تسعون عاماً على هبة البراق

>> تسعون عاماً على هبة البراق

تسعون عاماً على  هبة البراق

 

ماهر الشريف

 

 

 

شهدت فلسطين، في عشرينيات القرن العشرين، عدداً من الانفجارات الثورية، التي كانت تعكس قلق العرب الفلسطينيين المتزايد من مشروع "الوطن القومي اليهودي"، المدعوم من قبل سلطات الانتداب البريطاني، وتتخذ، في الأساس، شكل صدامات دامية بين المواطنين العرب من جهة والمستوطنين اليهود من جهة ثانية.

ففي الرابع والخامس من نيسان/أبريل 1920، وقعت اشتباكات واسعة بين العرب واليهود في مدينة القدس، أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وجرح أكثر من مئتي شخص من الجانبين. وفي الأول من أيار/مايو 1921، اندلعت في مدينة يافا صدامات دامية بين العرب واليهود، تواصلت لعدة أيام، وشهدت قيام الفلاحين والبدو العرب بمهاجمة عدد من المستعمرات اليهودية، وأسفرت عن وقوع 95 قتيلاً و 219 جريحاً من الطرفين. غير أن ما ميّز هبة البراق، التي اندلعت في الأسبوع الأخير من آب/أغسطس 1929، عما سبقها من انفجارات ثورية، هو في كونها قد مثلت أول اضطرابات عامة، شملت معظم المدن الرئيسية في فلسطين، وامتدت إلى العديد من القرى العربية والمستعمرات اليهودية، واضطرت السلطات البريطانية، من أجل إخمادها، إلى استخدام طائراتها وسياراتها المصفحة، وإلى الاستعانة بالوحدات العسكرية المتمركزة في القواعد البريطانية خارج فلسطين. 

 

تطور النزاع على البراق

البراق هو موقع في الحائط الغربي للحرم الشريف في مدينة القدس، يعتقد المسلمون أن النبي محمداً ربط عنده البراق الذي امتطاه عندما عرج إلى السماء في ليلة الإسراء، وهو ما أعطى لهذا الموقع، وللحائط الغربي للحرم الشريف، مكانة دينية خاصة في نظر المسلمين. غير أن هذا الحائط نفسه، احتل مكانة دينية خاصة في نظر اليهود كذلك، نتيجة اعتقادهم بأنه من بقايا  "الهيكل اليهودي"، وأطلقوا عليه بالتالي اسم "حائط المبكى". ومنذ القرون الوسطى، كان هناك اتفاق غير مكتوب بين إدارة الوقف الإسلامي، باعتبارها الهيئة المسؤولة عن الحرم الشريف وكل ما يحيط به، وبين اليهود المتدينين، يسمح لهؤلاء الأخيرين بزيارة حائط البراق وإقامة صلواتهم على الرصيف المحاذي له، شرط أن لا يفكروا بإقامة أي بناء بالقرب من الحائط، وأن لا يضعوا أية مقاعد أو مناضد أو ستائر على رصيفه.

وبعد قيام بريطانيا باحتلال فلسطين، تحوّل حائط البراق إلى موضع نزاع حاد بين المسلمين واليهود، وذلك نتيجة بروز توجه، لدى اليهود، لتجاوز الاتفاق غير المكتوب، بخصوص هذا الحائط بينهم وبين المسلمين. ففي إطار توجههم لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، على قاعدة تصريح بلفور، شرع اليهود، منذ مطلع العشرينيات، في مساعيهم الرامية إلى انتزاع حقوق لهم في ملكية الحائط، وتقدموا، إلى سلطات الانتداب البريطاني، بعرائض رسمية بهذا الشأن. كما صاروا ينشرون، في صحفهم ومجلاتهم، العديد من المقالات التي تدعو إلى إعادة بناء "الهيكل اليهودي" في موقعه التاريخي. وبهدف تكريس حقهم في التصرف، أخذ اليهود، بحلول أواسط العشرينيات، ينصبون المقاعد والمناضد على الرصيف المحاذي للحائط، ثم صاروا يقيمون عليه الستائر التي تفصل بين النساء والرجال. وقد احتج المسلمون بشدة على هذه التجاوزات، ووقعت بينهم وبين اليهود، قبل اندلاع هبة البراق، مواجهات عديدة بخصوص الحائط، كان من أهمها المواجهة التي وقعت في الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 1928، في ذكرى "عيد الغفران" لدى اليهود. ففي ذلك اليوم، قام المصلون اليهود بنصب ستار، للفصل بين النساء والرجال، على الرصيف المحاذي للحائط، فاحتجت إدارة الوقف الإسلامي على هذا التصرف، ما اضطر السلطات البريطانية إلى التدخل، إذ أصدرت أمراً بإزالة الستار، ثم أوفدت، بعد أن رفض اليهود الامتثال للأمر وحدة من الشرطة لإزالته بالقوة، وقد رد اليهود، على هذه الخطوة، بتنظيم حملة احتجاج واسعة، داخل فلسطين وخارجها، وتوجهوا باحتجاجاتهم إلى الدول الكبرى وإلى عصبة الأمم، ما زاد من مخاوف المسلمين على حقوقهم، ودفعهم إلى التحرك المضاد لمواجهة تلك الحملة اليهودية الواسعة، فسارعت لجنة الدفاع عن البراق إلى الدعوة لعقد مؤتمر إسلامي عام، بغية  اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية حقوق المسلمين في مقدساتهم. وقد انعقد هذا المؤتمر بالفعل في مدينة القدس، في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 1928، وحضره أكثر من خمسمائة مندوب، قدموا من أنحاء فلسطين المختلفة ومن سوريا ولبنان وشرق الأردن. وقد احتج المؤتمر بشدة على انتهاكات اليهود لحقوق المسلمين، ودعا سلطات الانتداب إلى منع اليهود منعاً باتاً من تغيير الوضع القائم بالنسبة لحائط البراق، ومن القيام بأي محاولة ترمي إلى تكريس حقوق لهم في الملكية أو التصرف بشأنه، وقرر تشكيل جمعية لـ "حراسة الأماكن الإسلامية المقدسة" في فلسطين، وإنشاء فروع لها في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، كما توجه بنداء إلى المواطنين العرب في فلسطين يحثهم فيه على عدم بيع أراضيهم لليهود. وبفضل هذا الموقف الحازم الذي عبر عنه مسلمو فلسطين، وإخوانهم في الأقطار العربية المجاورة، أصدرت الحكومة البريطانية، بعد أيام من انعقاد مؤتمر القدس، بياناً ثبّتت فيه عملياً ملكية المسلمين للحائط، مع الحفاظ على حق اليهود في زيارته وإقامة صلواتهم بقربه، ودعت فيه ممثلي الجانبين إلى التوصل إلى اتفاق مكتوب فيما بينهم، تتحدد فيه حقوقهم وواجباتهم المتبادلة. وبطبيعة الحال، لم يحظَ بيان الحكومة البريطانية هذا برضى اليهود، الذين واصلوا حملاتهم الاحتجاجية، واستمرت صحفهم، في فلسطين وخارجها، في نشر المقالات والبيانات التحريضية، التي تدعو إلى تعبئة اليهود، في العالم أجمع، للدفاع عن حائط المبكى، وتثبيت حق اليهود في ملكيته.

 

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين عشية اندلاع الهبة

رغم أن العامل الديني كان هو العامل الأبرز في اندلاع هبة البراق، فإن الأوضاع الاقتصادية والسياسية، التي كانت تسود فلسطين في صيف سنة 1929، كانت كلها مساعدة على تفجر صراع كبير بين الحركة الوطنية العربية من جهة والحركة الصهيونية المدعومة من جانب الاستعمار البريطاني من جهة ثانية.

ففي مطلع سنة 1929، كان مشروع الوطن القومي اليهودي قد أخذ يستعيد الحيوية التي فقدها خلال الفترة الواقعة ما بين سنتَي 1925 و1928، نتيجة الأزمة التي عانت منها الحركة الصهيونية ومؤسساتها، وانعكست في تراجع حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وعمليات استملاك الأراضي العربية من قبل اليهود. وعليه، فقد شهدت سنة 1929 انتعاشاً جديداً في حركة الهجرة اليهودية، بحيث بلغت نسبة المهاجرين اليهود إلى فلسطين، في ذلك العام، ضعف نسبتها في سنتي 1927 و1928. كما توسعت من جديد عمليات شراء الأراضي من قبل المؤسسات الصهيونية، التي صارت تستحوذ على ملكية حوالي المليون دونم من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد. وفي شهر نيسان/أبريل 1929 وحده، عقد الصندوق القومي اليهودي صفقة مع عائلة التيّان، استملك على أثرها أكثر من ثلاثين ألف دونم من الأراضي التي كانت تمتلكها هذه العائلة على الساحل الفلسطيني. وقد أدى هذا التوسع في عمليات شراء الأراضي العربية إلى زيادة عدد الفلاحين المعدمين، الذين لا أرض لهم، وإلى تسريع حركة النزوح من الريف إلى المدينة. وفي الوقت نفسه، صعّدت القيادة الصهيونية، في تلك الفترة من سياستها الرامية، تحت شعار "العمل العبري"، إلى طرد العمال العرب من المستوطنات الزراعية ومن المنشآت الصناعية اليهودية، ما ساهم في تفاقم مشكلة البطالة بين صفوف العمال العرب. وتسبب عجز المؤسسات الصناعية العربية الفتية عن منافسة المؤسسات الرأسمالية اليهودية، المدعومة من قبل سلطات الانتداب، في تراجع المؤسسات العربية وإفلاس عدد منها، وخصوصاً  في القدس ويافا وحيفا.

أما على الصعيد السياسي، فقد كانت أجواء الإحباط تخيم على الحركة الوطنية العربية الفلسطينية وقياداتها، نتيجة إصرار سلطات الانتداب البريطاني على الاستمرار في سياستها الداعمة مشروع الوطن القومي اليهودي، والمتنكرة لحقوق العرب ومطالبهم، وهو الأمر الذي دفع الصحف العربية، منذ مطلع سنة 1929، إلى الحديث صراحة عن احتمال اندفاع الشعب العربي الفلسطيني على طريق الثورة، ما لم تستجب الحكومة البريطانية لأمانيه ورغباته الوطنية، وتسارع إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من عمليات انتقال الأراضي إلى اليهود. وقد توترت الأجواء السياسية في فلسطين بشكل كبير، إثر الإعلان رسمياً عن قيام الوكالة اليهودية في الرابع عشر من آب/أغسطس 1929، على هامش المؤتمر الصهيوني السادس عشر الذي انعقد في زيوريخ، ودعا الحكومة البريطانية إلى فتح أبواب فلسطين على مصراعيها أمام المهاجرين اليهود ورفع كل القيود التي تحد من هذه الهجرة. وكان القصد من إقامة هذه الوكالة اليهودية استنفار يهود العالم أجمع، وتجميع طاقاتهم وإمكاناتهم ووضعها في خدمة مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين. 

 

المواجهة الدامية في الأسبوع الأخير من آب/أغسطس 1929

كانت سياسة "فرق تسد"، التي انتهجتها الحكومة البريطانية، منذ احتلالها فلسطين، تساعد على تأجيج الاحتراب الديني والعنصري بين العرب واليهود، وهو الأمر الذي كان يوفر لسلطات الانتداب، في بعض الأحيان، الذرائع المناسبة لتشديد قبضتها القمعية على السكان العرب وتعزيز حضورها العسكري في فلسطين، والتي كانت تشكل موقعاً استراتيجياً مهماً للدفاع عن قناة السويس وحماية الطريق القادم من الهند. أما الحركة الصهيونية، فقد كانت، وبسبب طبيعتها العنصرية واعتمادها الدين اليهودي منطلقاً رئيسياً من منطلقاتها الأيديولوجية، تخلق أرضية موضوعية ملائمة لتأجيج هذا الاحتراب. ولا يستبعد أن تكون بعض قياداتها قد رأت في وقوع صدامات بين المسلمين واليهود، حول حائط البراق، فرصة لإثارة اهتمام قطاعات واسعة من الجماهير اليهودية في أنحاء العالم المختلفة وتحفيزها على زيادة دعمها للحركة الصهيونية ومشروعها في فلسطين. ولا يخفى أن الزعامة التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية كانت ترفض، حتى ذلك الحين، الإقرار بوجود ترابط عضوي بين الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، وتصر على إبقاء نضال الشعب العربي الفلسطيني موجهاً ضد الحركة الصهيونية فحسب، وليس موجهاً، في الوقت نفسه، ضد هذه الحركة والاستعمار البريطاني معاً. ورغم أن هبة البراق اندلعت بشكل عفوي، ولم يكن للزعامة التقليدية العربية دور مباشر في اندلاعها باعتراف لجنة التحقيق البريطانية نفسها، بل إن هذه الزعامة لعبت، في أحيان كثيرة، دور المهدئ للجماهير الثائرة ودعت، في بياناتها، إلى وقف الفتنة وحقن الدماء، فإنه ليس من المستبعد أن تكون أوساط فاعلة، في إطار هذه الزعامة، قد شجعت على اندلاع صدامات واسعة بين العرب واليهود، لتستغلها ورقة ضغط على سلطات الانتداب البريطاني.

ومهما يكن، ولكل العوامل المذكورة أعلاه، فقد كانت مشاعر العداء المتبادل، بين العرب واليهود، قد وصلت إلى ذروتها في ذلك الشهر من صيف سنة 1929، بحيث كان يكفي أن تلقى شرارة، هنا أو هناك، لتشعل حريقاً شاملاً يعم البلاد بأسرها. وقد ألقيت هذه الشرارة بالفعل، في مدينة القدس، في الخامس عشر من آب.

وكانت مدينة تل أبيب قد شهدت، قبل يوم واحد من إلقاء هذه الشرارة وعشية الاحتفالات اليهودية بذكرى "تدمير الهيكل"، تظاهرة كبيرة رفع المشاركون اليهود فيها شعار: "الحائط حائطنا". وفي اليوم التالي، أي في الخامس عشر من آب، توجه عدد من اليهود المتطرفين، من أنصار التيار "التحريفي" بزعامة جابوتنسكي، من تل أبيب إلى القدس، وانضموا إلى عدد كبير من يهود المدينة في تظاهرة حاشدة، اخترقت الشوارع وتوجهت إلى حائط البراق، وعلت خلالها صيحات: "الحائط حائطنا"، "العار للذين يدنسون أماكننا المقدسة"! وعند وصولهم إلى الحائط، رفع المتظاهرون العلم الصهيوني وأنشدوا النشيد القومي الصهيوني، مطلقين شعارات مناوئة للعرب والمسلمين. ورداً على هذه التظاهرة اليهودية، جرت في مدينة القدس في السادس عشر من آب -وكان يوم جمعة وصادف ذكرى المولد النبوي الشريف - تظاهرة عربية، إذ توجه حوالي ألفي شخص، بعد صلاة الظهر، من الحرم الشريف إلى حائط البراق، واستمعوا إلى خطبة تحريضية من أحد شيوخ المسجد الأقصى، قاموا على أثرها بتحطيم منضدة لليهود كانت منصوبة على الرصيف المحاذي للحائط، وبإحراق "الاسترحامات" التي يضعها المصلون اليهود عادة في ثقوب "حائط المبكى". ومنذ السابع عشر من آب، الذي شهد نشوب قتال بين شاب عربي وآخر يهودي في مدينة القدس تطور إلى مواجهة واسعة أصيب خلالها 11 شخصاً من العرب واليهود بجروح مختلفة، صارت الاحتكاكات بين الجانبين تتوالى وتزداد حدة وعنفاً، ما دفع السلطات البريطانية إلى القاء القبض على عدد من الشبان العرب واليهود، وإلى استقدام بعض وحداتها المصفحة من شرقي الأردن. وبرعاية من السلطات ذاتها، عقد في الثاني والعشرين من آب، اجتماع بين وفدين يمثلان القيادات العربية واليهودية في فلسطين، بهدف العمل على تهدئة الخواطر والحؤول دون اتخاذ الأحداث منحى أكثر خطورة. غير أن ذلك الاجتماع لم يحل، في الواقع، دون وقوع الانفجار الكبير في اليوم التالي مباشرة. ففي الثالث والعشرين من آب، وصادف يوم جمعة، توافدت أعداد كبيرة من الفلاحين إلى مدينة القدس، بعد أن سرت شائعات عن مقتل عربيين وعن استعداد اليهود لمهاجمة المسجد الأقصى، وخرج المصلون، بعد صلاة الظهر، إلى الشوارع في تظاهرة حاشدة، وقامت مجموعات منهم بمهاجمة الأحياء اليهودية في المدينة، فتصدت لها وحدات الشرطة البريطانية، فاتحة نيران بنادقها عليها. وبينما كانت الجموع تتفرق، انتشر خبر قيام البريطانيين بتوزيع الأسلحة على عدد من اليهود، الذين كانوا في عداد الفرقة اليهودية التابعة للجيش البريطاني، ليساهموا في الدفاع عن الأحياء اليهودية، فأدى انتشار هذا الخبر إلى زيادة حدة الهياج والغضب بين العرب الذين اندفعوا إلى مهاجمة المستعمرات اليهودية الواقعة قرب مدينة القدس.

وفي الرابع والعشرين من آب، وبعد انتشار أنباء الصدامات الدامية التي وقعت في القدس، اندلعت تظاهرات حاشدة، وعمت الاضطرابات معظم المدن الفلسطينية، ووقعت أعنف هذه الاضطرابات في مدينة الخليل، حيث قام المتظاهرون العرب بمهاجمة الحي اليهودي في المدينة ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى بين سكانه، كما قام المتظاهرون العرب في مدينة نابلس بمهاجمة أحد مراكز الشرطة لانتزاع الأسلحة منه، وشنوا هجمات عنيفة على عدة مستعمرات يهودية بالقرب من مدينة يافا، كما هاجموا اليهود في مدينة بيسان.

ورغم أن يوم الخامس والعشرين من آب قد مرّ من دون وقوع حوادث خطيرة، فإن المواجهات بين الجانبين ما لبثت أن استؤنفت في اليوم التالي، إذ شن اليهود هجومين على أحد المقامات الإسلامية في القدس وعلى الحي الواقع بين مدينتي يافا وتل أبيب، قتلوا خلاله إمام أحد المساجد وستة من أفراد عائلته، فرد العرب بتنظيم هجمات جديدة على المستعمرات اليهودية الواقعة بالقرب من يافا، كما قاموا بشن هجوم واسع على الضاحية اليهودية في مدينة حيفا. وكان آخر فصل، من فصول ذلك الأسبوع الدامي من آب، قيام المواطنين العرب، في التاسع والعشرين من الشهر، بمهاجمة الحي اليهودي في مدينة صفد، ما أدى إلى سقوط 45 يهودياً بين قتيل وجريح، وعدد غير محدد من العرب. وبلغت الحصيلة الإجمالية لهذه الصدامات العنيفة سقوط 133 قتيلاً و339 جريحاً من اليهود، و116 قتيلاً و232 جريحاً من العرب. وسقط العدد الأكبر من القتلى والجرحى العرب نتيجة المواجهات التي دارت بينهم وبين وحدات الجيش والشرطة البريطانيين.

 

بريطانيا تلجأ إلى سياسة العصا والجزرة

 

 

حمّلت سلطات الانتداب البريطاني المواطنين العرب في فلسطين المسؤولية الرئيسية عن اندلاع صدامات آب الدامية، وقامت  بتنظيم حملة اعتقالات واسعة بين صفوف العرب، جرى خلالها اعتقال عدد من الزعماء الوطنيين الثوريين المناهضين للاستعمار البريطاني ومن أبرزهم حمدي الحسيني، كما لجأت إلى إجراءات العقاب الجماعي، بما في ذلك فرض الغرامات المالية الكبيرة على سكان المدن والقرى التي وقعت فيها هجمات على اليهود. وقدمت سلطات الانتداب إلى المحاكمة ما يقرب من 900 عربي، أصدرت على العدد الأكبر منهم أحكاماً مختلفة، كان من بينها أحكام بإعدام 25 شخصاً. أما اليهود فقد صدرت أحكام على 92 شخصاً منهم، من بينها حكم واحد بالإعدام، جرى تخفيضه فيما بعد إلى عقوبة السجن لمدة عشر سنوات. وأمام الضغط الشديد الذي مارسه الرأي العام العربي في فلسطين، اضطر المندوب السامي البريطاني إلى استبدال معظم أحكام الإعدام على العرب بعقوبة السجن، لفترات متفاوتة، مع الأشغال الشاقة، إلا إنه بقي مصراً على تنفيذ الحكم بثلاثة من العرب، هم فؤاد حجازي من صفد، ومحمد جمجوم وعطا الزير من الخليل. وقد نُفذ حكم الإعدام بالفعل بهؤلاء الأبطال الثلاثة في سجن عكا، يوم الثلاثاء في السابع عشر من حزيران/يونيو 1930، فكان ذلك اليوم يوماً حزيناً وخالداً في تاريخ فلسطين، أضرب فيه السكان العرب بأسرهم، وتظاهروا في الشوارع وهم يلبسون الشارات السوداء حداداً على شهدائهم الثلاثة، الذين استقبلوا الموت بشجاعة فائقة وإيمان كبير بعدالة قضيتهم، حتى أنهم صاروا يتسابقون على الاستشهاد. فقد قررت إدارة السجن أن تنفذ حكم الإعدام بالأبطال الثلاثة في ثلاث ساعات متوالية، على أن يكون فؤاد حجازي أولهم، ويكون عطا الزير ثانيهم، ويكون محمد جمجوم ثالثهم. وعندما دنت الساعة الثانية، بعد تنفيذ حكم الإعدام بالبطل الأول، اندفع محمد جمجوم محطماً قيده، وزاحم رفيقه على الدور، واستشهد قبله. وقد خلد شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان ذكرى هؤلاء الأبطال الثلاثة في قصيدته المعروفة "الثلاثاء الحمراء"، التي كتبها في 27 حزيران 1930، وعرض فيها وقائع "الساعات الثلاث" على النحو التالي:

الــســـاعـــة الأولـــــــــى

أنا ساعة النفس الأبيـة           الفضـل لـي بالأسبقيـه

أنا بِكرُ ساعـات ثـلاث           كلهـا رمـز الحميـه

بنت القضية إنّ لـي              أثـراً جليـلاً فـي القضيـه

أثـرُ السيـوف المشرفيـة         والرمـاح الزاغبيـه

أودعتُ في مهج الشبيبة         نفحـة الـروح الوفيّـه

لا بد من يوم لهم                  يسقـي العـدى كـأس المنيـّه

قسماً بروح (فؤاد) تصعد       مـن جوانحـه زكيّـه

تأتـي السماء حفيّـة               فتحـلّ جنّتهـا العلـيـّه

ما نال مرتبة الخلـود            بغيـر تضحيـة رضيـّه

عاشت نفوس في سبيل         بلادهـا ذهبـت ضحيـّه 

الـــســـاعـــة الــثــانــيـــة

أنا ساعة الرجل العتيد         أنا ساعة البـأس الشديـد

أنا ساعة الموت المشرّف     كل ذي فعـل مجيـد

بطلـي يحطـم قيـده          رمـزاً لتحطيـم القيـود

زاحمتُ مَن قَبلي              لأسبقها إلـى شـرف الخلـود

وقَدَحت في مهج الشباب      شرارة العـزم الوطيـد

هيهـات يُخـدع بالوعـود،      وأن يُخـدّر بالعهـود

قسماً بروح (محمد):           تلقى الردى حُلـو الـورود

قسماً بأمك عند موتـك         وهـي تهتـف بالنشيـد

وترى العزاء عن ابنها         في صيته الحسن البعيـد

ما نال من خدم البلاد          أجلّ مـن أجـر الشهيـد 

الـــســـاعـــه الــثــالــثـــة

أنا ساعة الرجل الصبّور      أنا ساعة القلب الكبيـر

رمز الثبات إلى النهاية        في الخطير من الأمـور

بطلي أشد على لقاء الموت    من صُـمّ الصخـور

جذلان يرتقب الردى          فأعجب لموتٍ في سـرور

يلقى الالـه (مخضـب   الكفّيـن) في يـوم النشـور

صبر الشباب على المصاب  وديعتي ملء الصدور

أنـذرتُ أعـداء البـلاد          بشـرّ يـومٍ مُستطيـر

قسماً بروحك يا (عطاء)      وجنـة الملـك القديـر

وصغارك الأشبال تبكي      الليـث بالدمـع الغزيـر

ما أنقذ الوطن المفـدى        غيـر صبّـار جَسـور

 

وإلى جانب الإجراءات القمعية الانتقامية، لجأت سلطات الانتداب إلى أسلوبها المعروف الرامي إلى تهدئة خواطر العرب وتخديرهم من خلال لجان التحقيق، التي دأبت على تشكيلها في كل مرة تقع فيها اضطرابات واسعة في البلاد. وعلى هذا الأساس، قررت الحكومة البريطانية إيفاد لجنة خاصة إلى فلسطين، برئاسة القاضي السر والتر شو وعضوية ثلاثة نواب من البرلمان يمثلون الأحزاب البريطانية الرئيسية الثلاثة، للتحقيق في أسباب اندلاع صدامات آب الدامية، ورفع توصيات إلى الحكومة حول السبل الكفيلة بإعادة الأمن والاستقرار ومنع تكرار أعمال العنف. وقد وصلت لجنة شو إلى فلسطين في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 1929، وأجرت، على مدار أسابيع عديدة، تحقيقات واسعة استمعت خلالها إلى أكثر من مئة شهادة في الجلسات العلنية والسرية التي عقدتها. 

 

لجان التحقيق تضع يدها على الأسباب الحقيقية للانفجار

وفي التقرير الذي رفعته إلى الحكومة والبرلمان البريطانيين في نهاية آذار/مارس 1930، اعتبرت لجنة شو أن السبب المباشر لاندلاع الصدامات الدامية كان المظاهرة اليهودية التي جرت في القدس في الخامس عشر من آب 1929 ، وأقرت بأن عداوة العرب لليهود ناجمة عن خيبة أمانيهم السياسية والوطنية وخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي، خصوصاً بعد عجزهم عن الحصول على أية درجة من درجات الحكم الذاتي في بلادهم. وعزت اللجنة أسباب تصاعد التوتر في العلاقات بين العرب واليهود إلى تفاقم مشكلتي الهجرة والأراضي. فبخصوص مشكلة الهجرة، لاحظت اللجنة أن المنظمة الصهيونية لم تراع، في نشاطها الرامي إلى استقدام المهاجرين الجدد، مقدرة فلسطين الاقتصادية على الاستيعاب، وهو المبدأ الذي كانت قد التزمت بمراعاته في سنة 1922. أما بخصوص مشكلة الأراضي، فقد أشارت اللجنة إلى أن فلسطين لم تعد فيها مساحات من الأرض قادرة على إسكان المزيد من المهاجرين، إلا بإحلالهم محل السكان الحاليين، وأن استمرار اليهود في عمليات شراء الأراضي العربية يخلق طبقة من الفلاحين المعدمين، وهو أمر له انعكاسات خطيرة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ويفضي إلى وقوع الاضطرابات. وأوصت لجنة شو، في ختام تقريرها، الحكومة البريطانية بأن توضح، في أقرب وقت، سياستها الخاصة بحماية "الطوائف غير اليهودية"، وأن تؤكد على بيانها الصادر في سنة 1922، والذي يشير إلى أن مكانة المنظمة الصهيونية الخاصة لا تمنحها حق المشاركة أبداً في حكومة فلسطين، كما أوصت بإعادة النظر في أمر تنظيم الهجرة والتشاور في هذا الشأن مع ممثلي السكان "غير اليهود"، والسعي من أجل إدخال أساليب زراعية حديثة تساعد على توسيع الأراضي الصالحة للزراعة. واقترحت، في هذا السياق، إيفاد لجنة فنية إلى فلسطين، تكون مهمتها تقديم توصيات ملموسة إلى الحكومة بشأن السياسة الواجب اتباعها في المسائل الحيوية كمسألة الأراضي ومسألة الهجرة. أما فيما يتعلق بموضوع حائط البراق أو المبكى، فقد اعتبرت اللجنة أن البت في هذا الموضوع لا يدخل في دائرة صلاحياتها، وأوصت بأن تبت فيه لجنة أخرى مختصة في أسرع وقت.

وبالفعل، وبناء على توصيات لجنة شو، وافق مجلس عصبة الأمم في مطلع سنة 1930، على تشكيل لجنة تحقيق دولية للبت في النزاع حول ملكية حائط البراق، ووصلت هذه اللجنة إلى القدس في حزيران/يونيو 1930، حيث استمعت إلى وجهات نظر الفريقين، وخلصت في تقريرها، الذي وضعته في مطلع كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، إلى أن حائط البراق هو أثر إسلامي ومن أملاك إدارة الوقف الإسلامي، وأنه لا بد بالتالي من الحفاظ على الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع الهبة، بحيث يسمح لليهود بزيارة الحائط وإقامة صلواتهم بقربه فقط. أما اللجنة الفنية التي عينتها الحكومة البريطانية، برئاسة السر جون هوب سمبسون، لدراسة مسائل الهجرة والإسكان والتنمية، فقد وصلت إلى فلسطين في شهر أيار/مايو 1930، وأمضت فيها أكثر من شهرين، وجاء تقريرها، الذي صدر في تشرين الأول من العام نفسه، ليؤكد وجود أزمة زراعية في فلسطين، ناجمة عن قلة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وعدم كفاية الأراضي التي يملكها العرب وعجزها عن المحافظة على مستوى معيشتهم نتيجة تخلف الأساليب الزراعية ووقوع الفلاحين تحت وطأة الديون والضرائب، كما أنها ناجمة عن توسع مساحة الأراضي التي يملكها اليهود وتزايد عدد العائلات الفلاحية العربية المعدمة، التي لا تملك أي أرض، والتي وصلت نسبتها إلى 29.54 بالمئة من مجموع العائلات الفلاحية. ولاحظ التقرير نفسه أن تزايد الهجرة اليهودية، الشرعية والسرية، إلى فلسطين جعل مشكلة البطالة في صفوف العرب من المشاكل الخطيرة، واعتبر أن مقاطعة المؤسسات الصهيونية للعمل العربي لا تتنافى مع بنود صك الانتداب فحسب، بل تشكل مصدر خطر دائم ومتزايد على البلاد. وقد أوصى التقرير الحكومة البريطانية بالتشديد في مراقبة تنظيم الهجرة، والحؤول دون أن تؤدي هذه الهجرة إلى إلحاق الضرر بمصالح السكان العرب، بحيث يراعى دوماً مبدأ قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب، كما أوصاها بالعمل على تطوير الأساليب الفنية المتبعة في الزراعة وانتهاج سياسة فعالة للتنمية الزراعة.

 

بعض المراجع:

- توما. د. إميل: ستون عاماً على الحركة القومية العربية الفلسطينية، بيروت، دار ابن رشد – دائرة الثقافة والإعلام م.ت.ف.، 1978.

- توما. د. إميل: جذور القضية الفلسطينية (الطبعة الثالثة)، دمشق، دار الجليل – دائرة الثقافة والإعلام م.ت.ف.، 1984.

- "ثورة 1929"، الموسوعة الفلسطينية، دمشق، المجلد الأول، 1984، ص 614-617.

- الحق العربي في حائط المبكى في القدس: تقرير اللجنة الدولية المقدم إلى عصبة الأمم عام 1930. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط 2، 1973.

- خلة، د. كامل محمود: فلسطين والانتداب البريطاني 1922-1939، بيروت، مركز الأبحاث م.ت.ف.، 1974.

- الشريف، ماهر: "الحزب الشيوعي الفلسطيني وهبة البراق"، شؤون فلسطينية، بيروت، العدد 61، كانون الأول 1976، ص 216-245.

- طربين، د. أحمد: "فلسطين في عهد الانتداب البريطاني"، الموسوعة الفلسطينية، بيروت، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990، ص 991-1168.

- طوقان، فدوى (مقدمة): ديوان إبراهيم، أعمال شاعر فلسطين إبراهيم طوقان، بيروت، دار القدس، 1975.

- علوش، ناجي: الحركة الوطنية الفلسطينية أمام اليهود والصهيونية 1882-1948، بيروت، مركز الأبحاث م.ت.ف. ورابطة الأدباء في الكويت، 1974.

- غنيم، عادل حسن: الحركة الوطنية الفلسطينية من 1917 إلى 1936، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974.

- الكيالي، د. عبد الوهاب: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1970.

- نويهض الحوت، بيان: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981.