مؤسسة الدراسات الفلسطينية

أنس البريحي: منال والنوم والحكاية

أنس البريحي: منال والنوم والحكاية
التاريخ: 
05/07/2023
أجريت المقابلة مع: 
أنس البريحي
أجرى المقابلة: 
أيهم السهلي

من السهل التعريف بالفنان أنس البريحي بأنه فنان سوري، لكن صاحب الرؤيا الفنية الخاصة به، يحب أن يعرّف نفسه بأنه فنان من سورية، "أتعمد هذه التسمية، لأقول أنا فنان عربي أنتمي إلى هذه المنطقة." 

 

 

المكان كلون

وُلد البريحي في مدينة السويداء جنوب سورية، تحديداً في منطقة "كوم الحصى"، هناك ترعرع، وهناك بدأت موهبته الفنية تأخذ أولى أنفاسها، "تأثرت بمكونات البلد الذي وُلدت فيه، فأنا بطبيعتي آخذ من محيط المكان. ففي أي بحث أقوم به، يكون محرّكي الأول الطبيعة، سواء كنت في مدينة أو في ريف. أبحث عن التفاصيل الحقيقية للمكان، لا يعنيني البناء المرتفع، لكن يعنيني البيت المبني بحب، والشجرة المتروكة على طبيعتها." ويضيف البريحي "عشت في السويداء المدينة، في منطقة كوم الحصى، حتى اسم المكان يوحي، وكل المنازل تقريباً مزروعة بدوالي العنب، وأشجار أُخرى. السويداء مدينة حجارتها سوداء، ففيها غرافيتي دائم، غامق وفاتح، دائماً سترى’كونتراست‘ بين الأسود والسماء، بين الشجر والعشب، كل هذه التفاصيل أثّرت بي، وكلها ساهمت في تكويني."

هذه العلاقة بالمكان، أوضحت لدى أنس أسراراً عديدة فيه، فكمّلها ببصمته الفنية. منحته السويداء نظرة خاصة في الفن، "أعطتني كل شيء، الإلهام والنظرة خاصتي، فالفن موجود لدى الأهالي هناك في دقائق الأشياء، وفي الثقافة الشعبية، ولبس النساء الشعبي، وتفاصيل الوسائد والشراشف وطريقة صنعها. هذه الأشياء كلها فن غير مدرك. المرأة في السويداء تشتغل لوحة، تحيكها وتعلقها على الحائط، وتدعو جيرانها لتريهم إياها، المرأة ها هنا، تفتتح معرضاً في بيتها، من دون أن تعرف أنها تفعل ذلك."

 

 

الأم إن ألهمت

أنس ابن مجتمع فني، وليس عائلة فنية، لكنه يعلق ها هنا على دور أمه الراحلة، "التأثير الوحيد في العائلة، كان من أمي (رحمها الله)، كانت تصمم وتخيط الفساتين، كنت أراقبها دائماً وهي تعمل، بينما كنت ألعب بالصوف والخيطان، وأنتبه للألوان. فكنت أشاهد أمي، وهي تكوّن الفستان، وأظن أن التأثير الأول جاء من هنا، بالإضافة إلى المجتمع المليء بالفن، مثلاً، عدة المتة، يزينونها، والغاز الصغير الذي يغلون عليه الماء، يزينونه بشيء ما كاللباس يوضع عليه، ففي عُرف المجتمع كل شيء يجب أن يزيَّن، وكل شيء من هذا كان فناً."

 

 

انتقال وتكامُل

أنهى البريحي دراسته الجامعية في سورية، وتخرّج من كلية الفنون الجميلة الثانية بجامعة دمشق فرع السويداء. انتقل سنة 2015 إلى بيروت لدراسة الماجستير في الجامعة اللبنانية في بيروت، تعرّف على الغاليريات، ومفهوم العرض وتقديم اللوحة للمتلقّي أو المشاهد: "حينها، فهمت أن ما كان يجري في السويداء، هو معرض بطريقة فطرية، يقوم به المجتمع على مرّ حياته اليومية." أنس كمعظم الفنانين، يشاهد ويتابع ويقرأ، فيتأثر بفنانين، يتعلم منهم، ويكوّن تجربته الشخصية، "في البدايات لم أتأثر بأحد، كنت أنظر إلى الطبيعة، وأرسم. لاحقاً، بدأت برسم جارتي منال، وعندما دخلت إلى الجامعة، تعرفت إلى تجارب عدد من الفنانين، منهم مروان قصاب باشي، وقد أدهشتني تجربته، وزياد دلول، ولؤي كيالي، وفاتح المدرس، ومن كل واحد منهم تعلمت شيئاً، تأثرت بخطوط كيالي، ومن المدرس، تعلمت علاقة الفنان بلوحته وسطحها، فهو لم يقبل أن يكون سطح اللوحة عادياً، فتشعر بأن سطح اللوحة منسوج، ومن قصاب باشي تعلمت العفوية. لم أشبه أياً منهم، لكنني تعلمت الكثير. أما الفنانون الأجانب، فانسحرت بـ ‘جماعة الأنبياء’، انتبهت إلى أنني كنت أرسم بأسلوبهم قبل أن أعرفهم، ولاحقاً، طورت مهاراتي على هذا الصعيد." 

 

 

منال

تقريباً، لا يذكر أنس البريحي في مكان، إلا ويُرفق اسمه باسم منال، الشخصية التي جسّدها في معرض حمل اسمها. منال كانت جارته في السويداء، يقول أنس إنه "يقشعر" حين يتحدث عنها، ويقول أيضاً إنها "علمتني كيف أرى". هي فتاة مصابة بـ "متلازمة داون"، يتحدث عنها البريحي بكثير من الانطلاق والعفوية، ويصفها كأنها جالسة معنا في المقهى الذي نجري فيه المقابلة، "كانت منال الوحيدة المختلفة في كوم الحصى، عانت في كل حياتها جرّاء نظرة متخلفة وعنصرية. كانت كل عمرها تحاول اللعب مع الأطفال، لكن أهلهم كانوا يخيفونهم منها،" ويذكر أنس الدوافع التي جعلته يرسم منال "ما جعلني أرسم منال، جمالها، وليس وضعها. رأيت فيها حقيقة، لم أرَ المرض، تفاصيلها كأنها هاربة من متحف لتكون في السويداء. هي الوحيدة التي كنت أتمكن من رسمها بينما أنظر إلى عينيها، لأن نظرتها تنم عن حقيقة بعيدة عن التزلف. كثيراً ما جربت رسم نساء وأشخاص، فلم أتمكن من النظر إلى عيونهم. أما منال فكانت تجلس أمامي بكامل عفويتها وطبيعتها. وأذكر أنها في يوم من الأيام، سألتني لماذا أرسمها؟ وكان هذا السؤال مثيراً بالنسبة إليّ، فأجبتها بما أنا مقتنع به، ’لأنك حلوة‘." رسم أنس البريحي منال في أول لوحة والثانية والثالثة، وباتت منال تزوره كل يوم في مرسمه لتسأله إن كان يريد أن يرسمها، وهذا ما كان يجري، وبينهما كانت تتوالد الأحاديث والحوارات، حتى ذاع صيت "منال والرسام" في كل أرجاء المنطقة التي يسكنانها، وكانت الأحاديث تدور لدى البعض حول سبب اختيار الرسام رسم هذه الفتاة، بينما كان يجيبهم "أرسمها لأنها فتاة جميلة." ولم يمر وقت طويل حتى أصبحت منال مشهورة مرة أُخرى في الحي، لكن هذه المرة بسبب اللوحات "صارت منال تتمشى في الحي والكل يريد التواصل معها، ينادونها باسمها، فتجيبهم ’أنا مش منال، أنا لوحة‘.

 

 

كنت أرسم منال، وتجري هذه الأحداث، وأنا حتى ذلك الحين لا أعرف عن المعارض وبيع اللوحات في العالم، لكن حين جئت إلى بيروت لدراسة الماجستير، تغيّر كل شيء. شاهد الأعمال أستاذي في الجامعة وغولغيلمو ساشنينا، وهو إيطالي، فاهتم كثيراً، واشترى مني لوحتين، ونصحني وشجعني على عرض الأعمال، وهذا ما حدث، وكان العرض الأول لمنال في بيروت، والذي كُتب عنه في العديد من الصحف العربية والأجنبية، بالإضافة إلى التقارير على التلفاز، وهذا أدى إلى أن تتغير حياة منال رأساً على عقب، فصارت تهتم بنفسها أكثر، وترافق العديد من الأصدقاء في المنطقة، ويتبادلون الزيارات معها، صارت حياتها طبيعية نوعاً ما. وهنا أدركت أن الفن يمكن أن يؤثر في المجتمع بأكمله. وأدركت أن هذا حدث بسبب انطلاقي من حقيقة الموضوع، فلو رسمتها لكونها من أصحاب ’متلازمة داون‘ لما كان المعرض نجح، ولا حتى وصلت فكرته، لكن كوني رسمت الجانب الجميل، التفاصيل الجميلة في منال، وبتلك التفاصيل الجميلة قدرت على التأثير في مجتمع بأكمله." بسهولة يمكن القول إن لوحات "منال" لأنس البريحي حمَت الفتاة من المجتمع ونظرته إليها، لكن لأنس رأيه هنا: "في الحقيقة أشعر بأن منال هي التي حمَتني، وليس العكس، فقد تعرفت إليها بعد وفاة أمي، فكانت هي الملجأ والمحتوى، وكانت هي التي تهتم بي أكثر من اهتمامي أنا بها، كانت تسأل عني وتجلب لي وردة تقطفها، وكانت تقول لي أنت أخي، فكنت أشكو لها وأحكي لها همومي، وكانت تستمع إليّ بإصغاء."

جاء النوم

أعمال البريحي، منطلقها الأساسي تجربته، وإدراكه، وإحساسه. فليس ممكناً في فهمه للفن، أن يقدم لوحة من دون أن يشعر بها، هذه اللوحة التي لا يرسمها على الإطلاق "فهي من روحي. إن لم تكن اللوحة نابعة من داخلي، لا أرسمها، فهي مثل أولادي، أنجبها من داخلي."

 

 

وعلى هذه الحال، كان النوم "الموضوع" الذي يشغله منذ سنوات. تعود قصة النوم عند هذا الفنان إلى بدايات وجوده في بيروت، حين سكن مع مجموعة من العمال من جنسيات مختلفة. كانوا يعملون في النهار، وحين يعودون إلى البيت، كان هدفهم الوحيد هو النوم، في تلك الفترة كان البريحي يجلس في الليل ليرسم، كان يراقب نومهم، أو يحرسه ربما "خلال نومهم كنت أشاهد حقيقتهم. وحتى من ناحية جمالية، الإنسان الغارق في لحافه وغاف، ترى وجهه أو ظهره، شكل نومه، ترى فيه الهشاشة والضعف، وهذا تعبير عن الإنسان في حقيقته."

 

 

والحديث مع أنس لا يتوقف عند اللوحة التي أُنجزت، فلها حكايتها ورؤيتها، فالنوم هو "الأمر الوحيد الذي ليس لأحد أن يأخذه منك، ففي السجون، حتى لو بالغوا في منع السجين من النوم، سينام في النهاية، وحتى لو منعوه أكثر فأكثر، سيموت. في حالة النوم، هناك تسليم للجسد." وحين رسمه، تركه في راحته، هادئاً في تحليقه داخل جسد النائم، فالنوم "لحظة غياب كاملة، سيكون فيها الإنسان غير موجود في الحياة الطبيعية التي فيها الزيف والأقنعة والخداع والرأسمالية. النوم حالة شاعرية. ولو أنني تمكنت من الكتابة عن النوم لما كنت رسمته." وإن بدا أن كلام البريحي عن النوم يتخذ منحى أدبياً وفلسفياً، إلا أنه قدم له الكثير تشكيلياً كما يقول: "أنا قادر في هذا الموضوع على تقديم كل تطلعاتي في الفن من غير مباشرة. وأنا شخصياً ضد المباشرة في الفن، فالشخص النائم اختصر عليّ رسم روحه."

 

 

 

قديم جديد وانتماء

لا يستخدم الفنان أنس البريحي في لوحاته ألوان "أكريليك"، فهي في نظره مرتبطة بالحداثة وما بعدها، والتي لديه رأي فيها يعبّر عنه "أنا أحافظ على أساسيات الفن وقواعده، ولا أؤمن بإلغاء هذه القواعد، فأنا أؤمن بأن الفن التشكيلي مثل الموسيقى، لديك كفنان سلّم موسيقي ونوتة، وبعدها لك أن تبحر كما تشاء." وهكذا يرى البريحي أن الفن يجب أن ينتمي إلى مكان، هذا المكان هو بيئة الفنان التي يجب أن يكون أميناً لها "أشعر بأن الفن يجب أن ينتمي إلى بيئته، تستفيد من عظماء سبقوك، لكن إن لم تكن أميناً لبيئتك، ومن أين أنت، فلا يمكنك الوصول إلى مكان."

 


Published on مؤسسة الدراسات الفلسطينية (https://www.palestine-studies.org) Source URL (modified on 11/16/2023 - 10:55):https://www.palestine-studies.org/ar/node/1654028