المكتبات، تجربة شخصية
على الرغم من حبي للقراءة والمكتبات، عندما اخترت تخصُّصي الجامعي في جامعة بيرزيت (دراسات شرق أوسطية) الذي كان تخصُّصاً وليداً في ذلك الوقت، فإن العمل في المكتبة لم يكن أحد تطلعاتي. كانت بدايتي، بعد تخرّجي مباشرة في سنة 1979، في مكتبة جامعة بيرزيت، الحرم الجامعي القديم، والتي كانت تتوزع بين المكتبة الرئيسية في الطبقة الثالثة من المبنى الغربي للجامعة وبين أقسام أُخرى في الطبقة الأرضية للدوريات والمراجع وقسم آخر للآداب. كان عملي في قسم المراجع والدوريات قبل أن تنتقل الجامعة إلى المبنى في الحرم الجديد للجامعة. تنقلت في جميع أقسام المكتبة، من قسم التزويد، إلى قسم تصنيف الكتب الإنكليزية، إلى قسم المراجع، وهو القسم الذي أحببت العمل فيه كثيراً كونه على علاقة مباشرة مع الرواد من الطلاب والأساتذة والباحثين، وكنت أساعدهم في الحصول على المعلومات اللازمة لأبحاثهم من مجموعة المراجع الموجودة في المكتبة. كان ذلك قبل ظهور الإنترنت، وقبل صدور قواعد البيانات الإلكترونية بالنص الكامل في الموضوعات كافة. وتجدر الإشارة إلى أن جامعة بيرزيت، من أوائل الجامعات الفلسطينية التي عملت على أتمتة محتويات مكتبتها منذ سنة 1985.
الانتقال إلى المبنى الجديد للمكتبة شكّل نقلة نوعية للخدمات التي تقدمها المكتبة للطلاب والباحثين. وتميزت هذه الفترة بإغلاقات متكررة للجامعة، الأمر الذي اضطرنا إلى الانتقال إلى مبنى مجلس أمناء الجامعة في رام الله كحل موقت، فكان علينا الذهاب خلسة إلى المكتبة الرئيسية لإحضار الكتب والمراجع المطلوبة من الطلاب والأساتذة، وكان الأمر لا يخلو من المخاطر.
كمكتبية فلسطينية تحت الاحتلال، واجهتني وزملائي تحديات كثيرة، تمثلت بشكل خاص في الإغلاقات المتكررة للجامعات ومراكز الأبحاث، منها الإغلاق في الفترة 1988-1992، فترة الانتفاضة الأولى، ومنع استيراد الكتب من الخارج، أو الرقابة المشددة عند إدخالها، مثل منشورات "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في بيروت، ومجلة "الهدف"، ومجلة "فلسطين الثورة". كما صادر الحكم العسكري كتب من مكتبة جامعة بيرزيت، منها لناجي علوش، "الثورة والجماهير: مراحل النضال العربي ودور الحركة الثورية 1948-1961"، و"نحو ثورة فلسطينية جديدة"، وغيرها لكتّاب ومفكرين آخرين.
الدراسة
وفي أثناء عملي في المكتبة، حصلت على منحة لدراسة الماجستير في علم المكتبات، من جامعة University College London) UCL)، وكانت رسالة الماجستير بعنوان "الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة: ببليوغرافيا" (لندن: ميلكوم، 1993). وقمت فيها بجمع كل ما كُتب عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى من مقالات وكتب باللغتين العربية والإنكليزية، ونشرتها ميلكوم MELCOM في سنة 1993. في أثناء دراستي، وكجزء من برنامج الماجستير، أمضيت فترة تدريب في جامعة (School of Oriental and African Studies SOAS)، وهي جزء من جامعة لندن، وكانت فترة التدريب في قسم الدراسات الشرق الأوسطية في المكتبة، وكانت مهمة جداً كونها تشكل نافذة على ثقافات أُخرى، وكونها المرة الأولى التي أعمل فيها في مكتبة متنوعة الحضارات والأجناس.
عدت مرة أُخرى إلى العمل في مكتبة جامعة بيرزيت في قسم المراجع في سنة 1991، بالإضافة إلى تدريس مساق المهارات المكتبية، الذي كان في ذلك الوقت مساقاً إجبارياً للطلاب في السنة الجامعية الأولى يهدف إلى تعريف الطلاب بالمكتبة. تخللت هذه الفترة أيضاً إغلاقات للجامعة، فكنا نضطر إلى التدريس خارج مبنى المكتبة، وفي بعض الأحيان كنا نقوم باختلاس فترة التدريب العملي داخل هذا المبنى.
في سنة 1994، سنحت لي الفرصة للذهاب إلى فرنسا، وتحديداً إلى معهد العالم العربي في باريس، لتمضية فترة تدريب استمرت سنة. بعد التنقل في أقسام مكتبة معهد العالم العربي الشهيرة التي تحتوي على كتب ودوريات باللغتين العربية والفرنسية، كان تركيزي على جمع كل ما كُتب من مقالات وكتب عن مباحثات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية باللغات الثلاث، العربية والإنكليزية والفرنسية، ووضعها في قاعدة بيانات إلكترونية.
كان وجودي في مكتبة المعهد فرصة للتعرف إلى أساليب العمل في جوّ متعدد الحضارات، وعلى طريقة تنظيم وحفظ المعلومات واسترجاعها، إذ كان من مشاريع المكتبة التي عملت عليها فهرسة مقالات المجلات إلكترونياً، والتي كانت تتم يدوياً قبل أن يحدث التطور التكنولوجي، وأصبحت الدوريات تُنشر إلكترونياً بالنص الكامل. بعد عودتي إلى المكتبة، اقترحت استحداث مشروع فهرست إلكتروني لمقالات الدوريات العربية في المكتبة، كي يسهل الوصول إلى المعلومات بداخلها بطريقة سهلة وسريعة، وقد تم تطبيق هذا الاقتراح. أمّا الاقتراح الآخر، فقد كان استحداث مختبر للكمبيوتر في غرفة منفصلة في المكتبة، يساعد الطلاب على استخدام الكمبيوتر للبحث، فتم استحداث المختبر الذي أعطى الباحثين والطلاب مساحة للبحث بهدوء من دون التسبب بإزعاج مستخدمي المكتبة الآخرين.
حصلت على منحة من الحكومة الفرنسية لاستكمال دراسة الدكتوراه في مدينة ليون، الأمر الذي تطلّب تقديم استقالتي من جامعة بيرزيت، نظراً إلى طول مدة الدراسة. وفي ذلك العام التحقت بالمدرسة الوطنية العليا في علوم المعلومات والمكتبات ENSSIB (Ecole Nationale Supérieure des Sciences de l’information et des Bibliothèques).
حصلت في سنة 1998 على شهادة الماجستير في التوثيق الإلكتروني في موضوع "رقمنة المخطوطات الفلسطينية في مدينة القدس: دراسة جدوى". فتطلّب ذلك زيارة القدس، والإجابة عن استبيان للمكتبات التي تحتوي على مخطوطات، مثل مكتبة المسجد الأقصى والمكتبة الخالدية ومكتبة النشاشيبي ومركز حفظ التراث، إلخ. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1998، بدأت مرحلة الدراسة لدرجة الدكتوراه في جامعة ليون الثانية، تخصُّص في علم المعلومات والاتصالات، وكانت رسالة الدكتوراه بعنوان "الوصول عن بُعد إلى المخطوطات العربية المرقمنة على شكل صورة"، وكان أحد فصولها استحداث 172 ميتاداتا خاصة بالمخطوطات العربية، وهي بيانات وصفية يتم من خلالها تنظيم البيانات وحفظها لتسهيل عملية استرجاعها، كما تم من خلالها بناء قاعدة بيانات تجريبية. وجزء آخر من الرسالة كان بالعمل والتعاون مع مختبر المعهد الوطني للعلوم التطبيقية في جامعة ليون، والذي تركّز على التعرف إلى محتوى المخطوطات بطريقة شبه أوتوماتيكية، أي تمييز النص من الصورة. وهذا العمل كان الأول في هذا المجال، ولهذا حصلت على جائزة الفرنكوفونية في سنة 2006، كما سبق أن نشرت نتائج البحث في مقال في المجلة العلمية Document Analysis systems, V.I, pp. 75-89، بالشراكة مع الأستاذ فرانك لوبورجوا (Franck Lebourgeois) في سنة 2004.
أنهيت رسالة الدكتوراه في بداية سنة 2004، وحصلت على تقدير مشرّف جداً. تخللت فترة الالتحاق بالدكتوراه مشاركتي في العديد من المؤتمرات العلمية بأبحاث في مجال الدراسة، كما تحدثت أيضاً عن اقتحام المكتبات وتدميرها في المؤسسات الفلسطينية، بما فيها مكتبة المركز الثقافي الفرنسي في مقره القديم، في أثناء اجتياح مدينة رام الله في سنة 2002، وعن نهب المكتبات الفلسطينية الخاصة والعامة في سنة 1948، والموجود جزء منها الآن في مكتبة الجامعة العبرية.
بعد تخرّجي، عملت عدة أشهر في مكتبة المدرسة الوطنية العليا لعلوم المعلومات والمكتبات (ENSSIB) إلى أن عدت إلى فلسطين، حيث تم اختياري للعمل على تأسيس مكتبة المركز الثقافي الفرنسي الألماني الحديث النشأة. كان عملي في إدارة وتنظيم المكتبة في الجانب الفرنسي، وفي الوقت نفسه، تنظيم وإدارة برنامج ثقافي يشمل ندوات في يوم الأربعاء الأخير من كل شهر. وكانت المكتبة المتنقلة أحد اقتراحاتي، التي شاركت في وضع أسسها مع زميلة ألمانية. فكانت هذه المكتبة تذهب إلى المدارس التي تدرّس اللغتين الألمانية والفرنسية في مناطق شمال فلسطين والقدس وأريحا وبيت لحم، كما كانت تشارك في النشاطات الثقافية لبلدية رام الله، وفي مناسبات ثقافية أُخرى.
مكتبة بلدية رام الله العامة
في سنة 2013، انتقلت إلى العمل في إدارة مكتبة بلدية رام الله العامة لمدة ثلاثة أعوام. تركّز عملي على إدارة المكتبة ووضع تصوُّر يتلاءم مع خطة البلدية لإعادة تأهيل المبنى وإعادة الهيكلة الداخلية من تنظيم المحتوى، كي ترقى بالخدمات المقدمة لجمهور الرواد من طلاب وباحثين ومهتمين بالقراءة في المدينة والقرى المحيطة. في هذه الفترة، تم تصنيف وإعادة تصنيف محتويات المكتبة كافة. كما تم العمل بالتعاون مع مكتبة بلدية البيرة، على وضع تصوّر لمشروع الفهرست الموحد بين كل المكتبات الفلسطينية، لكن المشروع لم يرَ النور، لكنها كانت تجربة غنية بكل ما فيها.
عدت في بداية سنة 2016 إلى العمل في مكتبة المركز الثقافي الفرنسي الألماني، حيث استكملت ما كنت أقوم به سابقاً، بالإضافة إلى تدريب طلاب المعهد وطلاب وأساتذة اللغة الفرنسية في جامعة بيرزيت على طريقة استخدام CultureTech ، وهي مكتبة الكترونية أنشأتها وغذتها وزارة الثقافة الفرنسية، تتيح للمشترك فيها استعارة الكتب الإلكترونية بالنص الكامل إلكترونياً لمدة محددة ينتهي بعدها الرابط لهذه الكتب. في هذه الفترة، تم تغيير نظام المكتبة الإلكتروني من مينيزيس MINISIS إلى نظام KOHA، الأمر الذي ترتّب عليه إجراء دورة تدريبية على كيفية استخدام النظام من ناحية، وعلى تنقيح وتنظيم المحتوى من ناحية أُخرى. وتم التدريب والمتابعة من جانب خبراء ألمان قدِموا خصيصاً لهذه الغاية.
الفضاء الثالث
تماشياً مع التطورات في مجال المكتبات الإلكترونية والكتب بالنص الكامل وقواعد البيانات الإلكترونية، برز التفكير في نمط آخر غير المكتبات التقليدية، لذا جاءت فكرة الفضاء الثالث (the Third Space)، والتي تهدف إلى خلق مكان ثالث غير البيت ومكان العمل يلتقي فيه الرواد، حيث يجدون كل ما يساعدهم على تمضية وقت مفيد، كالكتب والألعاب والاستماع إلى الموسيقى وحضور ندوات، إلخ. كان هذا أحد مشاريع معهد غوته، بالتعاون مع المركز الفرنسي، وتم تطبيق الفكرة بعد نهاية عملي في المعهد في سنة 2019 بعدة سنوات، والآن، تحولت مكتبة المعهد إلى هذا الفضاء الثالث. كانت لهذه المكتبة إضافة في هذا الخصوص، فقد كان في إمكان المشترك اختيار كتاب إلكتروني من هذه المكتبات، واستعارته لمدة 21 يوماً ينتهي معها الرابط الذي يوصله بالكتاب.
عدم وجود تخصُّص في علم المكتبات والمعلومات في الجامعات الفلسطينية أدى إلى نقص في عدد المتخصصين في هذا المجال، علماً بأنه تم إنشاء تخصّص في مجال المكتبات، حديثاً، في جامعة القدس المفتوحة، لكنه لا يزال في بدايته. المكتبات على مختلف أنواعها تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والدعم المادي كي تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة.
وعلى الرغم من التطورات التكنولوجية الحديثة في مجال المكتبات والتحول نحو الكتب الإلكترونية، فإن الأغلبية العظمى من القراء والمستفيدين من المكتبات يفضلون الكتب المطبوعة إلى الآن. لكن سيختلف الأمر في المستقبل، في نظري، وبصورة خاصة مع الجيل الجديد الذي تعوّد منذ صغره على استخدام التكنولوجيا في جميع مناحي حياته، وخصوصاً الدراسية منها.
