كتاب "قراءات في المشروع الوطني الفلسطيني بين الأمس واليوم"

>> كتاب "قراءات في المشروع الوطني الفلسطيني بين الأمس واليوم"

"قراءات في المشروع الوطني الفلسطيني بين الأمس واليوم"

 

 

تقديم

يضم هذا الكتاب مجموعة الأوراق التي قُدمت في ندوة "ماهية المشروع الوطني الفلسطيني" التي نظمتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية في مدينة لارنكا القبرصية ليوميّن (10 و11 أيار/مايو 2019)، وشارك فيها، فضلاً عن  معدي الأوراق، عدد من المهتمين في المؤسسة[1]. وهو الكتاب الخامس الذي يصدر عن ندوات مماثلة عقدتها المؤسسة وصدرت أوراقها في كتب تحت العناوين الآتية: "فلسطين والفلسطينيون: دروس الماضي وتحديات الحاضر واستراتيجيات المستقبل" (2012)، "الصراع العربي الإسرائيلي في ضوء المتغيّرات العربية والإقليمية" (2013)، "مراجعة السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية" (2017)، و "فلسطين دولياً: صعود اليمين في العالم وإعادة رسم التحديات" (2018).

وقد أُعدت أوراق هذه الندوة بطلب من  المؤسسة ونوقشت خلالها، ثم تمت مراجعتها من محرري الكتاب، وتمحورت حول السؤال التالي: أين أصبح المشروع الوطني الفلسطيني في ظل التحولات الكبيرة  التي شهدتها الحركة السياسية الفلسطينية والطبقة السياسية والمجتمع في إسرائيل، وفي ظل متغيرات جذرية في الوضعين الإقليمي والدولي حملت تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وتكنولوجية وبيئية وثقافية بالغة الخطورة؟ وعلى الرغم  من أن ماهية المشروع الوطني الفلسطيني في شروط واقع التجمعات الفلسطينية المتعددة هو ما شكل محرك جميع الأوراق التي يتضمنها هذا الكتاب، ومن أن معدّي الأوراق جميعاً شاركوا في نقاش أوراقهم وأوراق زملائهم على مدار يومين، فإن هذا  لا ينتقص من أهمية قراءة كل منها بصفتها ورقة قائمة بذاتها تطرح تساؤلات تخص موضوعها، إذ راعت كل واحدة منها، إلى حد بعيد، خصوصية الموضوع الذي تناولته وواقع التجمع الذي ناقشته على كل من الصعيد  السياسي والاجتماعي والاقتصادي والقانوني والتاريخي، كما تباينت منهجيات  كل ورقة وفق منهجية الكاتب ومقاربته موضوعه.

في الخطاب الفلسطيني الرائج  بين النخب السياسية، يرد بكثرة تعبير "المشروع الوطني الفلسطيني"، دون توضيح ما يقصد به، وعما إن كان يُطرح بصفته مشروعاً  للكل الفلسطيني أو يخص فقط أحد مكونات الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية، أو في الشتات. ويزداد الأمر التباساً عندما  لا يجري توضيح  هدف نضال الشعب الفلسطيني المرحلي أو الاستراتيجي، ولا الرابط بينهما. وفي أغلب الأحيان، لا يربط الهدف بالوسائل والإجراءات المؤسساتية والتنظيمية والنضالية والتعبوية التي يستدعيها إنجاز المشروع الوطني، ولا يجري ربط  إنجاز الهدف بالقوى المعنية بإنجازه على المستويين الوطني والمحلي. ويبدو في أحيان كثيرة أن إبراز  المخاطر المحدقة بالحقوق الوطنية  الفلسطينية، بفعل الاستقطاب الجاري بين حركتي "فتح" و" حماس"، وما يشوب الواقع العربي من تراجع وتوتر وتفكك، وما يتسم  به الوضع الدولي الراهن  من مواقف و نزعات  ذات طابع قومي عنصري وشعبوي محافظ، وما تتميز به النخب السياسية الإسرائيلية والأمريكية من عداء للتطلعات الفلسطينية التحررية،  يبدو كأن هذا كله يحل محل مناقشة  التدابير والإجراءات  والسياسات الملموسة التي يتوجب على الحركة السياسية الفلسطينية (في كل تجمع ومجتمعه) الاضطلاع بها. وفي الغالب يتمّ هذا من  دون تحديد ماهية المشروع الوطني الفلسطيني، وخصوصاً بعد أن اتضح أن "اتفاق أوسلو" غير مرشح لتوليد دولة فلسطينية ذات سيادة على جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت سنه 1967.

ويتضح من أوراق هذا الكتاب أن  قضية المشروع الوطني ليست طارئة على هموم الحركة السياسية الفلسطينية قبل النكبة وبعدها. فالمطالبة بدولة ديمقراطية على أرض فلسطين الانتدابية طرح  في وقت مبكر خلال فترة الانتداب الاستعماري البريطاني، ورفضت مشاريع التقسيم تمسكا بوحدة الأرض  الفلسطينية ووحدة شعبها.  وفي ستينيات القرن المنصرم، طرح الميثاق الوطني  الفلسطيني تحرير فلسطين، كل فلسطين، من الاحتلال الصهيوني عبر الكفاح المسلح. وتبنى البعض داخل أطر منظمة التحرير الفلسطينية، في أواخر الستينيات، فكرة إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية يتساوى فيها الجميع بغض النظر عن الانتماء الديني. بيد أن هذه الفكرة بقيت من دون نقاش جدّي ولم تأخذ صيغة برنامجية نضالية وبقيت شعاراً  لأكثر من سبب، منها انشغال منظمة التحرير وقواها السياسية بتدبير  واقع سياسي وعسكري وتنظيمي جديد  بعد إخراج المقاومة الفلسطينية وفصائلها من الأردن سنة 1971، وتبني منظمة التحرير، بعيد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، عبر مجلسها الوطني البرنامج المرحلي (برنامج ما عرف بالنقاط العشر سنة 1974) الذي دعا إلى إقامة "سلطة فلسطينية مقاتلة" على أي جزء من أرض فلسطين يتم تحريره. هذا البرنامج الذي طرحه بعض القوى الفلسطينية باعتباره برنامجاً مرحلياً يُستوفى ببرنامج استراتيجي يشمل كل فلسطين، بمن فيهم اليهود الإسرائيليون، في مرحلة لاحقة. و بقي عنوان المشروع الوطني الفلسطيني المتجسد في: "الاستقلال وحق تقرير المصير والعودة"، من دون تفصيل ملموس وواضح ومتفق عليه لمضمون كل واحد من هذه  المفردات.

وفي سنة 1988، وبعد تفجّر الانتفاضة الأولى  بأقل من سنة رسا المشروع  الوطني– تحت تأثير  عوامل ذاتية وإقليمية ودولية – على إقامة دولة فلسطينية على ذلك الجزء من فلسطين  الذي احتل سنة 1967. وفي سنة 1993، تم التوقيع على"اتفاق أوسلو"الذي نص على تأسيس سلطة حكم ذاتي على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن يجري التفاوض الثنائي مع إسرائيل على عدد من  قضايا "الحل النهائي" تتناول  مصير القدس الشرقية وحقوق اللاجئين والحدود والأمن وقضايا أخرى، ويتم التوصل إلى اتفاق نهائي خلال فترة أقصاها خمس سنوات، وهو ما لم يتحقق كما هو معروف.

بيد أن "اتفاق أوسلو"، وما رافقه وتلاه من متغيرات في موازين القوى المحلية والدولية والإقليمية وما تركه من أثر في تكوين الحركة السياسية الفلسطينية وفي مجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة، ولّد تبايناً وتشوشاً في فهم مكونات المشروع الوطني ومتطلباته السياسية والتنظيمية والبرنامجية. وبات واضحاً، بعد مضي ربع قرن على توقيع الاتفاق المذكور، أن مشروع إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس على أراضي الضفة والقطاع وتفكيك المستعمرات  والسيطرة على الموارد الطبيعية والحدود والحركة الداخلية والخارجية، قد وصل إلى طريق مسدود، عمقه إعلان الإدارة الأمريكية سنة 2018  الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، واتخاذ تدابير أخرى  تظهر استخفافها بحق تقرير المصير للفلسطينيين وحقهم في العودة، وتبنيها  الكامل تقريباً للرواية الصهيونية كما يسردها اليمين الإسرائيلي العنصري. ومع ذلك، لم تشرع بعد أطراف الحركة السياسية الفلسطينية، ولا مكونات الحركة الثقافية والفكرية، في مناقشة جادة لسؤال ما العمل،  بعيداً عن الشعاراتية  والكلام المجرد. أما الاستراتيجيا النضالية  الفلسطينية الوحيدة التي تلمح إلى وجود مشروع سياسي بديل لمشروع الدولة على حدود سنة 1967، من دون أن تنص عليه، فيمكن أن نجده في برنامج حركة المقاطعة (BDS) القائم على تعرية الطابع  الاستعماري الاستيطاني العنصري لإسرائيل، والمطالب بتلبية الحقوق السياسية والمدنية للتجمعات الفلسطينية المتعددة، علماً بأن حركة المقاطعة كونها حركة اجتماعية وليست تنظيماً سياسياً، تحجم عن طرح تصور متكامل  لمشروع وطني سياسي  للكل الفلسطيني ويخاطب في الوقت ذاته المجتمع الإسرائيلي اليهودي.

لم يكن هدف هذه الندوة طرح مشروع سياسي وطني متكامل كبديل من  مشروع الدولتين، أو  صوغ مشروع لدولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية. فإذا كان المشروع الوطني المتمثل في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على جزء من فلسطين ما زال ممكناً، فإنه يصبح من الضروري بلورة  خطط ملموسة لإنجازه بعد ان اتضح  فشل استراتيجيا المفاوضات وفشل الرهان على الحلول الدولية، كما تبيّنت محدودية الأفق السياسي للمقاومة المسلحة بالشكل الذي تطرحه القوى التي تتبنى هذا الخيار. أما إذا كان مشروع الدولتين قد وصل إلى طريق مسدود، كما باتت تقتنع  نسبة متزايدة من الشعب الفلسطيني،  فهل البديل هو الدولة  الديمقراطية الواحدة التي تجمع الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين على أساس المساواة  والعدالة، بما ينهي الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني؟ وما هي الاستراتيجيا النضالية المطلوب تبنيها من القوى السياسية الفلسطينية لتوليد حركة مناهضة للصهيونية، بصفتها  حركة  استعمار استيطاني عنصري،  ومناهضة للتمييز العنصري ومؤيدة للعدالة والمساواة  وحق تقرير المصير؟ وما هي سبل تحشيد الدعم لمشروع الدولة الديمقراطية الواحدة بين اليهود خارج إسرائيل وبين  القوى المناصرة للتحرر  والعدالة والمساواة في العالم؟

إن غياب مشروع وطني جامع يحظى بالتوافق من معظم القوى السياسية  الفاعلة، ومن قوى المجتمع المدني الفلسطينية  هو من أبرز حيثيات  عقد هذه الندوة ومناقشة هذا الموضوع  من خلال أوراق بحثية  ومن باحثين على إلمام بأوضاع  تجمعات الشعب الفلسطيني الرئيسية وبمسار الحركة السياسية الفلسطينية وتطوره. وستبيّن قراءة فصول هذا الكتاب أن هناك ضرورة  لإبقاء سؤال المشروع الوطني الفلسطيني  مطروحاً على بساط بحث القوى السياسية والمجتمعية والثقافية، كما أن هناك ضرورة  لتناول  موضوعات أخرى ذات صلة  بهموم الحركة الفلسطينية، نظراً إلى ما  أصاب اللغة السياسية الفلسطينية الدارجة من تيَبس، وبعد أن طغى عليها مفاهيم مستقاة من سياسة إنكار الواقع، كما تشير، مثلاً، الألقاب المعطاة لمناصب ومؤسسات ومسؤولي السلطة  الفلسطينية.

وعليه، يمكن أن تُستتبع هذه الندوة  بسلسلة ندوات تهدف إلى تفحص مضامين ومدلولات مفاهيم أخرى يتكرر ذكرها في الخطاب السياسي والثقافي الفلسطيني، من أبرزها مفهوم الوحدة الوطنية  وأشكال تجسيدها في إطار كل تجمع وعلى الصعيد الوطني العام، ومفهوم المقاومة وأشكالها في كل تجمع فلسطيني. فتوحيد مضامين ومعاني مفردات الخطاب الوطني الفلسطيني ضرورة لا غنى عنها لإدارة حوار وطني فلسطيني واضح وهادف.

 

[1] شارك في الندوة مع حفظ الألقاب ووفق تسلسل مداخلات معدي الأوراق : ماهر الشريف، جميل هلال، محسن أبو رمضان، لميس أندوني، هنيدة غانم، مهند عبد الحميد، سهيل الناطور، جابر سليمان، جورج جقمان، هاني المصري، حسن خضر.  وشارك في النقاش مع حفظ الألقاب؛ طارق متري، كميل منصور، أحمد خليفة، منير فخر الدين، رشيد الخالدي  ومحمود سويد. وللأسف أقعدوضع صحي قاهر خالد فراج عن المشاركة في الندوة.