ما هو تصوركم لطبيعة الترتيبات الأمنية في ضوء إعلان دمشق الذي وقعتم عليه؟
نحن ندرك تماماً المسؤولية الملقاة على عاتق دول مجلس التعاون الخليجي الست لأنها مثل "بيضة الميزان". ونحن دول عربية ولنا التزامات مع العالم العربي، ونحن دول خليجية لنا مصالح وتعاون مع الدول المحيطة بنا وتحديداً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك نحن دول تكمن في أراضيها أكبر ثروة نفطية لها علاقة بالحياة اليومية لدول العالم الصناعي، وتربطنا علاقات تاريخية وتقليدية خصوصاً مع أوروبا والولايات المتحدة نرغب في المحافظة عليها.
نحن نبذل أقصى الجهود في شأن الترتيبات الأمنية ولكن بالنظر إلى مسؤولية الأمن ولما يمكن أن يضمن هذا الأمن بصورة فعالة، يحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت ونعتقد أن من أساسيات النجاح في وضع خطة للأمن في الخليج عدم الاستعجال في إنجاز هذا التصور، ولا نرى ما يبرر الاستعجال في هذا الشأن، وكلما تدبرنا الأمر بشكل أكثر عمقاً وأجرينا اتصالات قوية مع من له علاقة بقضايا الأمن في الخليج فسيؤدي ذلك إلى إيجاد قواعد ثابتة غير قابلة للاهتزاز في المستقبل.
ما هو رأي عُمان ودول المجلس في البعد السياسي للقضية الكردية، مع وجود الاقتراح الداعي إلى إقامة منطقة عازلة وشرطة دولية في هذه المنطقة ومع تأكيد دول المجلس مبدأ وحدة أراضي العراق وسيادته الإقليمية؟
يجب أن يضمن العراق سيادته الإقليمية ويضمن حدوده. ويجب الابتعاد تماماً عن كل ما يمكن أن يؤثر على سيادة العراق. لكننا نعتقد أن كل الجهود التي تبذل الآن هي في الإطار الإنساني للاجئين الأكراد. ويمكن مساعدة اللاجئين الأكراد، أشدد على تعبير اللاجئين الأكراد وليس أكثر من ذلك، بفاعلية أكثر إذا تم التعاون بين السلطات العراقية والأمم المتحدة أو الدول التي تقدم مساعدات في هذا الإطار.
وأعتقد أن ما نسمع عنه الآن من إيجاد شرطة دولية لضمان المخيمات التي تؤوي الأكراد ربما يساعد على عودة اللاجئين من قمم الجبال إلى هذه المخيمات ويضمن عدم تعرض هؤلاء لمزيد من المعاناة.
ولكن هذا الأمر يتطلب شيئين: أولاً التعاون مع الحكومة العراقية وثانياً أن تبقى هذه الأزمة في إطارها الإنساني داخل نطاق الأمم المتحدة.
هل من تصور خاص لمستقبل العلاقات العربية ـ العربية، وهل ستلعب عُمان دوراً في تلطيف الأجواء؟
ما تعرضت له الدول العربية في أزمة الكويت كان أكبر كارثة في تاريخ العلاقات العربية ـ العربية، ولو وقف الجميع صفاً واحداً في معارضة العدوان العراقي ومن دون أي تردد لما آلت الأمور إلى ما آلت إليه. وبما أن هذا الشيء لم يتم.. أعتقد أننا كلاً منا سيظل لفترة طويلة من الزمن يلقي اللوم على الآخر في ما حدث.
ولكن الأهم من ذلك كله هو أن تجد الدول العربية قاسماً مشتركاً فيما بينها لحماية مصالحها في العالم. ولا يمكن حماية هذه المصالح إلا عن طريق النظر في القصور الذي نتج عن عدم شمولية الالتزام بميثاق الجامعة العربية خصوصاً في ما يتعلق بالخلافات العربية ـ العربية.
أما بالنسبة إلى دور عُمان، فتحسين العلاقات العربية ـ العربية لا يحتاج إلى وساطة إطلاقاً. فالدول العربية ما زالت تحتفظ بعلاقاتها الرسمية، وتستطيع أن تجري اتصالاتها بطرق مختلفة. وإذا كانت هناك حاجة في مرحلة من المراحل إلى شيء من المساعدة فإن السلطنة لن تترد في تقديمها.
ما هو دوركم في دفع الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، في ضوء رفض دول خليجية المشاركة في مؤتمر السلام المقترح؟
القضية ليست حضور دولة أو عدم حضورها، ولكن وضع الأساس الذي يجب أن يبنى عليه التوصل إلى اتفاق في شأن القضية الفلسطينية، التي أعتقد أنها تهم بالدرجة الأولى "دول المواجهة" ومن غير المنطق، ومن غير المفيد، للقضية الفلسطينية، أن تتوسع دائرة الدول التي تشارك في المؤتمر الإقليمي. فإذا شاركت دول الخليج في مثل هذا المؤتمر لا يمكن أحد أن يرفض قبول طلبات دول عربية أخرى بعيدة عن القضية الفلسطينية في المشاركة. وأعتقد أن المهم هو توصل بيكر إلى اتفاق مع إسرائيل.
المشكلة تقع على عاتق إسرائيل، فهي كدولة، عليها التزامات دولية أمنية لا تستطيع التهرب منها خصوصاً تنفيذ قراري مجلس الأمن 242 و338...
هذه المسؤوليات حقيقة، ولو أدركت إسرائيل أن عليها استجابة هذه المسؤولية حتى تضمن مصالحها مع دول أخرى لعرفت أن من مصلحتها التعاون مع بيكر الذي نثق في أن جهوده مخلصة. وفي الاتصالات التي أجريناها معه وجدنا لديه رغبة من حل هذه القضية ليس لمصلحة الغرب فقط ولكن لمصلحة كل شعوب المنطقة.
الكرة الآن في ملعب إسرائيل وعليهم تحديد ما إذا كانت تريد أن تكون دولة من دول الشرق الأوسط أم لا. وأعتقد أن الولايات المتحدة، وفي ضوء التجاوب الكامل من الدول العربية، ستقرر موقفها باعتبارها دولة عظمى وحيدة وتتبنى سياسة النظام العالمي الجديد ولدينا أمل في أن الحكومة الإسرائيلية ستتفق في النهاية على سياسة تؤدي إلى تعاون مع كل الأطراف من أجل تنظيم مؤتمر سلام في الشرق الأوسط يؤدي إلى حل القضية الفلسطينية على أساس قرارات مجلس الأمن وعلى أساس الشرعية الدولية.
وإذا استطاعت إسرائيل اتخاذ سياسة تتوافق مع إجراءات تقبل بها دول أخرى وتعمل من أجلها الولايات المتحدة، لا يمكن أن نستبعد إجراء اتصالات عربية ـ إسرائيلية ربما في إطار الأمم المتحدة، على هامش الدورة المقبلة للجمعية العامة ولكن ذلك يتطلب موقفاً إيجابياً إسرائيلياًَ من قضية السلام في الأشهر المقبلة.
تقصدون اتصالات بين الدول التي لها علاقات مع إسرائيل حالياً، وليس اتصالات من أجل التفاوض، أي من الممكن وجود اتصالات بين بعض الدول الخليجية وبعض الدول العربية مع إسرائيل لبناء الثقة في المرحلة المقبلة؟
طبعاًَ لا توجد اتصالات بأي شكل كان مع إسرائيل، وبالتالي هناك من يعترف أن هذا قصور، لأن مبدأ الاتصال بين الدول، حتى لو لم توجد علاقات، هو أمر مقبول، ومقبول أكثر في إطار التوجه نحو النظام العالمي الجديد. فعلى سبيل المثال نسمع للمرة الأولى عن وجود وفد من تايوان في الصين، وكانت العلاقات مقطوعة والعلاقات النفسية والاجتماعية شبيهة بالعلاقات بين العرب وإسرائيل، فقد تبنت الصين سياسة شجعت تايوان على المبادرة وتبنت تايوان سياسة شجعت الصين على المبادرة أيضاً. فإذا تم ذلك بين العرب والإسرائيليين ستكون إسرائيل دولة مستفيدة من ذلك. وإذا لم تستطع إسرائيل أن تتخذ سياسة في هذا الاتجاه فأعتقد أن الشعب الأميركي والحكومة الأميركية سيجدان نفسيهما في وضع لا يستطيعان تبريره بالنسبة إلى سياستهما المتعلقة بحل قضايا الشرق الأوسط أو المتعلقة ببناء النظام العالمي الجديد.
إذن كل شيء سيتوقف على نتائج جهود بيكر فإذا تجاوبت إسرائيل مع خطواته هل يمكن أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات أو عمليات تشجيع من قبل الدول العربية في اتجاه إزالة حالة الحرب والاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل؟
بطبيعة الحال. ولكن هذا ليس جزءاً من المفاوضات، فالعملية التي نتحدث عنها، أي بناء الثقة ليست جزءاً من المفاوضات، وإنما قد تكون مبادرات من قبل الدول العربية، أو بعض الدول العربية من أجل وضع الأسس أو تسهيل مهمة المؤتمر الدولي.
قلتم إن المرحلة هي مرحلة وضع الأسس، فما هو الموقف الخليجي من النقاط الثلاث التي اقترحها بيكر وهي المسار المزدوج للمفاوضات، المؤتمر الإقليمي، والتمثيل الفلسطيني من خارج منظمة التحرير؟
هذه هي النقاط التي يجب أن تأخذ إسرائيل منها موقفاً إيجابياً وهي أساس الخطوة الأولى نحو مؤتمر السلام. وهناك مشاكل، يعود بعضها إلى التفكير الإسرائيلي الخاطىء وبعضها الآخر إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية عام 1967 منذ نحو 30 عاماً، وأكد قرارا مجلس الأمن 242 و338 على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة بعد 1967. وإذا كانت هناك أمور تتعلق بضمانات الأمن المتبادل بين الدول العربية وإسرائيل فيمكن بحثها وحلها.
أما موضوع مستقبل الشعب الفلسطيني فإن العالم كله، باستثناء إسرائيل، يؤيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومع ذلك فهذه نقطة يمكن الاتفاق عليها من خلال التشاور والتوافق بين الأطراف المعنية. ولكن من المهم ألا تُدرس القضايا المعقدة في بداية المرحلة وإنما في نهايتها، لأنها قد تستخدم من قِبل بعض الأطراف لعرقلة مسيرة السلام، وعرقلة حتى عقد مؤتمر السلام.
وأعتقد أن من مصلحة الدول العربية دعم الموقف الأميركي لأنه يتوافق مع رغبة الدول والشعوب العربية في التخلص من حال الصراع مع إسرائيل، واستعادة الأراضي العربية والنظر إلى مستقبل أفضل للعلاقات بين العرب وإسرائيل.
من التصريحات التي نُسبت إلى بيكر أنه حصل على موافقة كل من مصر وسوريا والدول الخليجية على عدم أهمية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في المراحل الأولى من المفاوضات على الأقل. فهل هذا صحيح؟
يجب ألا نعطي ذريعة لإفشال التوجه نحو عقد مؤتمر سلام في الشرق الأوسط سواء كان دولياً أو إقليمياً وفق شروط تؤدي في النهاية إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة. وقضية منظمة التحرير هي موضوع جدل منذ نشأة المنظمة وهي ليست قضية جديدة، ويمكن أن تكون ذريعة لعدم عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط. وعلى أي حال فالمهم هو أن تؤدي كل الجهود إلى قبول إسرائيل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإقامة سلام بينها وبين الدول العربية وتمكين الشعب الفلسطيني من التعبير عن آرائه في الوضع الذي يرغب فيه. والمنظمة تعتبر رمزاً سياسياً للجهود الفلسطينية، وأعتقد أن القادة الفلسطينيين يدركون هذه النقطة ولذلك فهم أكثر إيجابية في هذا التوجه، ويدركون أن الشعب الفلسطيني سواء في الداخل أو الخارج راغب جداً في أن لا تتعرقل مسيرة عقد مؤتمر للسلام. وأتصور أنه تم تجاوز منظمة التحرير أو قيادة منظمة التحرير، لأن المشاورات التي تجري الآن تتم مع ممثلين من الضفة الغربية، وقد تكون هناك اتصالات بين المنظمة وهؤلاء لكن هذا التكتيك جيد حتى لا تكون هناك ذريعة تؤدي إلى عدم عقد مؤتمر السلام.
المصدر: "الحياة" (لندن)، 2/5/1991.