حضرة السيد الرئيس، السادة الوزراء،
سيداتي وسادتي:
من دواعي سروري أن أشارك في هذه الندوة عن لبنان، التي يرعاها فريق العمل الأميركي من أجل لبنان. ما زلت منذ أعوام معجباً بالجهود والأنشطة التي يقوم فريق العمل الأميركي من أجل لبنان بها. ويسرني، بصورة خاصة، أن أنوِّه بالعمل الذي قام به بيتر طنوس، ويقوم به الآن توم ناصيف، ونفر غير قليل من الآخرين الذين جعلوا فريق العمل الأميركي من أجل لبنان منظمة فعالة ومحترمة.
وهذه الندوة حدث بارز، وقد جمعت مسؤولين كباراً من لبنان، ومواطنين بارزين وكل أولئك الذين يشتركون في الاهتمام بدولة لبنان وسيادتها وسلامة أراضيها واستقلالها وخروجها من كابوس وطني طويل.
تنعقد هذه الندوة لمناقشة سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ولبنان. وسأعرض في هذه الملاحظات بخطوط عريضة بعض الاعتبارات المتعلقة بكيفية ترابط المسألتين، وأين يمكن النظر في كل منهما على حدة.
دعوني أوضح منذ البداية أن مستقبل لبنان وازدهاره واستقراره، وإنْ كانت متداخلة بصورة وثيقة مع مسألة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ككل، فإن الأمرين لا يشتركان في ملامحهما كافة.
فلبنان، بما هو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، دولة تشكل، من حيث تاريخها وثقافتها وتقاليدها، جزءاً جوهرياً من الشرق الأوسط. وهو، منذ استقلاله، لم يزل يتعرض لرياح عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. كما أن بقاء مستقبل الشعب الفلسطيني معلقاً قد شغل لبنان وعناه خلال الأعوام الأربعين الماضية. ولم تزل التوترات والقوى من جميع أنحاء الشرق الأوسط تتفاعل وتعمل بوساطة وكلائها في لبنان، وكثيراً ما كان ذلك على حساب استقراره طوال تاريخه المعاصر. فتاريخ لبنان الحديث حافل بالحوادث المرتبطة بالناصرية، بالفلسطينيين، بالتنافس بين سوريا والعراق، بأمن إسرائيل، وبتنافس القوى العظمى بين حين وآخر. وقد خلَّفت هذه العوامل كلها أثراً في لبنان لا جدال فيه، بيِّناً لكل ذي عينين. كما كان للثورة الإسلامية في إيران تأثير ملحوظ في الساحة السياسية اللبنانية.
إن الإدارة الأميركية منهمكة اليوم في مسعى لإطلاق محادثات سلام متعددة بين إسرائيل وجيرانها. ولقد لمسنا من خلال اتصالاتنا في المنطقة قسطاً مهماً من التوافق بين الفرقاء على العناصر الأساسية في المقاربة التي ندعو إليها.
لقد وجدنا موافقة عامة على فكرة مؤتمر، ترعاه الولايات المتحدة بمشاركة الاتحاد السوفياتي، ويقود مباشرة إلى المفاوضات الثنائية بين إسرائيل والدول العربية، وبين إسرائيل والفلسطينيين، ويقود إلى مفاوضات متعددة الأطراف في شأن القضايا الإقليمية. ولن تكون للمؤتمر سلطة فرض آرائه على الفرقاء، ولن يتدخل في المفاوضات.
ثمة أيضاً تفاهم واسع على أن العملية ستتم على خطين: فتقوم إسرائيل والدول العربية بمفاوضات على خط، كما تقوم إسرائيل وفلسطينيون من الأراضي المحتلة بمفاوضات على خط مواز. ووجدنا توافقاً بين الفرقاء على أن المفاوضات في شأن الأراضي المحتلة ستجري على مراحل، مع تأخر المفاوضات بشأن الوضع النهائي عن المفاوضات بشأن الحكم الذاتي المرحلي. ووجدنا توافقاً على أن الوفد الفلسطيني سيتكون من أشخاص يعيشون في الأراضي المحتلة، ويقبلون المقاربة المتوازية ذات المراحل، ويلتزمون العيش سلماً مع إسرائيل. ووجدنا توافقاً على أن هذه العملية ستقوم على قاعدة قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 ورقم 338.
وما زال ثمة بعض المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها بعد، ولا سيما تلك المتعلقة بدور الأمم المتحدة وقابلية المؤتمر للانعقاد مرات تالية. والخلاصة أننا نريد إطلاق مؤتمر يقود إلى المفاوضات المباشرة ويقضي على المحرمات التي حالت دون المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وبين إسرائيل والدول العربية.
وقد شجَّعنا قرار مجلس التعاون الخليجي إرسال أمينه العام بصفة مراقب، وقرار أعضاء مجلس التعاون الخليجي ـ السعودية، الكويت، البحرين، قطر، عمان، الإمارات العربية المتحدة ـ بالموافقة على المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف مع إسرائيل في القضايا التي تعنيهم. ونحن نعتقد أن المؤتمر يجب أن يكون قابلاً للانعقاد لاحقاً إذا ما وافق الفرقاء كلهم، وذلك للاستماع إلى التقارير من فرق المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف.
إذا ما انعقد مؤتمر لإطلاق المفاوضات المباشرة فإن الحكومة الأميركية تعتقد أنه يجب أن يكون لبنان ممثَّلاً في المؤتمر وفي المفاوضات اللاحقة. ويوم أعرب الرئيس بوش عن الخطوط العريضة لتفكيره في سياسة الشرق الأوسط في خطابه أمام الكونغرس في 6 آذار/ مارس، لاحظ أن "السعي من أجل حلول لمشكلات لبنان... يجب أن يمضي قدماً بقوة وعزم جديدين."
ومع ذلك، فمن المهم أن نوضح أن الحلول للمشكلات التي تواجه لبنان لا تعتمد ضرورةً على انعقاد أو عدم انعقاد مؤتمر يفضي إلى مفاوضات تتوخى حل المشكلات بين إسرائيل وبين جيرانها العرب والفلسطينيين. فالتقدم في هذه المجالات من شأنه يقيناً أن يقدم دفعاً للتفدم في لبنان. إلا إن التقدم في عملية السلام الشاملة للشرق الأوسط ليس شرطاً مسبقاً لا بد منه لتحسن الاستقرار في لبنان.
لقد شهد العامان الماضيان خطوات مهمة في اتجاه المصالحة الوطنية في لبنان. وهذه الخطوات لم يصاحبها تقدم مماثل في معادلة الشرق الأوسط العامة.
إن اتفاق الطائف الذي تم التفاوض بشأنه والاتفاق عليه سنة 1989 كان نتيجة الدبلوماسية العربية وقرارات مجلس النواب اللبناني. وانتخاب رئيسين للجمهورية اللبنانية وتأليف حكومتين لبنانيتين متعاقبتين عملتا على تنفيذ اتفاق الطائف، إنما هما عملان تمّا بمعزل عن أي تقدم في الشرق الأوسط على نطاق إقليمي. ومثل ذلك ما تم في العام الماضي من إلغاء الخط الأخضر الذي يقسم بيروت، وبداية تجريد الميليشيات من السلاح، والانتقال إلى فترة خالية من الاشتباكات الكبيرة خلال الأشهر الثمانية الماضية، وهي كلها خطوات تمت قبل أي تقدم في حلّ مشكلات الشرق الأوسط الكبرى وبمعزل عنها.
إن مشكلتين من المشكلات الكبرى التي تواجه الشعب اللبناني اليوم تتعلقان بوجود قوات مسلحة غير لبنانية على الأرض اللبنانية، وبمسألة السلام والاستقرار في الجنوب اللبناني. مع قيام الدولة اللبنانية بإعادة بسط سلطتها على الأرياف ومع تضاؤل قوة وانتشار القوى المسلحة غير الحكومية، فإن مستقبل لبنان سيصبح أفضل. ومن الضروري جداً أن يمارس جميع الفرقاء في المنطقة ضبط النفس، في هذه المرحلة الحرجة، تسهيلاً لانتشار القوات الحكومية في الجنوب ولتجريد الميليشيات الموجودة هناك من السلاح.
ما زالت سياسة الولايات المتحدة تقوم على دعم استقلال لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، وانسحاب القوات غير اللبنانية كلها، وحل الميليشيات كافة. ونحن ما زلنا نعتقد أن التطبيق الكامل لاتفاق الطائف يتيح أفضل الفرص لبلوغ هذه الأهداف. ولقد بلّغنا السوريين تكراراً أننا نتوقع منهم التقيد التام باتفاق الطائف نصاً وروحاً والمساعدة في تحقيق استقلال لبنان وسيادته.
في 22 أيار/ مايو، وقّع لبنان وسوريا معاهدة تحدد علاقاتهما الثنائية. وفي 6 حزيران/ يونيو، عين مجلس الوزراء اللبناني أربعين نائباً جديداً لملء المقاعد الشاغرة في مجلس النواب اللبناني. كلا هذين الإجراءين دعا اتفاق الطائف إليهما. ولقد أوضحنا علانية، وفي محادثاتنا مع اللبنانيين والسوريين، أن تقويمنا للمعاهدة يتوقف على مدى توافق تنفيذها مع استقلال لبنان وسيادته ومع اتفاق الطائف. وسنتابع تطبيق المعاهدة عن كثب.
والولايات المتحدة تأمل بأن يؤدي التقدم في حل مشكلات الشرق الأوسط الكبرى إلى تعزيز هذه التوجهات، لكن ينبغي ألاَّ يؤجل تقدم الحل في لبنان ليتطابق مع أي تقدم في الوضع الإقليمي. والإدارة الأميركية تتطلع ـ مثلما يتطلع أصدقاء لبنان كلهم ـ إلى اليوم الذي تغادر جميع القوى المسلحة غير اللبنانية فيه أرض لبنان. كما أن الإدارة تتطلع إلى اليوم الذي لا يعود فيه أي جزء من لبنان منطلقاً للهجوم على الجيران، ولا تبقى فيه طمأنينة لبنان عرضة للتهديد من قبل أية قوة من قوى الدول المجاورة.
المصدر: أدلى كيلي بهذه الملاحظات أمام ندوة بشأن لبنان عقدها "فريق العمل الأميركي من أجل لبنان" (American Task Force For Lebanon). وقد وزع النص في أثناء الاجتماع.