مئة عام على ميلاد القائد الوطني حيدر عبد الشافي

>> مئة عام على ميلاد القائد الوطني حيدر عبد الشافي

  

مئة عام على ميلاد القائد الوطني حيدر عبد الشافي

 

 

 

 

الدكتور حيدر عبد الشافي من أبرز زعماء قطاع غزة  ومن رموز الحركة الوطنية الفلسطينية. اشتُهر بالنزاهة والاستقامة والمصداقية والشجاعة في إبداء الرأي. انشغل بقضايا الناس وهمومهم، واهتم بالثقافة والتعليم، ودعا إلى احترام القانون وحقوق الإنسان. ركّز باستمرار على الوحدة الوطنية، وكان من أشد أنصار الإصلاح والتحوّل الديمقراطي في منظمة التحرير الفلسطينية وفي أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية.

ولد حيدر عبد الشافي في مدينة غزة في 10 حزيران/يونيو 1919.

والده: الشيخ محي الدين عبد الشافي؛ زوجته: هدى غالب الخالدي؛ أبناؤه: خالد، وطارق، وصلاح.؛ ابنته: هند.

تلقى حيدر عبد الشافي تعليمه الابتدائي في مدارس مدينة الخليل بين سنتي 1925 و1927، حيث كان والده يعمل مأموراً للأوقاف، ثم تابع دراسته في مدينة غزة، التي أنهى فيها الصف الثاني الثانوي.

التحق سنة 1936 بـ"الكلية العربية" في القدس، إلاّ أن الكلية احتلت، قبل بدء السنة الدراسية من العام ذاته، من قِبَل الجيش البريطاني عقاباً لعرب فلسطين بعد اندلاع الإضراب العام ضد الهجرة اليهودية وسياسة "وعد بلفور"، فسافر حيدر إلى بيروت لإكمال دراسته في الصف الرابع الثانوي، وبعد نجاحه التحق بكلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، وتخرج فيها سنة 1943. وخلال دراسته في الجامعة انتسب إلى "جمعية العروة الوثقى" التي كانت تضم العديد من القوميين والتقدميين العرب.

عمل عبد الشافي، بعد تخرجه، لمدة ستة شهور في المستشفى الحكومي في مدينة يافا، ثم عمل طبيباً في الكتيبة الثانية في "الجيش العربي" التابع لشرق الأردن. وبعد عودته إلى مدينة غزة، فتح عيادة خاصة، وشارك سنة 1945 في تأسيس فرع لـ"الجمعية الطبية الفلسطينية" التي كان مقرها الرئيسي في مدينة القدس.

غادر عبد الشافي في تشرين الثاني/ نوفمير 1949 إلى الولايات المتحدة الأميركية ليتخصص في الجراحة في مستشفى The Miami Valley Hospital بمدينة دايتون في ولاية أوهايو، وعاد إلى قطاع غزة سنة 1954، الذي بات خاضعاً للإدارة المصرية بعد حرب 1948، ليعمل خلال بضعة أشهر في مستشفى "تل الزهور"، وذلك قبل أن يعود إلى عمله الطبي الخاص.

شارك عبد الشافي في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في خريف سنة 1956 وشتاء سنة 1957، وكان بمثابة الوسيط بين القوميين والشيوعيين والإسلاميين الناشطين في القطاع. وبعد إجلاء القوات الإسرائيلية المحتلة عن قطاع غزة في آذار/ مارس 1957، عيّنته الإدارة المصرية، التي عادت إلى حكم القطاع، مديراً لدائرة الخدمات الصحية، وأصبح، بسبب موقعه هذا، عضواً في المجلس التنفيذي المسؤول عن إدارة الشؤون الخدمية، تحت إشراف الحاكم الإداري العام المصري.

في حزيران/ يونيو 1962، قررت الإدارة المصرية تشكيل المجلس التشريعي في قطاع غزة، على أن يكون نصف أعضائه معينين ونصفهم الآخر منتخبين، فرشح عبد الشافي نفسه في هذه الانتخابات ونجح فيها واختير رئيساً لهذا المجلس. وفي سنة 1964، فاز في انتخابات دورة المجلس التشريعي الثانية وانتخب رئيساً له من جديد.

وبصفته هذه، شارك عبد الشافي  في أعمال المجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي عقد في مدينة القدس في شهر أيار/ مايو 1964، وأعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، واختاره أحمد الشقيري عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة، وشغل هذا الموقع لمدة عام.

بعد فترة قصيرة من احتلال إسرائيل قطاع غزة في حزيران/يونيو 1967، بادر عبد الشافي، الذي كان يعمل طبيباً متطوعاً في مستشفى "الشفاء"، إلى تأسيس "جمعية الهلال الأحمر" مع عدد من الشخصيات الفلسطينية. ومع أنه تقدم بطلب ترخيص للجمعية من سلطات الاحتلال في حزيران/يونيو 1969، إلّا أن الجمعية لم تحصل عليه سوى في سنة 1972. فافتتحت فروعاً لها في محافظات رفح، وخانيونس، والوسطى، والشمال، ولعبت دوراً مهماً في المجالين الصحي والاجتماعي- الثقافي، وبقي عبد الشافي على رأسها حتى سنة 2005.

وبسبب نشاطه في الحقل الوطني، أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلي في صيف سنة 1969، إلى منطقة "نخل" وسط صحراء سيناء المصرية المحتلة لمدة ثلاثة أشهر، ثم أبعدته من جديد، في 12 أيلول/ سبتمبر 1970، إلى لبنان، لكنه عاد إلى مدينة غزة بعد أشهر بقرار من المحكمة العليا في إسرائيل.

شارك حيدر عبد الشافي في آب/ أغسطس 1973 في تأسيس "الجبهة الوطنية الفلسطينية"، بصفتها "ذراعاً" لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأرض المحتلة، كما شارك في تأسيس "لجنة التوجيه الوطني" في تشرين الثاني/ نوفمبر 1978 من رؤساء البلديات والشخصيات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين رداً على اتفاقيات كامب ديفيد الأولى لإغفالها القضية الفلسطينية.

وبعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في كانون الأول/ ديسمبر 1987 ضد الاحتلال الإسرائيلي، لعب عبد الشافي دوراً بارزاً في الحض على تنظيم اللجان الشعبية وتشجيع القوى الوطنية على تشكيل قيادة وطنية موحدة للانتفاضة.

ترأس عبد الشافي الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر "السلام" الدولي في مدريد في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 1991، وألقى أمام العالم كلمة طالب فيها بتحقيق السلام على قاعدة تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيل. ثم قاد على مدار أشهر طويلة المفاوضات التي جرت مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن، إلى أن استقال من قيادة الوفد في نيسان/ أبريل1993 احتجاجاً على رفض إسرائيل الالتزام بوقف بناء المستوطنات. وبعد إقناعه بالعودة إلى طاولة المفاوضات، عاد واستقال من رئاسة الوفد الفلسطيني المفاوض نهائياً عندما علم بوجود مفاوضات سرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل في مدينة أوسلو.

في كانون الثاني/ يناير 1996، شارك حيدر عبد الشافي في الانتخابات التي جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، فأحرز أعلى الأصوات، واختير لرئاسة اللجنة السياسية فيه، لكنه استقال من منصبه في سنة 1998 احتجاجاً على ما وصفه في حينه بالتقاعس عن مواجهة الفساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وعلى عدم الفصل بين السلطات فيها.

أيّد عبد الشافي الانتفاضة الثانية التي اندلعت في نهاية أيلول/سبتمبر 2000، لكنه رفض عسكرتها ودعا إلى تشكيل قيادة موحدة لها. وفي سنة 2002، شارك في تأسيس "حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية"، واختير أميناً عاماً لها، وكان من أهم أهدافها "النهوض بالشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال"، والسعي "لتحقيق العدالة والنزاهة والعيش الكريم للمواطن الفلسطيني"، ودعم الكفاح الوطني "من أجل إنهاء الاحتلال والاستيطان، وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة على كامل الأراضي المحتلة سنة 1967 وحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة".

كان حيدر عبد الشافي عضواً في مجلس أمناء "جامعة بير زيت" بالضفة الغربية، كما شغل مواقع إدارية في "جمعية المقاصد الخيرية" في القدس، و"الملتقى الفكري العربي" في القدس، و"مركز الديمقراطية وحقوق العاملين"، و"شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية"، و"الهيئة المستقلة لحقوق المواطن".

في 8 نيسان/أبريل 2007 ، قلّده الرئيس محمود عباس "وسام نجمة الشرف" الفلسطيني، تقديراً لدوره النضالي الكبير وعطائه المميّز في خدمة الشعب الفلسطيني.

توفي الدكتور حيدر عبد الشافي في مدينة غزة في 25 أيلول/سبتمبر 2007، بعد معاناة مع المرض، وشارك في تشييعه آلاف الفلسطينيين وممثلون عن الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية وعن منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، ودفن في مقبرة الشهداء شرق مدينة غزة.

تم تكريمه، بعد وفاته، بإطلاق اسمه على دوار في مدينة غزة وعلى دوار في مدينة رام الله، وعلى كلية الطب في "جامعة الأزهر" لتصبح "كلية الدكتور حيدر عبد الشافي لطب الفم والأسنان". كما افتتحت "شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية" مكتبة عامة باسمه في مدينة غزة، وتأسس مركز باسم "مركز حيدر عبد الشافي للثقافة والتنمية"، وأخرج المخرج الفلسطيني حسام وهبه، سنة 2007، فيلماً وثائقياً عنه بعنوان: "حياة لم تكتمل".

 

من آثاره:

"إشكاليات العمل الوطني الفلسطيني: الوحدة الوطنية وصنع القرار". نابلس: مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، 1993.

"أهمية الانتخابات في مسيرة الشعب الفلسطيني". نابلس: مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، 1994.

"خمس سنوات بعد أوسلو". "السياسة الفلسطينية". العدد 20 (خريف 1998)، ص 77-81. 

 

المصادر:

أبو رمضان، محسن. "الدكتور حيد عبد الشافي ضمير الشعب". د.م.، د. ن.، 2013.

"اتفاقية أوسلو: مقابلة مع حيدر عبد الشافي". "مجلة الدراسات الفلسطينية". العدد 16 (خريف 1993)، ص 84- 91.

"حوار مع حيدر عبد الشافي عن المفاوضات وشجون الوضع الفلسطيني". "مجلة الدراسات الفلسطينية". العدد 40 (خريف 1999)، ص 64- 82.

"حيدر عبد الشافي: "تنازلنا أكثر مما يجب ولا يجوز مطالبتنا بالمزيد". "مجلة الدراسات الفلسطينية". العدد 11 (صيف 1992)، ص 117- 130.

الدقاق، إبراهيم. "في الذاكرة: حيدر عبد الشافي حي دائماً في الضمير". "مجلة الدراسات الفلسطينية". العدد 72 (خريف 2007)، ص 83- 88.

Abdul Hadi, Mahdi, ed. Palestinian Personalities: A Biographic Dictionary. 2nd ed., revised and updated. Jerusalem: Passia Publication, 2006.

Mattar, Philip, ed. Encyclopedia of the Palestinians. New York: Facts on File, 2005.

 

النص مأخوذ من مجموعة "أعلام" التي أعدّها وليد الخالدي وماهر الشريف، والمنشورة ضمن "المسرد الزمني التفاعلي للقضية الفلسطينية"، الذي يرأس تحريره كميل منصور. المسرد جزء من "رحلات فلسطينية"، وهو مشروع مشترك بين مؤسسة الدراسات الفلسطينية والمتحف الفلسطيني.

www.paljourneys.org/ar/timeline