حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)

نشأة القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية وتطوّرها >> حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)

حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)

 

 

 

في منتصف خمسينيات القرن العشرين، نضجت، لدى عدد من اللاجئين الفلسطينيين المتعلمين من قطاع غزة ومعظمهم من المهنيين والموظفين العاملين في بلدان الخليج، فكرة راودتهم منذ أيام المقاومة الشعبية للاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في سنة 1956، وهي تشكيل منظمة فلسطينية مقاتلة تكون مستقلة عن الأحزاب العقائدية وعن الأنظمة الرسمية العربية على حد سواء.

 

التأسيس

من المرجح أن تكون النواة الأولى لحركة "فتح" قد تأسست في الكويت في خريف سنة 1957، بحضور خمسة أو ستة فلسطينيين، كان من ضمنهم ياسر عرفات وخليل الوزير، صاغوا "بيان الحركة" و "هيكل البناء الثوري"، واتفقوا على اسم الحركة. وتبع ذلك انضمام أعضاء جدد هم صلاح خلف وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار ووليد أحمد نمر نصر الحسن (أبو علي إياد) وخالد الحسن وسليم الزعنون، ثم فاروق القدومي ومحمود عباس وممدوح صيدم ونمر صالح وهايل عبد الحميد وهاني الحسن ومحمد غنيم، فضلاً عن أحمد قريع وماجد أبو شرار وعباس زكي ونبيل شعث. وبرز، في تشرين الأول/أكتوبر 1959، اسم "حركة التحرير الوطني الفلسطيني" (فتح) مع صدور العدد الأول من نشرة "فلسطيننا" (نداء الحياة) في بيروت، وراحت تتشكّل خلايا لها في كل من قطاع غزة والأردن ومصر وسورية ولبنان والكويت وقطر والسعودية. وبصفتها حركة لاجئين، كانت حركة "فتح" في حاجة إلى دعم عربي، وجدته في البداية في الجزائر، منذ سنة 1962، ثم في سورية اعتباراً من سنة 1963. وبالاستناد إلى هذا الدعم، شرعت قيادة الحركة في التحضير لإقامة جناح عسكري سري، حمل اسم "قوات العاصفة" ونفذ عمليته العسكرية الأولى داخل إسرائيل، المعروفة بعملية "نفق عيلبون" فجر يوم الأول من كانون الثاني/يناير 1965، التي تمّ فيها تفجير شبكة مياه إسرائيلية، وسقط فيها أول شهيد للحركة هو أحمد محمد موسى "سلامة".

 

منطلقات حركة "فتح"

كانت حركة "فتح" أول حركة وطنية فلسطينية تتشكّل بعد سنة 1948 وتضم مناضلين فلسطينيين من مشارب فكرية وعقائدية مختلفة، إذ هي دعت الحزبيين الفلسطينيين إلى التخلي عن انتماءاتهم الحزبية والانضواء تحت راية حركة "فتح" بصفتها حركة "تنظم طليعة تسمو على الحزبية والأهواء والميول لتشمل جميع الشعب". وخلافاً للشعار القومي السائد آنذاك: "الوحدة العربية هي طريق تحرير فلسطين"، أكدت حركة "فتح" أن "تحرير فلسطين هو الطريق إلى الوحدة العربية"، وأن على الشعب الفلسطيني أن يعتمد على نفسه في الأساس في معركة التحرير، دون أن يعني ذلك الانتقاص من أهمية البعد العربي للقضية الفلسطينية؛ فالثورة الفلسطينية ستكون "فلسطينية في الأصل، عربية في تطورها". واقتداءً بتجارب بعض الثورات، ولا سيما بتجارب الثورات الجزائرية والفيتنامية والكوبية، نظرت قيادة حركة "فتح" إلى الكفاح المسلح بوصفه وسيلة النضال الرئيسية لتحرير فلسطين، وقدّرت أن سيرورة هذا الكفاح ستمر بمراحل ثلاث هي: مرحلة العمل الفدائي، ومرحلة حرب العصابات ومرحلة الحرب الشعبية. ففي المرحلة الأولى، ستعتمد الحركة استراتيجية "غير مباشرة"، تستهدف، من خلال عمليات الفدائيين، "إنهاك العدو واستنزاف كل مقدراته"؛ وفي المرحلة الثانية، ستكون حرب العصابات حرباً "ديناميكية وفي حالة حركة دائمة" وتقوم بها "القلة معتمدة على مساندة الكثرة"، وسيكون أهم أمر فيها "هو التدرب على كيفية استقطاب الجماهير"؛ وبعد النجاح في استقطاب الجماهير، يتم الانتقال بصورة تدريجية إلى شكل "المواجهة المحدودة مع العدو" ويدخل الكفاح المسلح في مرحلته الثالثة والأخيرة وهي "مرحلة حرب التحرير الشعبية طويلة المدى".

 

تطوّر التجربة الكفاحية والمواقف السياسية

بعد قيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران/يونيو 1967، قدّرت حركة "فتح" أن الأراضي الفلسطينية المحتلة يمكن أن تشكّل ساحة الكفاح المسلح الرئيسية، وأعلنت، يوم 28 آب/أغسطس 1967، بدء العمليات القتالية في الضفة الغربية، فيما أسمته "الانطلاقة الثانية". وكان تصوّر قادتها آنذاك أن "قواعد الارتكاز" التي ستقيمها ستتطور، مع الوقت، إلى مناطق شبه محررة. بيد أن الحكومة الإسرائيلية واجهت توجه "فتح" ومنظمات المقاومة الأخرى هذا بحملة أمنية واسعة، أسفرت في نهاية سنة 1967 عن انحسار ظاهرة العمل الفدائي المسلح في الضفة الغربية. من الصحيح أن هذا العمل حافظ على زخمه في قطاع غزة حتى أواخر سنة 1971، إلا أن الآمال بإمكانية بناء قواعد ارتكاز للمقاومة المسلحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة تبددت.

وسرعان ما تحوّلت الضفة الشرقية لنهر الأردن إلى أكبر منطقة انطلاق للمقاتلين الفلسطينيين، وإلى ممر رئيسي للتسلل إلى الأراضي المحتلة. ومن جهة أخرى، ساعدت القواعد التي أقامتها حركة "فتح" في سورية في النصف الثاني من سنة 1968 على تمدد وجودها العسكري إلى الجنوب اللبناني. وفي 21 آذار/مارس 1968، وقعت معركة كبرى في بلدة الكرامة في غور الأردن بين القوات الإسرائيلية وبين مجموعة مشتركة من الفدائيين الفلسطينيين وجنود الجيش الأردني، أسفرت عن تكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة نسبيّاً، وأدّت أخبارها إلى تزايد شعبية حركة المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً حركة "فتح"، التي شهدت انضمام عشرات الآلاف من المتطوعين الفلسطينيين والعرب إلى صفوفها، كما شهدت اندماج العديد من المنظمات الفلسطينية الصغيرة في إطارها. وانعكس هذا النفوذ المتعاظم للمنظمات الفدائية على بنية منظمة التحرير الفلسطينية، إذ نجحت هذه المنظمات، وخصوصاً أقواها وهي حركة "فتح"، في الهيمنة على هيئات المنظمة في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عُقدت ما بين 10 و 17 تموز/يوليو 1968، كما نجحت "فتح"، في تلك الدورة، في إدخال تعديلات تتوافق مع أفكارها على بنود "الميثاق القومي" لمنظمة التحرير، الذي صار يحمل اسم "الميثاق الوطني"، ثم في ضمان انتخاب ياسر عرفات، الناطق الرسمي باسمها، في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الخامسة التي عُقدت ما بين 1 و 4 شباط/فبراير 1969، رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى الصعيد السياسي، رفضت حركة "فتح"، ومعها منظمات المقاومة الأخرى، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، لدى صدوره في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، ورأت فيه "تهديداً" لاستمرار الكفاح المسلح على طريق بلوغ هدفه في تحرير "كامل" التراب الفلسطيني. وبلورت، في النصف الثاني من سنة 1968، شعار "الدولة الفلسطينية الديمقراطية" التي ستقوم بعد تحرير فلسطين "من الاغتصاب والاحتلال الصهيونيين"، ونجحت في جعل المجلس الوطني الفلسطيني يتبنّاه رسمياً، في دورته الثامنة التي انعقدت في القاهرة ما بين 28 شباط /فبراير و 5 آذار/مارس 1971. وكانت تلك الدورة قد التأمت في أعقاب الصدامات الدامية التي اندلعت في أيلول 1970 بين الجيش الأردني ومنظمات حركة المقاومة الفلسطينية، وأسفرت، في تموز/يوليو 1971، عن تصفية الوجود العلني للمنظمات الفلسطينية المسلحة في الأردن وعن انسحاب المقاتلين الفلسطينيين إلى سورية ولبنان، حيث استقر معظمهم فيما بعد في جنوب لبنان.

بعد اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973، التي فتحت بنتائجها آفاقاً للتوصل إلى تسوية سياسية، أبدت حركة "فتح"، ومعها عدد من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، استعدادها لتبنّي نهج "المرحلية" في النضال، ولعبت دوراً بارزاً في دفع المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الثانية عشرة التي انعقدت في القاهرة ما بين 1 و 8 حزيران/يونيو 1974، إلى تبني "البرنامج السياسي المرحلي" لمنظمة التحرير، الذي نص على إقامة "سلطة وطنية فلسطينية" على الأراضي التي يندحر عنها الاحتلال الإسرائيلي، وهو الهدف الذي تطوّر إلى "دولة فلسطينية مستقلة" في الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي انعقدت في القاهرة ما بين 12 و 22 آذار/مارس 1977، والتي أسبغت صفة رسمية على الاتصالات التي كانت قد بدأتها قيادة حركة "فتح"، منذ سنة 1975، مع بعض القوى والشخصيات الإسرائيلية المستعدة للحوار مع منظمة التحرير، وذلك عندما أكدت "أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية في داخل الوطن المحتل وخارجه التي تناضل ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة".

وبينما شهدت حركة "فتح" في سنة 1974، رداً على هذا التحوّل في مواقفها، أول انشقاق تنظيمي بخروج صبري البنا (أبو نضال)، مدير مكتبها في بغداد، من صفوف الحركة وقيامه بتشكيل تنظيم مستقل عُرف باسم "حركة فتح-المجلس الثوري"، وصار يُنفذ عمليات اغتيال ضد قادة الحركة وممثليها في عدد من دول العالم، استطاعت منظمة التحرير بقيادة حركة "فتح"، بفضل هذا التحوّل، أن تحقق عدداً من المكاسب السياسية المهمة على الصعيدين العربي والدولي. فبعد الكلمة التي ألقاها ياسر عرفات في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1974 أمام مندوبي الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أصدرت هذه الأخيرة قرارين، نصا على حق الشعب الفلسطيني "في تقرير المصير، من دون تدخل خارجي، وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنيين"، وعلى منح منظمة التحرير صفة المراقب في الأمم المتحدة. وكان مؤتمر القمة العربي السابع، الذي انعقد في مدينة الرباط ما بين 26 و 29 تشرين الأول/أكتوبر 1974، قد اعترف بمنظمة التحرير بصفتها "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني".

عقب اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في منتصف نيسان/أبريل 1975، وانتهاج مصر، برئاسة أنور السادات، طريق الحلول المنفردة الذي تكلل، في أيلول/سبتمبر 1978، بتوصلها إلى اتفاقَي كامب ديفيد ثم إلى معاهدة سلام مع إسرائيل، راحت فصائل منظمة التحرير، وفي مقدمها حركة "فتح"، تتخوف على مستقبل وجودها في لبنان، وتنخرط شيئاً فشيئاً في الحرب الأهلية إلى جانب القوى "الإسلامية" واليسارية اللبنانية. وفضلاً عن ذلك، واصلت حركة "فتح" شن عملياتها العسكرية داخل إسرائيل وفي المناطق المحتلة سنة 1967، وكان من أشهرها عمليتان في تل أبيب هما عملية "فندق سافوي" سنة 1975 وعملية الشاطئ أو "دلال المغربي" سنة 1978. وبعد أن اجتاح الجيش الإسرائيلي في 15 آذار/مارس 1978 جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وأقام "شريطاً أمنياً عازلاً"، وأنشئت "قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة " في جنوب لبنان، راح يطرأ تحوّل على بنية قوات حركة "فتح" نقلها من منظمة فدائيين، يخوضون حرب عصابات، إلى منظمة تمتلك "جيشاً" شبيهاً بالجيوش النظامية، يتوزع أفراده المتفرغون على وحدات تخضع لنظام الرتب، ويخوض حرب مواقع بالاعتماد على أسلحته الثقيلة، وخصوصاً سلاح المدفعية والصواريخ.

وكانت الحكومة الإسرائيلية، بزعامة مناحم بيغن، قد بدأت الإعداد لعملية غزو واسعة للبنان، شرعت فيها في 4 حزيران/يونيو 1982، وأسفرت، عقب صمود استمر ما يقرب من ثلاثة أشهر، عن التوصل إلى اتفاق قضى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية، بأسلحتها الخفيفة من لبنان تحت إشراف قوة متعددة الجنسية. وبرحيلها عن لبنان وتشتت قواتها في عدد من البلدان العربية، فقدت حركة "فتح"، القاعدة "الآمنة" التي وفّرت لها حرية التحرك السياسي، كما فقدت قيادتها، التي انتقلت إلى تونس، قدرتها على التحكم بالخلافات السياسية والتنظيمية التي كانت تنشأ داخل الحركة، والتي تفاقمت بعد أشهر قليلة من خروجها من بيروت وانتقالها إلى تونس، وأدّت، في مطلع الأسبوع الثاني من أيار/مايو 1983، إلى وقوع انشقاق داخل حركة "فتح"، قاده بعض الضباط والقادة المحسوبين على التيار"اليساري" والمؤيدين لسورية، وفي مقدمهم نمر صالح (أبو صالح) وسميح أبو كويك (قدري) وسعيد مراغة (أبو موسى) وموسى العملة (أبو خالد العملة)، الذين شكّلوا منظمة جديدة باسم "فتح الانتفاضة". واتخذ هذا الانشقاق منحى خطيراً إثر اندلاع اشتباكات مسلحة بين "المنشقين" و "الموالين" داخل الحركة في منطقتي البقاع وطرابلس اللبنانيتين، تسببت في انقسام منظمة التحرير نفسها إلى ثلاثة تيارات متمايزة فيما بينها، وذلك حتى اندلاع الانتفاضة في المناطق الفلسطينية المحتلة في 9 كانون الأول/ديسمبر 1987.

وقد لعبت قيادة حركة "فتح"، من خلال الرجل الثاني فيها خليل الوزير (أبو جهاد)، دوراً رئيسياً في فاعليات الانتفاضة وفي قيادتها، وهو ما دفع الحكومة الأسرائيلية إلى اتخاذ قرار باغتياله في تونس في 16 نيسان/أبريل 1988، لينضم إلى عدد بارز من قيادييي الحركة الذين اغتيلوا قبله على أيدي أجهزة الأمن الإسرائيلية أو أعضاء "فتح-المجلس الثوري"، وفي مقدمهم كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وماجد أبو شرار وسعد صايل، أو بعده، وعلى رأسهم، صلاح خلف (أبو إياد) وهايل عبد الحميد (أبو الهول). كما ساهمت قيادة حركة "فتح"، مساهة بارزة، في دفع الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، التي عُقدت ما بين 12 و 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، إلى تبنّي "مبادرة سلام" استندت إلى إعلان "وثيقة استقلال" دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والموافقة على قرارَي مجلس الأمن رقم 242 و 338. بيد أن الانتفاضة خلقت، من جهة أخرى، تحدياً كبيراً أمام حركة "فتح" تمثّل في بروز "الإسلاميين" كمنافسين رئيسيين لها، يتبنون برنامجاً سياسياً متعارضاً كلياّ مع برنامجها، ويرفضون الاعتراف بوحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني. وعندما بدأت الانتفاضة تفقد ديناميتها، وتوقف الحوار الأمريكي الفلسطيني، راهنت قيادة حركة "فتح" على "المبادرة" السياسية التي طرحها الرئيس العراقي صدام حسين، في 12 آب/أغسطس 1990، بعد قيام جيشه بغزو الكويت، على قاعدة "الربط" بين كل النزاعات في الشرق الأوسط. غير أن نتائج حرب الخليج، التي انتهت بهزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت، وضعت حداً لذلك الرهان وتسببت في فرض حصار سياسي ومالي خانق على حركة "فتح" وعلى قيادة منظمة التحرير دفعهما، عشية تفكك الاتحاد السوفياتي، إلى قبول الشروط الأميركية للمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام، في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1991، من خلال ممثلين عن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء القدس الشرقية، ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك، وهو التوجه الذي جوبه بمعارضة شديدة من جانب عدد من فصائل منظمة التحرير ومن القوى الإسلامية.

وبعد توصله إلى قناعة أن المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية التي صارت تدور في واشنطن لن تتوصل إلى نتيجة، شجّع ياسر عرفات الاتصالات السرية التي انطلقت في أوسلو مع حكومة حزب العمل الجديدة برئاسة إسحق رابين، بإشراف عضو اللجنة المركزية للحركة محمود عباس (أبو مازن)، وإدارة عضو اللجنة المركزية الآخر أحمد قريع (أبو العلاء)، وهي الاتصالات التي تكللت، في 13 أيلول/سبتمبر 1993، بالتوقيع في واشنطن على اتفاق "إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي" الذي صار يُعرف باسم "اتفاق اوسلو". وبناءّ على هذا الاتفاق، دخل عدد كبير من مقاتلي حركة "فتح" ومن كوادرها إلى قطاع غزة ومنطقة أريحا، ووصل ياسر عرفات، في 1 تموز/يوليو 1994، إلى مدينة غزة، ومعه عدد من قادة حركة "فتح" بينما رفض عدد آخر منهم الدخول إلى المناطق الفلسطينية المحتلة وفي مقدمهم فاروق القدومي (أبو اللطف). وشرع ياسر عرفات، بعد دخوله، في تشكيل أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية، العسكرية والمدنية، اعتماداً، في المقام الأول، على كوادر الحركة العائدين وعلى كوادرها في الداخل، الأمر الذي جعل الحركة تتحوّل إلى ما يشبه "الحزب الحاكم" أو "حزب السلطة" المهيمن على الحكومة والإدارات وعلى أجهزة الأمن وعلى الهيئات المتخصصة، كهيئة الإذاعة والتفزيون. وفي الوقت نفسه، واصل ياسر عرفات التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية لتوسيع نطاق ولاية هذه السلطة والشروع في الانتقال إلى مرحلة التفاوض على قضايا الوضع النهائي. وفي 20 كانون الثاني/يناير 1996، وبعد التوصل إلى ما عُرف باسم "اتفاق أوسلو 2" في 28 أيلول/سبتمبر 1995 الذي قضى بتوسيع ولاية السلطة الوطنية الفلسطينية وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في المدن الفلسطينية، جرت انتخابات رئاسة السلطة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ففاز فيها ياسر عرفات بنسبة 1، 87 في المئة على منافسته المستقلة السيدة سميحة خليل. كما جرت، في اليوم ذاته، انتخابات المجلس التشريعي، التي فاز فيها مرشحو "حركة فتح" بنسبة كبيرة، في ظل مقاطعة الجبهتين الشعبية والديمقراطية وفصائل أخرى داخل منظمة التحرير، فضلاً عن القوى الإسلامية لها. بيد أن استمرار إسرائيل في فرض حقائق جديدة على الأرض من خلال الاستيطان والتهويد، وانتهاء المرحلة الانتقالية التي حددها "اتفاق أوسلو" في سنة 1999 دون قيام الدولة الفلسطينية، أدّيا إلى اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة في 28 أيلول/سبتمبر 2000، وخصوصاً بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد التي انطلقت في 11 تموز/ يوليو 2000 بين ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ايهود باراك. وبرز في إطار هذه الانتفاضة الثانية، التي عُرفت باسم "انتفاضة الأقصى" ونحت سريعاً نحو عسكرة فاعلياتها، جيل من كوادر حركة "فتح" الذين تربوا في الثمانينيات في تنظيم الشبيبة الذي أنشأته الحركة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعرفوا تجربة سجون الاحتلال، وكان من أبرز رموزه مروان البرغوثي الذي اعتقلته إسرائيل وأصدرت بحقه في حزيران/يونيو 2004، بعد اتهامه بالوقوف وراء "كتائب شهداء الأقصى" العسكرية حكماً بالسجن أكثر من خمسة مؤبدات، فضلاً عن محمد دحلان، مسؤول جهاز "الأمن الوقائي" في قطاع غزة وجبريل الرجوب، مسؤول جهاز "الأمن الوقائي" في الضفة الغربية.

في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، توفي في ظروف غامضة ياسر عرفات، بعد حصار مقر إقامته في مدينة رام الله لأكثر من عامين من قبل وحدات الجيش الإسرائيلي التي اجتاحت مدن الضفة الغربية في 27 آذار/مارس 2002. وخلفه في رئاسة الحركة والمنظمة محمود عباس (أبو مازن)، الذي فاز في انتخابات رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية التي جرت في 9 كانون الثاني/يناير 2005، وحصل فيها على نحو 63 في المئة من الأصوات في مواجهة منافسه مصطفى البرغوثي. وفي برنامجه الانتخابي، أكد الرئيس الجديد الحاجة إلى إصلاح النظام السياسي على أساس تفعيل دور المؤسسات، وإطلاق العملية الديمقراطية، ودعا إلى وقف عسكرة الانتفاضة وإعادة إحياء المفاوضات مع إسرائيل. كما دعا إلى إجراء انتخابات جديدة للمجلس التشريعي، جرت في 25 كانون الثاني/يناير 2006، وفازت فيها "قائمة التغيير والإصلاح" المحسوبة على حركة "حماس" بنسبة 57.6% من مقاعد المجلس، في حين لم تفز حركة "فتح" سوى بنسبة 32.6% من مقاعده، الأمر الذي خلق ازدواجية سلطة، نجم عنها صراع بين الحركتين، تخللته جولات من المعارك العسكرية التي انتهت في 15 حزيران/يونيو 2007 بسيطرة حركة "حماس" الكاملة على قطاع غزة.

وكان قد بدأ يبرز، عقب سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، خلاف بين الرئيس محمود عباس وبين محمد دحلان، الذي اتهمته لجنة تحقيق، بصورة غير مباشرة، بالمسؤولية عن الهزيمة التي لحقت بحركة "فتح" في قطاع غزة، ثم تصاعد هذا الخلاف بعد تقديم لوائح اتهام بالفساد ضد محمد دحلان، الذي صدر بحقه في 13 حزيران/يونيو 2011 قرار بفصله من الحركة، ثم صدر قرار آخر في سنة 2012 برفع الحصانة النيابية عنه بصفته نائباً في المجلس التشريعي، وهو ما دفع هذا الأخير إلى تشكيل تيار "إصلاحي" باسم "فتح" مثّل أخطر انشقاق تشهده الحركة بعد الانشقاق الذي وقع فيها سنة 1983.

 

مؤتمرات حركة "فتح"

عقدت حركة "فتح" مؤتمرها العام الأول في دمشق في صيف سنة 1964. وفي مؤتمرها العام الثاني الذي عُقد في تموز/يوليو 1968، في بلدة الزبداني السورية، ثبّتت الحركة هيكلها التنظمي القائم على وجود هيئتين قياديتين هما "اللجنة المركزية"، التي ضمت عشرة أعضاء يمثلون القيادة العليا للحركة، و"المجلس الثوري" الموسع الذي يعتبر هيئة وسيطة بين اللجنة المركزية والمؤتمر العام للحركة.

وفي أيلول/سبتمبر 1971، انعقد في سورية المؤتمر العام الثالث، الذي شهد نقاشات حامية حول تقويم تجربة الحركة في الأردن وما أسفرت عنه من نتائج، دارت بين ممثلي القيادة التاريخية وبين ممثلي تيار "يساري" صار يلعب، منذ ذلك التاريخ، دوراً ظاهراً في إطار الحركة.

وفي أيار/مايو 1980، التأم في مدينة دمشق المؤتمر العام الرابع الذي عزز مواقع التيار "اليساري" في صفوف الحركة، وهو ما تجلّى في ضم ممثلين اثنين عن هذا التيار، هما سميح أبو كويك (قدري) وماجد أبو شرار، إلى عضوية اللجنة المركزية، وانضمام ممثلين آخرين لهذا التيار إلى المجلس الثوري للحركة، هما سعيد مراغة (أبو موسى) وموسى العملة (أبو خالد العملة).

والتأم المؤتمر العام الخامس للحركة في مدينة تونس في آب/أغسطس 1989، وزكّى "مبادرة السلام" الفلسطينية التي تبناها المجلس الوطني الفلسطيني في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 1988.

وفي آب/أغسطس 2009، انعقد المؤتمر العام السادس في مدينة بيت لحم، ليكون المؤتمر الأول الذي تعقده الحركة في فلسطين، وانتخب لجنة مركزية جديدة مؤلفة من 18 عضواً لم تضم سوى اثنين من قياداتها التاريخية، إلى جانب رئيس الحركة محمود عباس، هما سليم الزعنون ومحمد غنيم، بينما انضم إليها عدد كبير من "الحرس الجديد"، كان من ضمنهم مروان البرغوثي وجبريل الرجوب ومحمد دحلان ومحمود العالول.

وفي أواخر تشرين الثاني/نومبر 2016، انعقد في مدينة رام الله المؤتمر العام السابع، فانتخب، في جلسته الأولى، محمود عباس "قائداً عاماً" للحركة بالإجماع، كما انتخب لجنة مركزية من 18 عضوا لم تضم أحداً من القيادات التاريخية ومجلساً ثورياً من 80 عضواً، وانتخب محمود العالول نائباً لمحمود عباس.  

م. ش.

 

المراجع

أبو بكر، بكر (ب.ب)، "حركة فتح"؛ في: موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية، تحرير محمد اشتية، القدس، المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية، ط 5، 2013، ص 249-253.

أبو فخر، صقر، "حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح): قافلة التيه الفلسطيني الطويل"، السفير، بيروت، العدد 9941، 5 تشرين الثاني 2005، ص 11.

بدوان، علي؛ السهلي، نبيل، حركة فتح من العاصفة إلى كتائب الأقصى، دمشق، الأوائل للنشر والتوزيع، 2005.

الشريف، ماهر، البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908-1993، نيقوسيا، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1995.

 صايغ، يزيد، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية، 1949-1993، ترجمة باسم سرحان، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.

كيالي، ماجد، "فتح وتجربة التيار الديمقراطي اليساري فيها"، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 92، خريف 2012، ص 41-51 .

كيالي، ماجد، فتح 50 عاماً، قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية، بيروت-البيرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، والمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات"، 2016.

الناطور، محمود (اللواء أبو الطيب)، حركة فتح بين المقاومة والاغتيالات، المجلد الأول 1965-1982، المجلد الثاني 1983-2004، عمان، الأهلية للنشر والتوزيع، 2014.

الوزير، خليل، "حركة فتح-البدايات"، مجلة الدراسات الفلسطينية، ، العدد 104، خريف 2015، ص 51-130.