توظيف الخوف والتخيل في الخطاب الإسرائيلي للرد على عملية طوفان الأقصى
ما إن وقع كيان الاحتلال الإسرائيلي تحت سطوة الهجمة التي نفّذتها المقاومة الفلسطينية في غزة حتى خرجت قيادات الصف الأول بخطاب موجّه نحو العالم الغربي بصورة خاصة، العالم المتحضر، بحسب قول رئيس حكومة الطوارئ الإسرائيلية نتنياهو، يحوي الكثير من البكاء والشكوى والنحيب، مستخدمين فيه كثيراً من المعلومات والبيانات غير الصحيحة، واتهامات غير أخلاقية وغير إنسانية للمقاومين الذين دخلوا إلى مغتصبات (مستوطنات) ما يسمى بـ"غلاف غزة" ومدنه في الأراضي المحتلة، كاتهامهم بقطع رؤوس الأطفال، واغتصاب النساء، واختطاف العائلات، مشبّهين ما حدث – على حد زعمهم- بما فعلته دولة "داعش" في الدول العربية التي أقامت بها، ضيفاً ثقيلاً، مدة غير قصيرة.
ما فعلته قيادات الصف الأول لدى الاحتلال باختلاق مثل هذه الأكاذيب، يدخل في إطار مقدمة وتحضير للحصول على ترخيص وتبرير ومباركة من الدول الكبرى، والغرب خصوصاً، لإنجاز المجازر الدموية التي خطّط لارتكابها في قطاع غزة، عن طريق شيطنة المقاومة الفلسطينية وصناعة وعي مشوّه بشأنها؛ ليكون ما يحدث لها وللمواطنين في أماكن نشاطها مقبولاً، على الرغم من خروجه عن القيم الإنسانية والقانون الدولي لحقوق الإنسان في الحرب، وهي وسيلة فعّلتها الولايات المتحدة الأميركية، أكثر من مرة، في العراق وأفغانستان. وأكاد أجزم أن عقولاً إعلامية ومتخصصة في توجيه الرأي العام قد تضافرت بسرعة، وفي 24 ساعة من أجل بناء هالة وهمية حول هذه الأكاذيب، تمثلت في تصوير صحافيين أجانب، وجنود إسرائيليين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمرَ كأنه حالة من "التلذذ بالقتل" يعيشها الفلسطينيون الذين كانوا في هذه المغتصبات، وقد نجحت هذه الاستراتيجيا الإعلامية في توجيه الرأي العام وصناعة ردة فعل أولية مباشرة؛ سرعان ما بدأت تتراجع، بمرور الأيام وانتشار صور الذبح والتدمير الناتجين من الممارسات الصهيونية الشنيعة بالقصف من السماء والأرض والبحر.
سؤال يُطرح في هذا السياق، وهو: لماذا لجأ الكيان الإسرائيلي إلى توظيف "داعش"، وإلى ألفاظ تعبّر عن ممارسات أفرادها في الدول العربية التي نُكبت بهم؟ وهل كان هذا التوظيف اعتباطاً، أو وليد الصدفة؟
كلنا يعلم أن أوروبا والولايات المتحدة وغيرها عانت ولا زالت تعاني إلى اليوم جرّاء الإسلاموفوبيا، الخوف من الإسلام، أو الشخصية الإسلامية التي سوّقت لها وسائل إعلام الدول الاستعمارية لدى إنتاج "داعش"، واستخدمتها في السيطرة على الموارد العربية وتحطيم الدول هناك باختطاف ثوراتها وثرواتها، وخلقت هذه التجربة في أذهان العالم كله صوراً مروعة من القتل والتدمير وقطع الأطراف والذبح وقطع الرؤوس، وغيرها من السلوكيات التي لا يمكن للعقل البشري أن يتقبّلها أو يتصالح معها، وارتبطت بكاريزما معينة للإنسان الذي يمكن أن يقوم بهذه الأفعال، أهمها أنه مؤطّر في "منظمة" تمارس العمل العسكري "الإرهابي" من دون الانتماء إلى "نظام سياسي".
ومع معرفة الماكينة الإعلامية وبناة الرأي العام المحلي والعالمي في دولة الاحتلال بهذه الحالة الذهنية للغرب على وجه الخصوص، وظفوا مجموعة من العبارات تحمل أكاذيب لا حصر لها، من أجل استفزاز الأفكار المسبقة الراقدة في الذهن الغربي وإخراجها إلى السطح مرة أُخرى؛ ليقولوا لهم إن ما رأيتموه عبر سنوات سابقة من أحداث في سورية والعراق على وجه الخصوص، يحدث لنا الآن، من أناس يشبهون هؤلاء "الإرهابيين"، وكما قضيتم -أي الدول المستعمرة – على هؤلاء "الإرهابيين"، فإن عليكم مساعدتنا في القضاء على فئة هي مثلهم تماماً، وسوف تهاجمكم بعد أن تنتهي من مهاجمتنا والقضاء علينا، وهذا يشبه ما فعله "أريئيل شارون"، بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، حين عقد مؤتمراً صحافياً، قال فيه: "ما يحدث في أميركا الآن، يشبه ما نعيشه هنا في إسرائيل"؛ فبناء هذه المقاربة بين شيطنة الفلسطيني المقاوم الشريف، والأعمال الشيطانية المتفق عليها عالمياً بأنها كذلك، أسلوب لم يغب عن قيادة الاحتلال، إلا إنه اتخذ مساراً أكثر اتساعاً في حربهم على غزة خلال "طوفان الأقصى".
إن نجاح الكيان الإسرائيلي في هذا الخطاب الإعلامي الذي وجّهه إلى الغرب بمختلف اللغات وبشكل مكثف-إلى جانب الكفاءة الإعلامية العالية لماكينته الإعلامية - يعود إلى ما يحدث لدى المتلقي حين يتعالق "المحكي" مع "المتخيل" و"الصورة الذهنية المسبقة"، وهو ما يمكن أن أطلق عليه في ميدان بناء الرأي العام وصناعته – من منظور علم اللغة الاجتماعي- إنتاج الوعي الجديد بالتفاعل بين الحقيقة القديمة والوهم الجديد؛ أي استخدام مجموعة من الأكاذيب أو الحقائق المزيفة، وخلطها مع مجموعة من الحقائق القديمة التي من المفترض أنها تركت في داخل الذاكرة البعيدة صوراً وتصورات محددة محملة بشحنات نفسية وعاطفية سلبية في العادة، شريطة أن تتداخل العناصر الحركية والصوتية والحدَثية للأكاذيب مع هذه الحقائق القديمة؛ فينتج وعي جديد أكثر استفزازاً للعواطف مما كان عليه في السابق، يضمن نجاح التأثير وتحقيق الهدف من الرسالة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا النجاح لا يمكن أن يكون مرتبطاً بالكامل بما ذكرت، إذ توجد خصوصية لبعض التجارب الخاصة بالدول الغربية، وعلى سبيل المثال، دولة ألمانيا، وتُعد من أكثر الدول دعماً لكيان الاحتلال، وأكثرها قرباً إلى الولايات المتحدة الأميركية، تعيش على عقدة الذنب نتيجة ما فعله هتلر باليهود في المحرقة، وفي هذا الصدد؛ وظفت إسرائيل مصطلح "المحرقة"، ووصفت المقاومة "بالنازية" في الإعلام الموجّه إلى وسائل الإعلام الألمانية، وفي المقابلات التي أجرتها قيادات الصف الأول مع بعض القنوات الفضائية الألمانية، مثل ZDF وDW، اللتين أتاحتا الفرصة المناسبة للإسرائيليين ليوجهوا خطاباً عميقاً إلى الجمهور في ألمانيا باللغتين العربية والألمانية.
ولهاتين الكلمتين "المحرقة" و"النازية" دورٌ في توجيه الرأي العام الألماني، والسياسي الألماني، توجيهاً مباشراً يدفعهم إلى عدم التفكير في شيء، ما عدا الوقوف إلى جانب "إسرائيل" في "الدفاع عن نفسها"، من أجل تعويض عقدة الذنب، والتخلص من وصمة العار، بكون النازية إنتاجاً ألمانياً خالصاً، إذ شكّل الخطاب الإسرائيلي اتهاماً دائماً وتاريخياً للألمان بأنهم أصحاب مجازر، وقد ألزمَ ذلك الألمان ضرورة الدفاع عن أنفسهم باستمرار، وعبر الزمن، وفي المستقبل، وهذه المرة، رفعت ألمانيا أعلام إسرائيل على مقرات الأحزاب، وفي المباني الحكومية، ومنعت التظاهرات التضامنية مع غزة، وأعطت إسرائيل مسيّرتين حربيتين للحرب في غزة، وهذه عادة لا يمكن التخلي عنها عند الألمان؛ فقد وضعوا على قمصان اللاعبين، في سنة 2013، علم إسرائيل إلى جانب علم ألمانيا في بطولة أمم أوروبا تحت سن الـ 21 عاماً.
كيف تحكّمت إسرائيل في ردة فعل الألمان؟ بالتعالق بين ما في الذهن عند الألمان من المحرقة اليهودية، والشعور بعقدة الذنب إزاء اليهود في العالم، من جهة، وهو ما حافظت عليه إسرائيل بإحياء ذكرى المحرقة سنوياً، لضمان عدم نسيان هذا الحدث، وبين ما يظن الألمان أن اليهود تعرضوا له على يد المقاومة الفلسطينية في "غلاف غزة"، لينتجَ العقل المتلقي في ألمانيا تخيلاتٍ واسعة تُوازن بين صورتَي الحرق، وقطع الرؤوس، من جهة أُخرى. وقد ركزت على الحالة الألمانية لأنها إلى جانب ما ذكرت، تحمل في داخلها ما تشترك فيه مع الغرب، من حيث الإسلاموفوبيا، وبصورة خاصة بعد معاناتها جرّاء اختطاف الألمان أكثر من مرة على يدي "داعش"، وإعدام بعضهم، وعرض التسجيلات المتعلقة بذلك.
لقد كشفت الأيام بعد بداية العدوان على المواطنين المدنيين في قطاع غزة، أن الاحتلال يدرك المدة الحقيقية التي يمكن أن ينجح فيها هذا الخطاب في إقناع العالم بأنه ضحية، وهي مدة قصيرة جداً، سرعان ما تزول بعدها هذه الصورة على المستوى الشعبي، بعد انتشار صور الدمار والشهداء من الأطفال والنساء وأشلاء الناس؛ فيدرك جيداً أنه لن يكسب الرأي العام الشعبي، لكنه متمسك بتضامن المستوى السياسي معه. ولتعويض هذا الفراغ الذي سيظهر بعد زوال الهالة الوجدانية للأكاذيب البكائية الإسرائيلية، يسارع إلى دعوة القيادات الأوروبية والأميركية إلى زيارة "إسرائيل"، والحضور إليها لتأكيد الدعم والتضامن، وهنا – قد أكون مجانباً للصواب- تستغل إسرائيل صافرات الإنذار التي تصدح في سماء فلسطين المحتلة عند مرور صواريخ المقاومة، لوضع القيادات السياسية في حالة من الخوف والذعر على أنفسهم، ليعيشوا بأنفسهم "ما تعانيه إسرائيل بقياداتها وشعبها" من ذعر وهلع وصعوبة في العيش، ليتعمق عند الدولة المتضامنة الشعور بالتضامن، والإيمان بضرورة القضاء على قطاع غزة، حجراً حجراً وبشراً بشراً، لتعيش إسرائيل بسلام، وقد شاهدنا الحدة في خطاب المستشار الألماني في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الصحافي، بعد نزوله على أرض مطار اللد، لحظة إطلاق صافرات الإنذار، قبل مغادرته لإكمال جولته في دعم الجاني على المظلوم.
وبالإشارة إلى استغلال خطاب الاحتلال للخوف الغربي من مظاهر الشخصية "الإرهابية" التي صنعها الإعلام للناس؛ فإنه لا يغيب عنا في تحليلنا لخطاب البكاء الإسرائيلي في البدايات أن دور الخطاب الإعلامي أن يستغل الفطرة الإنسانية في تشكيل السلوك تجاه قضية أو موقف محدد، ومن أكثر ما يسعى الإعلام لاستغلاله في تشكيل سلوك الرأي العام، هو الخوف، إن الخوف محرك قوي جداً للبشرية، بسببه بُنيت الحضارات والاختراعات، وبسببه أنتج الإنسان الأسطورة وصدّقها، ثم شكّل سلوكاً اجتماعياً بسببها، والأسطورة التي تلتها إسرائيل على مسامع العالم عن المقاومة الفلسطينية حرّكت الخوف عند المجتمع غير الواعي نحو القضية والواقع، وهو ما دفعه إلى سلوكيات غير محسوبة في بعض الأحيان، كخطاب الرئيس الأميركي بايدن في بداية الأحداث، ثم تراجُعه عن هذا الخطاب بسرعة، بعد أن جاء بكلام غير مبني على التروّي وتقصّي الحقائق، وهو ما انتاب كثيراً من الصحافيين الأجانب في بداية تغطية الأحداث.
أخيراً، رسالتي التي أوجّهها، بناءً على ما سبق، أننا -العرب والفلسطينيون خصوصاً- نعيش معركة وعي مع العالم، ينجح فيها مَن يتمكن من تشكيل الوعي الذاتي والإقليمي والعالمي، من خلال الخطاب الإعلامي والرسمي والسياسي والميداني الذكي القادر على ملامسة البنية الذهنية للمجتمعات، وهو ما تبرع فيه ماكينة إعلام الكيان الإسرائيلي منذ عقود ماضية إلى اليوم، الأمر الذي يُضعف قدرتنا على قطف ثمار نضالنا المستمر من أجل الحرية، والحصول على حقنا الأساسي والبسيط في تحديد مصيرنا وحياتنا.
