في ذكرى رحيل فيصل الحسيني (1940-2001)

>> في ذكرى رحيل فيصل الحسيني (1940-2001)

 

ولد فيصل الحسيني في 17 تموز/يوليو 1940 في مدينة بغداد لعائلة وطنية فلسطينية عريقة، إذ تولى جده  موسى كاظم الحسيني في سنة 1918 رئاسة بلدية القدس، ثم اختاره المؤتمر الوطني الفلسطيني الثالث، الذي انعقد في حيفا في كانون الأول/ديسمبر 1920، رئيساً له كما اختاره رئيساً للجنة التنفيذية العربية التي انبثقت عنه، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وفاته في سنة 1934. بينما كان والده عبد القادر الحسيني قائد ومؤسس "جيش الجهاد المقدس"، وبطل وشهيد "معركة القسطل" في نيسان/أبريل 1948. 

وكان والده، الذي انتقل إلى بغداد مضطراً عقب القضاء على الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939، قد شارك في سنة 1941 في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الاستعمار البريطاني للعراق، وانتقل، بعد إجهاض تلك الثورة، إلى السعودية حيث التحقت أسرته به في سنة 1944. وفي سنة 1946، استقرت العائلة في مصر والتحق فيصل بالمدرسة حيث أنهى في القاهرة دراسته الابتدائية والثانوية. وفي خريف 1956، تطوع فيصل مع شقيقيه في قوات المقاومة الشعبية التي شاركت في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر، وانضم في سنة 1958 إلى "حركة القوميين العرب"، وسافر إلى بغداد للالتحاق بكلية العلوم. لكنه اضطر إلى مغادرة العراق في العام التالي، عقب اندلاع الصراع بين القوميين العرب والشيوعيين، وعاد إلى القاهرة حيث التحق بكلية العلوم وانتسب إلى "رابطة الطلبة الفلسطينيين"، ثم شارك في سنة 1959 في تأسيس "الاتحاد العام لطلبة فلسطين"، وتعرّف في العاصمة المصرية إلى  ياسر عرفات. وفي سنة 1963، شارك فيصل في دورة عسكرية تدريبية نُظمت في مصر لأعضاء منظمة "شباب الثأر" وهي المنظمة الفدائية التي شكّلتها "حركة القوميين العرب". 

عاد فيصل الحسيني إلى القدس في سنة 1964، ليعمل مسؤولاً لدائرة التنظيم الشعبي في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية. وفي سنة 1966، انتقل إلى سورية ليلتحق بالكلية الحربية في حلب وينضم بعد ذلك إلى صفوف جيش التحرير الفلسطيني. وعقب هزيمة حزيران/يونيو 1967، أشرف فيصل على معسكر تدريبي لمئات المتطوعين الفلسطينيين في قرية كيفون اللبنانية، ثم تسلل عبر نهر الأردن إلى مدينة القدس المحتلة واستقر فيها، وبدأ يعمل على تنظيم مقاومة الاحتلال، الأمر الذي دفع السلطات الإسرائيلية إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن لمدة عام في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1967. 

عقب إطلاق سراحه، قرر فيصل البقاء في القدس المحتلة، وانضم  إلى صفوف حركة "فتح"،  وخاض مواجهة قانونية مع سلطات الاحتلال استمرت نحو عشر سنوات، نجح في نهايتها في الحصول على بطاقة هوية مقدسية. ثم راح  يمارس، إلى جانب مشاركته في تنظيم المقاومة للاحتلال، أعمالاً مختلفة في الفترة ما بين 1969 و 1979، وهو العام الذي أسس فيه بالتعاون مع مجموعة من الأكاديميين الفلسطينيين "جمعية الدراسات العربية" التي تعرضت للمضايقات من قبل الإسرائيليين، وأغلقت أكثر من مرة. كما شارك في تلك الفترة في عضوية "لجنة التوجيه الوطني" التي شكلت في المناطق المحتلة وضمت عدداً من الشخصيات الوطنية.

وفي سنة 1981، قاد فيصل حملة لاختراق الحصار الذي فرضته القوات الإسرائيلية على أهل الجولان، فوضعته السلطات الإسرائيلية تحت الإقامة الجبرية في القدس في الفترة ما بين 1982 – 1987، ما منعه من إكمال دراسة التاريخ في كلية الآداب بجامعة بيروت العربية التي التحق بها في سنة 1977. وأنشأ فيصل الحسيني في سنة 1987  "المركز الفلسطيني لحقوق الانسان"، و"لجنة مواجهة القبضة الحديدية "، وكان من أبرز قادة الانتفاضة الشعبية في تلك الفترة، واعتقل في العام ذاته واستمر اعتقاله بشكل متقطع حتى سنة 1989. وبسبب إغلاق مكاتب "جمعية الدراسات العربية" خلال تلك الأعوام، حوّل بيته مكتباً يمارس منه نشاطاته الرسمية والشعبية.

وفي سنة 1991، قاد فيصل المحادثات التمهيدية لمؤتمر السلام في مدريد مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، ثم  شارك في الإشراف على الفريق الفلسطيني إلى مفاوضات السلام التي عقدت في واشنطن. واتخذ في سنة 1992 من مبنى فندق "الأورينت هاوس" في القدس مقراً له، وهو المكان الذي أصبح يعرف باسم "بيت الشرق" ليكون العنوان السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية في المناطق المحتلة، بحيث تعقد فيه جميع الاجتماعات الخاصة بالفريق الفلسطيني، كما يتم استقبال الزوار الأجانب الرسميين الذين كانوا يحضرون للقاء الشخصيات الفلسطينية. وحصل فيصل في تلك السنة على "جائزة برونو كرايسكي لحقوق الإنسان". وفي مطلع تموز/يوليو 1994، كان فيصل على رأس الجموع الفلسطينية التي توجهت إلى معبر رفح لاستقبال الرئيس ياسر عرفات بعد عودته التاريخية إلى أرض الوطن. وتسلّم، في سنة 1995، مسؤولية ملف القدس في منظمة التحرير الفلسطينية،  ثم  انتخب في العام التالي من قبل المجلس الوطني الفلسطيني عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ومن موقعه هذا، تصدى فيصل الحسيني لسياسات السلطات الإسرائيلية المحتلة في القدس، ودافع عن عروبتها وعن الأماكن المقدسة فيها، وقاد التظاهرات، وقاوم الاستيطان في مختلف المواقع، وخصوصاً في جبل "أبو غنيم". كما شارك، في 28 أيلول/سبتمبر 2000 مع أبناء مدينته في التصدي للجولة الاستفزازية التي قام بها أريئيل شارون إلى باحة الحرم القدسي، والتي أدت بالتالي إلى اندلاع الانتفاضة الثانية. وتعرض فيصل لعدة محاولات اغتيال على أيدي المستوطنين الإسرائيليين، الذين قاموا في سنة 1995 بإطلاق النار على منزله، كما حاولت سيارة إسرائيلية يقودها أحدهم أن تصدم سيارته.

وبفضل نشاطه الدؤوب ونضالاته، كرّس فيصل الحسيني القدس عاصمة فعلية لفلسطين، وقام بعدد كبير من الجولات في عواصم الدول العربية والأجنبية للدفاع عن قضيتها وعن قضية  فلسطين. ورحل فيصل في 31 أيار/مايو 2001 خلال زيارته للكويت، ودفن في اليوم التالي في باحة الحرم القدسي الشريف بجوار والده وجده، بعد أن شيعه عشرات الآلاف من الفلسطينيين في جنازة لم تشهد القدس لها مثيلاً من قبل. ونظراً لمكانته الدولية المرموقة، فقد أبّنه أعضاء مجلس الأمن الدولي بالوقوف دقيقة صمت على روحـه.

المصدر: مؤسسة فيصل الحسيني

http://www.fhfpal.org/#header

 

للاطلاع على مقالات عن فيصل الحسيني نحيلكم إلى ما يلي:

-عشراوي، حنان. "فيصل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 48 (خريف 2001)، ص 110-112.

-شبيب، سميح. "فيصل الحسيني سياسياً ومناضلاً: سيرة موجزة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 48 (خريف 2001)، ص 117-121.

-الحسيني، فيصل (مقابلة). "الانتفاضة في مرحلة إعادة التقويم والبناء"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 6 (ربيع 1991)، ص 89 - 95.