"كم يلزم من القماش لتكفين مثل هذا العدد الكبير من الموتى؟ وكم من الصلوات؟"

>> "كم يلزم من القماش لتكفين مثل هذا العدد الكبير من الموتى؟ وكم من الصلوات؟"

"كم يلزم من القماش لتكفين مثل هذا العدد الكبير

من الموتى؟ وكم من الصلوات؟"

 

رنا كشلي

 

قنابل مضيئة في ليل بيروت المعتم منتصف أيلول 1982. ليلة هادئة على مضض بعد أيام من تواصل "زعيق" الطائرات الإسرائيلية في سماء بيروت فتخلع قلوب من بقي صامداً في شطرها الغربي ويجعله في انتظار وترقب سماع دوي انفجار كي يتنفس الصعداء، ويتيقن من أنه ما زال حياً وهو في انتظار أن تلقي الطائرة حملها الثاني فربما تكون القاضية ويصبح هباء منثوراً. في تلك الليلة استغل الناس الهدوء وجلسوا على الشرفات علّهم يحصلون على بعض الهواء النقي بعد أيام طويلة من الاختباء تحت الأرض. كانوا يتحيّنون رؤية ضوء أو نور قمر يكسر بعضاً من العتمة التي تلف الجو في ظل غياب تام للكهرباء، وإذا بأصوات فرقعة تليها أضواء وأنوار أضاءت السماء لبرهة ومن ثم خبت من جديد. تكرر المشهد معظم الليل والليالي التي تلته. والناس في ترقب وحذر. فلا بد من أن الجيش الإسرائيلي يطلق هذه القنابل المضيئة للقيام بأعمال ليلية لا يقوم بها عادة في وضح النهار، ولكن لا شيء يدعو للخوف. فـ "إسرائيل" التي كانت ترهب بيروت من السماء هاهي تقف في آخر الشارع مترقبة تلتفت ذات اليمين وذات الشمال خوفاً من أن يطلق عليها أحد المارة الرصاص أو يلقي قنبلة مولوتوف أو أي شيء من هذا القبيل، فماذا يمكن أن تفعل أكثر من احتلالها المدينة؟؟ وجاء الجواب على هذا السؤال بعدما تكشّفت الحقيقة. لقد استطاعت أن تفعل أكثر من ذلك: لقد أدخلت الموت والتنكيل والرعب إلى صبرا وشاتيلا.

إذا كان كثيرون ممن بقوا في بيروت شاهدين على إلقاء القنابل المضيئة فوق صبرا وشاتيلا فقد كان هناك من دخل مكان المجزرة خلال وقوعها، أو بعد انتهائها بوقت قصير، وكان شاهداً على ما أسفرت عنه ونقل ما رآه إما بالكلمة وإما بالصورة فأصبح العالم بأجمعه على بيّنة بما حدث تحت ضوء القنابل المضيئة.

لم يكن جان جينيه، الشاعر والكاتب الفرنسي، الأجنبي الوحيد الذي دخل صبرا وشاتيلا بعد يوم من وقف المجزرة لكنه كان أول من كتب ووصف ما رآه في مقاله بالفرنسية "أربع ساعات في شاتيلا" نشره في "مجلة الدراسات الفلسطينية" التي كانت تصدر بالفرنسية، فأصبح مقاله تأكيداً بعين أجنبية للجريمة التي وقعت على أرض عربية.

ولم يكن رمزي حيدر، المصور اللبناني، الوحيد الذي صور المجزرة لكنه كان من أوائل الذين دخلوا مكان المجزرة في اليوم الأول لوقوعها حين كان المجرمون لا يزالون يقتلون وينكّلون في الشارع الرئيسي للمخيم. فوثق للمجزرة في صوره كما في ذاكرته، وكانت تلك الصور من العوامل المساعدة لانتشار أخبار المجزرة في الإعلام العالمي، والإدانة الكبيرة التي جرت بعدها.

 

 ***

 

جان جينيه يتفقد مرة أخرى ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا

عاد جان جينيه إلى بيروت في 12 أيلول/سبتمبر 1982 بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينيين عبر البحر وبعد رفع الحصار عن بيروت، وقبل أيام قليلة من احتلالها وارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا. لم يكن يعلم حينها أنه سيكون شاهداً على ارتكاب مجزرة بحق مدنيين عزّل، وأن المقال الذي سيكتبه بعد طول انقطاع عن الكتابة سيكون وصفاً لأربع ساعات رهيبة أمضاها وسط الموت في مخيم شاتيلا.

بدأ جينيه كتابة مقاله "أربع ساعات في شاتيلا" في بيروت "حيث كل شيء أكثر صدقاً.... ربما بسبب مجاورة الموت الذي ما يزال يكسو وجه الأرض." وأنهاها في باريس.

وصف جينيه في مقاله هول ورهبة ما رآه وشاهده في اللحظات الأولى من مجزرة صبرا وشاتيلا، وهو الذي كان من أوائل الداخلين إلى المخيم بعد يوم واحد من توقف المجزرة. الأسلوب الأدبي الرفيع الذي كتب به مقاله لا يخلو من الدقة في وصف ما رآه ، بالإضافة إلى رؤيته وتحليله للقضية الفلسطينية عامة وللمسؤولية عن افتعال مجزرة صبرا وشاتيلا خاصة. تناول جينيه موضوعات متعددة لها علاقة بالفلسطينيين وبتجربته معهم، سواء في الأردن أو في لبنان، لكن ضمن إطار وصف ضحايا المجزرة ووصف مفتعليها.

 

 

فهاهو يصف، ضمن ضحايا المجزرة، "ملاكماً أسود" وهو طريح على الأرض لكنه يضحك

"متعجباً من أن يكون مصروعاً"...."رأسه كان ضخماً، منتفخاً ومسودّاً مثل جميع الرؤوس والأجساد" وكان قرب رجليه طاقم أسنان للفك الأعلى. "كان فلسطينياً ميتاً منذ يومين أو ثلاثة"!

وهو يصف أيضاً شيئاً "في منتهى الحيوية، غير مخدوش وسط هذه المجزرة" إنها "ساق اصطناعية من البلاستك وتنتعل حذاء أسود وجورباً رمادياً"، وقد اتضح له أن هذه الساق قد "انتزعت بخشونة من الساق المبتورة، ذلك أن الأحزمة التي تشدها إلى الفخذ، كانت مقطوعة كلها"، وأنها للميت الثاني الذي لم يرَ منه "سوى ساق ورجل منتعلة لحذاء أسود وجورب رمادي."

بعد رؤية أعداد القتلى والجثث المتراكمة فوق بعضها لم يستطع أن يبعد عن ذهنه هذا التساؤل: "كم يلزم من الأمتار لتكفين مثل هذا العدد الكبير من الموتى؟ وكم من الصلوات؟"

وفي صورة أخرى، ينقلنا جينيه بكلماته إلى الطريقة التي قُتل بها هؤلاء الضحايا ويتخيل الأجواء التي كانت تسيطر على المجرمين: "حفلات... ومآدب فاخرة .... أقيمت حيث الموت كان يبدو وكأنه يشارك في مسرّات الجنود المنتشين بالخمرة وبالكراهية. ولا شك أنهم كانوا منتشين، أيضاً، بكونهم قد نالوا إعجاب الجيش الإسرائيلي الذي كان يستمع، وينظر، ويوبّخ المترددين في قتل الأبرياء. إنني لم أرَ هذا الجيش الإسرائيلي رؤية العين والأذن، غير أنني رأيت ما فعله." [1] ففي كل مرة كان يصف بها القتلة كان لا يتوانى عن الإشارة إلى الإسرائيليين المتفرجين المنتشين برائحة الموت التي كانت بدأت تعبق في المكان.

  

 

وجينيه مع وصفه المختصر لأشكال التعذيب البادية بوضوح على الجثث التي رآها والتي قاربت الأربعين جثة والتي أكد وأصر على تأكيده أنها قد تعرضت للتعذيب جميعها، راح يبحث عن شكل ممارِس هذا التعذيب فيتساءل "من هو؟ إنني أراه ولا أراه. إنه يفقأ عيني، ولن يكون له أبداً شكلٌ آخر سوى الشكل الذي ترسمه وِضعَة أجساد الموتى، وإشاراتهم الخشنة، وهم ملقَون تحت الشمس، تنهبهم أسراب الذباب." [2]

أما أكثر ما كان يثير شكوكه إزاء القتلة وعلاقتهم بالجيش الإسرائيلي فقد أوردها في شكل أربعة أسئلة متتالية حاول فيها تفنيد الحجج والذرائع التي استعملها الإسرائيليون لتبرئة أنفسهم بها وجعل أنفسهم في حلّ من المسؤولية تجاه الضحايا، ولا سيما عبارة مناحم بيغن أمام الكنيست في أيلول/سبتمبر 1982: " أشخاص غير يهود ذبحوا أشخاصاً غير يهود، ففي أيّ شيء يعنينا ذلك؟"

السؤال الأول:

" فإذا كان الإسرائيليون لم يزيدوا على أن أناروا المخيم، واستمعوا إلى الطلقات النارية التي تشير إلى وجود ذخيرة كبيرة لكثرة ما دسّته من كبسولات الرصاص (عشرات الآلاف) فمَن كان يطلق النار حقيقة؟ مَن كان، وهو يقتل، يخاطر بجلده؟ .... مَن؟ وكم عددهم؟

السؤال الثاني:

أين ذهبت الأسلحة التي خلّفت كل هؤلاء الموتى؟ وأين هي أسلحة أولئك الذين دافعوا عن أنفسهم؟ في الجزء الذي زرته من المخيم لم أرَ سوى قطعتين من السلاح المضاد للدبابات غير مستعملتين.

السؤال الثالث:

كيف دخل القَتَلة إلى المخيمات؟ هل كان الإسرائيليون موجودين في جميع المخارج المتحكّمة في مخيم شاتيلا؟ في جميع الحالات، لقد كانوا منذ يوم الخميس بمستشفى عكا، مواجهين لأحد مخارج المخيم.

السؤال الرابع:

لقد نشرت الصحف بأن الإسرائيليين دخلوا إلى شاتيلا بمجرد أن علموا بالمذابح، وبأنهم أوقفوها حالاً، أي يوم السبت، لكن، ما الذي فعلوه بالقتلة؟ وإلى أين ذهبوا؟" [3]

وبعد سرده كل هذه الوقائع يختتم حديثه عن المجزرة بسؤال آخر يصف فيه حيرته وعدم تصديقه لما رآه " هل تلك المدينة المهشّمة المحطمة التي رأيتها، أو ظننتُ أنني رأيتها، وتجوّلتُ فيها، وهي محمولة على رائحة الموت القوية، كانت، بالفعل موجودة؟"[4]

ربما في يوم ما قد نعثر على إجابات لهذه الأسئلة التي طرحها جينيه عن القتلة وأهدافهم لكن بالتأكيد سيبقى سؤاله التالي معلقاً بلا إجابة:

"كيف نبلغ أقاربهم الخبر، أقاربهم الذين رحلوا مع عرفات، واثقين بوعود ريغان وميتران وبيرتيني الذين طمأنوهم بأن أي سوءٍ لن يصيب سكان المخيمات المدنيين؟ كيف نقول بأن هناك مَن ساعد على ذبح الأطفال والشيوخ والنساء، ثم تركوا جثثهم بدون صلاة؟ كيف نبلغهم بأننا نجهل أين قُبروا؟"[5]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  جونيه، جان. "أربع ساعات في شاتيلا". الكرمل، العدد 7 (1983)، ص 162-163.

[2]  المصدر نفسه، ص 151.

[3]  المصدر نفسه، ص 163-164.

[4]  المصدر نفسه، ص 170.

[5]  المصدر نفسه، ص 162.

 

 

***

أيلول 1982: مصوّر.. وآلة تصوير.. وضحايا

 

دخل رمزي حيدر مخيم شاتيلا في اليوم الأول لوقوع المجزرة، وكانت لا تزال مستعرة في الشارع الرئيسي للمخيم، إلا إنه لم يكن يعلم بعد كبر ما يجري وعظمه. ربما لو كان يدري لفكّر بطريقة أخرى، أو لكان وضع خطة لعمله ولكيفية قيامه بالتصوير، لكن عندما يجد المصوّر نفسه وجهاً لوجه أمام "مجزرة" فإنه سيتصرف بطبيعة الحال من دون تخطيط وبناءً على ما يراه على الأرض. هذا ما قاله لنا في حديث لموقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية أجري معه في 31 آب/أغسطس 2019، وهذا ما فعله تماماً في أيلول/سبتمبر 1982.

يتحدث رمزي حيدر عن اليوم الأول للمجزرة. تلك المجزرة التي أخذت منه وقتاً طويلاً كي يستطيع التحدث عنها، فبالنسبة إليه، وهو المصور الذي صور الكثير من مشاهد الحرب اللبنانية وضحاياها قبل المجزرة، كانت هذه أول مرة يرى فيها ذلك المشهد، الحاضر دائماً في ذاكرته، وغير المألوف له: "أناس في الطرقات، كبار، صغار، في بيوتهم، ميتين".

 

 

 

دخل هو وصديقه المخيم عبر "حي النّوَر"، حي فرعي كان خالياً في حينه، ولدى دخولهما طالعتهما امرأة تحمل "بقجة" ثياب وتحذرهما "ما تقربوا لقدام، جماعة سعد حداد عمبيقتّلوا الناس". ولكن حيدر المصور تقدم لرؤية ما يجري متجاهلاً المخاطر، فكانت الصدمة الأولى: "عشرة، خمسة عشر إنساناً في الطريق مقتولين". للحظة الأولى لم يصور ما رآه لهول المشهد، ولكن بعد استيعاب المشهد بدأ بتوثيق ما يراه بآلة التصوير، وافترق عن صديقه، وذهب كل مصور في اتجاه للتصوير لكثرة المشاهدة المأسوية. فكلما توغل في عمق المخيم كلما رأى أناساً مقتولين. ولا يمكنه أن ينسى عندما دخل بيت عائلة بو خروب، التي قتلت داخله، فيصف وضع أفرادها كما رآه آنذاك بتفاصيله: "الأب والأم يجلسان على "طرّاحة" على الأرض يحضنان أبناءهم الذين تتراوح أعمارهم بين أقل من سنة وعشر سنوات، كلهم مقتولين".

 

 

 

تمحور تركيز رمزي حيدر حول الضحية، وحول إيصال ما يراه إلى الناس وتوثيقه من خلال الصورة. على عكس جان جينيه الذي حاول أن يحدد هوية منفذي المجزرة ووضعيتهم وحالهم وهم يقتلون. لكن حيدر رأى منفذي الجريمة لمرة وحيدة وهم يتهيأون لدخول المخيم دون أن يعلم بما يخططون له. فقد كان الحظ إلى جانبه في اليوم الأول من المجزرة حين مرّ بالقرب من مدخل مخيم شاتيلا الرئيسي، وبعدها قرب مستشفى عكا، حيث رأى المسلحين مجمعين في المكانين، وهم بلباسهم العسكري الذي يصرح بأنهم قوات سعد حداد والقوات اللبنانية. لكنه تجاهلهم لعدم علمه بما سيحدث، وصب تركيزه على الملالة الإسرائيلية التي صورها إلى جانب جامع صغير مهدّم قرب مستشفى عكا. وربما تجاهله هذا وعدم تصويره لهم حفظه من أن يكون الضحية الأولى للمجزرة.

 

إذا كان السكين الملطخ بدماء أهالي مخيم شاتيلا الذي رآه رمزي حيدر على أرض المخيم، والذي احتفظ به فترة طويلة مردداً "سأهدي هذا السكين لولد من مخيم شاتيلا عمره 10 سنوات قد تلزمه في يوم ما" قد ضاع منه، فإن صوره عن هذه المجزرة، كما صور الكثيرين غيره، قد جعلت الإعلام العالمي يعطي المجزرة حقها لجهة توثيقها وعرضها وتعريف العالم بما جرى وانتزاع إدانة كبيرة لها.

 

***

جان جينيه: كاتب وشاعر وناشط سياسي فرنسي. ولد سنة 1910 وتوفي سنة 1986. عُرف بانحيازه إلى قضايا الشعوب المضطهدة. كما عُرف بتعاطفه الكبير مع الفلسطينيين وقضيتهم. نشرت له مؤسسة الدراسات الفلسطينية مقاله "أربع ساعات في شاتيلا" الذي نقل فيه مشاهداته لمجزرة صبرا وشاتيلا في مجلتيها الفرنسية والانكليزية:

 Genet, Jean. “Four hours in Shatila”. Journal of Palestine studies, Vol. 12, no. 3 (spring 1983), pp. 3-22.

Genet, Jean. “Quatre heures à Chatila”. Revue d'études palestiniennes, No. 6 (hiver 1983), pp. 3-19.

ونشرت له:

Jean Genet et la Palestine. Washington, D.C. : Institute for Palestine Studies, 1997

Genet, Jean [Interview]. “Une rencontre avec Jean Genêt”. Revue d'études palestiniennes, No. 21 (automne 1986), pp. 3-25.

Genet, Jean [Interview]. “Affirmation of existence through rebellion”. Journal of Palestine studies, Vol. 16, no. 2 (winter 1987), pp. 64-84.

 ونشرت عنه:

شهيد، ليلى. جان جينيه "الأسير العاشق" ومجزرة شاتيلا. مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 110 (ربيع 2017)، ص 138-160.

 

 

رمزي حيدر: مصور لبناني، مؤسس ورئيس جمعية مهرجان الصورة-الذاكرة، ودار المصور. غطى الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياحات الإسرائيلية للبنان والكثير من الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط والعالم.

 

* الصور مأخوذة من كتاب "صبرا وشاتيلا: أيلول 1982" تأليف بيان نويهض الحوت. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.