يا زكريا..
"تبصر حماراً وحيداً يجمجم العشب
رمادياً كأنما قد من الصخر
فتذهب إليه وتعلوه
لينطلق بك في طريق يألفها
كأنما هي طريق البيت
يجري الحمار خببا
وأنت مبتهج
وجسمك مسترخ
والشمس تغرق في بحر لا تراه
أنت راحل الآن
راحل... راحل
هدفك لا تدركه
ويدركه الحمار
والحمار هو الموت."
الآن وقد رحلت، ودخلت في سفرك الأخير، نكتب نحن الذين كان من حسن حظنا أننا عرفناك، وعرفنا فيك الجمال والثورة، وأن علينا الوقوف في الجانب الصحيح، أي إلى جانب الحق، وإلى جانب الشعب الذي يقاوم الاحتلال.
فأنت الذي نزلت إلى الشارع لتقف مع زوجة الشهيد خضر عدنان حين أضربت عن الطعام من أجل زوجها الذي كان حينها مضرباً هو الآخر عن الطعام، كانت السيدة وحيدة مع أولادها، ما عدا "رجل واحد"، وبقيت إلى جوارها ساعة، ولم يأتِ أحد، عدت إلى منزلك، وكتبت "يا عيب الشوم يا عيب الشوم".
يا زكريا، يا أيها المبدع الذي أرّخت روحك، وأرّخت حجارة الأرض، لا نعرف الآن ماذا فقدنا، سنعرف غداً، حين تجري الأحداث، ولا نجدك، لا نجد كلمتك التي كانت حادة كالسيف في الموقف، وعليلة كالنسيم في الأدب.
من أين سأدخل في المعرفة؟
هذا السؤال، هو أكثر ما يراودني حينما كنت أتابع زكريا محمد، ولا أضع صفة له هنا، لأنه ليس سهلاً أن أصفه بالشاعر، أو الباحث، أو الكاتب زكريا محمد. سأصفه بالساحر، وأظن أنني اقتربت من توصيفه.
قبل 13 عاماً، لم أكن أعرف زكريا محمد، ولمّا عرفته، استعدت ذاك الدفق، لكن في هذه المرة، كل يوم، وأحياناً أكثر من مرة، عبر «ولاداته» التي يضعها في صفحته، والتي دفعتني إلى اقتناء بعض كتبه، والبحث عن قصائده، لارتدائها في نهار يبدو كئيباً في صباحه، فيرتد من بعدها نهاري شهياً متدفقاً، فارتداء الشعر يتناسب مع شهية إنسان مقدم على يوم يرغب في أن يكون جميلاً.
تعود إليه، فتقرأ البدايات حين يقول:
"هل يمكن للسهم أن يستدير
عائداً للذراع التي أطلقته
اندفع، أندفع كي لا أموت
للسهم ذراع تطلقه من جديد
الذراع التي أطلقتني
ستطلق فتياناً آخرين
لذا أندفع، أندفع."
نص المتأمل
لا أعرف عن حياة زكريا محمد الشخصية، وليس ضرورياً أن أعرف. لديه عائلة، زوجة وولد وبنت، والكتابة، فهي على الأقل صلتنا به، نحن القرّاء، وصلة الوصل مع عالمه الخاص الذي نحتاج إليه في كثير من الأحيان، لنستيقظ على أنفسنا ونرى الكون في هذا الكون، ونرى ما وراءه. نتأمل مع زكريا التفاصيل التي نعيشها ولا نعرفها. تلك التي تمر بسيطة أمامنا، وفي حياتنا، وطاولة في المقهى، وحبات تين، وطفل يركض في الشارع. يقول في نص - شعر له: «لا أريد أن أموت قبل أن يمتلئ رأسي بأسماء الزهور. سآخذها كلها معي. وإن سهوت عن واحد، فسأعود أدراجي، وآخذه. سأجعل الموت مهرجان زهور وعطور،» تلك الكتابة تأخذني إلى انطباعات عدة، منها أن الشاعر على علاقة عميقة مع ذاته، يفهمها وتفهمه، وثمة علاقة نشأت وتطورت بمرور الوقت، وها هي اليوم ناضجة كفاية، ليتبادل معها هذه اللغة الوجودية، غير الصلفة، والقادرة على وصف حشد من الأفكار، لكن بهدوء، بلا تكلف، وبلا نطق زائد أو ناقص.
حين تأتي القارئ مثل هذه الكتابة، لا ينفع أن يفكر، أو أن يشعر، لا ينفعه إلا التأمل، إلا خوض التجربة، التجربة بصيغة زكريا محمد، باللغة التي يتنفسها، كأنه «سكون» وُضعت على الحروف لتكوّنها وتحرّكها. هذا ما أتنفسه حين أقرأ هذا الساحر، وهذا ما يجعلني أرتاد «التأمل» في صفحته، لأدخل في التجربة، المرة تلو المرة.
يمكن في قراءة نصه العثور على ما قد يثير العقل، فيتوقف قارئ ما، في محاولة لتخيُّل المشهد الذي يركّبه محمد في اللغة. القارئ المتفاعل مع النص، لن يتمكن عقله من التوصل إلى «صورة» واضحة، لذا، سيلجأ إلى التفاهم مع القصيدة على أنها لعبة تأمُّل، تحمل تأريخاً لحياة الشاعر، وللبقاع التي ارتادها، والكتب التي قرأها، وإيقاعه المنسجم مع الطبيعة، وهذه اللعبة، سيسهل التقاط كنهها في حالة واحدة، هي قراءتها بقلب «متأمل»، وعقل يقبل منطق القلب.
أنت النص، ألم تعرف؟
تنشأ العلاقة مع شعر زكريا محمد، بالتقاطه للقارئ من الجملة، أو الكلمة، أو الفكرة الأولى، فلا تنفك عنها. فبينما تقرأ النص، يخرج صوت منه يناديك، ليخبرك أن النص أنت، وأنك المعني بمتتالية ستأتي، أو أتت من قبل، أو أنها في الطريق، فانتظرها. شعره، يورط القارئ في العلاقة، إنها «علاقة الدائرة» التي تبدأ من نقطة الدخول التي هي نقطة اللاعودة، لكنها بعد حين تُغلق حتى تضيع في تفاصيلها. ومع كل نص جديد مدخل جديد، وغرق جديد، وانتباه كثيف، أن ما في النص عائد منك، انتبه إليه الكاتب في الطريق، فحمله ورعاه، وأعاده إليك، سامياً وعالياً وهادئاً وساكناً، وخارجاً من الضجيج.
مع نص زكريا محمد، أنتَ «فيه» لزكريا، تلفظ الكلمات بصمت، تخشى عليها أن تضيع أو تتيه في الطريق إلى مسمعك، فتهمسها في المرة الثانية لتتأكد من أن الكلمات جلست في مكانها، كأنك «تأخذ التفقد في روحك»، تستريح حين تتأكد من أنك الآن «اللغة»، يقول: «هناك مصحف كبير في قلبي أنا أيضاً. وأريدكم أن تغنّوه حين أنتهي منه. جعلت في هذا المصحف أسماءكم كلها يا أحبتي.»
وأنت الناقد.. ناقدنا
داخل الكلام كلام، داخل النص عرفان ومعرفة، الآن إيحاء، وفي متن الكتاب الجواب. هكذا أفهم زكريا محمد المتسامي عن الجدليات "الثقافية"، فكأنه أنهاها منذ زمن بعيد، بعد أن قدم مقولته المباشرة، واستمر يقدمها بشعره وأدبه وفكره. فترك تلك الجدليات وراء ظهره، ومضى بعيداً. لذا، عند هذا الرجل، كان يسهل الاطمئنان إلى رأيه الثقافي والسياسي، فهذا الرأي منسجم بشكل تام، وله قدرة التعبير عن ذات واحدة منتمية إلى الناس، وإلى الأرض، ومتخلصة من مصلحية المثقف، ومن زبائنية السياسي.
كان منا وبيننا
يكتب زكريا محمد حكايته كاملة بلا نقصان، يكتب مشاعره ورأيه بكامل الإرادة وكامل المسؤولية، فيقول مثلاً عن القمع الذي تعرّض له مع أصدقاء غيره على دوار المنارة في رام الله سنة 2021، بعد أن اغتالت السلطة الفلسطينية نزار بنات، «لم أكن راغباً في أن أخرج للاحتجاج على شيء، إذ لديّ مشروع رواية وكتاب، وكنت مشغولاً بهما، ومهموماً لأنني لا أنجزهما بحسب الخطة. لكن ضميري لم يساعدني على أن أظل في البيت، فهناك أناس يُحبسون لأنهم يحتجون سلمياً، ويُسحل أهاليهم المطالبون بالإفراج عنهم،» وفي هذه الشهادة التي عنونها بـ «القطيعة» ونشرتها مجلة الدراسات الفلسطينية في العدد 128 (خريف 2021)، يذكر أيضاً ما جرى بينه وبين أحد عناصر الأمن الذي طالبه بإنزال قدمه التي كان يلفها على الأُخرى «فار الغضب في دمي، وتذكرت حادثة جرت في مركز استخبارات إحدى الدول الشقيقة حيث وضعتُ في أثناء التحقيق رجلاً على رجل، فجاء الضابط يغلي غيظاً، وضرب بقدمه رجلي فأسقطها عن أختها، وأسقطني معها. قلت للرجل: اسمع، لن أسمح لأحد هنا بأن يعاملني مثلما عاملتني استخبارات الدولة الشقيقة، فنحن لم نضيع أعمارنا كي نخترع واحداً مثلك يأخذ دور الاستخبارات الشقيقة.» هذه القصة القصيرة والحقيقية، تشير إلى المعنى الذي يكتبه دائماً زكريا محمد، معنى الحاضر والتاريخ، حاضر الدولة وماضي الثورة.
قلة من المثقفين تكتب بهذه الجرأة، وهذا الوضوح الذي يفكك الحالة القائمة، على الأقل كي يكون هذا التفكيك دالة لنا، للإشارة إلى العطب. ولعله أيضاً حين يشير بوضوح إلى أركان في السلطة، برأيه الذي لم يجامل فيه، يخبرنا أن الثورة ممكنة، وأن الانتفاض على ما هو قائم ممكن، وأن النقد من رأس الهرم ضرورة ثورية، فالأمر مرتبط بشعب وأرض، لا بسلطة وكراسٍ. وهذا ما يجب أن يكون عليه المثقف أولاً، أن يكون ناقداً مقداماً، لا «عاموداً» في خيمة منهارة.
