البص: "مخيم التوت"

>> البص: "مخيم التوت"

البص: "مخيم التوت"

 

 

شاءت الصدفة أن يتربع المخيم الصغير على مدخل مدينة صور الجنوبية، فيصبح جزءاً منها، ويحمل اسم "البص"، وهو اختصار لكلمة "الباص"، وتعود تسميته إلى وجود محطة سابقة للباصات عند مدخل صور الشرقي.

في سنة 1939 سكن تلك المساحة اللاجئون الأرمن في بيوت صغيرة، بُنيت على نفقة جمعيات خيرية أرمنية. وفي سنة 1951 سكنه اللاجئون الفلسطينيون بعد أن هجره الأرمن باستثناء عدد قليل من العائلات.

ويقع البص على مسافة 1,5 كم إلى الشرق من مركز مدينة صور، وعلى بعد نحو 27 كم من الحدود مع فلسطين، وتبلع مساحته نحو 800 م². ومقارنة بالمخيمات الأُخرى تبدو شوارع المخيم واسعة نسبياً، والمنازل وبناء المنازل لا بأس به، إلاّ إن عدداً منها لا يزال في حاجة إلى الترميم. ويُشار هنا إلى وجود بنائين لبنانين في المخيم؛ المستشفى الحكومي وكنيسة للطائفة المارونية، أضف إلى ذلك قربه من منطقة الآثار التي تشتهر بها مدينة صور. وكان حيّ يُعرف باسم حوّاسة قد أُزيل عند البدء بالتنقيب عن الآثار، ونُقل سكانه إلى مخيم الرشيدية. لكن اللافت بالنسبة إلى المخيم هو عدم وجود مقبرة، الأمر الذي يضطر الأهالي إلى دفن موتاهم إمّا في مقبرة صور وإمّا في مقبرة المعشوق.

أُطلق على البص، اسم مخيم التوت لكثرة هذا النوع من الأشجار فيه، فلا يكاد منزل من منازل المخيم يخلو منه حتى أن زراعته كانت لفترة طويلة تعتبر مصدر رزق لعدد من العائلات التي تعتمد على بيع المحصول للتجار بكميات كبيرة، قبل أن يضطر الأهالي إلى إزالة معظم أشجار التوت لإقامة مبانٍ جديدة بسبب التزايد السكاني. وتعود زراعة شجر التوت في البص إلى اللاجئين الأرمن الذين كانوا يستخدمون هذا النوع من الشجر لتربية دود القز.

للمخيم، حالياً، مدخل رئيسي واحد للسيارات، يقيم الجيش اللبناني حاجزاً عليه، بعد ما تم إقفال الطرق الأُخرى المؤدية إليه، كما أنه المخيم الوحيد الذي توجد في داخله قوة للجيش اللبناني بسبب وجود المستشفى الحكومي.

ويتداخل المخيم الصغير مع مدينة صور، ويقع بين طريقين الأول يؤدي إلى مدينة صور، والثاني يأخذك إلى مناطق جنوبية أُخرى. وتعتبر هذه المنطقة نقطة عبور للمسافرين، إمّا جنوباً، وإمّا في اتجاه بيروت. أمّا دوار البص المعروف على تقاطع الطريقين، فهو عبارة عن محطة نقليات، حيث تتجمع الباصات وسيارات التاكسي لنقل الركاب. وعليه فقد أصبحت منطقة تجارية، تنتشر فيها المحال التجارية، ويقصدها أبناء القرى المحيطة بمدينة صور إمّا للعمل، وإمّا للتبضع، وإمّا للاستشفاء وغير ذلك.[1]

وعلى تلك المساحة الصغيرة، والموقع المكشوف، خاض مقاتلو المخيم معارك عنيفة في مواجهة القوات الإسرائيلية خلال اجتياح سنة 1982، وتمكن المقاومون من تدمير أربع دبابات إسرائيلية وأسر ثلاثة جنود من طاقمها، لكنهم قُتلوا لاحقاً قبل سقوط المخيم، بالإضافة إلى الاستيلاء على سيارتين لقوات سعد حداد.[2]

 

السكان:

وفق التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، الصادر عن لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني في سنة 2017، يبلغ عدد الفلسطينيين المقيمين في المخيم 4073 نسمة يضاف إليهم: 412 فلسطينياً نازحاً من سورية، و298 لبنانياً، و429 سورياً، و22 غير ذلك. أمّا مصادر الأونروا فتشير إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في المخيم يبلغ 9500 نسمة.[3]

تعود أغلبية سكان المخيم إلى قرى وبلدات شمال فلسطين، ولا سيما إلى قضائي عكا وحيفا مثل النهر وأم الفرج والزيب والبصة وميعار والدامون وغيرها.

وللبص خاصية معبّرة، فهو يضم في تلك الرقعة الصغيرة من الأرض، مزيجاً من الطوائف والجنسيات، فإلى جانب الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين يقيم فيه عدد من العائلات المسيحية والأرمنية، بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين.

يُشار إلى حركة الهجرة التي شهدتها المخيمات الفلسطينية في السنوات الأخيرة، ومنها مخيم البص، إذ قام كثير من العائلات ببيع الممتلكات قبل الهجرة إلى دول أوروبية.

كما في سائر المخيمات، يطبق الجيش اللبناني إجراءات صارمة، إذ يمنع إدخال مواد البناء من دون تصريح مسبق، وهو الأمر الذي منع أي أعمال صيانة أو ترميم للمنازل، كما شكّل عائقاً أمام الشبان الراغبين في الزواج لعدم تمكنهم من بناء منازل جديدة في المخيم. وقد علّقت هذه الإجراءات في سنة 2005، وهو ما سمح بزيادة لافتة في حركة البناء، قبل أن يُعاد العمل بقرار المنع.

 

العمل:

تعمل شريحة من أبناء المخيم في الزراعة والبناء، بالإضافة إلى بعض الأعمال المهنية والتجارية المحدودة، بينما تعتمد نسبة من السكان على مساعدات المؤسسات الاجتماعية وتحويلات الأقارب في الدول الأوروبية والخليجية.

يُشار إلى أن كثيراً من العائلات اللبنانية المهجرة من المناطق التي كانت تحتلها إسرائيل، بنى حياً غير رسمي في مقابل المخيم، وساهم معظم الأعمال التي أقامها الفلسطينيون واللبنانيون على طول الخط العام على الجانبين الشمالي والشرقي للمخيم، في دمج الجزء الخارجي للمخيم في نطاق المدينة. وهكذا صار المخيم والتجمع غير الرسمي مندمجين إلى حد ما في الامتداد الحضري لمدينة صور، وصار من الصعب فصل الحي الغربي عن المخيم. كما أن الحركة الاقتصادية في تلك المنطقة، التي باتت أشبه بضواحي المدن الأكثر فقراً، تولّد دخلاً يسمح للفلسطينيين بتحسين أوضاعهم.[4]  لكن هذا لا ينطبق على جميع السكان، إذ وصلت نسبة البطالة إلى نحو 40%، بسبب عدم توفر فرص العمل، وتدني الأجور لمن يحالفه الحظ بالعمل.[5]

 

الخدمات:

لا شك في أن مخيم البص يعاني كغيره من مخيمات لبنان نقصاً كبيراً على صعيد الخدمات، وخصوصاً بعد التقليص الكبير في الخدمات التي تقدمها الأونروا.

 

التعليم:

يتوزع طلاب البص على المدارس التابعة للأونروا في المخيم وعددها ثلاث، وهي: مدرسة نمرين الابتدائية – المتوسطة للبنات؛ ثانوية دير ياسين المختلطة للبنين والبنات وتستوعب أيضاً طلاب التجمعات الفلسطينية في الشريط الساحلي وصولاً إلى عدلون؛ مدرسة الشجرة الابتدائية - المتوسطة للبنين. ولمدرسة الشجرة حكاية أُخرى،  شجرة حكاية أُخرى،يم الرشيدية.عند البدء بالتنقيب عن الآثار، ونُقل سكانه إلى مخيم الرشيدية.ف فقبل سنة 1982 كانت تقع خارج المخيم إلى الجنوب الشرقي منه، وعلى بعد نحو نصف كيلومتر في مقابل ثكنة بنوا بركات، وقد اتُخذ مبنى المدرسة مقراً بديلاً للحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، بعد أن دمُر المقر الأول في محلة جل البحر في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982 في عملية للمقاومة، ثم دمرت المقاومة هذا المقر البديل للحاكم العسكري في مدرسة الشجرة في  4 تشرين الأول/ أكتوبر 1983. وإلى جانب المدارس، هناك عدد من رياض الأطفال أبرزها: روضة الإيمان؛ روضة النجدة الاجتماعية؛ روضة البريج (الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية)؛ روضة نبع (عمل تنموي بلا حدود) .

وينظم مركز إدوارد سعيد الثقافي نشاطات شبابية وورش عمل وبرامج تدريبية، ويضم مكتبة، وتتوفر فيه خدمة الإنترنت. كما أن عدداً من الجمعيات العاملة في المخيم تضم مكتبات ومراكز للتأهيل المهني.

أمّا اللافت بالنسبة إلى التعليم العالي، فهو توجه نسبة كبيرة من شابات وشبان المخيم إلى الدراسة الجامعية، ويذكر هنا أن عدداً من الفتيات يتابعن دراستهن في الخارج بعد حصولهن على منح دراسية، إذ كانت هذه المنح في السنوات السابقة تقتصر على الشباب فقط.

 

المياه:

يعتمد المخيم بصورة أساسية على مياه مصلحة الليطاني التابعة للدولة اللبنانية في مقابل اشتراك سنوي مثل القرى والمدن اللبنانية. وهناك مجموعة آبار إضافية تابعة للجمعية الإنسانية للتنمية تزود بعض الأحياء بالمياه عبر شبكة أنابيب خاصة في مقابل اشتراك رمزي شهرياً. وبسبب ارتفاع نسبة الكلس في المياه فهي تخصص للاستخدام المنزلي فقط، أمّا بالنسبة إلى مياه الشفة، فيعمد معظم أهالي المخيم إلى شرائها من محال تكرير المياه، وهي بدورها لا تخضع لشروط الرقابة الصحية.[6]

أمّا فيما يتعلق بشبكة الصرف الصحي والبنية التحتية فقد أنشأتها الأونروا على مرحلتين؛ كانت الأولى في سنة 2001 لكنها لم تكن فعّالة، وأظهرت فشلها ثم عادت الأونروا وجددتها في سنة 2006 وهي تستوعب شبكة الصرف الصحي وشبكة مياه الأمطار.

 

الكهرباء:

تزوّد شركة كهرباء لبنان المخيم بالكهرباء كما يوجد عدد لا بأس به من المولدات الكهربائية الخاصة تزود المنازل حال انقطاع التيار الكهربائي في مقابل اشتراك إمّا بحسب استهلاك الساعة وات ... وإمّا اشتراك شهري مقطوع. لكن كمية الطاقة الكهربائية غير كافية، إضافة إلى انقطاعها المتواصل من المصدر أو بسبب احتراق المحولات.

 

الصحة:

لا يوجد في مخيم البص مستشفى، بل عيادة للأونروا التي تقدم الخدمات الطبية لسكان المخيم وسكان التجمعات الفلسطينية القريبة في جل البحر والبرغلية والواسطة وغيرها. وهناك أيضاً مستوصف الهلال الأحمر الفلسطيني ومستوصف حمزة الطبي الإسلامي.  وربما كان من حسن حظ سكان المخيم، وجود مستشفى صور الحكومي اللبناني فيه إذ يستفيدون من خدماته. يضاف إلى ذلك عدد من عيادات الأسنان وعيادة للعلاج النفسي. ونذكر هنا مركز نبيل بدران وهو جمعية متخصصة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.

وينتشر في المخيم عدد من الأمراض أهمها: السكري والقلب والضغط، وهي أمراض ترتبط بصورة عامة، بأوضاع اللاجئين النفسية والاقتصادية.

***

 كما في سائر المخيمات، تقيم الفصائل الفلسطينية مكاتب لها في مخيم البص، ويتابع كل من اللجنة الشعبية واللجنة الأهلية شؤون المخيم والتنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية. كما ينشط في المخيم عدد لا بأس به من الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية، منها: جمعية النجدة الاجتماعية، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، والجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية، وجمعية عمل تنموي بلا حدود "نبع"، وجمعية المرأة الخيرية، وجمعية البرامج النسائية، وبيت أطفال الصمود، والهيئة الإسلامية للرعاية، ومركز مساواة للتواصل والتعليم.

ونشير هنا إلى مشغل بيت ساحور التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي يؤمّن العمل لعدد من النساء في مجال الخياطة والأشغال اليدوية، بالإضافة إلى البرامج النسائية التي تنظمها الأونروا، كما تم افتتاح نادٍ رياضي مخصص للنساء في مقابل اشتراك شهري رمزي.

وتتحدث السيدة عايدة قدورة، وهي معلمة في إحدى روضات المخيم، عن النشاطات التي تنظمها المدارس والجمعيات في المناسبات الوطنية وفي مقدمتها إحياء التراث الفلسطيني، من الأشغال اليدوية المتنوعة، والدبكة والعرس الفلسطيني، والأغاني القديمة. وتشير إلى قيام عدد من الجمعيات بتأسيس فرق للدبكة تضم الفتيات والفتيان، وهذا الأمر يساهم في إحياء الفولوكلور الفلسطيني ونقله إلى الجيل الجديد.

لا يختلف مخيم البص عن غيره، فهو في النهاية فلسطيني الهوية، وسكانه الغارقون في أزماتهم المعيشية اليومية، يجدون متنفساً لهم، فيحيون مناسباتهم والوطنية والخاصة، فتارة يعلنون الإضراب، وتارة ينفذون اعتصاماً، وتارة أُخرى ينظمون مسيرات احتفالية، تحت قاسم مشترك عنوانه "فلسطين".

 

إعداد س. ح

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  Mohammad Kamel Doraï, “From Camp Dwellers to Urban Refugees? Urbanization and Marginalization of Refugee Camps in Lebanon,” in Manifestations of Identity: The Lived Reality of Palestine Refugees in Lebanon, edited by Muhammad Ali Kahlidi (Beirut: Institute for Palestine Studies; Institut français du Proche-Orient, 2010), pp. 88-89

[2]  سويدان ناصر الدين، جهاد سقلاوي، قصي ناصر الدين، "مخيمات صور: عندما تتسع الأرض للمحروم من وطنه"، جريدة "السفير"، العدد 5769، الثلاثاء 25/12/1990.

[3]  https://goo.gl/WodfdG

 [4]  Mohammad Kamel Doraï, op.cit. 

[5]                 , 5/3/2019.  http://www.albuss.net/p/blog-page_98.html

[6]  Ibid.