصوبون بنادقهم الرشاشة نحو المستشفى، وقد شاهدهم من إحدى النوافذ، كما تمكن من مشاهدة ما جرى لممرضتين من المستشفى. الممرضة الأولى شاهدها عندما فتح باب بيته ليرى ما يجري في الخارج. كانت تجلس القرفصاء في ركن من الدرج خائفة مذعورة. دعاها إلى الاحتماء بمنزله، لكنها أشارت إلى الجهة الأُخرى التي كانت أصــــوات الرصاص تأتي منها. ومرت ساعة كاملة تشجع بعدها وفتح نافذة جانبية، وهناك شاهد عدداً من الجنود يغتصب ممرضة أُخرى. وقد كانت تستنجد بصوت مخنوق، وكانت تبكي. ثم رأى نهاية الجريمة: قتلوها بالرصاص.

مضــت ساعتان بعد هذه الجريمة كانوا خلالهما قد عادوا إلى الممرضة المذعورة، فقيدوها بالحبال، واغتصبوها، ورحلوا..

عاد طوني يفتح بابه ليعرف ما حل بالممرضة المذعورة، فوجدها مكانها، لكنها تحولت إلى ضحية مشلوحة في الممر، وما كاد يهم بالصلاة من أجلها كما صلى لراحة نفس زميلتها، حتى انهمر رصاص قريب، فأصيب في ساقه اليمنى. التفت إلى مصدر النار فأدرك أن من أطلق النار عليه كان أحد أقربائه. أمر المسـؤول عن المجموعة ذلك المسلح بالإجهاز عليه، لكن المسلح كان بدوره قد أدرك أنه أطلق النار على قريبه، فرفض الأمر بالإجهاز عليه. ولولا تلك المصادفة، لما عاش طوني.

ربما كانت الممرضـة الثانية هي نفسها الممرضة التي وجدت في ملجأ المبنى المجاور، أي المبنى الذي يسكن فيه الراوي طوني. لكن لم يكن سهلاً التعرف على جثتها، إذ تم التعرف عليها من شعرها و"صندلها"، وقد ظهر أنها اغتصبت حتى الموت.

أمّا الممرضة انتصار فقد تكون إحدى هاتين الممرضتين اللتين شـــاهد طوني ما حل بهمـا. ويروي ما جرى لانتصار موظف الأشعـة نقلاً عن زملائـه وزميلاتـه في المستشفى؛ هؤلاء يروون كيف اقتادها المسلحون إلى الملجأ، بالقوة، شـــدوا شـعرها وأنزلوها وهي تصـيح أن يقتلوها. وهم فعلاً قتلوها، لكن بعد أن اغتصـبوها عدة مرات. وبعد أن انتهوا من عملهم جروها إلى محطة الوقود، فأمســكت بخزان الوقود تحتمي به، أو كما يروي أحد زملائهــا: "وتعبّطت محل مــا بعبّوا بنزين، تعبّطت فيهــا وبلشوا يتناشنوا عليها. خردقوها تخردق.

تروي الممرضة نزهة، التي كانت تمكنت من الهروب ثم العودة، أنه طلب منها أن تذهب إلى مستشفى الجامعة الأميركية للتعرف على جثة زميلتها الممرضـة انتصـار، إذ لا أحد من أهلها في بيروت، فهم من سكان طرابلس، وذهبت، وتعرفت عليها:

الممرضة اللّي قتلوها انتصار رفيقتي كنت أنام أنا واياها في غرفة واحدة، قلتلها تهرب معاي، لكن ما كانت تهرب، لأنّو في معنا واحدة لبنانية كانت تداوم اســـــمها سناء كانت بدها تضل معها وهي تقول إذا فاتوا لعنا ما بيحكوا معي، بدّي أقولهم أنا لبنانية من بعلبك.

لكن لمّا فاتوا عرفوها فلســطينية. عرفوها من لهجتها حالاً. اعتدوا عليها وقتلوها. وهيّ ما وفرتهم. شتمتهم وقاومت قد ما تقدر. في ناس سمعوا وحكولي.

ويا ريتني ما رحت حتى أتعرف على الجثة. ما في أصــــعب من شــــوفة أغلى الناس مشـــوهين على ها الصـــورة. لكن ما ممكن ما أتعرف على صـــديقتي؟ ممكن تموت وما حدا يشوفها ويؤكد إنّو هاي انتصار؟

إرحمها يا رب.

  

ز - مصير الأطباء والعاملين

لم يكن مصـير الأطباء أقل وحشـية من مصير الممرضات. اثنان منهم عذبا وقتلا، وهما الطبيب علي عثمان والطبيب سامي الخطيب، وكلاهما فلسطيني.

الطبيب علي عثمان متزوج بامرأة سـوفياتية ولهما ابن. كان مع مجموعة الأطباء والعاملين في المستشفى الذين نادوهم منذ اللحظات الأولى كي يخرجوا. ولمّا صاحوا عليه ليقترب، قال لهم أن يمهلوه كي يدخل المستشفى ويعود بزوجته. من الواضح أنهم ظنوها فلسـطينية، وبالتالي، غنماً جديداً، فسمحوا له بذلك. لكنه ما إن دخل المبنى حتى قفز من النافذة إلى الحديقة التي تطل عليها بناية يعقوبيان، ولم يتحمل الطبيب عثمان القفزة، إذ وقع على رجله المكسورة ســابقاً، ولم يتمكن من الهروب بسرعة. أخذ يمشي ببطء خطوة خطوة، إلى أن دخل بناية يعقوبيان، ورأى صاحب البناية عند المدخل، وكان كل منهما يعرف الآخر، فقال له أنه يريد الاختباء عنده، واختبأ فعلاً في الطبقة الرابعة.

قال يعقوبيان لموظفين في مستشفى عكا، فيما بعد، إن المسلحين جاؤوا إليه وسألوه إن كان أحد اختبأ عنده، فأجابهم: "ما بعرف". وكان معه ثلاثمئة ألف ليرة فاستولوا على ما معه من مال، وفتشوا المبنى.

أمّا الطبيب علي عثمان فقد وجدوه في الطبقة الرابعة. ويروي موظف الأشعة:

طلعوا جـابوا الـدكتور عثمـان. عـذّبوه عـذاب مش معقول. يعني في بنـت شـــــــاهـدة وموجودة. شـــافتهم بعيونها. حِكْيِت معي وقالت إنها شـــافت اســـنانه ّمكسّـــرة ومرمية لبرّا. وشــــافتهم عم يشــــحطوه شــــحط على الأرض. وهو عم يصــــرخ ويقول: "دخيلكم.." ولحـد هلّق مش معروف شـــــي عن الـدكتور علي عثمـان. بقولوا إنهم قتلوه. والطبيعي يكونوا قتلوه. لكن الجتة ما بيّنت!! وكمان ما التقت جتة الدكتور ســـــامي الخطيب. أبدا ما التقت.

وجد دليل واحد على مقتل الطبيب علي عثمان، وهو قطعة المعدن التي كانت داخل رجله الاصطناعية، فلمّا شـوهدت الرجل الاصـطناعية على الطريق، عرفوا أنه قتل. كان علي عثمان طبيباً متخصصاَ بالأمراض الداخلية، وكان أنهى تخصصه في الاتحاد السوفياتي وعاد إلى بيروت مع زوجته وابنهما الوحيد في نهاية ســنة 1981 . كان في منتصف الثلاثينات من العمر، وطبيباً مخلصاً في عمله ومحبوباً.

أمّا الطبيب سامي الخطيب فكان أحد الذين اقتيدوا إلى خارج المسـتشفى بأوامر من القوات اللبنـانيـة، وليس بعيـداً عن مكـان تجميع العـاملين في المستشفى، وقف السـكرتير الأول في السفارة النرويجيـة يفـاوض المسلحين بشأن أخذ الرعايا النرويجيين.

قالت آن سـوندي أنها في أثناء الحوار لاحظت أن الطبيب سامي الخطيب فُصـل عن المجموعة واقتيد إلى مدخل شـاتيلا الرئيسي، فتوجهت حالاً نحوه. هناك كان يقف إزاء الحائط، ومعه عشرة أو خمسة عشر آخرين. ولمّا اقتربت منه سمعته يطلب من المسلحين السماح له بالعودة إلى المستشفى كونه طبيب الأطفال الوحيد، والمستشفى بحاجة إليه بسـبب وجود الكثير من الأطفال المرضـى. وسمعتهم يسـألون بعضهم البعض بالعربية عنها: "مين هاي؟" فأجابتهم بأنها نرويجية. هنا قال لها أحد المسلحين بالإنكليزية: " إذهبي حالاً حيث تقف مجموعتك." وقال لها الطبيب سامي، بالإنكليزية أيضـاً: "لا تقلقي ارجعي أرجوك".

عادت آن إلى حيث يقف الأجانب، مميزين من الفلسطينيين، على الرغم منها.

وكما علمنا أعلاه فقد سمح للســـكرتير الأول في السـفارة النرويجية وللنرويجيين بأن يعودوا إلى المســتشــفى لإنقاذ بعض الأطفال. وفعلاً عادوا وتمكنوا من إنقاذ أربعة أطفال معاقين. لكن ما كادت السيارة الدبلوماسية تتحرك من المستشفى في اتجاه الأوزاعي حتى تلفتـت آن حيـث كـان يقف زملاؤهـا من الجسم الطبي، فلم تجـد أحـداً. اختفى الطبيب سامي الخطيب واختفى الآخرون. اختفى الفلسطينيون. وهي تقول نقلاً عن آخرين إنهم شـاهدوا الطبيب سامي فيما بعد في المدينة الرياضية، وهناك شـخص قال أنه رآه وقد عذب كثيراً قبل أن يقتل.

هل كانت جثة الطبيب سامي أو جثة الطبيب علي بين الجثث المرمية في مسبح المدينة الرياضية؟

شهود العيان من بعيد حكموا بذلك لأنهم شاهدوا جثثاً لأربعة رجال يرتدون "الروب" الأبيض تعوم على سطح المسبح القليل المياه.

لكن لموظفين في الهلال الأحمر رأياً آخر، ذلك بأن المسعفين كانوا يرتدون "الروب"  الأبيض أيضــاً. وقد قتل ثلاثة من هؤلاء وهم في سـيارة إسعاف، ومن الممكن أن تكون جثة أحدهم أو جثث ثلاثتهم قد قذف بها في المسبح. ويندرأن يتحدث أحد من الهلال الأحمر من دون أن يذكر أسماء الشهداء الثلاثة معاً، زياد معروف ونزار الصادق وجهاد الحاج. كانوا ثلاثة أصدقاء في الحياة وثلاثة رفاق في الممات. وعندما تسأل الممرضة نزهة عمن فقدت في المجزرة من أهل، تجيب بأنها فقدت الكثير، ثم يكتشف السامع أنها لم تفقد أحداً من الأقرباء لكن من الزملاء. تقول:

كــان أقربهم لي تلاتــة. أنــا فقــدت نزار، وفقــدت جهــاد، وفقــدت زيــاد. كلهم انقتلوا بالمجزرة. كان نزار ضـــابط إســـعاف، وكانوا التلاتة مســـعفين، كانوا رايحين ْ يوصـــلوا جريح اســـــمه حاتم على مســـــتشـــــفى غزة. وصـــــلوا على غزة  ووصّـــــلوا الجريح، ّوهمّي راجعين قتلوهم بنص الطريق. والســــيارة اللّي كانت معهم كانت ســــيارة آخدينها من الصليب الأحمر، وعليها إشارة الصليب الأحمر. ولكن نحنا ما عرفنا إنهم ماتوا إلاّ في اليوم التاني. وما كان في اتصـال بينّا وبين مسـتشـفى غزة. كانت انقطعت الاتصـالات لنسأل عنهم.

من ضحايا الجسم الطبي والعاملين في مسـتشفى عكا طبيبان وممرضتان وثلاثة مسعفين وطباخ وحارس. وباقي الضحايا من المرضى، وخصوصاً الأطفال.

أمّا الأجانب، فقد عاد من عاد منهم في اليوم نفسه، ومن الذين عادوا ماريا عرابي الفنلندية، التي قتلوا زوجها المصري عرابي. كانت واحدة من المجموعة التي اقتادوها للتحقيق ساعة دخولهم المستشفى. وبعد التحقيق معهم بالقرب من مدخل شاتيلا خص المسلحون الأجانب باحترام خاص، فوضعوا لهم بطانية على الأرض ليجلسوا، وقدموا لهم السجائر والعلكة، وأعربوا عن اهتمامهم بإمكان أن يتعرضوا للأذى جرّاء الشمس الحارقة. ولمّا سألهم الأجانب كم سيمكثون هكذا جالسين على البطانية، لم يتلقوارداً. ثم تم القراربأن يذهبوا خشية أن يظن الإسرائيليون أنهم معتقلون لديهم. ولما سألوهم إلى أين يذهبون، هز المسلح كتفيه من دون جواب. فقال لهم الأجانب أنهم سيعودون إلى المستشفى وطلبوا أن يعود معهم الطبيب سامي لحاجة المستشفى إليه، وكان الجواب الرفض. وشاهدت ماريا جموع الموقوفين وهم يمشـون  صفوفاً رافعي الأيدي فوق الرؤوس.

أمّا المسلحون الذين احتلوا المستشفى وبقوا فيه، فغضبوا حين شاهدوهم قد عادوا للاعتناء بالمرضى والأطفال، وهاجموهم واصفين إياهم بالقذرين والسيئين لأنهم يعملون مع الفلسطينيين. وسألوهم إن كانوا شيوعيين أو من جماعة بادر - ماينهوف، ومن الذي أرسلهم، فأجابوهم بأنهم مسيحيون وأنهم جاؤوا من قبل عدد من المنظمات الإنسانية.

سمح المسلحون للفريق الطبي الأجنبي بأن يبقى فقط في الطبقة السفلية، حيث كان لا يزال خمسة معاقين من الأطفال وطفل من مستشفى الأطفال. وكان باقي المرضى في الطبقة الأولى، وعـددهم ثمـانية، ومعهم ممرضتـان واحـدة فلسطينيـة والأُخرى لبنانية، وبقي مع المرضى الطبيب راشا، لكن إلى حين.

أمّا في شـأن تصرفات هؤلاء المسلحين، حتى مع الأجانب، فكانت متناقضـة جداً.  تقول ماريا: "إنهم كانوا يبدون في لحظة معينة في منتهى العنف، وفي اللحظة التالية يظهرون استعدادهم للقيام بأي شيء لمساعدتنا".

هناك طبيب أجنبي استثناه المسلحون وأرادوا إيذاءه، وأبقوه بمفرده في الطبقة السادسة تمهيداً لذلك، وهو الطبيب السريلانكي راشا. وقد اتضح أن أحد المسلحين كان يحتفظ بـالطبيـب رهينـة، مهـدداً بقتلـه إذا لم تعـد ممرضة كـان وعـد نفسه بهـا، قبـل السابعة مساء. وهي الممرضة نفسها التي رجت آن سوندي أن يأخذوها فلم يتمكن الفريق النرويجي من ذلك، إلاّ إنها عادت فتمكنت من الهرب. لكن العناية الإلهية أنقذت الطبيب عن طريق إسرائيلي كان عالجه في الجنوب يوم كان الطبيب يعمل هناك، فقال الجندي الإسـرائيلي للميليشــيوي: "أتركه يذهب". وقال للطبيب راشا: "إذهب إلى (بيروت الشرقية) وغادر البلد حالاً." وهناك قصة ثانية تقول إنهم هددوا الطبيب راشا بالقتل إن لم يعطهم مبلغاً من المال. وأخيراً أنقذ الطبيب كما أنقذ غيره لمّا جاء الصليب الأحمر.

من الواضح أن أفراد الميليشيات غادروا المستشـفى، وربما موقتاً، في نحو الساعة الثالثة، ذلك بأن عناصر الصليب الأحمر الدولي لم يروهم هناك حين وصلوا بعد الظهر.  لكن الحريق الذي شب في المستشفى فيما بعد يدل على عودة من أحرق المستشفى.

جاء موفدون من الصـليب الأحمر الدولي مرتين لإنقاذ من تبقى في المستشفى.

كانت أول مرة في نحو السـاعة الثانية ظهراً، وقالوا أنهم حاولوا المجيء صباحاً فلم يتمكنوا، ووعدوا بالعودة بعد الظهر أيضاً، ووفوا بوعدهم في الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين بعد الظهر. تقول ماريا إنه كان هناك أربعة مرضى فقط في الطبقة الأولى، ولم تعرف مصير الأربعة الباقين، فنقل الصليب الأحمر المرضى إلى مستشـفى نجار، والأطفال مع الممرضة إلى مركز أمل. ويقول حمزة أنه كان هو وأبوه بين الجرحى المحظوظين الذين أنقذوا، ويتذكّر أن الساعة كانت الثالثة والدقيقة الثلاثين بعد الظهر لمّا وصلوا إلى مستشفى نجار.

كان طوني أ. أحد المسعفين في فرقة الصليب الأحمر اللبناني التي رافقت الصليب الأحمر الدولي إلى مستشفى عكا بعد ظهر الجمعة. قال إنه جرى اتصال بهم فحواه أن ثلاثة ماتوا في مستشفى عكا، وأن عليهم الذهاب للمجيء بهم. ولمّا كانت طريق صـبرا مقفلة فقد اضطروا إلى الذهاب عن طريق الأوزاعي. هناك صادفوا حواجز لكن "مشـي الحال"، على الرغم من أنهم توقفوا في محلات خطرة وخلال القصف، فكان مسؤول الصليب الأحمر الدولي يترجل ويتكلم مع المسؤولين الإسرائيليين هناك. وعند حاجز مستديرة الطيونة اضطر المسعفون إلى الترجل وهم يلفون أنفسهم بأعلام الصـليب الأحمر كي يتأكد الجنود أنهم حقاً مسعفون.

عند وصول المسعفين إلى مستشفى عكا سـمعوا صوت إطلاق رصاص قوياً وسقوط قذائف، واسـتغربوا هذه الأصوات، إذ كانوا يعلمون أن الشـباب سـلموا سلاحهم. لماذا الرصاص إذاً؟ من يحارب من؟ يقول طوني:

لمّا فتنا على مســـتشـــفى عكا ســـاعتها اكتشـــفنا إنّو الناس اللّي كانوا ميتين واللّي رايحين نجيبهم ما كانوا ميتين من قصـــف أو شـــي، كانوا ميتين من ضـــرب رصـــاص عن قريـب. كـانوا ميتين متـل اللّي شـــــفنـاهم بعـدين كيف مـاتوا بالمجزرة. وفي الوقـت اللّي كانت عم تقوم فيه المجزرة إحنا كنا بمســــتشــــفى عكا، وما عرفانين إنّو  المجزرة عم تصير.

بعدين عرفنا إنّو الجماعة [يقصد الميليشيات المسلحة] كانوا طلعوا من عكا وفاتوا لجوّا وصاروا بصبرا. بعدني بتذكر منيح إنّو إحنا شلنا من جماعة عكا يومتها امرأتين وحكيم وعامل كان يشـــــتغل بمحطة بنزين جنســـــيته مصـــــرية. شـــــلناهم، كانوا كتير مشـــنْعين فيهم للممرضـــات والحكيم كمان هيداك المصـــري [يقصـــد الطباخ المصـــري الذي كان يلبس الرداء الأبيض] كان مقتول. أخدناهم. وشلنا معنا كمان من المرضى بذكر ستة أو سبعة كان معظمهم ختيارية.

 

ح - مصير الأطفال

أنقذ السكرتير الأول في السفارة النرويجية والفريق النرويجي أربعة أطفــال معـاقين، وأنقــذ الصـليـب الأحمر الدولي أطفالاً آخرين، لكن أين ذهـب بقيــة هؤلاء الأطفال؟ المعاقون منهم، والمرضى، والرضّع؟ هل قتلوا؟ وكيف؟ وأين الجثث؟

يقول موظف الأشعة إن الأطفال كانوا في أسـرّتهم في الملجأ لحمايتهم، وهناك قتلوهم وأخذهم عناصر الصليب الأحمر إلى مستشفى غزة.

عبرفيلم فيديو التقط يوم الجمعة في مستشفى غزة يظهر الطبيب البريطاني بول موريس حاملاً جثث أطفال  رضّع من المشرحة، ويعرضها على المصورين. لمن كانت تلك الجثث؟

تقول الممرضة نزهة أنها عندما عادت يوم السبت إلى مستشفى عكا سألت عناصر الصـليب الأحمر عما جرى في قسم الأطفال في المستشفى، لكنهم لم يكونوا على علم بوجود قسم للأطفال أصلاً. قادتهم هي إليه، لكنه كان خالياً. لم يكن فيه أحد. وهي تجزم أن أفراد الميليشيات قتلوا الأطفال:

إحنـا تـاني يوم لقينـا طفـل مزتوت برّا بـالجنينـة. ورجعنـا رحنـا على صـــــبرا لقينـا أطفال كنا نعالجهم. يعني بنعرفهم، شفناهم.

كان في أطفال عمرهم شــي ســنة، وفي 3 ســنين، وفي 4 ســنين، وفي ولد مشــلول ما بيتحرك قاتلينه بالبلطة.

ويمكن قاتلينهم وراميينهم في صــــبرا حتى ما ينقال إنهم قتلوا الأطفال المرضــــى في مستشفى.

تقول عزيزة الخالدي، مديرة مستشفى غزة، اسـتناداً إلى شهادة الصليب الأحمر الدولي، إنه لمّا وصل المسعفون إلى مستشفى عكا يوم الجمعة، رأوا طفلاً صغيراً ً ميتا حرقاً.

تقول أم أكرم، وهي "أولى الباحثات عن الضحايا": " لمّا دخلت الكتايب على عكا صباح الجمعة، راحوا شالوا كل اللّي بالمراطبين، يعني الأطفال اللّي لساتهم مش كاملين، مش كامل نموهم. وقتلوهم."

أمّا الحاج الذي نجا من الموت في الرواية التاسعة والثلاثين، فقد شكر ربه على نجاته، وراح يساعد رجال الصليب الأحمر والدفاع المدني لأيام متتالية بحثاً عن الضحايا، وهو يقول أنه شاهد عند مدخل ملجأ مقفل في حي عرسال، حالما تمكنوا من فتح الباب، جثثاً مكدسة فوق بعضها، وبينها جثث لأطفال رضّع في الأشهر الأولى ولأطفال لم يكتمل نموهم بعد، وعددها ما بين العشر والاثنتي عشرة جثة.

ليس من المؤكد أن تلك الجثث هي كلها لأطفال كانوا في مستشفى عكا، لكن من المؤكد أنها جثث أطفال!

                                                                                          ***

أمّا في شـأن مصـير مستشفى عكا، فقالت الممرضة نزهة عندما عادت يوم السـبت أنهـا وجـدتـه محروقـاً: البرادي كلهـا محترقـة؛ البرّاد محطمـاً على الأرض؛ التموين على الأرض مدعوساً بالأقدام؛ الزجاج محطماً؛ صورة الطبيب فتحي عرفات مهشمة على الأرض وعليها آثار الدعس والأقدام؛ ثلاث ضحايا في قلب المستشفى لم تدفن بعد؛ "الكافيتيريا" محطمــة مع كل الدلائل على أنهم أكلوا وشربوا طوال الليل؛ الفراش المسحوب والملقى في الخارج حيث نام من نام منهم في تلك الليلة.

 

جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وفي حال إعادة نشر المادة  يرجى نشرها مع ذكر المصدر

https://tinyurl.com/y5m7255n