من أزمة إلى حرب: تصورات مفكرين عرب لنتائج الحرب وأبعادها
ملف خاص: 
كلمات مفتاحية: 
النزاع العربي – الإسرائيلي
حرب الخليج 1991
نبذة مختصرة: 

يتناول هذا التقرير تصورات عدد من المفكرين العرب لانعكاسات حرب الخليج البعيدة الأمد على المنطقة العربية والصراع العربي الإسرائيلي. وشارك في الإجابة عن الأسئلة كل من: الكاتب السياسي المصري محمد سيد أحمد، والخبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في صحيفة "الأهرام" أسامة الغزالي حرب، والمسؤول الفلسطيني عن ملف القدس فيصل الحسيني، و المحاضر في جامعة بير زيت المسؤول في حزب الشعب الفلسطيني غسان الخطيب، ومدير ملتقى الفكر العربي في القدس إبراهيم الدقاق، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس غسان سلامة، والمسؤول الفلسطيني نبيل شعث ، ورئيس جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني في قطاع غزة حيدر عبد الشافي، والباحث اللبناني المقيم في باريس جورج قرم، واللواء المصري المتقاعد طلعت مسلم،ومدير المركز العربي لبحوث المستقبل في القاهرة جميل مطر، والمحاضر الفلسطيني في جامعة بير زيت سري نسيبة.

النص الكامل: 

ليس سهلاً على مجلة فصلية بحثية أن تواكب حدثاً جارياً، وربما ليس من شأنها أن تفعل ذلك. لكن حدثاً بحجم حرب الخليج يفرض نفسه على الكتابة السياسية، بالقوة نفسها التي اقتحمت الحرب بها حياة الناس في بلادنا وشغلت أوقاتهم وأذهانهم.

هنا معالجة جزئية للحدث، تتناول الأيام الأولى من الحرب: قراءة عربية أولية لنتائجها المرتقبة على المنطقة، وقراءة إسرائيلية من خلال ثلاث مساهمات، إحداها من فلسطين المحتلة. وفي خارج هذا المحور معالجات أخرى لأبعاد الحرب، في أبواب متفرقة من هذا العدد.

ركيزتا السياسة الأميركية

                        أصابتني الدهشة بعد نهاية سنة 1989، من عمق التغييرات التي حدثت بين الشرق والغرب، وبصورة خاصة التغيير الأساسي الذي جرى في شرق أوروبا من دون أن يكون لذلك أثر محسوس في العالم العربي. وكنت أتوقع أن هذا التغيير الحاسم بين الشرق والغرب كان لا بد من أن يكون له تأثير في العلاقات بين الشمال والجنوب، وربما بالذات في العلاقات داخل العالم العربي. صحيح أن العالم العربي لا يعتبر جنوباً، لكن لمجر وجود إسرائيل في قلب المنطقة العربية، ولأنها (إسرائيل) جزء من الشمال، وبسبب النزاع الحاد بين العرب وإسرائيل، فلا بد من أن يترتب على ذلك نوع من اعتبار المنطقة العربية جزءاً من الجنوب. لكن، لأن المنطقة العربية تحتوي على البترول الذي يُعد سلاحاً رئيسياً في آليات الشمال، فمن الممكن القول إن هذه المنطقة لا هي شمال بالمعنى الصحيح ولا هي جنوب بالمعنى الصحيح، وإنما هي عند منتصف الطرق، ولا بد بالتالي من أن تتأثر أبلغ الأثر بالتغيرات التي جرت على الصعيد العالمي بين الشرق والغرب.

ولقد توقعتُ في البداية أن التغيير عندما سيجري في المنطقة العربية، ستكون الانتفاضة الفلسطينية هي العنص الأساسي في إنجاو هذا التغيير. ولم يكن متصوَّراً حينها أن ازمة الخليج هي التي ستكون نقطة البداية للتغيير.

إنني أعتقد أن أزمة الخليج تعبر، في حقيقتها، عن مشكلة أساسية كان يمكن ضبطها والحفاظ  بقدر من الاستقرار عليها في ظل النظام الثنائي القطبين السابق، وأصبح من المتعذر أن يستمر هذا الاستقرار في ظل النظام الدولي الواحد الجديد. والمشكلة هي أن العالم العربي كان منقسماً، على الأقل في مشرقه، إلى نوعيتين من الدول: دول نفطية غنية، فيها سكان قليلون، وتكاد تكون منعدمة المؤسسات، وقد تقتني أسلحة كثيرة ومتطورة، ولكن ليس لديها جيوش ذات خبرة تستطيع أن تديرها؛ ومن الناحية الأخرى، دول ذات مشكلات اقتصادية متفاقمة ومستعصية الحل، وذات سكان كثيرين وجيوش متمرسة.

وكان من الصعب تصور استمرار خذا الوضع بما ينطوي عليه من عدم تكافؤ في توزيع الموارد في ظل الأوضاع الجديدة، وذلك لأسباب كثيرة أبرزها أنه في المرحلة السابقة كان للاستقطا الدولي بين الشرق والغرب تأثير في طرح نوع من الاستقطاب داخل الإطار العربي، بحيث أن المساس بالأنظمة البترولية الغنية لم يكن وارداً لأن ذلك كان يُعد مساساً بالنظام الدولي الثنائي القطبين، لا بالتوازن داخل الإقليم فقط.

لكن بمجرد انتهاء المواجهة بين الشرق والغرب لم يكن غريباً أن تطرأ تغييرات كبيرة على التوزيع غير المتكافىء للموارد داخل الأمة العربية، وذلك لأن فرصاً اصبحت متاحة لم تكن واردة من قبل.

من هنا، فإن أزمة الخليج كانت على نحو ما تعبر عن عدم إمكان استمرار التوازنات في العالم العربي كما كانت قائمة من قبل. وبهذا المعنى نستطيع أن نقول أن العالم العربي مُقبل على تغييرات جسيمة لا رجعة عنها.

يفترض أن تجري تغيرات حيثما نجد أنظمة تتسم باللاديمقراطية وبعدم استقرار المؤسسات، بنظام آخر يخضع بقدر أو بآخر للمحاسبة، وتقوم مؤسساته على الديمقراطية والمشاركة الشعبية بديلاً من الأنظمة القائمة الآن على اتساع المنطقة العربية.

غير أنني لست متفائلاً بإمكان الانتقال إلى هذا التصور البديل لأسباب كثيرة، لعل من أهمها أن فكرة أن تقوم الدول العربية على نوع من المؤسسات الديمقراطية هي أمر لا يتماشى مع ما يجري الآن داخل المنطقة العربية من اسقطاب ومن مواجهة عسكرية؛ فالمواجهة العسكرية والاستقطاع يتنافيات مع الديمقراطية. ومع ذلك، أجد أن هذه التحولات ستكون ضرورية بصورة أو بأخرى، ولعلها ستتم بأكثر الطرق إيلاماً وليس من خلال عمليات كتلك التي جرت في أوروبا عندما وجدنا نوعاً من الاندماج على النطاق الأوروبي على الرغم من اختلال الأيديولوجيات، وقد تمت في الأساس بصورة سلمية. من هنا، لا يمكن القول إن ما جرى في أوروبا سيترتب عليه شيء مماثل في المنطقة العربية، أو شيء يجري بالطريقة السلمية نفسها، بل على الأرجح أن يتم ذلك من خلال مرحلة قلقة ومضطربة وطويلة الأمد.

أما إذا انتقنا إلى القضية الفلسطينية، فإنن أتصور أن إسرائيل ستظل المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى الأمة العربية والشعوب العربية. لكن قد يحدث نوع من التغيير في النظر إلى المنطقة من خارجها، حيث هناك عاملان أساسيان لهما أهمية خاصة في الاستراتيجية الكونية الأميركية بالذات، والتي أثبتت من خلال أزمة الخليج أن النظام الدولي الذي نحن في صدده الآن أقرب إلى النظام الأحادي القطب منه إلى النظام المتعدد الأقطاب. وهذا العاملان أو الركيزتان اللتان تحرص الولايات المتحدة عليهما هما: إسرائيل، والبترول (المصالح البترولية). وقد استخدمت الولايات المتحدة غزة العراق للكويت كي تجعل من ذلك فرصة للسيطرة على البترول وتأميل وجودها الاستراتيجي في المنطقة، حتى لا تسمح لمنافسيها بالمستقبل، وبالذات أوروبا الموحدة واليابان، وكي تحتفظ بالمركز الأول مستقبلاً. بل أنني أعتقد أنه قد يصبح للبترول، من وجهة نظر الولايات المتحدة، أهمية متعاظمة تفوق القضية الإسرائيلية. وما يجعلني أقول هذا هو أنني أجد الآن مفارقة تلفت النظر، وهي أن أميركا حريصة كل الحرص على إدانة غزو العراق للكويت ودمغه بالعدوان – لأن الاستيلاء على الكويت في نظر أميركا ليس مجرد الاستيلاء على دولة عربية وإنما يمثل الاستيلاء على موقع بترولي مهم يُكسب العراق مركزاً بترولياً إقليمياً خطراً – بينما هي تصر على عدم اعتبار إصابة إسرائيل بصواريخ عربية عدواناً وتكتفي بأن تصف العملية بأنها نوع من الاستفزاز. وهذا ما يؤكد أن القضية البترولية أصبحت هي التي تحدد استراتيجية الولايات المتحدة إزاء قضية أمن إسرائيل، بدلاً من أن تكون قضية أمن إسرائيل هي التي تقرر موقف أميركا إزاء كل القضايا الأخرى في المنطقة، بما في ذلك قضية البترول.

من هنا أقول أن هناك تغييراً، وهذا التغيير – في تقديري – أن إسرائيل كان لها الدور المركزي بغض النظر عن تأثير اللوبي اليهودي في أميركا، وهو لوبي قوي وله تأثيره في القرار الأميركي. أما الآن، فإننا سنجد أن أميركا قد ترى، أو في سبيلها إلى أن ترى أن إسرائيل كانت على الدوام تؤدي دور الشرطي لحساب الاستراتيجية الأميركية، وأن هذا الشرطي كان يتلاءم مع متطلبات الاستقطاب الدولي والحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي، بينما اليوم، ونحن في صدد عالم متعدد الأقطاب يتميز بأن المعركة بين اقطابه معركة اقتصادية أكثر منها معركة عسكرية... فربما كانت السيطرة على موارد البترول الرئيسية هي الأداة الاقتصادية الأكثر جدوى في تقرير من ستكون الغلبة في استراتيجيات الغد.

من هنا، فإنني أعتقد أننا في صدد تغيير مهم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فالسيطرة الأميركية على المنطقة تقتضي التخلص من أي شكل من أشكال التمرد على النظام الدولي الجديد، وهو ما يعني الآن التخلص من صدام حسين والنظام العراقي. والقضية المطروحة أمام أميركا – وهي تتصدى لصدام حسين بصورة عدائية وعن طريق الحرب كما يجري الآن – أن تكفل الولايات المتحدة، وهي تطيح صدام حسين، ألا يحل محله مائة صدام حسين من مائة موقع داخل المنطقة العربية، لأن القضاء على شخص صدام حسين قد ينتهي بإحياء سلوكيات على اتساع المنطقة تستلهم سلوك صدام حسين في مواجهة الهيمنة الأميركية الجديدة. ومن هذه الوجهة تبرز الحاجة لدى الإدارة الأميركية ‘لى تلبية شيء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية حتى تعطي الإيحاء بأن هذه العملية، التي تم من خلالها التصدي لنظام صدام حسين، ليست بالعملية التي تريد أن تدفع بالإحباطات العربية إلى حد الانفجار الشامل الذي يهدد في الصميم مصالح البترول واستقرار المنطقة بترولياً. ولهذا، فإن أميركا تتجه إلى ضمان استقرار البترول، وهي لا تقصد بهذا تلبية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهي إنْ قامت بتلبية شيء من  الحقوق الفلسطينية فهو لضمان استقرار البترول ومصالحها البترولية.

لكن إزاء ذلك، هناك أمر آخر وهو أنه كان لا بد، في ظل نشوب الحرب، من أن ترتبط القضيتان. واليوم وأميركا تطلب من إسرائيل أن تمتنع من أن تتولى بنفسها الدفاع عن نفسها في مواجهة الصواريخ التي مسّتها لأول مرة في العمق، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الصواريخ وقد أتت إلى إسرائيل من العراق، والعراق ليس دولة متاخمة لإسرائيل مباشرة، فمعنى ذلك أن متطلبات إسرائيل للأمن ستتسع إلى دائرة أكبر. وفي وسع إسرائيل أن تقول أن التزامها طلب أميركا بضبط النفس، لا بد من أن يكافأ. ومن هذه الوجهة فهي تطمع في أن يكون لها مكانة أكبر مستقلاً في ظل الترتيبات الأمنية المعدة للمنطقة، ومعنى ذلك التعارض تماماً مع تلبية أي شيء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فبصورة ما، نحن في صدد وضع قد نجد فيه أن القضية الفلسطينية قد تتاح لها فرص للحل ضماناً لاستقرار البترول، لكن أيضاً لإسرائيل القدرة على القول إن تلبية شروطها للأمن إنما تستدعي عدم تلبية أي شيء يتعلق بالقضية الفلسطينية. ومن هنا، فما أخشاه أن تكون هناك محاولات ربما لضرب الملك حسين، وربما للعمل أكثر من أي وقت سابق من أجل عدم التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية بأمل، من وجهة نظر إسرائيل ومن وجهة نظر استقرار البترول، أن تجد مخرجاً من هذا التناقض الذي سيفرض نفسه مستقبلاً في أن تقام مثلاً الدولة الفلسطينية في الأردن كما نادى بذلك مارك هالتر في مقال نشر في أمهات الصحف الغربية قبيل أيام من نشوب الحرب في الخليج، وكأن ثمة مخططاً معّدّاً يقضي بأن تصل إسرائيل بحدودها الآمنة إلى حود السعودي والعراق وسوريا. هذا ليس مستبعداً في تقديري كمحاولات، لكن مع ذلك أقول إن مثل هذه المعادلات لا يتقرر وفق المخططات الاستراتيجية فحسب، وإنما للشعوب دور حاسم في تقريره أيضاً. وأنني أتصور أنه بالقدر الذي يكون للحركة الجماهيرية دور، تتحدد المحصلة النهائية لما سيجري مستقبلاً. وأقول إننا في صدد وضع لم يحدث فيه من قبل أن تحركت الجماهير كما تتحرك الآن. وإذا ما صح، على نحو أو آخر، أن مستقبل هذه المنطقة لن يكون مماثلاً لمستقبل أوروبا، فإن عمليا التغيير قد جرت في أوروبا بطرق سلمية، وليس هذا هو الأرجح فيما يتعلق بالمنطقة العربية. وإنما هناك شيء مشترك بين الطرفين، وهذا الشيء المشترك هو أن للجماهير الدور الحاسم في النهاية في تقرير هذه المحاولات. ولن يكون دور الجماهير العربية في خدمة انتصار المخططات الإمبريالية.

*    بعد مرور بضعة أيام على اندلاع الحرب في الخليج، توجهت "مجلة الدراسات الفلسطينية" بسؤال إلى عدد من المفركين العرب عن انعكاسات الحرب البعيدة المدى على المنطقة العربية والصراع العربي – الإسرائيلي. ومن الواضح أن الإجابات كانت مباشرة وتعبّر بالتالي عن تصوّرات أولية.

السيرة الشخصية: 

محمد سيد أحمد:  كاتب سياسي – القاهرة.

اقرأ المزيد