كي لا ننسى: 66 عاماً على مجزرة مخيم البريج في غزة

>> كي لا ننسى: 66 عاماً على مجزرة مخيم البريج في غزة

 كي لا ننسى: 66 عاماً على مجزرة مخيم البريج في غزة

 

في مخيم البريج  (الصورة عن موقع الأونروا تصوير: تامر حمام)

 

مجزرة مخيم البريج في قطاع غزة، هي واحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق اللاجئين الفلسطينيين، وقد  اختلفت المصادر في تحديد عدد الشهداء الذين سقطوا خلالها إذ تراوح هذا العدد ما بين 20 و55 شهيداً، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، ووقعت ليل 28 آب/أغسطس 1953، وقاد القوات المهاجمة وقتذاك مئير هار صهيون بإشراف أريئيل شارون قائد الوحدة 101 المتخصصة في تنفيذ الغارات الليلية والعمليات الانتقامية ضد الفدائيين الذين كانوا ينطلقون من قطاع غزة والضفة الغربية، والتي كانت قد تشكلت بإشراف رئيس فرع العمليات في الجيش الإسرائيلي آنذاك الجنرال موشيه ديان. ومن المعروف أن هذه الوحدة كانت هي المسؤولة أيضاً، سنة 1953، عن مجزرة قبية في الضفة الغربية التي ذهب ضحيتها عدد كبير من الشهداء والجرحى.

 

مخيم البريج

أنشئ مخيم البريج سنة 1949 على أرض قدّرت مساحتها بـ 528 دونماً تقلصت لاحقاً إلى 478 دونماً، وهو يقع في وسط قطاع غزة، ويحده من الشرق خط الهدنة (الأراضي المحتلة سنة 1948)، ومخيم النصيرات غرباً، ووادي غزة من الشمال، أمّا جنوباً فيحده مخيم المغازي. وكانت الغاية من إنشائه استضافة نحو 13 ألف لاجئ لجأوا من المدن الواقعة شرق غزة كالفالوجة، وقد أقام اللاجئون في ثكنات الجيش البريطاني والخيام، علماً أن سبب تسمية المخيم، الصغير نسبياً، بهذا الاسم يرجع إلى برج يقع إلى جوار المخيم. وفي بداية إنشاء المخيم شيّدت وكالة الأونروا الوحدات السكنية من الطوب والقرميد والصفيح، ومع ازدياد عدد السكان بدأ المخيم بالتوسع إذ يتراوح عدد سكانه اليوم ما  بين 39 إلى 44 ألف نسمة.

تعود ملكية أراضي مخيم البريج إلى عدد من العائلات الأصلية وهي التي كانت تسكن في المخيم قبل النكبة ومن هذه العائلات: أبو ملوح، والعواودة، وأبو مدين، وأبو جلال، والمصدر، وابو شعبان، وابو عيادة، والنباهين، والغصين، وابو سليم، والجرجاوي، وابو حجير، وابو خوصة، وبموجب قرار صدر عن الحاكم الإداري المصري للقطاع سنة 1960 لمجاراة ازدياد أعداد اللاجئين الوافدين إلى المخيم، فقد قامت العائلات المذكورة إما باستبدال الأراضي التي تملكها في المخيم بأراض حكومية أخرى في خارجه، أو قامت بتأجير أراضيها ومنها من بقيت تحتفظ بالأراضي لكن وضعتها في استخدام اللاجئين.

 

مجزرة البريج

في ليل 28 آب/أغسطس 1953 عبرت قوة من الوحدة 101 خط الهدنة عن طريق وادي غزة إلى مخيم البريج تحت جنح الظلام وعاثت فيه قتلاً ودماراً. وقد انقسمت القوة إلى ثلاث مجموعات تسللت إلى المخيم من ثلاث جهات ثم التقت في منطقة "الحمام" حيث ارتكبت مجزرة وحشية ذهب ضحيتها عدد من أبناء المخيم العزّل. 

وقال أحد الناجين من المجزرة، ممن كانوا يقيمون في محيط المخيم، إنه في الساعة التاسعة والنصف من مساء تلك الليلة سمع أصوات لهاث قرب خيمته، فأصغى ليعرف مصدر هذه الأصوات وفجأة انطلق عيار ناري شقّ صمت الخيام فصرخ "يهود... يهود"، وهرب مع جيرانه باتجاه المخيم، وقد كانت هذه الطلقة بمثابة صفّارة الإنذار بالنسبة لأهالي المخيم الذين فرّ بعضهم بينما بقي الأطفال والنساء والشيوخ فيه.

منذ البداية كان واضحاً أن المهاجمين يريدون إحداث أكبر قدر من القتل ونشر الرعب في صفوف سكان المخيم، فقاموا باستخدام القنابل اليدوية والمولوتوف والأسلحة الرشاشة. وكعادتها، حاولت إسرائيل التنصل من المسؤولية عن المجزرة ملقية اللوم على من وصفتهم بالمستوطنين المتمردين، لكن هذه الإدعاءات تم تكذيبها من خلال وثائق نشرها إسرائيليون في وقت لاحق، ما دفع السلطات الإسرائيلية إلى الاعتراف بالمجزرة مرغمة لكن مع التقليل من عدد الشهداء إذا اعترفت بسقوط 20 شهيداً من المدنيين.

لقد كانت مجزرة البريج أولى عمليات الوحدة 101، ونفذت، كما ذُكر، بقيادة مائير هار صهيون الذي يوصف في إسرائيل بـ "البطل" وهو أحد الذين تتلمذوا على يد أريئيل شارون. وقد اعترف صهيون بالمجزرة في مذكراته التي نقلها عنه الكاتب الفلسطيني عودة محمد عياش في كتابه "سنوات الغليان" وذلك على لسان أحد القتلة الذي وصف ما جرى في تلك الليلة على النحو التالي: "كان مجرى النهر العريض الجاف يلمع في ضوء القمر حين تقدمنا بحذر في سطح الجبل، ويمكن رؤية عدة بيوت من بعيد وسمعنا صوت موسيقى عربية تنبعث من البيوت الغارقة في الظلام، انقسمنا إلى ثلاث مجموعات كل منها أربعة رجال، مجموعتان شقتا طريقهما إلى المخيم الواسع إلى الجنوب من موقعنا، والمجموعة الثالثة تقدمت نحو البيوت المنفردة في المنطقة المفتوحة شمال وادي غزة، تقدمنا إلى الأمام ندوس على الحقول الخضراء ونقطع قنوات الماء بينما القمر يرافقنا بضوئه المتألق، على كل حال قريباً سيمزق السكون بالطلقات والانفجارات وعويل أولئك الذين هم الآن نائمون بسلام، تقدمنا بسرعة ودخلنا البيوت. "من هذا؟"، قفزنا باتجاه الأصوات كان هناك اثنان من العرب يقفان مقابل جدار البناية كانا خائفين مرتجفين يحاولان الهرب، فتحت النار وصيحة تصم الآذان تملأ الجو، سقط أحد الرجلين على الأرض بينما الآخر استمر في الهرب، الآن علينا أن نتصرف ليس لدينا وقت لإضاعته، شققنا طريقنا من بيت إلى بيت بينما كان العرب يتدافعون هاربين بفوضى، البنادق الرشاشة تقعقع وأصواتها تمتزج مع العويل المخيف وصلنا إلى السوق الرئيسية للمخيم وتزداد أعداد اللاجئين الهاربين، المجموعة الأخرى تهاجم من الاتجاه المقابل وصدى انفجار القنابل اليدوية يسمع من بعيد، لاحظت شبح رجل يقطع الصمت عبأت بندقيتي، زميلي جبيلى يزحف نحوه، (هات بربك السكين)،  فككت سكيني من غمده وزحفنا نحو الجسم المعزول عندما بدأ يغني مرتعشاً لحناً عربياً، الآن سيتحوّل الغناء إلى نواح الموت، أنا أرتعد كل عضلة بجسمي متوترة هذه أول تجربة لي مع هذا النوع من السلاح (السكين)، على كل سأكون قادراً على فعلها، اقتربنا أكثر ها هو يقف على بعد عدة أمتار منا قفز جبيلى وأمسكه وأنا غرزت السكين عميقاً في جسمه، سال الدم على قميصه المخطط ومن دون أن أضيع لحظة طعنته مرة ثانية، جسمه يتأوه ثم يهدأ ويسكن".[1]

ردّ الفلسطينيون على المجزرة بالدعوة إلى التسلح دفاعاً عن النفس، كذلك نفذوا تظاهرات احتجاج ضد الإدارة المصرية التي كان قطاع غزة خاضعاً لها آنذاك. وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر الفلسطيني معين بسيسو الذي شارك بالتظاهرات التي انطلقت عقب المجزرة، كشف في ما بعد، أن مصر كانت قد وافقت في سنة 1953 على مشروع إعادة توطين عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، وبيّن كيف نجح الفلسطينيون في إقشال ذلك المشروع.

 

[1] عياش، عودة محمد. "سنوات الغليان: قطاع غزة الغارات والمجازر 1948-1957". المؤلف. 1997.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

 

  • موسوعة المخيمات الفلسطينية

http://palcamps.net/ar/camp/25/%D9%85%D8%AE%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%AC

  • سليمان، علي. "العنف في الأدب الصهيوني". منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب. وزارة الثقافة دمشق، 2011.
  • https://tinyurl.com/y2gevc5l
  • مخيم البريج (موقع الاونروا)

https://www.unrwa.org/ar/where-we-work/%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%BA%D8%B2%D9%87/%D9%85%D8%AE%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%AC

  • الجريسي، محمد عمر. "أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم البريج (1949-2013)، رسالة ماجيستير، الجامعة الإسلامية في غزة، 2016.

http://refugeeacademy.org/upload/library/%D9%85%D8%AE%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%AC.pdf

  • Filiu, Jean –pierre. “Gaza a History”. Translated by John King. Oxford: University press. 2014