الموعد. "العمل الشيوعي الفلسطيني في سورية" (بالعربية)
النص الكامل: 

ربما كان هذا الكتاب أول عمل يتناول تجربة الشيوعيين الفلسطينيين في سورية ويؤرخ لها. وبحسب علمنا، لم يكتب أحد، من قبل، عن هذه التجربة؛ فهي ما زالت مجهولة وغير مدوّنة. وما يدعو إلى الاستغراب، حقاً، أن ثمة تجاهلاً كبيراً لهذه التجربة من الشيوعيين أنفسهم؛ فلم يبادر أحد قط من المنخرطين فيها، أو من المواكبين لها، إلى الكتابة عنها عرضاً أو نقداً، تقريظاً أو تعريضاً. إن تصدي الأستاذ حمد الموعد لهذه المهمة قمين بالإشارة إليه والإشادة به، بحيث يمكن القول إن هذا الكتاب هو كتاب رائد في هذا المجال، وهو يؤسس، بلا ريب، لدراسات أُخرى أكثر شمولاً وتفصيلاً في هذا المضمار.

تعود بدايات النشاط الشيوعي في فلسطين إلى سنة 1919، عندما أسس عدد من الشيوعيين اليهود الذين أرسلهم الكومنترن، وآخرون من "بوعالي تسيون" (عمال صهيون) حزباً أطلقوا عليه اسم "حزب العمال الاشتراكي". غير أن الحزب الشيوعي الفلسطيني التاريخي لم يتم تأسيسه إلا سنة 1922. ومنذ ذلك الوقت وهو يمر بانقسامات شتى وصراعات متنوعة على أساس عربي - يهودي تارة، وعلى أسس قومية تارة أُخرى. وفي سنة 1932 تولى رضوان الحلو، في سياق تعريب الحزب، موقع الأمين العام. لكن ذلك لم يمنع استمرار الخلافات على أساس قومي؛ ففي سنة 1943 عصفت بالحزب خلافات قوية بين العرب واليهود أدت إلى انشقاق عمودي حاسم، تبعه حل الحزب. وفي الأثر نشأت عصبة التحرر الوطني في فلسطين في أيلول/سبتمبر من العام نفسه. وكان أبرز مؤسسي العصبة رضوان الحلو وجبرا نقولا وفخري مرقة ومخلص عمرو وإميل توما وتوفيق طوبي وفؤاد نصار وإميل حبيبي وبولس فرح. وفي أيار/مايو 1951، أي بعد النكبة ونزوح معظم القادة إلى الأردن، انتهت عصبة التحرر الوطني عندما اندمج فيها بعض الحلقات الماركسية في شرق الأردن ليؤسسا معاً الحزب الشيوعي الأردني، وكان فؤاد نصار أول أمين عام للحزب الجديد.

يورد الكتاب أن 52 شاباً فلسطينياً التحقوا بالجيش السوري سنة 1947 لتلقي التدريبات العسكرية في الكلية الحربية في حمص، استعداداً للانضمام إلى جيش الإنقاذ والمساهمة في القتال الناشب في فلسطين وقتئذ بين العرب واليهود. غير أن سقوط فلسطين في أيدي الصهيونيين في العام التالي حال دون هؤلاء الشباب وفرصة القتال فوق أرض بلدهم. وهؤلاء جميعاً آثروا التطوع في الجيش السوري، ومُنحوا الجنسية السورية فوراً. إن معظم هؤلاء كان على علاقة وثيقة بعصبة التحرر الوطني في فلسطين قبل مجيئه إلى سورية. وهذه العلاقة، بالذات، كانت السبب في تسريحهم من الجيش سنة 1959 في إبان الوحدة السورية - المصرية. ويذكر الكاتب أن هؤلاء الضباط المسرحين التحقوا في معظمهم بجيش التحرير الفلسطيني عند تشكيله سنة 1964، وتسلموا الكثير من المناصب الرئيسية فيه، كالعقيد محمد الحلبي قائد قوات القادسية، والعقيد بهجت الأمين قائد قوات التحرير الشعبية، والعقيد جواد عبد الرحيم رئيس شعبة الأمن والاستطلاع (ص 20). وكان الكثيرون من أعضاء عصبة التحرر الوطني في فلسطين نزحوا إلى سورية بعد النكبة. وبفعل صدمة اللجوء وتقلب الأحوال، آثر البعض الانزواء والاستنكاف عن ممارسة أي نشاط سياسي، في حين التحق البعض الآخر بالحزب الشيوعي السوري (ص 19).

تلك كانت البدايات. أمّا ما أعقب ذلك فيمكن روايته، باختصار، استناداً إلى الكاتب والكتاب بحسب المسار التالي: كان الحزب الشيوعي السوري الوحيد بين الأحزاب الشيوعية العربية الذي اهتم بالعمل في صفوف الفلسطينيين. والمعروف أن عدداً من الفلسطينيين ساهم بفاعلية في نشاط الحزب الشيوعي السوري مثل عزالدين القلق، وبعضهم نفذ مهمات حزبية لا يقوم بها، في العادة، إلا أعضاء اللجنة المركزية. وعلى الرغم من ذلك، استمر الحزب في معاملة هؤلاء كأصدقاء لا كأعضاء أصيلين، الأمر الذي جعل العمل الشيوعي المنظم بين الفلسطينيين في سورية يتأخر حتى سنة 1964. لكن أُولى الخلايا الحزبية الفلسطينية في الحزب الشيوعي السوري لم تظهر حتى سنة 1967. وفي سنة 1968 جرى تأليف "لجنة الشيوعيين الفلسطينيين" في إطار اللجنة المنطقية لمدينة دمشق. ومن اللافت أن أحد الفلسطينيين (وليد الحكيم) انتُخب عضواً في المؤتمر العام الثالث للحزب. وفي المؤتمر العام الرابع انتُخب فلسطيني آخر هو سعد عزوني (الاسم الحركي: عودة اليافي)، وكان يشغل منصب عضو اللجنة المركزية في الحزب والمسؤول عن اللجنة القيادية للتنظيم الفلسطيني في الحزب الشيوعي السوري. وهذه اللجنة حُلّت في 14 شباط/فبراير 1980 لوقوف أعضائها إلى جانب مراد يوسف (منظمات القاعدة) ضد قيادة خالد بكداش.

جرى إعلان قيام التنظيم الفلسطيني في الحزب الشيوعي السوري سنة 1971، وأصدر التنظيم في تشرين الثاني/نوفمبر 1971 صحيفة بعنوان "عائدون"، ثم أبدل هذا التنظيم اسمه إلى التنظيم الشيوعي الفلسطيني في سورية، وذلك في كانون الأول/ديسمبر 1980، معلناً استقلاله عن أجنحة الحزب الشيوعي السوري كافة. وجرى حل هذا التنظيم، بصورة نهائية، في نيسان/أبريل 1982، بعد أن أُعلن تأليف الحزب الشيوعي الفلسطيني في 10 شباط/فبراير 1982 بقيادة بشير البرغوثي وسليمان النجاب وعربي عواد. ولم يلبث هذا الحزب الجديد أن انشق إلى جناحين، أطلق أحدهما على نفسه سام "الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري" (عربي عواد وعبدالله النمر)، واحتفظ الآخر (البرغوثي والنجاب) بالتسمية التاريخية، قبل أن يتحول إلى حزب الشعب الفلسطيني عقب التطورات المتسارعة التي حدثت في الاتحاد السوفياتي وأدت إلى انهياره.

انشطر العمل الشيوعي في فلسطين ذاتها شطائر عدة. ففي فلسطين المحتلة سنة 1948، تركز نشاط الشيوعيين العرب في "القائمة الشيوعية الجديدة" (راكح) بقيادة مئير فلنر، التي ضمت أغلبية عربية وأقلية يهودية، والتي كانت أعلنت استقلالها عن التيار الصهيوني الذي اتخذ اسم "الحزب الشيوعي الإسرائيلي" (ماكي) بقيادة موشيه سنيه. وفي الضفة الغربية كان التنظيم الشيوعي الفلسطيني يرتبط منذ سنة 1975 بالحزب الشيوعي الأردني، الذي أسسه وقاده فلسطينيون أمثال فؤاد نصار وفهمي السلفيتي. وفي قطاع غزة كان الشيوعيون من بقايا عصبة التحرر الوطني أسسوا سنة 1953 "الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة". وفي سورية جرت الأمور على ما علمتم. لهذا كان السؤال الاستنكاري يفرض نفسه بقوة ووضوح: لماذا تقاعس الحزب الشيوعي اللبناني عن العمل في صفوف الفلسطينيين، ولماذا انصرف عن محاولات التعبئة والتنظيم في مخيمات بيروت والجنوب والشمال والبقاع؟

لا يجيب كتاب حمد الموعد عن هذا السؤال، فكأنه يترك الجواب للحزب الشيوعي اللبناني نفسه.

 

السيرة الشخصية: 

صقر أبو فخر: كاتب عربي مقيم في بيروت.