"معسكر السلام" الإسرائيلي... إلى أين؟
كلمات مفتاحية: 
حركة السلام الإسرائيلية
حركات السلام
النزاع العربي - الإسرائيلي
حرب الخليج العربي 1991
منظمة التحرير الفلسطينية
تسوية النزاعات
نبذة مختصرة: 

يتناول المقال التصدع الذي أحدثته حرب الخليج في هذا المعسكر، ما أربك صفوفه وخلخل نظرته إلى حل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. فقد برزت خلافات في شأن الحرب، وفي الموقف من الفلسطينيين و م.ت.ف. ومشاريع التسوية السياسية وغير ذلك. ويرى الكاتب أن التدقيق في الآراء التي طرحها زعماء ودعاة هذا المعسكر يكشف عن نظرة شائعة متعالية (وأحياناً عرقية) تجاه الشعب الفلسطيني.

النص الكامل: 

من  أبرز التأثيرات التي أحدثتها حرب الخليج على صعيد القوى السياسية في إسرائيل، التصدع الذي حدث في "معسكر السلام"، والذي أربك صفوفه وخلخل نظرته العامة إلى حل النزاع الفلسطيني -  الإسرائيلي. وقد تسبب بهذا التصدع، من ناحية، الخلافات التي نشأت في هذا المعسكر بشأن الموقف من الحرب، ومن ناحية أخرى – وبقوة أشد – خلافات بشأن الموقف من الفلسطينيين في ضوء تأييدهم إجمالاً للعراق. وقد بلغ هذا التصدّع مبلغاً جعل أحد كتاب صحيفة "هآرتس" ينعي بمنتهى الجدية "معسكر السلام" ويعلن أنه قد قضى نحبه.[1]  وإذا كان مثل هذا الجزم ينطوي على مقدار كبير من المبالغة، فمن المؤكد أن "معسكر السلام" قد فقد، نتيجة ما طرأ عليه في حرب الخليج، كثيراً من تماسكه ومصداقيته. وسينعكس هذا بالضرورة على موازين القوى السياسية في إسرائيل، ويجعل إمكان التوصل إلى حل سلمي للنزاع الفلسطيني / العربي – الإسرائيلي، بمقدار ما يتعلق الأمر بإسرائيل، أو هي حتى مما كان عليه قبل الحرب.

 

إن أحداً في الجانب الفلسطيني لم يعتقد أن "معسكر السلام" الإسرائيلي يمكن أن يصل إلى الحكم في يوم ما، أو يكون هو من يصنع السلام؛ فالخريطة السياسية في إسرائيل كانت دائماً واضحة في الذهن، وموازين القوى السياسية لم يكن فيها، وليس فيها الآن، ما أشار أو يشير إلى إمكان ذلك، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل المنظور. ومع ذلك فإن وجود معسكر للسلام في إسرائيل، وازدهاره، يمثلان مصلحة حيوية للفلسطينيين. لقد بات واضحاً منذ فترة طويلة أن القوى المتطرفة التي تحكم إسرائيل، والتي يترسخ حكمها يوماً بعد يوم، لا تنوي التحرك نحو السلام، وأن الوسيلة الوحيدة لإرغامها على ذلك هي ضغوط خارجية وداخلية قوية بما فيه الكفاية لإحداث التأثير المطلوب. ومعسكر سلام قوي في إسرائيل يمكن أن يشكل ضغطاً ذا وزن في هذا الاتجاه.

ومن هنا نظرت القيادة الفلسطينية، وخصوصاً في الأراضي المحتلة، إلى "معسكر السلام" الإسرائيلي بإيجابية، وأنشأت معه صلات جرى في إطارها تبادل الآراء والقيام بنشاطات مشتركة معينة. وقد شجع القيادة الفلسطينية على إقامة مثل هذه الصلات نضالات هذا المعسكر ضد سياسات الحكومة التوسعية والاستيطانية، وضد ممارسات الجيش والمستوطنين القمعية والإجرامية في الأراضي المحتلة، وأيضاً مطالبته بإنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، ومناداته بالتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين على أساس الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير. ومن هنا، فإن ما حدث في "معسكر السلام" مدعاة إلى الأسف، ويستحق وقفة لتفحص ما جرى، وإمكانات تطوره.

وقد يكون من الملائم، قبل البدء بعرض الخلافات التي ثارت في "معسكر السلام" خلال أزمة وحرب الخليج، تحديد المقصود بهذا المعسكر، كي لا ينشأ لبس في الذهن بخصوصه. إن هذه التسمية تطلق في إسرائيل على أحزاب وحركات ومجموعات، القاسم المشترك بينها أنها تعترف اعترافاً واضحاً بوجود الشعب الفلسطيني وبحقه في تقرير المصير، وتدعو إلى إنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وإيقاف الاستيطان اليهودي فيهما، ولا تعارض من حيث المبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الجهة التي يجب التفاوض معها في شأن حل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وتندرج ضمن هذا المعسكر، في الذهن السياسي الإسرائيلي، أحزاب راتس ومبام وشينوي، و"حمائم" حزب العمل وليس الحزب كله)، وحركة "السلام الآن"، وعدد كبير من الحركات والمجموعات الصغيرة الناشطة ضد الاحتلال وخرق حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، وأبرزها: "هناك حد" و"السنة 21" و"كفى للاحتلال" و"لجنة الحوار الإسرائيلي – الفلسطيني". وليس هناك إطار تنظيمي يلم كل هذه القوى، أو برنامج سياسي موحد متفق عليه، ويتم التنسيق بينها في المناسبات فقط، وغالباً ما يتم تحت مظلة "السلام الآن". ونضيف أخيراً أن من الشائع في إسرائيل استخدام تعبير "معسكر اليسار" كمرادف لتعبير "معسكر السلام"، على الرغم من أن أغلبيته تتألف من قوى وشرائح اجتماعية لا علاقة لها، لا من حيث الوضع الاجتماعي ولا من حيث المنطلقات الفكرية والبرامج السياسية، بما اصطلح في علم السياسة على إطلاق صفة اليسار عليه.

الخلاف في شأن الحرب

              مع تعاظم الحشود العسكرية في منطقة الخليج، واتضاح توجه الولايات المتحدة إلى حل الأزمة، التي نجمت عن احتلال العراق للكويت، عن طريق الحرب، بدأت تظهر في "معسكر السلام" الإسرائيلي خلافات أدت بسرعة إلى تبلور أكثرية أيدت الحرب وانسجمت مع موقف الحكومة الإسرائيلية منها، وأقلية صغيرة أعربت عن معارضتها لها.

وقد اتخذت هذه الخلافات، التي لن نتوقف عندها طويلاً، شكلاً ملموساً في بيانين صدرا عن الأقلية، أولهما قبل يومين من نشوب الحرب بعنوان "لحظة قبل الحرب"، وثانيهما بعد نشوبها بعنوان "كفى" [للحرب]. وقد بادر إلى إصدار البيان الأول، الذي انتقد دعاة الحرب وطالب الحكومة الإسرائيلية بإعلان استعداد للقبول بحل سلمي شامل لكل النزاعات في المنطقة من أجل تفادي الحرب وإحلال السلام، مجموعة من الأساتذة والمحاضرين في جامعة تل أبيب، بينها عدد من الأسماء البارزة أكاديمياً والمعروفة بتوجهاتها السلمية، مثل يشعياهو لايبوفيتش وآسا كيشر وأفيشاي إيرليخ ويوناتان وأنيتا شابيرا وإيلان بابيه. وانضم إليهم نشيطو اليسار الراديكالي وأحد زعماء حركة "السلام الآن" (عميرام غولدبلوم)، خلافاً لموقف زملائه.

وقد التقى ممثلون عن هذه المجموعة، قبل نشر البيان، عدداً من زعماء حركة "السلام الآن" لإقناعه بالانضمام إليهم في هذه الخطوة. وقد أوضح ممثلو المجموعة أن مهمة حركات السلام هي النضال ضد الحروب وأهوالها، وتأييد حل النزاعات السلمية وليس العكس، وأن موقف حركة "السلام الآن" الأساسي من حل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي يجب أن يقودها إلى عدم رفض مبدأ الربط بين حل أزمة الخليج وحل المشكلة الفلسطينية، وأنه لا يجوز التماثل مع السياسة الأميركية التي تدفع الأمور في اتجاه الحرب وترفض المبادرات السلمية كافة. وقد رفض زعماء حركة "السلام الآن" تأييد البيان، وصرح تسالي ريشف، زعيم الحركة أن موقف المجموعة هذا "يعزز الصورة النمطية لليسار، التي يبدو فيها كمن يدير الخد الآخر [للصفع]." وصرحت الأستاذة غاليا غولان، من زعماء الحركة، أن "ربط الموضوع الفلسطيني [بأزمة الخليج] سيقبره (...) وقد أوضحنا لهم في لقائنا معهم أن قبول موقف صدّام [حسين] هو خضوع للابتزاز." وأضافت أن حركة "السلام الآن" تقبل الربط التسلسلي الذي اقترحته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

أما البيان الثاني ("كفى") فقد اختفت منه المطالبة الموجهة إلى الحكومة، ودعا إلى العمل لإيقاف الحرب والاعتماد على العقوبات الاقتصادية من أجل إرغام العراق على الانسحاب من الكويت، وإلى عقد مؤتمر دولي لحل النزاع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي. ووجه انتقادات عنيفة إلى الولايات المتحدة وأكاذيبها في شأن دوافعها إلى شن الحرب. وقد وقع البيان معظم الشخصيات التي وقعت البيان الأول، وغاب عنه بعض الأسماء التي ظهرت في البيان الأول، وانضافت إليه أسماء جديدة.[2]

ومن ناحية الأكثرية، فبالإضافة إلى المقالات والتصريحات التي صدرت في تأييد الحرب وامتداح موقف الحكومة منها، عقد ثلاثة من أبرز أدباء "معسكر السلام"، عاموس عوز و أ. ب. يهوشع وياعيل دايان، مؤتمراً صحافياً انتقدوا فيه معارضي الحرب في إسرائيل، وهاجموا بعنف حركات السلام في الغرب التي  تظاهرت ضد سياسات حكوماتها المؤيدة للحرب، وأعلنوا أنهم "دعاة سلام لا استسلام"، وأنهم ليسوا ضد الحرب بالمطلق وإنما ضد الحروب غير العادلة. وبما أن الحرب ضد العراق هي، في نظرهم، حرب عادلة فيجب تأييدها.[3]   وقد علق متتياهو بيليد، وهو من الوجوه البارزة في "معسكر السلام"، على موقف الأكثرية هذا بقوله: "خمسة وأربعون في المائة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي عارضوا الحرب، وهنا تؤيد حركة السلام الحرب كلياً. ويدل هذا الموقف في اعتقادي على انحلال حركة السلام في إسرائيل. إن القبول المطلق لحركة السلام المزعومة بالسياسة الأميركية لا يؤدي بها إلا إلى السير في خط السياسة الإسرائيلية الرسمية."[4]   

وقد أشارت ليلي غاليلي، في مقال نشرته في صحيفة "هآرتس" عن أزمة اليسار، إلى الخلافات في شأن الموقف من الحرب وحملات التشهير المتبادلة التي نجمت عنها، وأضافت أن الأقلية أصبحت نتيجة لها تعتبر الأكثرية "جزءاً من الإجماع الوطني العدواني"، وأنها لم تعد ممثلة لليسار، وأن الأكثرية أصبحت تنظر إلى الأقلية أنها "مجموعة هامشية هستيرية تفتقر إلى الفهم السياسي."[5]

الموقف من الفلسطينيين

بدأت الخلافات في "معسكر السلام" الإسرائيلي في شأن الموقف من الفلسطينيين في وقت مبكر جداً من الأزمة، وقبل نشوب الحرب وضرب إسرائيل بالصواريخ بفترة طويلة. وشكل علامة أولى على وجودها مقالان ظهرا في الصحافة الإسرائيلية بعد أسبوعين تقريباً من وقوع الأزمة: أولهما بقلم صحافي يساري بارز، هو يارون لندن، بعنوان: "وداعاً يا حسيني، يا نسيبة ويا باقي القادة 'الحقيقيين'"؛ وثانيهما نجم معسكر اليسار، عضو الكنيست (عن حركة حقوق المواطن – راتس) يوسي ساريد، بعنوان: "فليبحثوا عني!". وقد أثار هذان المقالان، اللذان يدل عنوانهما بوضوح على مضمونهما، على الفور اضطراباً قوياً في أوساط "معسكر السلام" وتشفياً ممزوجاً بالسرور في الأوساط اليمينية، وشكلا بداية لسجال عاصف في صفوف اليسار استمر حتى نهاية الحرب.

يشير يارون لندن، في مقاله الذي نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 14/8/1990، إلى مقولتين يعتقد أن مقاربة اليسار الصهيوني للمسألة الفلسطنينة قائمة عليهما: "الأولى عملية: نعتقد أن سيطرتنا على شعب آخر كارثة (...) بالنسبة إلى المجتمع الإسرائيلي؛ والمقولة الثانية خلقية: إن إنكار حق تقرير المصير على أية مجموعة قومية (...) أمر لا خُلقي". ويضيف أن المقولة الأولى كافية كأساس لموقف سياسي (مثل موقف اليسار) يطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، بينما تضفي المقولة الثانية على هذا الموقف قوة خلقية.

وقد ادعى الفلسطينيون أن لهم هوية قومية منفصلة عن عرب الهلال الخصيب، وأنهم يطمحون إلى ترجمة هذه الهوية إلى مصطلحات سياسية. وأدى قبول اليسار لهذا الادعاء إلى استنتاج "سياسي وخلقي"، وهو أن المفاوضات في شأن مصير الفلسطينيين "يجب أن تتم مع من يختارونهم لتمثيلهم". لكن اتضح في أزمة الخليج، بحسب قول يارون، أن الفلسطينيين قد خدعوا اليسار، وأنهم في الحقيقة لا يطمحون إلى تأسيس كيان سياسي خاص بهم، وإنما يريدون قائداً على غرار صلاح الدين. وأن الحرب التي يشنونها للتحرر من النير الإسرائيلي لا تشكل دليلاً على أنهم يطمحون إلى حقهم في تقرير المصير، وإنما تبرهن فقط على أنهم مشمئزون من الإسرائيليين. "وهذا لا يلزمنا بأي واجب خلقي تجاههم."

وما دام الأمر كذلك، فإن يارون لندن لا يرى لماذا ينبغي لليسار الصهيوني أن يؤيد طموحاً اتضح أن الفلسطينيين لا يمتلكونه. ومن هنا، فإنه يختتم مقاله بإخطارهم: "وداعاً يا حسيني، يا نسيبة ويا باقي القادة 'الحقيقيين'". لقد برهنتم لي، هذا الأسبوع، أنني كنت أحمق لأعوام (...) وعندما ستعودون لتطلبوا تأييدي 'لحقوقكم المشروعة'، فستجدون أن صراخ تشجيعكم لصدام حسين قد أصمّ أذنيّ."

أما يوسي ساريد، الذي نشر مقاله في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 17/8/1990، فلم يذهب إلى حد سحب تأييده لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، لكنه هاجمهم بشدة وشنّ حملة عنيفة على قيادتهم السياسية (منظمة التحرير)، وأعلن مقاطعته لهم ولها. وقد اتسم المقال بالانفعال الشديد، وبمقدار كبير من الاستعلاء والتحذلق الخلقي؛ وهي سمات ستطبع أيضاً، بالمناسبة، كتابات ساريد اللاحقة في الموضوع. "يجب التزود بقناع واق من الغاز لمحاولة التغلب على الرائحة السامة والكريهة لموقف م. ت. ف. من صدام حسين، ويثير العناق بين ياسر وصدام كثيراً من الاشمئزاز، وأيضاً الخوف." هكذا يفتتح ساريد مقاله. وهكذا ينهيه: "لو كنت أيدت إنشاء دولة فلسطينية لمجرد أن الفلسطينيين أيضاً يستحقون دولة – لكنت الآن تخليت عن تأييدي لذلك. لكني استمر في المطالبة لهم بحق تقرير المصير وبدولة مستقلة لأن من حقي أنا أن أتخلص من الاحتلال وأضراره السيئة. إنهم، ربما، يستحقون الاحتلال، لكن نحن لا نستحقه. وأنا أصرّ على الرغم من كل شيء على المحافظة على إنسانيتي، ولست بحاجة إلى عرفات والحسيني ودراوشة في هذا المجهود الجبار (...) الذي هو تقريباً لاإنساني في إنسانيته. وحتى إشعار آخر، فليبحثوا عني!" (مقتطفات من المقال في "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 4).

وقد أوضح ساريد أن مصدر نقمته على الفلسطينيين هو أنهم بتأييدهم صدام حسين قد ألحقوا ضرراً فادحاً بقضيتهم في الأوساط الدولية، ومدمراً بصورة خاصة في الأوساط الإسرائيلية. إن صدام حسين قد ارتسم في نظر "العالم الحر" بأنه العدو الأول لأمنه ورخائه. وعندما ينجح الأميركيون والأوروبيون في هزيمته، فإنهم "لن يسارعوا إلى دعوة شريكه الصغير، عرفات"، إلى طاولة المفاوضات. وبالنسبة إلى الرأي العام الإسرائيلي، فقد كرست منظمة التحرير، بحسب ادعاء ساريد، السنتين الأخيرتين لإقناعه بأنها تغيرت: أصبحت تقبل بوجود إسرائيل، ونبذت "الإرهاب". لكنها الآن "رفست الدلو واندلق الاعتدال كله." وإذا كان من الجائز تأييد صدام حسين، الذي قتل الآلاف من "معارضي النظام" واستخدم الغازات السامة ضد الأكراد، فإنه ليس مخيفاً تأييد سياسة شمير وشارون ورابين، الذين تبدو خطاياهم بالمقارنة مع صدام حسين "نقية كالثلج".

لكن حتى لو افترض المرء أن الفلسطينيين ألحقوا فعلاً ضرراً فادحاً  بقضيتهم، فما شأن ساريد بذلك، ولماذا كل هذا الغضب والانفعال؟ سؤال وجهه صحافي إلى ساريد في مقابلة أجراها معه بعد أيام من نشر مقاله. وكان جوابه تقريباً على النحو التالي: إن الفلسطينيين "بسلوكهم الأحمق والرديء" برهنوا على فقدهم للرشد والنضج السياسي، وقبروا عملية السلام "تسع أذرع في الأرض" لفترة طويلة جداً، ربما "لنصف جيل"، وأنه غاضب لا لأنهم سيتضررون من ذلك، فالثمن الذي سيدفعونه ليس مهماً، لكن لأن إسرائيل من دون السلام ستظل في خطر، ولأن وجوده هو شخصياً من دون السلام "جحيم لا يطاق". وقد طور ساريد في هذه المقابلة، موقفه من منظمة التحرير، إذ لم يعد مكتفياً بمقاطعتها، وإنما أعلن أنها لم تعد أهلاً لتمثيل الفلسطينيين، على الأقل إلى أن تتغير قيادتها الحالية.[6]

وقد شرح ساريد في مقالات متعددة نشرها لاحقاً، رداً على منتقديه في أوساط اليسار الإسرائيلي، أن حرب الخليج قلبت الأوضاع في المنطقة رأساً على عقب، وأن الأوضاع الجديدة تفرض تغيير المواقف القديمة، لكن زعماء اليسار – بدلاً من ذلك، يصرّون على التمسك بمواقفهم القديمة ويهاجمون دعاة التغيير. ونقتبس فيما يلي مقتطفات من مقالات ساريد اللاحقة، تشرح وجهة التغيير المطلوب وحيثياته ونظرته إلى موقف زملائه في معسكر اليسار.

في شأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، كتب ساريد: "في السابق، عندما اتبعت م. ت. ف. استراتيجية قبول وتعايش مع إسرائيل، واتبعت سوريا استراتيجية رفض، بدا الاختراق السياسي في الجبهة الفلسطينية قريباً وممكناً. لكن الوضع بعد الحرب سينقلب، وسيكون الاختراق في جبهة الدول العربية، بحسب تقديري، أكثر سهولة وعملية. وسيكون حل المشكلة الفلسطينية ناتجاً فرعياً للحل مع سوريا ومصر، ولن يستطيع الفلسطينيون إلا أن يلوموا أنفسهم، وفي الأساس قيادتهم على ذلك (...) إن اتفاقيتي سلام مع مصر وسوريا ستجعلان المنطقة مستقرة إلى حد معقول. وبعد ذلك سيجيء دور المشكلة الفلسطينية، التي حلها شرط لازم للسلام، لكنه ليس كافياً."[7]

في شأن منظمة التحرير وقيادتها الحالية: "ليس فقط أن م. ت. ف. خسرت رصيدها في الولايات المتحدة وأوروبا والاتحاد السوفياتي، وفي الشرق الأوسط والعالم العربي نفسه، وإنما أيضاً اكتشفت الولايات المتحدة في المنطقة أرصدة جديدة – سوريا، مثلاً. ومن الممكن أن يتضح، في نهاية الأزمة، أن م. ت. ف. عقبة كبيرة في طريق السلام لا يمكن تخطيها تقريباً، وأنا أعلن أن التزامي عملية السلام أقوى من التزامي تجاه عرفات."[8]    و"من الواجب أن نقرر منذ الآن أن التعامل مع ياسر عرفات وزمرته سيكون صعباً، وربما مستحيلاً."[9]

في شأن مشاريع التسوية السلمية: "أنا الشخص الوحيد الذي ليس لديه مشروع (...) من يقدم على خطوة في الاتجاه الصحيح سأخطو معه، والطريق إلى السلام الذي سنصنعه لا يمر بأرض إسرائيل الكاملة، ولا يمر أيضاً بمناطق الحل الوسط الإقليمي. إنه يسير مع الخط الأخضر، الذي هو خط يمر بين نقطتين: نقطة السلام ونقطة الأمن. وبعد سلوك الفلسطينيين الرديء في أثناء الأزمة، أشدد على نقطة الأمن."[10]

في شأن اليسار الإسرائيلي: "إن حرب الخليج زلزال دولي مركزه في الشرق الأوسط، تماماً تحت البيت. وعندما تتزلزل الأرض تنهار البنى القديمة والتصورات المهزوزة (...) وهناك في اليسار الإسرائيلي من  رصدوا الهزات القوية حولهم. لكن هناك في البيت، في الصالون، لم يتزحزح شيء، ولا حتى نظارة القراءة. وسيستمرون في قراءة الخريطة الجديدة بالنظارة القديمة. وأنا أجتهد بكل قوتي لاستشراف الغد (...) وإذا كان هناك من يريد طردي من معسكر السلام بسبب ذلك، فمن حقه أن يحاول. والمشكلة هي أنه لا يمكن طرد الأغلبية. ومن دون أشخاص مثلنا، لن يكون هناك معسكر سلام."[11]

ردات الفعل في معسكر السلام

في ضوء ما ورد أعلاه، يمكن تلخيص الرؤية الجديدة المطلوبة لليسار على النحو التالي: الفلسطينيون مخادعون ويفتقدون الرشد والنضج السياسي، وقد قبروا بسلوكهم عملية السلام لفترة طويلة مقبلة، ولذلك يجب مقاطعتهم ومقاطعة قيادتهم السياسية الحالية، والقبول بتأجيل حل مشكلتهم إلى ما بعد تحقق السلام مع الدول العربية، والامتناع من بلورة مشروع للتسوية خاص باليسار والاكتفاء بالسير مع أي مشروع يمثل نقلة إلى الأمام. ولايحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليتخيل "معسكر سلام" قائماً على مثل هذه التصورات والمواقف. ويبدو من ردات الفعل التي صدرت عن زعماء معسكر اليسار أن كثيرين منهم تخيلوا ذلك، ولم تعجبهم الصورة كثيراً.

لفت النظر في ردات الفعل المبكرة مقال نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 24/8/1990، بقلم الكاتب دافيد غروسمان، مؤلف كتاب "الزمن الأصفر"، بعنوان: "يا دعاة السلام، تكلموا!" وقد كتبه رداً على مقالي ساريد ولندن في بدايات الأزمة، وعلى تصريحات صدرت عن زعماء يساريين آخرين، واتهمت الفلسطينيين باللاعقلانية والنزوع إلى تدمير الذات.

وقد هاجم غروسمان في مقاله يوسي ساريد، وقال عنه إنه نجح تقريباً في تربيع الدائرة، وعاد في النهاية إلى الالتزام تجاه السلام من خلال دوافع خلقية وبجهد "فوق إنساني في إنسانيته"، بحسب تعبيره. لكنه، في هذه الأثناء، يرفض التحدث مع الفلسطينيين. مع من يتحدث إذاً الآن من أجل صنع السلام؟ هل يتبني موقف شمير ويأمر الفلسطينيين بدعوة وليَّي أمرهم، حسين ومبارك، للبحث في شأن مستقبلهم؟ أم أنه ينوي انتظار مكالمة هاتفية من الفلسطينيين، وإلى متى، وهل السلام في نظره مصلحة فلسطينية فقط، أم أنه مصلحة إسرائيلية عليا؟

وبالنسبة إلى يارون لندن، "الذي نفض عنه بهزة كتف" كل التزام خلقي تجاه الفلسطينيين وحل النزاع – إلى أين يتوجه من هنا؟ ولماذا لا يكون منطقياً وشجاعاً أكثر، ويعترف بأنه إذا لم يعد يشعر بأي قيد خلقي تجاه الفلسطينيين، فإن هذه هي بداية طريق يقود إلى الترانسفير؟

لكن المشكلة في مثل ردات الفعل التي صدرت عن ساريد ولندن وعدد من زعماء اليسار الآخرين – يتابع غروسمان – ليست في المضمون فقط وإنما في اللهجة أيضاً؛ فوراء الكلمات التي ترتسم "فجيعة صبيانية" بالفلسطينيين: "بخداعهم لليسار"، "بطبيعتهم المتقلبة" (التي جعلتهم "يرفسون الدلو" بعد أن بدا أنه مملوء اعتدالاً، بحسب ساريد)، "بلاعقلانيتهم" و"بنزعة التدمير الذاتي" لديهم. إن هناك انزلاقاً مستمراً في أوساط الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين، وجهازاً جباراً موجهاً باستمرار لمحو الفلسطينيين من الوعي الإسرائيلي كشريك في السلام. وعندما تأتي شخصيات يسارية بارزة وتتحدث عن الفلسطينيين بهذا الشكل، وتعلن أنها أخطأت بتأييدهم، فإنها تلحق ضرراً كبيراً في وعي الجمهور المؤيد للسلام: "إن عشرات الآلاف من المواطنين الذين تجندوا في الأعوام الأخيرة لإعطاء السلام فرصة يحصلون فجأة على شرعية محبوكة جيداً للتخلي عن ذلك، وللعودة إلى النظرة التبسيطية والنمطية والقدرية القائلة: لا يوجد من نتحدث معه وسنعيش دائماً بسيفنا."

ويرد غروسمان على الادعاءات في شأن الفلسطينيين، واحداً واحداً، فيقول إن الفلسطينيين لم يخدعوا أحداً: "إنهم في معظمهم – وليس كلهم – كرهونا بصمت، حتى قبل الانتفاضة. وبعد ذلك، صبّوا كراهيتهم في الحجارة والبيانات. واليوم عندما خاب أملهم، عندما قوبلت كل التنازلات الموجعة التي قدموها في السنتين الأخيرتين باللامبالاة والاستخفاف من جانب الزعامة الإسرائيلية، فإنهم يكرهوننا أكثر من السابق (...) وما العجب في أنهم الآن يؤيدون عدو عدوهم؟؛" ويقول إن اليسار غاضب لأن الفلسطينيين بتأييدهم صدّام حسين يبدون أنهم تخلوا عن الاعتدال، لكن تجدر ملاحظة أن إسرائيل لم تتخل قط عن التحدث إليهم بلغة القوة والطغيان، وأنها لو كانت بدأت تتحدث إليهم بلغة جديدة، لربما كان اختلف الأمر معهم. ويقول إن الضرب على وتر "لاعقلانية" الفلسطينيين لا معنى له، فالسلام يصنع مع عدو، لا مع عدو "عقلاني فقط"، ومن الأفضل "ألا ننجرف أكثر من اللازم فيما يخص عقلانيتنا". ويقول، أخيراً، إن هناك في إسرائيل "من يريد أن يغوينا ويقنعنا بأن الفلسطينيين هم كالحيتان الانتحارية، التي تسري نزعة تدمير الذات في عروقها كاللعنة، وبالتالي فإنهم لن يكونوا أبداً محاورين حقيقيين. وهذه نظرة عرقية."

وفي نهاية المقال، يدعو غروسمان دعاة السلام إلى كسر الصمت، والاحتجاج على التوجهات الجديدة التي بدأت تظهر في أوساط اليسار.

ويبدو أن هؤلاء لم يكونوا بحاجة إلى حثّ شديد؛ يدل على ذلك مضمون ولهجة عشرات المقالات التي ظهرت رداً على آراء ساريد وأضرابه. ونختار منها كنماذج ثلاث مساهمات تكمل خلاصة ما قيل في الرد وتوضيحها.

المساهمة الأولى التي نختارها هي مساهمة عضو الكنيست (عن حركة راتس) شولاميت ألوني. وقد عنيت ألوني، في مقابلة أجرتها صحيفة "هآرتس" معها، بوضع الأمور في نصابها الصحيح فيما يتعلق بشعور اليسار بأن الفلسطينيين قد خذلوه أمام الرأي العام الإسرائيلي وإحساسه بخيبة الأمل فيهم: "لماذا يجب أن يخيب أملي من موقف الفلسطينيين؟ هل فعلت شيئاً من أجلهم؟ هل فعل اليسار الإسرائيلي شيئاً من أجلهم؟ إن اليسار الإسرائيلي جزء من الحكم، من المؤسسة، من نظام السلطة كله (...) حاولنا أن نسمع صوتنا الخلقي. كنا في المعارضة، وقدمنا استجوابات واقتراحات لجدول الأعمال، وأنشأنا "بتسيلم" [منظمة يهودية للدفاع عن حقوق الإنسان] وشعرنا بأننا فعلنا الكثير. عملياً لم ننجز شيئاً؛ فالحكومة استمرت في السيطرة على المناطق، وفي انتهاك حقوق الإنسان، وفي النسف والقتل – ونحن شركاء في ذلك لأننا لم نعلن العصيان (...) لا نستطيع القول إننا كنا خارجاً. نحن جزء من هذا. والفلسطينيون ليسوا مدينين لنا بشيء."[12]

وأضافت ألوني، في مقال لها نشر لاحقاً، أن الفلسطينيين أعداء لإسرائيل، وما بين منظمة التحرير واليسار الإسرائيلي ليس قصة حب، وإنما هو ما بين عدوين، ولا معنى لمشاعر الغضب وخيبة الأمل التي صدرت عن عدد من ممثلي اليسار.[13]

المساهمة الثانية هي مقال بقلم عضو الكنيست (عن حركة راتس أيضاً) دادي تسوكر، وعني فيه بمناقشة أربع نقاط رئيسية في موقف ساريد ورؤيته للأمور: قطع الحوار مع الفلسطينيين؛ أن الموضوع الفلسطيني فقد أولويته في مساعي السلام ؛ أن أحداً لن يكون معنياً بدعوة منظمة التحرير إلى طاولة المفاوضات؛ أن قيادة منظمة التحرير يجب تغييرها.

فيما يتعلق بقطع الحوار يقول تسوكر إن هذا الموقف يعكس نظرة تفترض أن التحدث مع الفلسطينيين هو "مكافأة على حسن سلوك" أو "جائزة تمنح بإحسان منّا". وهذه نظرة مغلوط فيها. إن الحوار مع الفلسطينيين نبع من تطلع اليسار إلى التخلص من الثمن الاقتصادي والسياسي والخلقي الذي تدفعه إسرائيل، وستستمر في دفعه، ما دامت مستمرة في السيطرة على شعب آخر. والطريق الوحيد للتخلص من الاحتلال يمر عبر التفاهم مع الفلسطينيين. وهناك مصلحة واضحة لإسرائيل، و"لأسباب أنانية، في البحث عن الفلسطينيين، وبمبادرة منها."

وفي شأن أولوية الموضوع الفلسطيني يقول دادي تسوكر إن القضية الفلسطينية لن تنتظر في آخر الصف حتى يجيء دورها (كما يعتقد ساريد)، لأن الأنظمة العربية لا تستطيع أن تسمح لنفسها بإهمالها، والولايات المتحدة تدرك ذلك. إن الأعضاء العرب في التحالف المعادي لصدّام حسين سيطلبون، بعد إلحاق الهزيمة به، حل القضية الفلسطينية "ليس لأن أطفال مخيم جباليا يؤرقونهم (...) وإنما لأن القضية الفلسطينية هي ضمير الأمة العربية (...) ولن تستطيع الأنظمة والنخب [السياسية] التي أيدت الولايات المتحدة، التهرب من مواجهة الهزات المتوقعة في العالم بعد الإهانة التي ألحقتها الحضارة الغربية بدولة عربية، وستكون مساندة قضية حساسة بهذا المقدار بالنسبة إلى العالم العربي، جزءاً من الجهود لمواجهة هذه الهزات."

وفيما يتعلق بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات، يقول دادي سوكر إن ما يرفض إسرائيليون كثيرون أن يفهموه هو أن منظمة التحرير تستمد شرعيتها من الفلسطينيين فقط، لا من "معسكر السلام" الإسرائيلي أو من وزارة الخارجية الأميركية. "وما دام اللاجئون في خان يونس يرون في عرفات ممثلهم، فإن مكانة م. ت. ف. لن تتغير (...) وأي فقدان للرشد السياسي لن يغير حقيقة أنها لا تزال تتمتع بتأييد الفلسطينيين". وهذا ما تدركه جيداً الأنظمة العربية، التي ستكون بحاجة إلى التصالح مع منظمة التحرير، لعرض ذلك أمام شعوبها، بمقدار ما ستكون المنظمة بحاجة إلى التصالح معها. وستجلب هذه الأنظمة، المعتادة على المصالحات، منظمة التحرير وعرفات، على الرغم من أنهما ضعفا كثيراً، إلى العملية السياسية.

وبالنسبة إلى النقطة الرابعة – القيادة الحالية لمنظمة التحرير – فإن تسوكر يرى أن المطالبة بتغيير ياسر عرفات ليست واقعية، لأنه رمز نضال المنظمة ولن تستبدله. لكن يمكن الأمل بتبلور قيادة جديدة تمسك من ورائه بزمام الأمور، وتتألف من أشخاص من الصفين الثاني والثالث موجودين في تونس، ومن "قادة براغماتيين" في الأراضي المحتلة. ومن مصلحة إسرائيل و"معسكر السلام" الإسرائيلي البحث عن وتشجيع العناصر التي يمكن أن يتألف منها مثل هذه القيادة الجديدة.[14] 

أما المساهمة الثالثة، والأخيرة، فهي مقال لعضو الكنيست عوزي برعام (زعيم جناح "الحمائم" في حزب العمل)، شن فيه هجوماً عنيفاً على يوسي ساريد، واتهمه بإضفاء شرعية على مواقف اليمين المتطرف. وقد اقتبس عن ساريد قوله "عن القيادة الحالية لـ م. ت. ف. يجب أن تتغير"، و"التعامل مع ياسر عرفات وزمرته سيكون صعباً، وربما مستحيلاً". وعلق أنه وساريد معاً لا يستطيعان حتى  تغيير رئيس حكومة إسرائيل، فكيف يستطيعان أن يقنعا شعباً عدواً بتغيير  قيادته؟ واقتبس عنه قوله إن هذه القيادة ليست أهلاً للتفاوض "حتى مع شمير والرأي العام الإسرائيلي." وعلق قائلاً إن شمير خلافاً لساريد، لم يكن بحاجة إلى حرب الخليج ليعلن ذلك. واقتبس عنه قوله إن هذه الحرب ستؤدي إلى مفاوضات مع دول عربية، بما في ذلك سوريا، بينما سيكون "حل المشكلة الفلسطينية ناتجاً فرعياً للحل مع سوريا ومصر"، وأنه فقط بعد الحل مع الدول العربية سيجيء "دور المشكلة الفلسطينية، التي حلها شرط لازم للسلام، لكنه ليس كافياً." وعلق قائلاً إن هذين مبدآن يصلحان أساساً لكل حكومة برئاسة شمير.

وتساؤل برعام، رداً على قول ساريد إن حرب الخليج تحطم حقائق وتدمر من الأساس "البنى القديمة والتصورات المهزوزة"، أي حقائق هي التي تغيرت إلى حد جعل ساريد يتبنى مثل هذه المواقف؟ ويجيب: "لم يتغير شيء، يوسي ساريد. الشيء الوحيد الذي تغير هو أن متحدثاً مهماً باسم اليسار الصهيوني مثلك يمنح شمير وزملاءه شرعية مطلقة للسير في طريقهم."

ويختم برعام بالقول إن تأجيل الحل مع الفلسطينيين يمكن أن يبعد عن زعامة الأراضي المحتلة العناصر المعتدلة، و"يمكن أن تنشأ زعامة إسلامية حماسية [نسبة إلى حماس]، سيكون من الصعب التحدث معها بلغة المنطق والواقعية. كما يمكن أن يؤثر مثل هذه القيادة في استعداد دول عربية للتوصل إلى حل معنا."[15]

ماذا بعد...؟

              يدعي يوسي ساريد أنه، بتصوراته ومواقفه الجديدة، يمثل الأغلبية في "معسكر السلام" الإسرائيلي، وأنه من دون أشخاص مثله "لن يكون هناك معسكر سلام." غير أن تفحص الأمر، من زاوية ردات فعل زعمائه وممثليه البارزين، يضع علامة استفهام كبيرة في شأن هذا الادعاء؛ إذ إن ردات الفعل لدى الأكثرية تجاه ما طرحه ساريد كانت سلبية. ومع ذلك، يظل من الصعب في البلبلة الحالية السائدة في أوساط "معسكر السلام"، التحقق من وجهة هبوب الريح، وخصوصاً في مستوى قاعدته العريضة والجمهور المؤيد له.

لقد أُصيب "معسكر السلام" في أثناء أزمة وحرب الخليج، بالشلل. وباستثناء أصوات قليلة ارتفعت في وقت متأخر، احتجاجاً على حظر التجول على سكان الأراضي المحتلة وما سبّبه لهم من آلام وصعوبات، وباستثناء انتقادات موجهة إلى الحكومة بسبب إقدامها على ضم رحبعام زئيفي (غاندي) إليها، فإن الحضور الوحيد لـ "معسكر السلام" في المستوى السياسي العام، تمثل فقط في الخلافات التي تطرقنا إليها أعلاه؛ وهي خلافات قسمت صفوفه، وبلبلت نظرته العامة، وأدت إلى إضعافه كثيراً.

إن التدقيق في الآراء التي طرحها زعماء ودعاة "معسكر السلام" خلال أزمة وحرب الخليج، من منظور أوسع من مجرد ما طرحه ساريد والردود المباشرة عليه، وهو ما لا يتسع المجال هنا لعرضه، يكشف عن نظرة شائعة متعالية (وأحياناً عرقية) تجاه الشعب الفلسطيني، وعن التزام تجاه حقوقه القومية والسياسية المترابطة عضوياً في هذه المرحلة (بدءاً بحقه في تقرير المصير وانتهاء بحقه في اختيار قيادته وممثليه) أقل ما يقال فيه أنه  ضعيف ومتقلقل. ويكاد يكون الاتفاق على ضرورة التخلص من الاحتلال هو الالتزام القومي الوحيد المتفق عليه في أوساط "معسكر السلام"، وذلك لأسباب تتعلق بالمجتمع الإسرائيلي نفسه. أما عدا ذلك، فهو قابل للاجتهاد. وما دام الأمر كذلك، فإن ما أتى به ساريد وأمثاله من "اجتهادات، ما كان يجب أن يثير الاستغراب، كما يجب ألا يثير الاستغراب أن عدداً من منتقديه تبنى جزءاً من طروحاته.

إن أمام "معسكر السلام" الإسرائيلي، للخلاص من أزمته، طريقين: إما أن يستكمل النقاش الذي سببته أزمة وحرب الخليج، ويسعى لحسم الأمور واسترداد وحدته على أساس برنامج سياسي موحد وواضح هذه المرة، لا مجال فيه للبس والاجتهاد فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني القومية والسياسية، وإما أن يستمر في بلبلة نفسه وبلبلة جمهوره في خلافات واجتهادات لا أول ولا آخر لها، ويزداد بذلك وهنا على وهن.

وإذا كان لنا أن نتنبأ بشأن أي الطريقين سيختار، فإن المعرفة باليسار الإسرائيلي وأساليبه لا تترك مجالاً كبيراً للشك في أنه سيختار الطريق الثاني.

                                                                                                                            1/5/1991

[1]  دان مرغليت، "زالت من الوجود"، "هآرتس"، 1/2/1991.

[2]   من أجل تفصيلات أكثر عن الخلاف في أوساط "معسكر السلام" بشأن الموقف من الحرب، راجع: ليلي غاليلي، "يسار بلا مخرج"، "هآرتس" 10/2/1991. وهو المصدر الذي استقينا منه معظم المعلومات عن الخلاف.

[3]   New Outlook, Vo;. 34, No. 2 (February-March, 1991), p. 5.

[4]  Ibid., p. 19.

[5]   غاليلي، مصدر سبق ذكره.

[6]  "ملحق هآرتس الأسبوعي"، 24/8/1990.

[7]  "هآرتس"، 14/2/1991.

[8]  المصدر نفسه، 31/1/1991.

[9]   المصدر نفسه، 14/2/1991.

[10]  المصدر نفسه، 15/3/1991.

[11]  المصدر نفسه، 31/8/1990.

[12]  المصدر نفسه، 24/8/1990.

[13]  "يديعوت أحرونوت"، 27/8/1990.

[14]  "هآرتس"، 28/2/1991.

[15]  المصدر نفسه، 20/2/1991.

اقرأ المزيد