دفن النكبة: كيف تخفي إسرائيل بشكل ممنهج الأدلة على طرد العرب سنة 1948؟

>> دفن النكبة: كيف تخفي إسرائيل بشكل ممنهج الأدلة على طرد العرب سنة 1948؟

دفن النكبة: كيف تخفي إسرائيل بشكل ممنهج الأدلة على طرد العرب سنة 1948؟

 

 

قبل أربع سنوات، تعرضت الباحثة التاريخية تامار نوفيك لصدمة بسبب وثيقة عثرت عليها في ملف يوسف فاشيتس، الذي عمل في القسم العربي لحزب "مابام اليساري"، في أرشيف ياد يعري في جفعات هافيفا. وجاء في الوثيقة، التي بدا أنها تصف الأحداث التي وقعت خلال حرب 1948:الصفصاف، قرية فلسطينية قرب صفد: "تم اعتقال 52 رجلاً وربطهم بعضهم ببعض، وحفروا بئراً وأطلقوا النار عليهم. 10 منهم كانوا لا يزالون يحتضرون، النساء توسلن الرحمة. عثر على 6 جثث لرجال مسنين. كان هناك 61 جثماناً. اغتصاب 3 نساء بينهن فتاة لم تتجاوز الـ 14 من عمرها، 4 رجال قتلوا بالرصاص. تم قطع اصبع أحد القتلى بسكين لسرقة خاتم". ويمضي كاتب الوثيقة الذي لم يذكر اسمه، وليس معروفاً من يقف وراءها، في وصف المجازر وعمليات النهب والاعتداءات التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في حرب 1948، بحسب ما قالت نوفيك لـ "هآرتس". وتضيف: "الوثيقة مقلقة، لأنني كنت أعلم أن العثور على وثيقة كهذه ستجعلني مسؤولة عن توضيح ما جرى". استولت القوات الإسرائيلية على قرية الصفصاف في الجليل الأعلى في عملية "حيرام" في نهاية سنة 1948، وأقامت على أنقاضها مستوطنة "صفصوفة". وعلى مدى أعوام اتهم اللواء السابع في الجيش الإسرائيلي بارتكاب مجازر حرب في القرية، وهي اتهامات تؤكدها الوثيقة التي عثرت عليها نوفيك، وهي وثيقة لم تكن معروفة لدى الباحثين من قبل، ومن الممكن أن تشكّل دليلاً إضافياً على أن كبار ضباط الجيش الإسرائيلي كانوا على علم بعمليات القتل والنهب سنة 1948. قررت نوفيك العودة إلى باحثين ومؤرخين إسرائيليين للتأكد من الوثيقة، ومنهم المؤرخ والباحث بيني موريس، الذي تعد كتبه ومؤلفاته مرجعاً أساسياً في دراسة النكبة، والذي أخبرها أنه صادف أيضاً وثائق مماثلة في الماضي، وكان يشير إلى توثيق لمجزرة الصفصاف نقلاً عن مؤرخ إسرائيلي آخر من الحركة الكيبوتسية هو أهرون كوهين، الذي استند فيه بدوره إلى تقرير أعده في تشرين الثاني/نوفمبر 1948، إسرائيل غاليلي رئيس الأركان السابق لعصابات الهاغاناه التي صارت لاحقاً "جيش الدفاع الإسرائيلي"، وقد أورد موريس في أحد كتبه ما جاء في الوثيقة كاتباً: "الصفصاف، 52 رجلاً ربطوا بحبل، ألقوهم في بئر وأطلقوا النار عليهم. قتل 10 منهم. النساء توسلن الرحمة. كانت هناك 3 حالات اغتصاب. اغتصاب فتاة في الـ 14 من عمرها. قتل 4 رجال. استخدام السكاكين".يشير موريس ايضاً، في كتابه "نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1949"، إلى وجود الوثيقة في مركز أرشيف ياد يعري، لكن عندما أرادت نوفيك التأكد من الوثيقة فوجئت بأنها لم تعد موجودة. في البدء، اعتقدت نوفيك أن موريس ربما ارتكب خطأ ما، وأنه لم يكن دقيقاً في ما نقله في كتابه، تقول: "استغرق مني الأمر وقتاً طويلاً للتفكير باحتمال اختفاء الوثيقة ببساطة، لكن عندما سألت عن الوثيقة أخبروني بأن الوثيقة تم حفظها في خزنة خاصة في أرشيف ياد يعري بأمر من وزارة الدفاع الإسرائيلية".منذ بدايات العقد الماضي تجوب فرق وزارة الدفاع الإسرائيلية على مراكز الأرشيف وتعمل على إجراء عمليات مسح ضوئية لأرشيفات داخل إسرائيل، من أجل القضاء على وثائق تاريخية، لا تتعلق فقط بالملف النووي الإسرائيلي أو بالعلاقات الخارجية لإسرائيل، بل تمّ إزالة مئات الوثائق التاريخية كجزء من عمل منظم وممنهج لإخفاء أدلة النكبة. وتم اكتشاف هذه العملية للمرة الاولى من قبل معهد "عكيفوت" المتخصص بدراسة تاريخ النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، والناشط في مجال الكشف عن الوثائق التاريخية. وفقاً لتقرير صادر عن المعهد، فإن هذه العملية يقودها "مالماب"، وهو جهاز أمني سري تابع لوزارة الدفاع ويعمل بميزانية خاصة، وهو يقوم بإزالة الوثائق التاريخية بطريقة لا قانونية وغير مشروعة، وقد قام في بعض الأحيان بإخفاء وثائق كانت الرقابة العسكرية قد وافقت على نشرها، وبالفعل كان قد تم نشر بعض الوثائق التي قام "مالماب" بنقلها إلى الخزائن المصفحة.وقد توصلت "هآرتس" إلى أن "مالماب" أخفى شهادات لجنرالات في الجيش الإسرائيلي حول قتل المدنيين الفلسطينيين وهدم قراهم، فضلاً عن توثيق طرد البدو خلال العقد الأول من قيام دولة إسرائيل. وكشفت المقابلات التي أجرتها الصحيفة مع مديري الأرشيفات العامة والخاصة على حد سواء أن موظفي "مالماب" تعاملوا مع الوثائق الأرشيفية كممتلكاتهم الخاصة، وفي بعض الحالات كانوا يقومون بتهديد المديرين أنفسهم.يهيل حوريف، الذي ترأس "مالماب" لمدة عقدين، أي منذ سنة 1987 حتى سنة 2007، اعترف لـ "هآرتس" أنه كان هو من أطلق المشروع الذي لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، مؤكداً أنه من الذكاء إخفاء الأدلة على أحداث 1948، لأن الكشف عنها قد يوّلد اضطرابات بين السكان العرب في إسرائيل.
ورداً على سؤال حول الهدف من إزالة الوثائق التي كان قد تمّ نشرها بالفعل، أوضح حوريف أن الهدف هو التشكيك في محاولات البحث عن الأدلة المتعلقة بأحداث سنة 1948، ولقطع الطريق على الباحثين لدى محاولتهم التأكد من صحة الوثائق التاريخية التي قد يعثرون عليها.

 

الرواية الإسرائيلية للتهجير

 في وثيقة تحت عنوان "نشوء مشكلة اللاجئين" ذكر أحد الضباط الإسرائيليين من "شاي"، وهو الاسم الذي كان يطلق على جهاز "شين بيت" سابقاً، بعض الأسباب التي أدت إلى إفراغ إسرائيل من أعداد كبيرة من السكان العرب، مع التوقف عند ظروف كل قرية.وشكّلت الوثيقة التي نشرت أواخر يونيو/حزيران 1948 فكرة لمقال كتبه بيني موريس في سنة 1986، لكن بعد نشر المقال تمّ إخفاء الوثيقة من الأرشيف، ولم تعد متاحة للباحثين، وبعد سنوات من الإخفاء أعاد "مالماب" فحص الوثيقة وأمر بالإبقاء على سريتها، ولم يكن عناصر الجهاز الأمني يتوقعون أن يتمكن باحثو معهد "عكيفوت" من العثور على نسخة من الوثيقة، وأن يقوموا بتقديمها إلى الرقابة العسكرية التي سمحت بنشرها من دون قيد او شرط. وهكذا بعد سنوات من الإخفاء يشير هذا التحقيق إلى فحوى الوثيقة.تبدأ الوثيقة المؤلفة من 25 صفحة بمقدمة تشير بوضوح إلى وجود توافق على تهجير العرب من قراهم، ووفقاً لكاتب الوثيقة الذي لم يذكر اسمه فقد تميّز شهر أبريل/ نيسان 1948 بزيادة عمليات التهجير، فيما اعتبر "شهر مايو/ أيار مباركاً لجهة تهجير أكبر عدد من الأماكن في شهر واحد". وبعدها تتحدث الوثيقة عن أسباب تهجير العرب. وفيما تلقي الرواية الرسمية الإسرائيلية التي تمّ ترسيخها على مدى سنين مسؤولية ترحيل الفلسطينيين على السياسيين العرب، فإن الوثيقة كانت واضحة لجهة التأكيد على أن 70% من العرب اضطروا لمغادرة قراهم بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية.وتوضح الوثيقة أيضاً أن السبب الرئيسي لهجرة العرب، هو توجيه الأعمال العدائية اليهودية ضد القرى الفلسطينية والمناطق المستهدفة بالاستيطان، ثم تأثير الأعمال العدائية الصهيونية على القرى المجاورة، فضلاً عن  الأوامر الصادرة عن الأنظمة العربية وفصائل المقاومة، والإنذارات التي وجهت للعرب بوجوب إخلاء مناطقهم. وعليه، يؤكد كاتب الوثيقة أن العمليات العدائية الصهيونية كانت بلا شك هي السبب الرئيسي لرحيل السكان العرب، موضحاً في هذا السياق، أن الدعوات التي كانت توجهها العصابات والقوات الإسرائيلية عبر مكبرات الصوت باللغة العربية فعلت فعلها لجهة دفع الفلسطينيين إلى الهجرة، كذلك تذكر الوثيقة أن الاعتقالات التي كانت تقوم بها العصابات الصهيونية للشخصيات في القرى والبلدات الفلسطينية أدت إلى عدم إيمان الفلسطينيين بجدوى أي تسوية مع "الهاغاناه". وتخلص الوثيقة إلى التأكيد على أن عمليات القتل والمضايقات والاعتداءات والاعتقالات والتنكيل شكّلت أسباباً أساسية لهجرة الفلسطينيين خصوصا في مناطق الجليل الأوسط. كذلك يوضح ملحق بالوثيقة أسباب هجرة العرب في العشرات من القرى والبلدات الفلسطينية، عين زيتون: تدميرنا للقرية؛ قيطية: مضايقات وتهديدات؛ الطيرة: نصيحة صديقة؛ العلمانية: عنفنا وقتل الكثيرين؛ العمامير: اعمال قتل وتفجير وسرقة؛ سمسم: إنذارنا النهائي؛ بئر سالم: الهجوم على دار الأيتام؛  زرنوقا: الاجتياح والطرد.

 

 فتيل سريع

 في أواخر سنة  2000، أجرى مركز اسحق رابين سلسلة من المقابلات مع شخصيات عامة وضباط سابقين كجزء من مهمة تدريبية. لكن "مالماب" استولى على هذه المقابلات أيضًا. وقد حصلت "هآرتس" على نسخة من هذه المقابلات لكن بعد مقارنتها بالنسخ الأصلية تبين أن "مالماب" قام بحذف مقاطع من تلك المقابلات وصنفها في خانة السرية. ومن تلك النصوص المقابلة مع العميد السابق في الجيش الإسرائيلي أرييه شاليف والذي تحدث فيها عن عمليات طرد الإسرائيليين لسكان قرية فلسطينية اسمها صبرا، وبعد المقابلة تم حذف المقاطع التالية: "كانت هناك مشكلة خطيرة للغاية في الوادي، إذ كان هناك لاجئون يرغبون بالعودة إليه وإلى المثلث الذي يضم عددا من القرى والبلدات العربية شرقي إسرائيل، لكننا طردناهم وقد قابلتهم واقنعتهم بعدم العودة ولدي وثائق حول هذا الموضوع".ومن الأمثلة الأخرى  قرار "مالماب" إخفاء فقرات من مقابلة أجراها المؤرخ والباحث بواز ليف توف مع الميجور جنرال إيلاد بيليد. إذ تمّ إخفاء المقاطع التالية:ليف توف: نحن نتحدث هنا عن سكان بينهم نساء وأطفال؟بيليد: كلهم، كلهم، نعمليف توف: ألا يمكن التفريق بينهم؟بيليد: المشكلة بسيطة جداً، هي حرب بين شعبين. ولا بد ان يخرجوا من منازلهم.ليف توف: لو كان لهم منزل، ألا يعني ذلك أن لديهم مكاناً يعودون إليه؟بيليد: لم تكن هناك جيوش. كان هناك عصابات، وكنا في الواقع عصابات، نخرج من المنزل ونعود إليه، وهم يخرجون من المنزل ويعودون. إما منزلهم أو منزلنا.ليف توف: وماذا عن الشكوك؟
بيليد: اليوم عندما أكون جالساً في مقعدي، تعصف برأسي أفكار كثيرة حول ما حدث.
ليف توف: ألم تكن هذه حالتك في وقتها؟
بيليد: "اسمع، دعني أخبرك شيئاً قاسياً في شأن الغارة الكبيرة على ساسا (قرية فلسطينية في الجليل الأعلى). كان الهدف في الواقع هو إرهاب العرب وتوجيه رسالة مفادها: أصدقاؤنا الأعزاء الهاغاناه يمكنها الوصول إلى أي مكان. فأنتم لستم محصنين، لكن ما الذي فعلناه؟ دخلنا إلى القرية وقمنا بنسف 20 منزلاً بطريقة بدائية إذ يقوم المفجرون بإشعال الفتيل ويركضون، وبعدها تختفي المنازل".
ومن المقاطع التي قررت وزارة الدفاع التكتم عليها حديث الدكتور ليف توف مع اللواء أفراهام تامير: تامير: كنت تحت قيادة تشيرا، (الجنرال تسفي تسور، الذي صار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي)، وكانت لدي علاقات عمل ممتازة معه، إذ أعطاني صلاحيات تضمن حرية العمل، وقد كنت مسؤولاً عن العمليات خلال حدوث تطورين لهما علاقة بسياسة رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون، كان أحدهما عندما وصلت تقارير تفيد بمسيرات للاجئين من الأردن نحو القرى المهجرة (في إسرائيل). وكانت سياسة بن غوريون تقضي بتدمير القرى الواقعة في المنطقة التي تغطيها القيادة المركزية أو معظمها.ليف توف: تلك التي كانت لا تزال قائمة؟

تامير: التي كان الإسرائيليون لم يسكنوها بعد. إذ كانت هناك مناطق استقر فيها الإسرائيليون بالفعل، مثل زكريا وغيرها، لكن في معظمها كانت قرى مهجورة.

ليف توف: البيوت كانت قائمة؟

تامير: قائمة، لكن كان من الضروري عدم وجود مكان يعودون إليه، لذلك قمت بتعبئة كل الكتائب الهندسية التابعة للقيادة المركزية، وخلال 48 ساعة تم تسوية القرى بالأرض ولم يعد لديهم مكان للعودة إليه.

ليف توف: أتخيل أنك فعلت ذلك من دون تردد؟

تامير: نعم بدون تردد. كانت هذه هي السياسة، وانا قمت بتنفيذها.

 

 قبو يعري

يضم مركز ياد يعري للأرشيف والتوثيق، وهو عبارة عن غرفة مؤمنة بإحكام على شكل قبو، العديد من الصناديق التي تحتوي على وثائق تاريخية مهمة تتعلق بحركات "هاشومر هاتساير" و "كيبوتس" ومابام" و"ميريتس" و "السلام الآن".. والكثير من الوثائق الأخرى. مدير المركز هو دودو أميتاي الذي يشغل منصب رئيس رابطة أرشيفات إسرائيل، يشير إلى أن موظفي "مالماب" قاموا بزيارة المركز بشكل منتظم خلال الفترة ما بين 2009 و 2011، وأن فريق هذا الجهاز الذي يضم متقاعدين من وزارة الدفاع بدون خبرة في الأرشيف، كانوا يأتون مرتين أو ثلاث مرات اسبوعياً، ويبحثون عن كل ما يتعلق بالملفات الرئيسية كـالملف النووي والملفات الأمنية، كما خصصوا قسماً كبيراً من وقتهم للبحث عن ملفات النكبة ومصير القرى العربية قبل سنة 1948. ويضيف أميتاي أن فرق "مالماب" قدمت في النهاية ملخصاً أشارت فيه إلى العثور على عشرات المستندات الحساسة، وعليه قاموا بإزالة عدد من الملفات (كل ملف قد يحتوي على أكثر من 100 وثيقة)، من الفهرس العام. ومن تلك المستندات ما يتعلق بطريقة تعامل الجيش الإسرائيلي مع السكان الفلسطينيين منذ سنة 1948 وحتى سنة 1966. وتم حفظ هذه الأوراق في قبو خاص ومنع الطلاب من الوصول إليها.
منذ فترة قدّم المؤرخ والباحث غادي الغازي من كلية تل أبيب طلباً للاطلاع على الملف، وقد قام أميتاي بفحص الملف بنفسه ورأى أنه لا مانع من الاطلاع عليه، وذلك على الرغم من موقف "مالماب"، وبحسب الغازي فإنه قد يكون من أسباب حجب الملف وإبقائه سرياً، هو ملحق سري يضم تقرير لجنة تابعت عمل الحكومة العسكرية، والذي يتناول بشكل شبه مفصل معارك ملكية الأراضي بين دولة إسرائيل والمواطنين العرب، من دون أن يمس الأمور الأمنية.

 وفي وثيقة أخرى، ينسب تقرير صادر في سنة 1958 عن اللجنة الوزارية التي كانت تشرف على الجيش، إلى العقيد ميشيل شهام وهو ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي، قوله إن أحد أسباب عدم إلغاء الأحكام العرفية هو تقييد وصول المواطنين العرب إلى سوق العمل، ومنع إعادة إعمار القرى المدمرة.ومن الأسباب التي قد تكون السبب في إخفاء الملف، وثيقة تتعلق بشهادة تاريخية كان قد سبق نشرها، وتتعلق بطرد البدو. فلدى قيام دولة إسرائيل كان هناك نحو 100 ألف بدوي يعيشون في النقب، وبعد ثلاث سنوات على قيامها، انخفض عددهم إلى 13 الف بدوي في السنوات التي تلت حرب 1948.
وفي إحدى الحالات، أفاد مراقبو الأمم المتحدة بأن إسرائيل طردت 400 بدوي من قبيلة العزازمة واستدلوا على ذلك بحرق الخيام. وتصف الوثيقة عملية طرد منظم جرى تنفيذها في أواخر سنة 1956، بحسب ما قال الجيولوجي أفراهام بارنز: "منذ شهر، قمنا بجولة في (جرن رامون، التسمية العبرية لوادي الرمان الواقع في صحراء النقب)، وجاء البدو إلينا في منطقة موهيلا مع عائلاتهم وقطعانهم وطلبوا منا تقاسم الخبز معهم. أجبت بأنه لدينا الكثير من العمل ولا وقت لدينا لتناول الطعام. وخلال جولتنا هذا الأسبوع، توجهنا نحو موهيلا مرة أخرى. وبدلا من رؤية البدو وقطعانهم كان هناك صمت مميت. جثث لعشرات الجمال. علمنا أنه قبل 3 ايام قام الجيش الإسرائيلي بمحاصرة البدو وجرى قتل قطعانهم، قتلوا الجمال بإطلاق الرصاص، والأغنام بالقنابل اليدوية، قتل رجل من البدو، فيما هرب الباقون". وتتابع الوثيقة: "قبل أسبوعين، أمروا بالبقاء في المكان الذي كانوا فيه، ولاحقاً أمروا بالمغادرة، وتم ذبح 500 رأس من مواشيهم بسرعة لدفعهم إلى الرحيل، وتمّ تنفيذ عملية الطرد بدقة"، وتضيف الوثيقة في اقتباس ما قاله أحد الجنود الإسرائيليين لبارنز: "لن يرحلوا إلا إذا قمنا بقتل قطعانهم"، ومما قاله بارنز: "تقربت منا فتاة في الـ 16 من عمرها وأهدتنا عقد خرز من الثعابين النحاسية، وقد قمنا بقطع العقد وأخذ كل منا حبة خرز كتذكار".النسخة الأصلية من الوثيقة تمّ إرسالها إلى عضو الكنيست ياكوف أوري من "ماباي"، الذي أرسلها بدوره إلى وزير التنمية مردخاي بنتوف، وقد عمم بنتوف "الرسالة الصادمة" على وزراء الحكومة الإسرائيلية وكتب: "إن الحكومة لا يمكنها أن تتجاهل ببساطة الحقائق المتعلقة بالرسالة"، مضيفاً أنه في ظل "المضون المروع للرسالة، تم الرجوع إلى الخبراء الأمنيين للتحقق من مصداقيتها، فأكدوا أن المضمون يتفق مع الحقيقة عموماً".

 

العذر النووي

نفذ "مالماب" أولى "الغارات الأرشيفية" في الفترة ما بين سنتَي 2001 إلى 2004، خلال تولي المؤرخ توفيا فريلنغ منصب كبير أمناء المحفوظات في إسرائيل. يقول فريلنغ أن ما "بدأ كعملية لوقف تسرب الأسرار النووية تحوّل إلى رقابة واسعة النطاق، وكان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى استقالتي بعد ثلاث سنوات". ورداً على سؤال حول السماح لوزارة الدفاع بالوصول إلى الأرشيف، يجيب فريلينغ، أنه سمح بذلك بعد مناقشة الآثار المترتبة على رقمنة الأرشيف، والذي ولّد مخاوف لدى وزارة الدفاع من احتمال تسرب بعض الوثائق حول موضوعات معينة كالنووي الإسرائيلي إلى العلن، لافتاً إلى أن التفويض الوحيد الذي أعطي لـ "مالماب" هو البحث في الوثائق المتعلقة بالنشاط النووي.وإذ أوضح فريلينغ أن عمليات "مالماب ليست إلا مثالاً بسيطاً من مشكلة أوسع"، قال "إن الطابع السري  لما يعدّ أقدم المستندات في أرشيف الشاباك والموساد انتهى سنة 1998، لكن لسنوات عدة لم يحترم الجهازان رئيس الأرشيف، إذ عندما توليت منصبي طلبوا تمديد سرية جميع المواد من 50 إلى 70 سنة أخرى، بطريقة مثيرة للسخرية، فمن وجهة نظري معظم الوثائق يجب أن تكون متاحة للباحثين".

في سنة 2010، تم تمديد فترة السرية إلى 70 سنة، وفي فبراير/ شباط الماضي تم تمديدها مجدداً، إلى 90 سنة، وذلك على الرغم من اعتراضات المجلس الأعلى للمحفوظات. يقول فريلينغ: "قد تفرض الدولة السرية على بعض وثائقها، لكن السؤال هو: هل أن مسألة الأمن مجرد نوع من التغطية، إن ذلك يثير السخرية".
من وجهة نظر أميتاي، فإنه يجب الطعن في السرية التي تفرضها وزارة الدفاع، ويقول إن واحدة من الوثائق التي نقلت إلى القبو خلال فترة ولايته، أمر صادر عن جنرال في الجيش الإسرائيلي خلال هدنة حرب 1948، إلى جنوده بالامتناع عن عمليات الاغتصاب والنهب.

اليوم يعتزم أميتاي فحص الملفات الموجودة في القبو، خصوصاً تلك المتعلقة بسنة 1948، ونشر كل ما أمكن منها للباحثين، ويتابع أنه سيفعل ذلك بحذر ومسؤولية، "مع إدراكنا أنه على إسرائيل أن تتعلّم كيفية التعامل مع الجوانب السلبية في تاريخها".

وعلى عكس ياد يعري، حيث لم يعد موظفو وزارة الدفاع يقومون بزيارته، توصل "مالماب" إلى اتفاق مع مدير "ياد تابينكين" مركز الأبحاث والتوثيق التابع لحركة كيبوتس أهرون عزاتي، بعدم نقل أي ملفات إلى القبو، إلا إذا رأى مبررات منطقية لذلك، لكن مجدداً تجاوز "مالماب" الاتفاق وقام بالتوسع في عمليات البحث بما يتجاوز نطاق المشروع النووي، ليشمل المقابلات التي أجراها موظفو المحفوظات مع أعضاء سابقين في "بالماح"، وقام بفحص الوثائق المتعلقة بتاريخ المستوطنات في الأراضي الفلسطينية. ومن الأمثلة على ذلك فحص الجهاز لكتاب "عقد من التكتم: سياسة الاستيطان 1967-1977"، الذي نشره المركز سنة 1992، وكتبه مدير دائرة الوكالة اليهودية للاستيطان يهيل أدموني. ويشير الكتاب إلى خطة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في غورالأردن وتهجير 1540 عائلة بدوية من منطقة رفح في قطاع غزة سنة 1972، بما في ذلك ردم الجيش الإسرائيلي لآبار المياه. ومن المفارقات، في قضية البدو، ما نقله أدموني عن وزير العدل السابق يعقوب شيمشون شابيرا الذي قال: "ليس من الضروري تمديد الأساس المنطقي الأمني إلى أبعد من ذلك. ليست الحلقة البدوية بأكملها فصلاً مضيئاً لدولة إسرائيل". ويقول عزاتي: "نحن نتحرك بشكل متزايد نحو التشدد. وعلى الرغم من أن هذا العصر هو عصر الانفتاح والشفافية، إلا أن هناك قوى تسير في الاتجاه المعاكس".

 

سرية غير مصرح بها

منذ نحو عام، كتبت نعومي الدوبي المستشار القانوني لمحفوظات الدولة، مقالاً بعنوان: "الإغلاق على ملفات الأرشيف العام من دون تصريح رسمي"، ومما كتبت أن الوصول إلى ملفات الأرشيف العام هي من اختصاص مدير كل مركز بشكل حصري. ولكن على الرغم من رأي ألدوبي، لم يثر موظفو الأرشيف الذين واجهوا قرارات لا منطقية من موظفي "مالماب" أي اعتراضات تذكر وذلك حتى سنة 2014، عندما وصل موظفو وزارة الدفاع إلى أرشيف مركز "هاري أس ترومان" للأبحاث العبرية في جامعة القدس. فما أثار دهشة الزائرين هو رفض مناحم بلوندهايم مدير المركز آنذاك، طلبهم فحص الوثائق التي تحتوي على مجموعة من ملفات الوزير السابق والديبلوماسي آبا إيبان واللواء احتياط شلومو غازيت. يقول بلوندهايم: "قلت لهم إن الوثائق المعنية قديمة منذ عقود، ولا أتخيل وجود مشكلة أمنية قد تستدعي منع الباحثين من الوصول إليها، فقالوا: لنفرض أن هناك وثيقة تشير إلى أنه جرى تسميم الآبار خلال حرب 1948، فقلت: يجب تقديم أولئك الأشخاص للمحاكمة"، وعلى إثر ذلك جرى اجتماع مع بلوندهايم بحضور مسؤول كبير في وزارة الدفاع، واجه خلاله بلوندهايم تهديدات مباشرة، لكن في النهاية توصل الجانبان إلى تسوية.

 

 لم يفاجأ بيني موريس من نشاط "مالماب"، يقول: "لم أكن أعلم ذلك بشكل رسمي، ولم يخبرني أحد بذلك، لكنني أدركت ذلك عندما اكتشفت أن الوثائق التي اطلعت عليها في الماضي لم تعد متاحة الآن. كانت هناك وثائق من أرشيف جيش الدفاع الإسرائيلي استخدمتها لمقال عن دير ياسين وعندما جئت إلى الأرشيف، لم يعد يُسمح لي برؤية النص الأصلي، لذلك أشرت في مقالي إلى أن أرشيف الدولة رفض طلب وصولي إلى الوثائق التي كنت قد نشرتها قبل 15 عامًا".

قضية "مالماب" ليست سوى مثال واحد للمعركة التي دارت من أجل الوصول إلى الأرشيف في إسرائيل. فوفقًا للمدير التنفيذي لمعهد "عكيفوت ، فإن "ليور يافني" (أرشيف الجيش الإسرائيلي، وأكبر أرشيف في إسرائيل) ، محكم الإغلاق بشكل شبه كامل. إذ إن هناك نحو 1 في المئة فقط من مواده مسموح الإطلاع عليها. كذلك أرشيف شين بيت، الذي يحتوي على مواد ذات أهمية هائلة للباحثين، فهو مغلق تمامًا باستثناء عدد قليل جداً من الوثائق".

في تقرير كتبه كبير أمناء أرشيف الدولة السابق بعد تقاعده، يشير يعقوب لوزويك إلى عملية قبض وزارة الدفاع على أرشيف الدولة. كذلك طرح المدافعون عن الإخفاء حججاً عدة، ويوضح لوزويك "إن الكشف عن الحقائق يمكن أن يوفّر لأعدائنا فرصة تقديم ضربة قوية لنا، وإثارة السكان العرب ضد إسرائيل، وإضعاف حجج الدولة أمام المحاكم، واحتمال اعتبار ما ارتكبته القوات الإسرائيلية "جرائم حرب"، لكنه بالرغم من ذلك يقول: "لا بد من رفض كل تلك الحجج، لأن ذلك محاولة لإخفاء جزء من الحقيقة التاريخية من أجل صناعة نسخة تكون أكثر ملاءمة". 

 

ماذا يقول "مالماب"؟ 

كان يهيل حوريف حارس أسرار المؤسسة الأمنية لأكثر من عقدين. وقد ترأس إدارة الأمن في وزارة الدفاع من سنة 1986 حتى سنة 2007، وبقي بطبيعة الحال خارج دائرة الضوء.

وافق حوريف على الحديث إلى "هآرتس" حول مشروع الأرشيف، يقول: "لا أتذكر متى بدأت، لكن ما أعرفه هو أنني أنا من بدأت ذلك عندما حاول البعض نشر الوثائق الأرشيفية، فكان علينا أن نشكل فرقاً لفحص جميع المواد المنشورة".

من خلال لقاءاتنا مع مديري الأرشيفات، بدا واضحاً أن قدراً كبيراً من الوثائق التي فرضت عليها السرية تتعلق بالنكبة. فهل إخفاء أحداث 1948 هو جزء من غرض "مالماب"؟

"ماذا يعني" جزء من الهدف؟ يتم فحص الوثيقة في إطار النظر إلى ما إذا كانت تضر بعلاقات إسرائيل الخارجية أو قضايا الأمن والدفاع. في سنة 1948، لم يكن هناك سلام، ربما أكون مخطئاً، لكن على حد علمي لم يتمّ حل النزاع العربي - الإسرائيلي. وعليه قد يظل هناك وثائق إشكالية".
ورداً على سؤال حول الطريقة التي من الممكن أن تكون فيها تلك الوثائق إشكالية؟ يجيب حوريف بأنها قد تؤدي إلى إثارة المواطنين العرب ضد إسرائيل، لذلك يجب الإطلاع على كل وثيقة لاتخاذ القرار بشأنها من منطلق مضمونها.

 

ورداً على سؤال: لو لم تكن أحداث 1948 معروفة، لكان بإمكاننا الجدال حول ما إذا كان هذا النهج هو النهج الصحيح. لكن الأمر ليس كذلك، فقد ظهرت العديد من الشهادات والدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. لذلك ما الهدف من إخفاء الوثائق؟ يجيب حوريف "إن السؤال حول إمكانية تشكيلها للضرر أم لا هو مسألة حساسة للغاية. فهناك العديد من الروايات المختلفة لمشكلة اللاجئين، ولا يمكننا الحكم بشكل تلقائي ومباشر حول ما إذا كان هناك بعض الروايات الذي يستحق السرية التامة، لكن بعض الوثائق لا بدّ من مناقشتها قبل اتخاذ أي قرار يتعلّق بنشرها".

على مدى 4 سنوات فرضت وزارة الدفاع السرية على وثيقة مفصلة حول أسباب ترحيل اللاجئين، وقد كتب بيني موريس بالفعل عن الوثيقة، فما المنطق من إبقائها سرية؟ يرد حوريف: "لا أذكر الوثيقة المقصودة، لكن إذا ما تمّ النقل عن الوثيقة، ولم تكن الوثيقة موجودة، فعندها تكون أدلته ضعيفة، اما إذا قال نعم لدي الوثيقة، فلا يمكن الجدال حول صحتها، لكن إذا قال إنه ورد هناك، فقد يكون ذلك صحيحاً وقد يكون خطأ، لكن عندما تكون الوثيقة موجودة فعلاً ومخفية في الأرشيف، فسأقول تلك حماقة. وإذا استشهد أحدهم بها، فسيكون الفارق بين صحة الأدلة التي استشهد بها مختلفاً، كاختلاف الليل والنهار".
لكن نحن نتحدث هنا، عن واحد من أهم وأبرز الباحثين والمؤرخين في قضية اللاجئين الفلسطينيين. يجيب حوريف: "إن كلمة باحث لا تخيفني، فأعرف الكثير من الأكاديميين الذين لا ينطقون إلا بالهراء، حول موضوعات أعرفها من ألفها إلى يائها، لذلك عندما تفرض الدولة السرية فإنها تضعف الأعمال المنشورة بسبب غياب المستندات التي تؤكد مضمونها". ويسهب حوريف في إثارة الأمثلة، لتوضيح فكرته، مشيراً إلى أنه "إذا كتب أحدهم أن الحصان أسود، ولم يكن الحصان المعني خارج الحظيرة، فلا يمكن إثبات أنه أسود حقاً".
هناك آراء قانونية تشير إلى أن نشاط "مالماب" في الأرشيف غير قانوني وغير مصرح به؟ يقول حوريف: "إذا علمت أن الأرشيف يحتوي على مواد سرية، فأنا مخوّل أن أخبر الشرطة ومصادرة الوثائق، كذلك يمكنني الاستفادة من المحاكم، من دون الحاجة إلى إذن الأرشيف، فوجود الوثائق السرية يمنحني حرية التصرف. لكن لنكن دقيقين، ليس كل الوثائق محجوبة بلا سبب، لكن على الرغم من ذلك لا أقول إن ما يتم غلق القبو عليه له ما يبرره بنسبة 100%".

لدى التوجه إلى وزارة الدفاع للرد على أسئلة محددة حول ما ورد في التحقيق، جاء الرد التالي: "يعمل مدير الأمن في مؤسسة الدفاع بحكم مسؤوليته عن حماية أسرار الدولة وممتلكاتها الأمنية. لذلك لا يقدم مالماب تفاصيل حول طريقة عمله أو مهامه".

 

 

 

المصدر:

https://www.haaretz.com/israel-news/.premium.MAGAZINE-how-israel-systematically-hides-evidence-of-1948-expulsion-of-arabs-1.7435103

 

ترجمة أدهم جابر