حديث صحافي للرئيس الأميركي المنتخب يكشف فيه خطط الإدارة الأميركية الجديدة تجاه مختلف قضايا الشرق الأوسط
النص الكامل: 

ما هي أهم التغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط في رأيكم منذ بدء عملية السلام في مدريد في تشرين الأول (أكتوبر) 1991؟

أهم تغيير هو انتخاب يتسحاق رابين في إسرائيل. إذ إنه لم يضع وقتاً في بعث الحياة في المفاوضات. كما أن إسرائيل جددت اعترافها بقرارات الأمم المتحدة التي تعد أساس عملية السلام وطبقتها بشكل خاص على المفاوضات مع سوريا.

كذلك قلصت حكومة رابين النشاط الاستيطاني واتخذت إجراءات أُخرى لبناء الثقة في علاقاتها مع الفلسطينيين والأطراف العربية الأُخرى. وأعتقد أن الوقت حان لكي يقوم العرب بخطوات أُخرى تجاه إسرائيل.

هل تقصد أن يقدم العرب على خطوة مشابهة لزيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس عام 1977؟

أو خطوة مماثلة تترك أثراً عميقاً. مثلاً يجب أن تنهي دولة عربية واحدة على الأقل المقاطعة العربية المفروضة ضد إسرائيل. وإذا ما قررت دول عربية عدة أن تفعل ذلك كرد على بعض الخطوات التي اتخذتها إسرائيل، فإنني أعتقد أننا سنقطع طريقاً طويلاً من أجل التوصل إلى اتفاق يتماشى مع قرار مجلس الأمن الرقم 242 واتفاقات كامب ديفيد.

هل تتوقع انعقاد مؤتمر كامب ديفيد آخر؟

هذا ممكن في مرحلة ما. أما الآن فهذا سابق لأوانه. لكنني أعتقد أن الإطار الذي تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد هو الذي يصوغ من نواح عدة ما يجري بحثه الآن. فهو لا يزال إطاراً جيداً.

ما هي السياسات الأميركية في الشرق الأوسط التي ستغيرها كرئيس؟

سوف أتصرف بحزم أكبر لوقف انتشار الصواريخ الخطرة في الشرق الأوسط، وسأصر على وجود جهد دولي لضمان عدم حصول دول مثل إيران والعراق وسوريا وليبيا على أسلحة الدمار الشامل. ويجب ألا تقتصر سياستنا على العمل على تقليل انتشار تلك الأسلحة، بل وعلى تجديد التأكيد على التزامنا القوي بالمحافظة على تفوق إسرائيل النوعي على أعدائها المحتملين. كذلك ستعامل إدارة كلنتون الصراع العربي ـ الإسرائيلي على أساس أن مصير إسرائيل هو على المحك. وإسرائيل هي، مثل أميركا، دولة ديمقراطية قوية ورمزاً للحرية وواحة للتحرر.

لكن إسرائيل محاطة بدول تسعى إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ولا تزال إسرائيل معرضة لخطر هجمات صواريخ سكود من صدام حسين. بينما تواجه في الوقت نفسه خطر صواريخ سكود جديدة أحدث من سوريا. وإضافة إلى المشقات الاقتصادية التي تعاني إسرائيل منها نتيجة المقاطعة الاقتصادية العربية، ها هي لا تزال تنتظر عرضاً صادقاً للسلام من معظم جيرانها العرب.

ما هو الدور الذي يجب على الولايات المتحدة أن تقوم به الآن في عملية السلام؟

دورنا هو أن نقوم بدور الوسيط الأمين، وأحياناً بدور الحافز والمشجع. ويجب الإشادة بإدارة بوش لأنها جمعت الإسرائيليين والعرب إلى طاولة المفاوضات. لكنني لا أستطيع أن أفكر بأية طريقة تستطيع بها الولايات المتحدة أن تفرض إرادتها وتساعد بذلك على تحقيق تسوية سلمية دائمة. نحن بحاجة إلى تأييد العملية السلمية الراهنة، ولكن علينا أيضاً أن نحافظ على التزامنا الخاص تجاه شريكنا الديمقراطي أي إسرائيل وأمنها العام الشامل.

كيف يمكن أن تحصل على ثقة العرب والإسرائيليين معاً لكي لا يحدث تقاعس في عملية السلام؟

كرئيس سأعطي أولوية قصوى باستمرار لضمان استمرارية عملية السلام وإحراز تقدم نحو تحقيق سلام يضمن أمن إسرائيل ويلبي الحاجات المشروعة للعرب.    

وليس هناك من يتوقع من أية جهة تقديم تنازلات من طرف واحد. إذ ينبغي أن يكون للفلسطينيين حق تقرير مستقبلهم في إطار الخطوط العامة التي حددتها اتفاقات كامب ديفيد. ومن جهة ثانية يجب ألا يكون لهم الحق في تقرير مستقبل إسرائيل. علينا أن نعطي عملية السلام الفرصة للنجاح. وأي نهج في المستقبل ينبغي أن يكون ضمن إطار المفاوضات الراهنة من خلال المحافظة على القواعد الأساسية.

دعا الرئيس السوري حافظ الأسد [....] إلى "سلام الشجعان". كما تحدث يتسحاق رابين عن التوصل إلى اتفاق تاريخي مع سوريا. فما الذي ستفعله لدعم فرص إحلال سلام كامل بين سوريا وإسرائيل؟

كما قلت للتو أعتقد أن الدور الأميركي في المفاوضات هو بصفة أساسية دور الوسيط الأمين. ولا أعتقد أنه ينبغي أن تضغط الولايات المتحدة على طرف أو آخر لكي يقدم تنازلات من جانبه وحده لأن إحلال السلام يعود إلى الأطراف المعنية نفسها بالنزاع.

أين يقع لبنان في معادلة الشرق الأوسط الجديدة في رأيكم؟

لبنان مشكلة معقدة لأن الفئات المختلفة في لبنان تتأثر بحكومات الشرق الأوسط الأُخرى التي استخدمت لبنان كما هو واضح أرضاً للمعركة بين أفكارها وسياساتها. ومع أنه حدث قدر من التقدم فإنني أعتقد أنه لا يمكن حل مشكلات لبنان إلا في إطار التسوية السلمية الشاملة في الشرق الأوسط. كذلك أعتقد أن في وسعنا وعلينا أن نعمل مع الآخرين لكي نبني لبنان الأكثر ديمقراطية وحرية.

ما هو في رأيكم المفتاح الحقيقي للسلام في الشرق الأوسط؟

أنا مقتنع بأن مفتاح السلام الدائم هو خلق الظروف التي تقتنع فيها كل الأطراف بأن السلام يخدم مصالحها، أي الظروف التي يثق فيها كل طرف في الطرف الآخر للتوصل إلى اتفاقات والحصول على ضمانات بالالتزام بتلك الاتفاقات. وأعتقد أن السلام بين العرب وإسرائيل يجب أن يكون أكثر صلابة من مجرد هدنة فيها عداء. فالسلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلا على أساس من الثقة بين الأعداء السابقين. والسلام الدائم يجب أن يشمل إنهاء المقاطعة العربية غير المشروعة لإسرائيل، وإقامة علاقات اقتصادية وتجارية طبيعية بين إسرائيل وجيرانها والتوصل إلى اتفاقات متعددة الأطراف لحماية بيئة المنطقة، وضمان حصول كل دولة على إمدادات كافية من المياه.

وأنا أعتقد أنه يجب فعل كل شيء ممكن لاستمرار الحوار العربي ـ الإسرائيلي وفي هذا الصدد هناك واجب على الولايات المتحدة لكي تقوم بدور الداعم. ولهذا فنحن ننتهج الآن أفضل استراتيجية في المفاوضات الراهنة لأنها أفضل فرصة للسلام منذ عقد من الزمن.

هل تؤيد إقامة دولة فلسطينية مستقلة؟

لا. أنا أعارض ذلك. ولكن الطبيعة المحددة للترتيبات السياسية التي يجب أن يمارس الفلسطينيون بموجبها حقوقهم السياسية قضية ينبغي ألا تتخذ الولايات المتحدة موقفاً منها أثناء المفاوضات.

ألا ترون أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة لا تزال عقبة في وجه السلام؟

نعم هذا صحيح. ولكن الشيء نفسه يقال عن المقاطعة العربية التي تعتبر حرباً اقتصادية، وعن عدم الاعتراف العربي بإسرائيل وعن البناء العسكري العربي. وقد غيرت حكومة رابين سياسة الاستيطان ولهذا يجب ترك هذه المسألة للأطراف المتفاوضة نفسها.

ما الذي يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة لوضع حد للمقاطعة العربية المفروضة ضد إسرائيل؟

المقاطعة العربية، كما قلت، هي حرب اقتصادية ويجب أن تعلن الولايات المتحدة بوضوح أنها لن تبقى مغمضة العينين إزاء مثل هذا الإجراء. أنا مصمم على القيام بكل ما يمكن القيام به لإنهاء هذه المقاطعة العربية.

[.......]

هل تتفق مع نهج إدارة بوش في التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل؟

اتفق معها على أننا نحتاج إلى علاقة استراتيجية قوية مع إسرائيل. وأنا أؤيد بيان البيت الأبيض الأخير عن استعداد الولايات المتحدة لتقويتها.

هل توافق على موقف إدارة بوش من قضية ضمانات القروض لإسرائيل؟

لقد عارضت وضع إدارة بوش شروط على الضمانات في وقت منحت فيه ضمانات قروض للدول العربية تزيد قيمتها على 12 مليار (بليون) دولار، بما في ذلك العراق، من دون شروط. أمّا الآن وبعد أن وافق الرئيس بوش على تلبية طلب إسرائيل فإنني أؤيده في ذلك.

ما هي الظروف التي ستجعلك تفكر في نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس؟

أنا أعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما يجب أن تظل القدس مدينة موحدة. لكن القضية قضية توقيت. إذ إن نقل السفارة في وقت تجري فيه مفاوضات السلام يمكن أن يضر الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه.

[.......]

 

المصدر: "الوسط" (لندن)، العدد 41، 9/11/1992، ص 15 ـ 16. وقد أدلى الرئيس كلنتون بهذا الحديث إلى صحيفة New York Times وحصلت "الوسط" على حق نشره باللغة العربية.

* الرئيس الأميركي المنتخب: بيل كلنتون.