الفلسطيني مدان حتى تثبت إنسانيته
"إذا كانت الحروب تبدأ بالكذب، فإن السلام يمكن أن يبدأ بالحقيقة،" هذا ما قاله الصحافي جوليان أسانج، مؤسس موقع ويكيليكس، وذلك في معرض حديثه عن أهمية سرد الحقيقة وعدم السكوت عنها، ولعل في ذلك ما نحتاج إليه، فلسطينياً، في معركتنا من أجل الحرية ومواجهة الرواية الإعلامية المضلِّلة التي تنزع عنا صفة الإنسانية، وتنحاز إلى الاحتلال في روايته.
ومع استمرار المعركة المفتوحة على غزة، من الواضح أن الأمور لن تعود كما كانت عليه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، على كل المستويات، نظراً إلى ما أحدثته المعركة من فعل مقاوم غير مسبوق، بقيام كتائب الشهيد عز الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، باختراق السياج الفاصل وتنفيذ عملية نوعية، يمكن اعتبارها الأشد والأوسع منذ قيام دولة الاحتلال في سنة 1948، ومع ما رافق ذلك من روايات وأخبار إعلامية حاولت تشويه صورة الفلسطيني ونعته بـ"الإرهابي".
فلسطينياً، من المهم أن نعي بأن هذه المعركة جاءت رداً طبيعياً على استمرار الاعتداءات الصهيونية على كل ما هو فلسطيني، أرضاً وشعباً، مع استمرار تغوُّل الاستيطان على الأرض، وإن كان المسجد الأقصى سبباً لشرارتها المباشرة، بحسب ما ذكر القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسّام محمد الضيف في خطاب إعلان المعركة: "رداً على عربدة الاحتلال في المسجد الأقصى."
في اللحظات الأولى للمعركة، اجتاح سيلٌ من المحتوى البصري مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع اجتياح المقاومة الفلسطينية معسكرات جيش الاحتلال ومستوطناته في "غلاف غزة"، والذي أعقبه دخول العشرات من أهل غزة إلى هذه المستعمرات، في مشهد مهيب، رأى فيه الفلسطيني "سيناريو" التحرير الكامل للأرض المحتلة. حرية حالمة انعكست على الفضاء الرقمي الذي لطالما قمع وأسكت ومنع سرد الحكاية، وكان واضحاً علوّ مشاعر الحرية التي تسربت إلى وجدان الفلسطيني الذي امتلك العالم بشقّيه، الواقعي والافتراضي.
كان من اللافت في الساعات الأولى من هذه المعركة أن خوارزميات شركة ميتا، التي تملك تطبيقات: فايسبوك، واتس آب، وإنستغرام، والتي تفرض قيوداً وتشديداً على المحتوى الفلسطيني والمناصر، باعتباره "محتوى حساس"، لم تستوعب الحجم المهول من المحتوى الذي تم نشره وبثه، ولذا، بقي سيل المحتوى البصري يتدفق ويثير الحماسة والتفاعل لدى المتابعين إزاء ما يجري في محيط قطاع غزة.
بالتدريج، انجلى غبار المعركة، وسطعت شمس الهزيمة التي مُنيت بها دولة الاحتلال في الساعات الأولى، وعندما استيقظت أجهزة الاحتلال واستخباراته من سباتها، كان الغزّيون لا يزالون منتشين بسبْتهم المشهود، ينتظرون ما يعيدهم إلى الواقع الذي قسى عليهم، وما زال.
في اللحظة التي استيقظ الاستعمار وأدواته من النوم، بدأت جولة الانتقام من غزة وأهلها، فشنّت الطائرات المقاتلة غاراتها على الآمنين، وقادت شركة ميتا حربها على الرواية الفلسطينية، وبدأت بتقييد وحجب وحذف مئات المنشورات والحسابات. ليتكامل الدور الظالم والمنحاز ضد فلسطين وأهلها. فاسكتت رواية المغلوب الثائر، وفُتح الباب على مصراعيه لرواية المحتل المعتدي.
كان الإعلام الغربي حاضراً كأداة فاعلة في هذه المعركة، منحازاً إلى المستعمر، كالعادة، ولذا، بدأت التقارير والتغطيات المضلِّلة تنتشر، وقوامها شيطنة الفلسطيني ووصفه بـ "الإرهاب"، وأنسنة الصهيوني ووصفه بالضحية، الأمر الذي يعني تضامناً عالمياً مع دولة الاحتلال، ومنحها الحق في القضاء على "حماس" بقوة، بحجة الدفاع عن النفس.
كانت التقارير الأولى المنحازة إلى الاحتلال، والتي بثّها الإعلام، موجهة بعناية، وتشير إلى جملة من المعلومات الموجهة إلى الجمهور الغربي لكسب تعاطُفه وتضامُنه، ولذا، ظهرت عبارات، مثل: "عودة داعش، قتل الأطفال، اغتصاب النساء، قتل المدنيين، خطف كبار السن، مهاجمة احتفال بمناسبة العيد". وفي إثر هذه الأخبار توالت بيانات الإدانة الأميركية والغربية لحركة "حماس"، والتي تعطي الاحتلال، في الوقت نفسه، الضوء الأخضر للرد والدفاع عن النفس، بحسب وجهة نظرهم.
عندما تفنّد الرواية نفسها
في خطابه المساند لدولة الاحتلال، قال الرئيس الأميركي جو بايدن: "لم أعتقد حقاً أنني سأرى.. لقد تأكدت من صور ’الإرهابيين’، وهم يقطعون رؤوس الأطفال." وكان من الواضح أن الرئيس الأميركي استند فيما قاله إلى رواية الاحتلال والإعلام المنحاز إليه.
ولم تمضِ سوى ساعات قليلة، حتى أعلن البيت الأبيض تراجُعه عن تصريحات الرئيس جو بايدن، ذلك بأنهم لم يطّلعوا على أيّ صور، ولم يتم التأكد من صحة التقارير بصورة مستقلة.
التقارير التي يقصدها البيت الأبيض، بدأتها قناة i24 الإسرائيلية وقنوات عالمية، مثل الـ CNN، ونقلت عن ضباط في جيش الاحتلال مشاهدتهم أطفالاً ونساء مقتولين على يد عناصر من "حماس"، من دون أن تتأكد هذه القنوات بنفسها مما حدث، وهو ما يُعتبر من أبجديات العمل الصحافي.
مع تأكُّد الإعلام من أن هذه الأخبار كانت عارية من الصحة، وخصوصاً مع صدور بيان عن جيش الاحتلال، قال فيه: "لا معلومات تؤكد قطع ’حماس’ رؤوس الأطفال." قدم إعلاميون اعتذارهم، وتراجعوا عمّا سبق نشره، منهم مراسلة الـ CNN سارة سيدنر، التي قدمت اعتذاراً لمتابعيها على منصة إكس، قالت فيه: "يجب أن أكون أكثر حذراً في كلماتي، أنا آسفة."
واستكمالاً لمسار التباكي والاستعطاف، لتبرير وتغذية الضوء الأخضر الأميركي والغربي لدولة الاحتلال من أجل الانتقام من الفلسطينيين، رداً على هذه العملية، نشر حساب رئاسة وزراء الاحتلال على منصة "إكس"، أن نتنياهو أطلع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على صور لثلاثة أطفال قتلتهم وأحرقتهم حركة "حماس"، وفي أسفل التغريدة، وصف حركة "حماس" بـ"الداعشية والإرهابية".
الصحافي الأميركي جاسكون هينكل، تحقق من هذه الصور بنفسه، ليتبين فيما بعد أنها صُنعت بالذكاء الاصطناعي، لتصبح الرواية التي أراد نتنياهو ترويجها لشيطنة الفلسطيني، واستجلاب مزيد من الدعم والتعاطف الدوليين، انقلبت على رأسه، واستُخدمت ضده.
وأمام موجة الانتقاد للبيت الأبيض، وللمؤسسات الإعلامية الكبرى التي نشرت روايات كاذبة ومضللة، عاد البيت الأبيض ليوضح أن مهمته ليست التأكد من مدى حقيقة هذه الصور، كأنه يلقي بالمسؤولية على حليفه الذي ضلّله، ومع ذلك، بقيت الإدارة الأميركية متمسكة بحليفها وداعمة له.
في الجانب الآخر، وتكذيباً لرواية الاحتلال المستمرة بأن حركة "حماس" ومقاتليها قتلوا الأطفال، نشرت كتائب القسّام فيديو على منصتها على موقع تيليغرام، بتاريخ 14 تشرين الأول/أكتوبر، يظهر فيه عناصر المقاومة، يلعبون ويضحكون مع الأطفال، وتولى أحد العناصر مساعدة رضيع للتوقف عن البكاء وكان يهزّ له لينام، وأحدهم كان يحمل طفلين ويقول للكاميرا "انظروا الرحمة في قلوبنا، هاهم الأطفال، لم نقتلهم كما تفعلون."
كأن هذا وعي واستباق للأحداث، ورسالة واضحة أُعدّت مسبقاً للعالم المنحاز، بأن الإرهاب الحقيقي يمارسه المستعمِر الذي امتهن قتل الأطفال وتعذيبهم، وأنه لم يحدث أيّ شيء مما قد يروّج لاحقاً، كأن المقاومة تعلم أن هذا الخطاب الذي سيتم ترويجه، لتبرير الإرهاب وقتل المدنيين والأطفال في غزة من طائرات الاحتلال.
وكانت قناة الأقصى التابعة لحركة "حماس"، بثت فيديو يُظهر إطلاق سراح سيدة برفقة طفليها، وسارع الإعلام الإسرائيلي، وقتها، إلى مقابلة السيدة، وفي مخيلته أن الوقت حان لفضح ممارسات "حماس" "الإرهابية"، بحسب العقلية الاستعمارية، الأمر الذي صدمهم من حديثها عن أن المقاومين حملوا الطفل، وعن عدم إيذائها، أو مسّها بسوء.
وتجلّت الغرابة في الأوساط الإعلامية العالمية إزاء ما روته إحدى المستوطِنات في إحدى المقابلات عن عناصر القسّام الذين كانوا في بيتها، حيث استأذنها أحدهم ليأكل "موزة"، وأنهم لم يسببوا لها أيّ أذى إطلاقاً. وقدمت مستوطِنة شهادة أُخرى عن تعامُل المقاومة اللطيف والحوار الذي جرى بينها وبينهم، ثم ذكرت أن الجيش قصف منزلاً كان يوجد فيه هؤلاء المسلحون مع رهائن الحفلة من المستوطنين، فقُتلوا جميعاً.
وخلال الأيام الأولى، ظل الإعلام الصهيوني يبحث عمّا يدور في مخيلته من أفعال يريد نسبها إلى كتائب القسّام ومقاتلي "حماس"، لكن الروايات التي قدمتها المستوطِنات لم تخدمه، وإنما وفرت محتوى يدعم رواية المقاومة الفلسطينية.
واستناداً إلى ما سبق، يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الفلسطيني متهم دائماً في إنسانيته، ومن السهل وصمه بالإرهاب، لأن عدوه ربيب الاستعمار وحليفه الأبيض، وأن الفلسطيني مضطر طوال الوقت إلى أن يبرهن للعالم "كم هو إنسان". وهو ما أكدته التغطية الإعلامية المنحازة في هذه المعركة.
