الطلاب في مخيمات لبنان: انخفاض مستوى التعليم وتراجُع في التحصيل
تقدم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" خدماتها التعليمية في لبنان إلى أكثر من 36960 طالباً يتوزعون على 65 مدرسة منتشرة داخل المخيمات وخارجها، بحسب موقعها الإلكتروني.
أعلنت الوكالة قبل افتتاح العام الدراسي 2021 -2022 أنها ستعتمد أسلوب "التعليم المدمج التناوبي" الذي يجمع بين التعلّم الحضوري والتعلّم في المنزل، مبررةً ذلك بالمحافظة على التباعد الجسدي لتقليل انتشار فيروس كورونا. لكن في مقابل ذلك، يجد الطلاب وذووهم مشاكل كثيرة في التعامل مع برنامج "الأونروا"، وهو ما ينعكس على التحصيل العلمي والواقع التعليمي والنفسي، وكذلك على العام الدراسي بصورة عامة، ولا سيما أن الوكالة لم تضمن العودة الآمنة إلى المدارس في ظل انتشار فيروس كورونا من ناحية التعقيم وعدد الحضور في الصفوف المكتظة بالطلاب.
سميح محمود، مصور فلسطيني، مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت
تجارب قاسية
الطالبة في المرحلة الثانوية مريم تؤكد أن التعليم الحالي دمّر، نفسياً وصحياً ومعرفياً، الطلبة المتفوقين، إذ باتت تشعر بظلم شديد، وتقول "لم أعد أشعر بالدافعية المعرفية التي كانت تقودني سابقاً إلى بذل المزيد من الجهد لتحقيق التفوق الذي أنشده، فكثرة التكاليف وصعوبة العملية التعليمية الحالية تجعلني أعيش في ضغط مستمر وتوتر لا ينتهي".
ويتفق محمود، وهو طالب في المرحلة المتوسطة، مع زميلته مريم، ولا سيما في مسألة الضغط النفسي ونقص الحاجات الأساسية لإتمام الدراسة عبر الإنترنت، وخصوصاً أن شبكتي الكهرباء والإنترنت في لبنان مقطوعتان في معظم الأحيان، وغير متوفرتين في أغلبية أوقات النهار.
أمّا جواهر، وهي أم لثلاثة أبناء يتلقّون تعليمهم في مدارس "الأونروا"، فترى أن "التعليم الحالي أفقد أبناءها الحسّ بالمسؤولية تجاه دورهم في التحصيل الدراسي". وتشير إلى أن "التعليم التبادلي نزع من العملية التعليمية جديتها، وجعلها تعيش مع أولادها حالة من التشتت الأُسري، إذ دفعها إلى توزيع أولادها على منازل أقاربهم ليتمكنوا من إنجاز ومتابعة واجباتهم لعدم قدرتها على توفير أكثر من جهاز محمول في بيتها، نظراً إلى الضائقة المادية التي تسيطر على أُسر اللاجئين الفلسطينيين في لبنان".
قرارات متسرعة
يقول مدرسون ومدراء في "الأونروا"، رفضوا الإفصاح عن هويتهم لأسباب إدارية في الوكالة، إن "قرارات الأونروا لم تراعِ الأهداف الأساسية للعملية التعليمية"، ويرون أن هذه الاستراتيجيات أثّرت في الطلبة، أكاديمياً ونفسياً. إذ لوحظ تراجُع واضح في التحصيل وانخفاض في القدرات الذهنية بالنسبة إلى الطلبة المتفوقين، وهو ما يشير إلى أن الصورة أكثر ضبابية بالنسبة إلى الطلبة من ذوي التحصيل المتوسط أو المتدني، الأمر الذي أدى إلى ضعف عام في المهارات الأساسية، وخصوصاً في المرحلة الابتدائية، كما أن مرور عامين على التعلُّم عن بُعد أدى إلى ضياع العديد من المهارات في كل المراحل التعليمية". أمّا من الناحية النفسية، فيشير المدرسون إلى أن "التعليم الحالي وضع الطلبة وذويهم في المنزل تحت ضغط نفسي كبير يؤدي، بالتدريج، إلى تدنّي الدافعية في التحصيل العلمي التي تُعتبر أهم من الاستعداد في العملية التعليمية، والذي تنتج منه خسارة الطلاب للمهارات والمعلومات، وقد يصل بهم إلى التسرُّب المدرسي ورفض المدرسة كلياً".
من جهته، يقول مدير إحدى مدارس "الأونروا" إن الجانب الأهم الذي لم تراعِه الاستراتيجيات الحالية هو المعوقات التي تحول دون تحقيق أهداف العملية التعليمية". ويضيف: إن "معوّقات لوجيستية مرتبطة بتوفير الإنترنت وجودة الاتصال، إلى جانب الإمكانات التكنولوجية المبنية على صعوبة الظروف الاقتصادية وعدم توفُّر أجهزة المحمول لدى عدد كبير من الطلبة، بالإضافة إلى ضعف إمكانات الكادر التعليمي في التعامل مع مستجدات المرحلة الحالية، ونقص كبير في المصادر التعليمية ضمن المنهاج المقرر، إلى جانب التأخر في تأمين المواد الإثرائية البديلة، وعدم سير عملية التواصل مع الأهل بالدرجة المطلوبة".
ويبدو أن العام الدراسي يمرّ بواقع كارثي يُعدّ الأخطر في مسيرة "الأونروا"، على الرغم من أن التعليم سابقاً لم يكن في المستوى المطلوب، فإنه أصبح يعكس فجوة كبيرة بين الطالب والمادة التعليمية، وهو ما ينذر بأن الأعوام المقبلة ستحمل في طياتها العديد من الأزمات الاجتماعية المرتبطة بسلوك الفرد. وترى الأخصائية التربوية سكينة الميناوي أن "الوكالة مؤسسة عريقة وراقية، إلّا إن سياساتها التربوية المتقدمة لا تتخطى كونها مجرد أفكار مكتوبة لا تُترجَم عملياً، الأمر الذي يعكس عواقب توصل اللاجئين الفلسطينيين إلى انهيار مجتمعي مبرمج". وتؤكد الميناوي التي تتابع حالات اجتماعية خاصة أن "ذلك سيترك آثاراً وتداعيات كبيرة على الطلاب وأهاليهم، وعلى مستقبل المجتمع بصورة عامة، فيمكن أن نكتشف بعد عشرة أعوام أن هذا الجيل لم يتعلم شيئاً. لكن الوكالة الدولية تملك الكوادر المتخصصة التي من شأنها توظيف طاقاتها في خدمة اللاجئ الفلسطيني".
مسؤولية "الأونروا"
من جهتها، تقول مسؤولة التربية والتعليم في "الأونروا" ميرنا الشمّا، إنه "في إطار التعليم التبادلي الذي تستخدمه في العام الدراسي 2021- 2022، وزعت الوكالة المواد المطبوعة والكتب المدرسية على طلاب المرحلة الأساسية". وتشير إلى أن "الوكالة تعمل مع الشركاء لتقديم الدعم للطلاب الأكثر حاجة لتجنُّب التسرب بسبب الصعوبات الاقتصادية، من خلال توفير الأجهزة الذكية، والمساعدة في الاتصال، وبناء القدرات لأصحاب المصلحة المعنيين، وإشراك أولياء الأمور، والمنظمات المجتمعية".
وفيما يخص المرحلة المقبلة، تضيف الشمّا، أن "تقييم المرحلة الراهنة يُعدّ من بين العمليات التي ينفّذها برنامج التعليم كجزء من استراتيجية الإصلاح، وستُجري (الأونروا) تقييماً للفصل الدراسي الأول من العام الدراسي 2021- 2022 لمعرفة مستوى أداء الطلاب، وبناءً على نتائج التقييم، ستقرر الوكالة الخطوات المقبلة". أمّا عند سؤالها عن سياسة الترفيع الآلي التي تعتمدها الوكالة، قالت الشمّا إن "الأبحاث والدراسات في جميع أنحاء العالم خلصت إلى أن مَن يعيدون صفوفهم الدراسية هم أكثر عرضة بعشر مرات للتسرّب من المدرسة، مقارنة بمن يتم ترفيعهم"، مشيرةً إلى أنه بناءً على ذلك، فإن ترفيع جزء من الطلاب الذين يستوفون معايير الترفيع ويحتاجون إلى دعم إضافي محدد، يُعتبر بمثابة فرصة إضافية لدعمهم وتقليل احتمالات تركهم الدراسة وتحديد حاجاتهم". وتؤكد أن "المدارس تأخذ في الاعتبار هذه الآلية من خلال إشراك فرق دعم الطلاب ومستشاري المدرسة لدعم هؤلاء الطلاب طوال العام الدراسي".
في المقابل، ترصد "المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان" (شاهد) في تقريرها الحقوقي، التخبط الإداري الذي تمارسة وكالة "الأونروا" في لبنان خلال أداء وظيفتها الإنسانية في عدد من القطاعات، منها التعليمي، بسبب ما يُسمى الإجراءات الوقائية من وباء كورونا، ليتبين أن الوكالة قررت "تقليص أيام الدوام للطلبة داخل مدارسها إلى عشرة أيام في الشهر فقط من دون استخدام منصات التعليم عن بُعد، بهدف تقليص عدد المدرسين في مدارسها، مع أن وزارة التربية اللبنانية قررت أن تكون أيام التعليم بواقع 16 يوماً شهرياً، وعدم زيادة عدد الموظفين المشرفين على النظافة ودورات المياه داخل المدارس للإشراف على النظافة والتعقيم الدائم، وعدم توفير مدرس بديل من المدرسين الذين يصابون بفيروس كورونا، لأن "الأونروا" تشترط لتوفير مدرس جديد بأن تكون أيام الدوام في المدارس أقل من 12 يوماً في الشهر، وعدم تزويد المدارس بحاجاتها من الكتب والقرطاسية، عبر تبرير ذلك بعدم توفُّر مطابع كافية في لبنان، وإنهاء عقود الكثير من الكتّاب والعمال وبعض معلمي برنامج الدعم الدراسي، وإلغاء برنامج Self-learning program، وإيقاف عقود الكثير من المدرسين المياومين بشكل مفاجئ، علماً بأنه تم التعاقد معهم حتى نهاية العام الدراسي 2022.
عامان من التعلُّم عن بُعد، بالإضافة إلى قرار التعلُّم المدمج التبادلي هذا العام، لم ينتج منهما، بحسب استطلاع آراء الطلبة وأولياء الأمور والأساتذه والمختصين السابقة الذكر، سوى كارثة على مستوى تعليم اللاجئ الفلسطيني، الأمر الذي أوجد لدى المدرسين والمختصين أفكاراً قد تشكل بدائل أفضل من التي فرضتها حالة التوتر التي حلّت كخطوات بديلة لتفادي أزمة كورونا. إذ يرى أساتذة في المدارس أنه يمكن إنقاذ العام الدراسي عبر "تطبيق التعليم المدمج بعدد طلاب أقل داخل الغرف الصفّية، واتخاذ إجراءات وقائية مشددة، باستمرار الدوام الحضوري، وتفعيل المواقع التعليمية التفاعلية بصورة حقيقية، والعمل على إعداد خطط بديلة يتم إشراك العديد من الأطراف خلال إعدادها، كالأساتذة والطلبة وأولياء الأمور، وأن تكون مبنية على دراسة الواقع الحقيقي، وليس الخطط الضبابية".
عندما حطّ الفلسطينيون رحالهم في مخيمات الشتات، عمدوا إلى نصب خيام التعليم قبل خيام مساكنهم، لأنهم أدركوا أن للهزيمة وجهاً ثقافياً إلى جانب وجهها السياسي والعسكري، وأن مَن حرص على سرقة الهوية الفلسطينية بتكثيف جهوده العلمية، عليهم أن يتفوقوا عليه بالعلم والمعرفة، لكن التعليم الذي أرادوا أن يمحوا من خلاله نكبتهم الأولى صار في الأعوام الأخيرة نكبة ثانية.
