لوحة بوجهين.. حوار مع الفنان شوقي يوسف
في أشرفية بيروت، وتحت شجرة وارفة، أمام مقهى، التقينا الفنان اللبناني شوقي يوسف. رجل في منتهى الهدوء، يستقبلنا كأنه يعرفنا منذ سنين، وهكذا يحادثنا.

يجلس في صباحاته في المقهى ذاته، يتابع المارة، وأحداث الشارع الضيق الذي لا يتسع لأكثر من سيارة واحدة، يستمع إلى أسئلة كثيرة من سائقيها وهم يبحثون عن عنوان ما أو موقف لسياراتهم، فيدلّهم، "يسار يسار"، وبينما هو جالس معنا، وقف مرة، وذهب ليساعد سيدة تنقل أشياء من سيارتها إلى محلها، حركة بيّنت أنه موقف شبه يومي، شكل من يومياته المعتادة في علاقته بالأماكن والأشخاص فيها.
ولم تكن سهولة اللقاء والتواصل مع شوقي يوسف، كإجراء الحوار معه، فلا يمكن طرح سؤال مباشر على يوسف، وتلقّي إجابة مباشرة كما يحدث عادة. مع شوقي يوسف، سيكون الحوار أطروحة فنية وفلسفية وحياتية، كل جملة فيها تحمل بعداً ومعنى وقيمة، فالرجل يحيا برؤيته، ولا يدّعيها، فنه يشبه أطروحاته، وهكذا كان اللقاء الذي امتد نحو ساعتين.

الفن
لدى شوقي يوسف ثلاثة أضلاع يشكلون معاً رؤيته للفن، كأنهم الشرط له، "الأول، الشخصي الخاص، والثاني، المحيط بما فيه من فضاء وزمان ووجود، فنحن موجودون في مكان ما يؤثر في الخاص، ولا يمكن تجاهُله، ومن الضروري عدم تجاهُله، أما الثالث، فهو تاريخ الفن. يجب أن تتوفر الشروط الثلاثة لكي يكون هناك فن."
يأخذ فيبدع
علاقة شوقي يوسف بالفن، هي علاقة بالكون والحياة وكل تفصيل يمكن أن يحدث في العالم، يأخذ شوقي من كل شيء، وينتج إبداعاً: "دائماً هناك هذه المساحات، يختلط بعضها ببعض، فالحالة هي ذهاب وإياب، يخرج منك ويعود إليك،" ويوضح الأمر بقوله: "أنا كأنني مسام تدخلها الأشياء وتتعمق في داخلي، وتخرج ضمن العلاقة بيني وبين اللوحة. يتسرب اليومي المعاش إليّ، ومع التركيبة الرئيسية للشخص، والطفولة والتطور، تفلتر أنت في حياتك، وتعطي."

"خمسُ جهات لكنْ مدخل واحد"
العنوان السابق هو للمعرض الأخير لشوقي يوسف الذي اختُتم الشهر الماضي في غاليري "صالح بركات" في بيروت. يصف صيرورة خلق لوحات المعرض (13 عملاً فنياً) بمتتالية يتحدث عنها بوعيها الفلسفي والفني "الهشاشة هي أساس العمل، وصارت تقوى من خلال التقنية التي أنتجتها اللحظة، عمار خراب، عمار خراب."
لوحات المعرض بدأت من "خام عادي"، وُضع عليه اللون، فبدلاً من أن يكون عليه، صار فيه وانتقل إلى وجهه الثاني، تسرّب إليه، فصارت اللوحات تحمل وجهين، لذا، وكجزء من العمل- العرض الفني، عُلقت اللوحات عامودياً لتشاهَد من الجانبين. وكأنه بذلك يمتن رؤيته الفنية، بنقل الخام كمادة من الهشاشة إلى الصلابة، لتصبح مكوِنةً لرؤيته حول الفن، حوار يتخلق بين وجهين تخلّقا من بعضهما البعض، يتأملان رؤاهما وحكايتهما، ولا ينظران إلى بعضهما. هكذا ربما يمكن مشاهدة لوحة عرضها يوسف عامودياً في معرضه.

العلاقة بين يوسف وعمله الفني، علاقة بسيطة ومعقدة في آن معاً، تنشأ بينه وبين مواد العمل الفني منذ اللحظة السابقة للعمل، ويعتبر أن "اللوحة جزء من خلق العمل الفني، كخالق وليس كمخلوق." فالعلاقة باللوحة، علاقة باللغة كما يقول يوسف، "إذا أردت استعمالها لأقول شيئاً آخر، من دون أن تتحدث اللوحة عن حالها، فهذا شيء غير جيد. اللوحة لغة، وتريد أن تقول الأشياء بطريقتها. وفي حال لم تقُم بذلك، فلن تنتج كفنان أي شيء ولن تقول أي شيء."
في معرضه الأخير "أصبحت الشروط، أو الأضلاع الثلاثة، خطاً واحداً، فكل شيء خراب، الوضع المحيط، وما جرى في العالم أجمع خلال الأعوام السابقة، حين جلس العالم كله في البيت." ويرى يوسف أن هذه التجربة الإنسانية، أخرجت الكثير مما لدى البشر، "جعلتنا نشاهد التعبير النفسي للبشر."

يرى يوسف أن الفن "يساعد على معرفة ما لا نعرف،" ويضيف أننا نتمكن من معرفتها بـ "التجريب، والعلاقة باللوحة، والطبيعة التي أتناول فيها العمل الفني." ولعل المعرض الأخير يؤكد ما يذهب إليه شوقي يوسف من رؤى فلسفية لديه، فالمتفرج على لوحات المعرض، سيقف أمام توجهات عدة، إحداها ستحيله على أفكار مختلفة من اللوحات قد يلتقطها المتفرج ولا يقصدها يوسف، أما التوجه الثاني، فلعله يشبه يوسف بتحسّس ما نمرّ به، فيتلقى من اللوحة إشارات كثيرة، منها أنه يوجد في العمل الفني تراجيديا وموت تستفرغه الحياة على مهلها جرّاء ما يحدث في العالم، يومياً، من دمار وخراب مستمر لا يقف عند البشر والطبيعة.
مادة الفن كإبداع
كما اشتغل في "الخام"، اشتغل في الورق، ولم يذهب إلى ما يحدث عادة، الرسم على الورق، لكنه رسم في الورق، "ألجأ إلى استخدم الشفرة على الورق أحياناً، أجرّحه، أرى طبقات الورق، أبلله بالماء بالألوان. هذه العلاقة مع المادة-الورق هنا، جاءت من منطق قوة لتذهب إلى منطق هشاشة. الخام جاء من منطق هشاشة ليذهب إلى منطق قوة. لكن الهم الأساسي هو العمل في قلب المادة وليس عليها،" هكذا يصف يوسف علاقته بالمواد التي يصنع منها عمله الفني.
ويضيف "في تجربة استخدام الشفرة لتجريح الورق، عشت علاقة جديدة بالمادة، والتقاطة مهمة مع الجمهور، ففي تجربة لم ترُق لي، وهي تجمّع لفنانين في فضاء عام والرسم أمامهم. لم أعرف تماماً الغاية من مثل هذه الفكرة، ولماذا سنقوم بها، لكنني خلالها، قمت بتجريح الورق، كانت المرحلة هي بعد خروج الناس إلى الشوارع، لم أشعر بأن القلم يمكن له أن يتناسب مع رسم، الشفرة كانت هي المناسبة، اقترب الجمهور، وقف أمامي رجل سبعيني، سألني لماذا لم أرسم، فأخبرته أنني رسمت بالشفرة، أعطيته الفرشاة ودعوته إلى تحريكها على الورق، فبدأت تظهر 'ضربات' الشفرة، وبان الرسم الموجود، وكانت في عينيه مفاجأة جميلة بالنسبة إلي. هذه الحالة جعلتني أخوض تجربة الشفرة."

يتواصل يوسف مع العالم، مع التفاصيل الدقيقة للحياة والكون، قد لا تكون كلمة "الطبيعة" دقيقة ها هنا، لأنه يرى أن التواصل يتم مع كل شيء في الوجود، و"يتسرب إليه" عبر "المسام" التي لا تعني مسام الجسد، لكنها تشبهها، فتحات في العقل والقلب والروح، أو فتحات في وجود الفنان، يدخل من خلالها كل شيء، يعيش ويكبر، يتعمق، يفهم بطريقة وجودية خاصة، ربما من غير إدراك تام لما يحدث لها في الداخل.
الغناء قبل الموت
يغني طائر البجع قبل الموت، "هذا ما يحدث في حياتنا، وهذا ما حدث في لبنان. هذا ما حدث في العالم، هناك خراب يحدث. وهذه الأمور كلها نتحسّسها، تدخل فينا، وتخرج منا تعبيرياً بأشكال مختلفة." والفن حين يعبّر عن هذا الخراب، لا يكون بالتقاط الحدث والأحداث التي أدت وتؤدي إلى هذا الخراب، لكنه يكون بالتقاط اللحظة التعبيرية "فكرة الفن تأتي أثناء لحظة الفن، من دون تخطيط. الفن ليس فكرة تنفّذها، من الصعب جداً القول أنك تنفّذ فكرة. فالأمر يتعدى تحديد الموضوع، تحسّسنا لما يحدث، دخوله إلينا، تعمّقه في داخلنا، يؤدي إلى خروجه لاحقاً في العمل الفني. بالنسبة إليّ، حتى تقوم برقصة، سترقص في لحظتك. تريد أن ترسم، سترسم في لحظتك، اللحظة التي تحتوي على الرغبة الفكرية، وغيرها، وهذه الرغبة وغيرها من الرغبات، لا بد من أن تجد طريقها إلى العمل الفني، بشرط أن تكون جاهلاً لهذه الطريقة."

الفن قراءات
خلال حديثه، يتوقف شوقي يوسف عند حدث انفجار مرفأ بيروت، وكيف تم تمثيله فنياً، بالنحت واللوحة "جرى أحياناً رسم الانفجار بواقعية ومباشرة، بهذا الشكل من التعبير ما الذي قدمناه فعلياً، صحافة باللوحة! وحتى لو كان العمل متقناً وممتازاً، لكنه بالنسبة إليّ عمل كسول. فبإمكان الفنان أن يقوم بذلك بالتأكيد، لكن أين القراءة الثانية والثالثة للعمل الفني؟! الفن يجب أن يفتح على أماكن أُخرى، ورؤى أُخرى، الفن يجب أن يجعلك تشعر بأنك ارتفعت عن الأرض."
