كيف تقوّم الجولة الأخيرة من المفاوضات العربية ـ الإِسرائيلية في واشنطن؟
تقويمي إيجابي عموماً. فعملية السلام الآن في وضع أفضل مما كانت عليه في زمن الحكومة الإِسرائيلية السابقة. وبالتالي، هناك أمل. ويشجع على ذلك الموقف السوري الإِيجابي الذي عبّر عنه وزير الخارجية السيد فاروق الشرع في كلمته أمام الجمعية العامة وفي تصريحاته منذ أيام بعد لقائه وزير الخارجية الأميركي (بالوكالة) لورانس إيغلبرغر عندما قال: كل شيء في مقابل كل شيء. هذا إلى جانب الورقة السورية التي قُدّمت. كل ذلك يشير إلى تقدم كبير والمطلوب أن يكون لهذا التقدم مردود إسرائيلي أيضاً يتماشى معه. إنما المفاوضات "ماشية". وحتى على الصعيد الفلسطيني، وهو غاية في الأهمية أيضاً، ما نراه هو أنه على رغم الصعوبات، ليس هناك فشل كامل. وهذا ما قالته الدكتورة حنان عشراوي في تعليقها على الجولة الأخيرة. وعليه، أرى أن الظروف لا بأس بها. لم يحدث في الواقع تقدم في الموضوع، وإنما في الجو العام، إنما سنرى إنْ كان الأمل المعقود على المفاوضات وعلى نجاحها سيصبح واقعاً في الجولة المقبلة.
اجتمعت مع وزير الخارجية الإِسرائيلي شمعون بيرس، هنا في نيويورك، هل لمست أي تحول جذري في موقفه جعلك تشير في خطابك أمام الجمعية العامة إلى التغيير في سياسة حكومة يتسحاق رابين مقارنة بحكومة يتسحاق شمير؟
نعم، بكل تأكيد. إني ألمس تغييراً واختلافاً في سياسة الحكومة الحالية عن سياسة الحكومة السابقة. ألمس رغبة في التقدم، ولذلك عبّرت في كلمتي عما يعكس ما نؤمن به حتى الآن.
"رغبة"، نعم. إنما هناك من يتساءل: ما هو الفارق الحقيقي بين المستوطنات الأمنية والمستوطنات السياسية التي يميز بينها رابين وبيرس. هل حاولت استيضاح الإِسرائيليين في شأن الفارق العملي بين هذين النوعين من الاستيطان؟
عملية الاستفسار والاستيضاح قائمة. ونحن لنا موقف في هذا الشأن، ولا نقبل إطلاقاً عملية التفريق ما بين مستوطنة ومستوطنة، زرقاء أو حمراء. والإِسرائيليون يعلمون هذا، وقد عبّرنا لهم عنه. وهذا أحد المواضيع التي تجري في شأنها مناقشة جدية للغاية بيننا وبين الإِسرائيليين.
تقصد توضيح الموقف الإِسرائيلي وعلاقته بإنهاء المقاطعة العربية؟
ليس فقط توضيح الموقف، وإنما الوقف الكامل لبناء المستوطنات. وهذا موقف مبدئي وموقف عملي. فلو لم يحصل ذلك، لن تكون عملية السلام قابلة للتطبيق وحيوية ومقبولة ومعقولة ولذلك فهذا موضوع نطرحه معهم.
أنت نوهت بسياسة رابين بينما قال وزير الخارجية السوري إن حكومة رابين "تدعي" تغيير سياستها وأولوياتها بالمقارنة بحكومة شمير، إنما ذلك "يفتقد حتى الآن إلى الصدقية والممارسة الفعلية".
هذا فارق في التعبير فقط ينطلق من استعمال جملة "حتى الآن". فهذه دعوة من سوريا لتشجيع رابين على توضيح موقفه أكثر وأكثر.
في رأيك، ما هو أهم ما ورد في الوثيقة السورية التي قال الوزير السوري أنها كانت محرك السلام؟
أهم شيء هو استعداد سوريا للدخول في اتفاق سلام إذا نفذت إسرائيل التزاماتها بموجب القرارين 242 و338 ومبدأ الأرض في مقابل السلام والحل الشامل.
تكلمت في خطابك عن الأمن لجميع الدول وليس فقط لإِسرائيل. هل تبحث النواحي الأمنية في المفاوضات، أم أنها تنتظر مسألة السيادة، لا سيما في الجولان؟
الأمن ينطوي على إجراءات يفترض أنها موقتة بطبيعتها تؤدي إلى تأمين الحدود. إنما لا علاقة لذلك بالسيادة. فلا يمكن الوصول إلى اتفاقات أمن في شأن المواضيع الأمنية بلا موافقة الدول ومن دون استخدام الإِرادة السياسية والسيادية للدولة للدخول في اتفاقات أمنية. لكن موضوع الأمن جزء من التفاوض لأن هناك لجنة عمل خاصة بالأمن، ونزع السلاح، وضبط التسلح، وغيره.
[. . . . . . .]
وما هو محور محادثاتك في واشنطن؟
قضية السلام. هناك حديث عن بعض الجوانب الثنائية طبعاً، إنما التركيز هو على عملية السلام والوضع في الشرق الأوسط حالياً ومستقبلاً.
بما أنك ذكرت عملية السلام، دعني أعود إليها لأسألك رأيك في التساؤل الأميركي والأوروبي لماذا لا يعقد لقاء بين الرئيس السوري حافظ الأسد ورئيس الوزراء الإِسرائيلي يتسحاق رابين؟ وهم بالطبع يستشهدون بسابقة زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس. ما رأيك بالدعوة للقاء بين الأسد ورابين؟
لا يوجد وضع مساو أو مواز تماماً في كل أبعاده للوضع الآخر. والمهم الآن هو التركيز على إحراز التقدم في المحادثات الثنائية الذي يمكن أن يفتح الباب لتوسيع عملية السلام، بمعنى إشراك سوريا في المفاوضات المتعددة الأطراف. وهذه التطورات يمكن أن تؤدي إلى نتائج طيبة. ويجب أن نتوقف عند كلام فاروق الشرع، وكذلك كلام موفق العلاف (رئيس الوفد السوري المفاوض) بأنه إذا قامت إسرائيل بكذا وكذا، فإن الباب مفتوح لتنفيذ كل ما في عقل إسرائيل وتفكيرها. عودي إلى هذا التصريح، فهو تصريح مهم يبرهن كيف أن السوريين مستعدون للإِسهام في عملية السلام، بكل ما يعنيه ذلك، إنما بشرط التقدم على الأرض. تقدم في إطار موضوع الانسحاب إنما جملة "الحل الوسط في شأن الأرض" جملة خاطئة. وهذا ما قلته لبيرس. إنها عبارة تؤدي إلى الكثير من سوء الفهم، ويجب الانتهاء من استخدامها. يجب وقف استخدامها.
ماذا تقصد؟
جملة "الحل الوسط في شأن الأرض" يمكن أن تعني أن المطلوب هو انسحاب من جزء من الأرض فقط وهذا غير مقبول. يجب أن نتكلم عن الانسحاب من الأراضي في مقابل ماذا أو الوصول إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل في مقابل ماذا.
هل ترى أن استباق الأمور، وخلق تجربة موازية لزيارة السادات إلى إسرائيل ليس في محله انطلاقاً من أن التسعينات ليست السبعينات في هذا الإِطار؟
لا أريد أن أدخل في هذه المسألة بصورة محددة وكأني أتكلم نيابة عن سوريا أو نيابة عن إسرائيل.
[. . . . . . .]
المصدر: "الحياة" (لندن)، 1/10/1992. وقد أجرت الحديث راغدة درغام.
* وزير الخارجية المصري: عمرو موسى.