مياه دولة فلسطين: من الاستلاب إلى الاسترداد
كلمات مفتاحية: 
المياه
النزاع العربي - الإسرائيلي
الحقوق المائية
الموارد المائية
الضفة الغربية
نبذة مختصرة: 

تتناول الدراسة موضوع المياه والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وتركز على الحقوق المائية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وتستعرض الدراسة خطوات الاستيلاء الصهيوني على المياه الفلسطينية والعربية، وترصد كمية المياه المتجددة سنوياً التي تمتلكها دولة فلسطين (المستقبلية).وتستنتج الدراسة أن إسرائيل تقوم بنهب منظم ومتواتر لمياه المنطقة، وتحديداً الحصة التي هي من حق دولة فلسطين؛ وإن عامل المياه لا يشكل، كما تحاول إسرائيل الإدعاء، عائقاً أساسياً يحول دون وجود هذه الدولة؛ وإن منطقة حوض نهر الأردن كلها بحاجة ـ بعد التوصل إلى تسوية مقبولة للصراع ـ إلى مشاريع مائية إقليمية تتعاون فيها جميع دول المنطقة على توفير مصادر مياه جديدة.

النص الكامل: 

ان الحرب المقبلة في الشرق الأوسط ستكون حرب المياه. عبارة اصبحت رائجة التداول بين رجال السياسة والصحافة وذوي الخبرة بشؤون المنطقة. فالشرق الأوسط منطقة تئن في هذه الآونة من وطأة ازمة مياه خانقة، ستتفاقم في العقدين المقبلين وتعصف بمقدرات الحياة وسبل النمو فيها، وتشكل مصدرا رئيسيا متوقعا للصدام العنيف بين دولها.

ومنطقة حوض نهر الأردن تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط، وفي خضم الأزمة المائية التي تعانيها. فالمياه في هذه المنطقة شحيحة، ومعدلات الاستهلاك السنوي تنذر بالخطر الشديد، فهي تفوق المعدلات السنوية لكمية المياه المتجددة فيها بمئات الملايين من الأمتار المكعبة. وبهذا، فان هذه المنطقة مقبلة، وبسرعة كبيرة، على شفا استنفاد موارد مياهها العذبة. وإذا اخذنا في الاعتبار التعقيدات الاضافية الجسيمة التي يتسبب بها وجود اسرائيل العدائي في منطقة هذا الحوض، واستلابها المبرمج للحقوق العربية، وضمنها مياه المنطقة، نجد ان ما اصبح يتردد كثيرا بشأن تصاعد اهمية عامل المياه في نشوب حرب جديدة في المنطقة له ما يستند اليه من مبررات قوية. فكل دولة من دول منطقة حوض نهر الأردن تحاول بشتى الوسائل، وعلى رأسها بالنسبة الى اسرائيل استخدام القوة العسكرية، تأمين حصولها على أكبر كمية من المياه المتجددة الشحيحة.

وفي خضم عملية "المحاشرة" الشديدة بين دول المنطقة على المياه، وفي ضوء حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الشرعية الأساسية في الحرية والاستقلال، نجد ان هذا الشعب مستلب الحقوق، أيضا، في نصيبه الشرعي من مياه المنطقة. فالشعب الفلسطيني الذي يسعى حثيثا وينتظر خلاصه واستقلاله مُغيّب وغائب حتى الآن في موضوعة مياه المنطقة، وعن الصراع الدائر لتقاسم حصصها، وجميع من حوله يأخذ غيابه امرا واقعا ومفروغا منه. بل يجب الانتباه الى ان جميع ممارسات اسرائيل الهادفة الى منع الشعب الفلسطيني من إحقاق حقوقه الشرعية في الحرية والاستقلال وممارستها تنبع في الأساس، والى حد كبير، من محاولة اسرائيلية جدية لمنع هذا الشعب من ممارسة حقه في ارضه وفي نصيبه من مياه المنطقة، والتي تقوم اسرائيل حاليا بالاستيلاء او السيطرة على أغلبيتها العظمى.

ان من الضرورة والواجب على الفلسطينيين ان يرفضوا محاولات التغييب عن الاشتراك الفاعل في تقرير مصير امر حيوي في المنطقة كالمياه. فمصير تقرير المصير للشعب الفلسطيني أولا، ومصير مستقبل الدولة الفلسطينية ثانيا، يعتمدان اعتمادا رئيسيا ومباشرا على اصرار الفلسطينيين منذ الآن على المطالبة بممارسة حقهم الشرعي في حصتهم من مياه المنطقة. وينبغي للفلسطينيين أيضا عدم الانتظار في امر المياه ليتحدد في ضوء التسوية السياسية المرتقبة وعلى هامشها، اذ قد يكون ايلاء هذا الأمر حقه من الاهتمام الكبير والسريع هو المفتاح للتوصل الى مثل هذه التسوية السياسية. ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة لتلقي بعضا من ضوء وتستثير ـ ان امكنها ـ شيئا من الاهتمام ببعض الجوانب المهمة فيما يتعلق بموضوعة المياه والصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي.         

المؤثرات الأساسية

قبل الخوض في تفاصيل مسألة المياه، او بالأحرى معضلة المياه، في منطقة حوض نهر الأردن، واثرها في الصراع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي، يجدر البدء بابراز اهم المؤثرات الأساسية فيها، وهي خمسة:

 في حين ان منطقة حوض نهر الأردن منطقة ذات مناخ شبه جاف، فان مجتمعاتها تعتمد على الزراعة كرافد أساسي من روافد دخلها القومي. والزراعة المنتجة على الصعيد الاقتصادي تحتاج الى توفر كميات كبيرة من مياه الري، وخصوصا ان نسبة رقعة الأراضي الصالحة للزراعة من مجموع أراضي المنطقة تبقى قليلة ومحدودة. وإذا لم يتوفر مثل هذه الكميات، يبدأ القطاع الزراعي، وهو قطاع منتج، بالانحسار فاتحا المجال امام تصاعد نسبة قطاع الخدمات في الدخل القومي، ومن ثم ازدياد نسبة اعتمادية هذا الاقتصاد على مصادر الدعم الخارجي، وبخاصة لجهة حاجاته الاساسية من الغذاء. ولهذا السبب، يحاول كل مجتمع من مجتمعات المنطقة ان يوفر لنفسه أكبر كمية من المياه. وبما ان كمية المياه المتجددة سنويا شحيحة أصلا في هذه المنطقة، وبالتحديد في قسمها الجنوبي (الأردن وفلسطين)، فان تأمين كميات المياه الضرورية ذاتيا يأخذ من مجتمعات هذه المنطقة أبعادا تنافسية.

  • على الرغم من محدودية مصادر منطقة حوض نهر الأردن ومواردها، فان معدلات النمو الطبيعي للسكان فيها مرتفعة قياسا بغيرها من مناطق العالم (لبنان 2,1٪، الأردن 2,5 ٪، الضفة الفلسطينية المحتلة 3,5٪، سوريا 3,8٪، قطاع غزة المحتل 4,3 ٪). وعلاوة على ما يعنيه ارتفاع النسبة من نمو سكاني سريع ومستمر، يجب الانتباه الى ان توزيع السكان في المنطقة يتكاثف في مناطق حضرية محددة ومحدودة. طبعا، يُتوقع ان يزداد خلال العقدين المقبلين الضغط الناجم عن النمو السكاني السريع وكيفية وتوزيعه في المنطقة على معدلات استهلاك المياه المتجددة، والتي وصلت الآن الى النقطة الحرجة المتمثلة في بداية الاعتماد على المخزون الجوفي من المياه غير المتجددة. ولذلك، ثمة ضرورة ملحة لتكثيف الجهود من أجل استحداث وسائل وتقنيات جديدة للاستفادة القصوى من كمية المياه المتجددة سنويا وزيادة معدلاتها.
  • بالاضافة الى الزيادة المرتفعة والسريعة في معدلات النمو السكاني في منطقة حوض نهر الأردن، هنالك الآن زيادة سكانية ضخمة وخطرة النتائج تُفرض على المنطقة من خلال هجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي الى اسرائيل. فالأعداد التي وصلت حتى الآن في هذه الموجة الاستعمارية الجديدة، والتصريحات المتداولة بشأنها، تدل على إمكان شديد لوصول المليونين من اليهود الى اسرائيل خلال الأعوام الخمسة المقبلة. ومع ان الجدل بشأن هذه "الهجرة" قد انحصر داخل الأوساط العالمية حتى الآن بشأن مكان توطين هؤلاء "المهاجرين"، إذ برز توجه عام الى وجوب الحصول على ضمانات اسرائيلية بعدم توطين "المهاجرين" في الأراضي العربية التي احتلتها اسرائيل سنة 1967، فان مخاطر هذه "الهجرة" على المنطقة تفوق في واقع الأمر مكان التوطين. فحتى لو تم ضمان توطين المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفياتي داخل حدود الأراضي التي احتلتها اسرائيل سنة 1948، وهذا امر مشكوك فيه اصلا، فان متطلبات هؤلاء "المهاجرين" تفوق قدرة اسرائيل الاستيعابية من نواح عديدة. وهو ما سيؤدي بالضرورة الى ابتلاع اسرائيل الأراضي العربية التي احتلتها سنة 1967 اولا، وقيامها بعدوان جديد على الدول العربية المحيطة، وذلك لتغطية الجوانب المتعددة للعجز الاستيعابي لديها، ثانيا. وفيما يتعلق بمسألة المياه، فان الموجة الاستعمارية الجديدة ستؤدي بالضرورة الى زيادة مطامع اسرائيل في الاستيلاء على مصادر مياه المنطقة، وستقود الى حرمان العرب من حقوقهم فيها أكثر فأكثر.
  • ان منطقة حوض نهر الأردن هي منطقة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، بل منطقة الصراع العربي ـ الاسرائيلي. فعلى الجزء الأكبر من فلسطين فرضت اسرائيل نفسها في سنة 1948 كيانا غريبا عن المنطقة. وبدأت منذئذ بمسلسل اعتداءاتها المتكررة على محيطها حتى قامت باستكمال المرحلة الثانية من العدوان باحتلال بقايا فلسطين واجزاء عربية اخرى في سنة 1967. ثم استمرت بعدئذ في الاعتداءات استعدادا لاستكمال المرحلة الثالثة من مخططها العدائي، وهو ما حققته بالوصول الى منابع الليطاني في لبنان سنة 1982. ان طبيعة اسرائيل الاستعمارية ومسلسل توسعها المستمر، الى جانب استلابها الحقوق الفلسطينية والعربية، يجعلانها كيانا عدائيا لا يمكن عرب منطقة حوض نهر الأردن، وهم في خط المواجهة الأول، من التوصل الى تسوية سياسية شاملة معها قبل ان تتغير مواصفاتها. وفي ظل طبيعة اسرائيل العدائية، وعدم التوصل الى تسوية سياسة شاملة للصراع العربي / الفلسطيني ـ الاسرائيلي، فان التعاون الضروري للتوصل الى حلول اقليمية جذرية للمشكلات التي تعانيها المنطقة ككل جراء شح الموارد المائية سيبقى معدوما.
  • مع ان عدد الأطراف التي تقاسمت مياه نهر الأردن وروافده، وتنافست بشأنها، كان منذ سنة 1948 حتى الآن اربعة، هي الأردن وسوريا واسرائيل، والى درجة اقل، لبنان، فان تطورا جديدا وقع في سنة 1988 وادخل تغييرا جذريا فيما كان قائما حتى ذلك الحين. أما التطور فهو إعلان قيام الدولة الفلسطينية وفقا لقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت الرقم 181 لسنة 1947. واما التغيير الناجم عن ذلك الاعلان تلقائيا، فهو ان الأطراف المعنية بتقاسم مياه نهر الأردن وروافده هي خمس دول لا اربع في اي حال من الأحوال. فلفلسطين، علاوة على مياه أمطارها وسيولها وجوفها المسلوبة من قِبل اسرائيل، حصة مستلبة من مياه نهر الأردن وروافده. ومن الضروري، بعد ان تم تصحيح الوضع السابق الشاذ عن طريق إعلان قيام الدولة الفلسطينية، ان تبادر فلسطين الى احتساب كميات مياهها وتحديد حصصها المائية، وتطالب بممارسة حقها في مياهها المستلبة، وتشدد على ضرورة تعويضها ماديا وبصورة عادلة من الكميات المائية التي استلبت منها واستهلكت حتى الآن. 

اسرائيل والمخطط الصهيوني الجديد ... القديم

 نشرت الصحف الاسرائيلية في 10 آب / أغسطس 1990 إعلانا صادرا عن وزراة الزراعة الاسرائيلية، التي أُسندت مهماتها الى رئيس أركان الجيش الاسرائيلي السابق رفائيل ايتان، يؤكد ضرورة احتفاظ اسرائيل بالسيطرة على مصادر المياه الواقعة في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة المحتلين، بما في ذلك استمرار السيطرة على البنية الأساسية التي تشمل إمدادات المياه وشبكات الطرق الضرورية لتشغيلها وصيانتها والوصول اليها. وأكد الاعلان ان المياه مورد شحيح للغاية في اسرائيل، التي ستحتاج الى زيادة كميات المياه لديها، وان السيطرة على موارد المياه هي من الاهمية والحيوية بحيث لا يمكن تركها في ايدي الفلسطينيين.(1)

في الواقع، ليس غريبا اطلاقا ان يبرز مثل هذا الاعلان في الصحف الاسرائيلية وان يصدر عن هيئة حكومية رسمية، في الوقت الذي تتشدق اسرائيل امام العالم دوما بسعيها للسلام واستعدادها للتوصل الى تسوية سياسية مع العرب والفلسطينيين. فاسرائيل منذ بداية وجودها منهمكة في استكمال المخطط الصهيوني الذي اقيمت على أساسه. وما الحديث عن رغبتها في السلام والتوصل الى تسوية سياسية الا محاولات كسب وقت لفرض الأمر الواقع على العرب والفلسطينيين، ودفعهم في نهاية المطاف الى التسليم بشروط "السلام الاسرائيلي" المعروض على فوهات المدافع.

فمنذ ان راودت هيرتسل فكرة تحويل الصهيونية من مفهوم حنين ديني الى حركة سياسية منظمة تستهدف اقامة دولة يهودية نقية العرق في فلسطين، بدأت المخططات والاستعدادات والاجراءات الصهيونية تتوالى لبرمجة الاستيلاء على الأرض وافراغها من أهلها والسيطرة على مواردها الحيوية، وفي مقدمها الموارد المائية. فالدولة الصهيونية، كما رسم لها الصهاينة الاوائل، كانت سترتكز أساسا على الزراعة، اثباتا لِـ "الحنين اليهودي الى الأرض"، وتثبيتا لارتباط اليهود المستعمرين بها عن طريق تشجيع "العمل العبري" في زراعتها. وبما ان الماء عنصر أساسي للحياة وحيوي للزراعة، وموارد فلسطين المائية محدودة ومصادر مياهها الجارية مرتبطة بجيرانها الى حد بعيد، فقد انهمكت الحركة الصهيونية منذ البداية في التخطيط لتوفير أكبر كمية ممكنة من المياه للدولة المرتقبة. ولذلك سارعت الحركة الصهيونية الى إعداد البرامج والمشاريع واتخاذ جميع الخطوات الضرورية لضمان اتساع رقعة الدولة المرتقبة بما يكفل لها السيطرة على مصادر المياه الجارية في المنطقة. وكان حوضا نهري الأردن والليطاني ومنابعهما على رأس قائمة الأولويات الصهيونية في هذا المجال.

بعد ان ضمنت الحركة الصهوينة تأييد بريطانيا الضمني لمشروعها اقامة دولة في فلسطين، وذلك عبر إعلان وعد بلفور سنة 1917، قام حاييم وايزمن، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، بالكتابة سنة 1919 الى رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج يستحثه على توسيع رقعة فلسطين لتشمل منابع المياه الجارية.(2)  وعلى أساس ألّا تعيّن حدود فلسطين وفقا لاعتبارات دينية وتاريخية فقط، بل وفقا لما يمكِّن من توفير المتطلبات الضرورية لاقامة نظام اقتصادي حديث أيضا، طالب وايزمن الحكومة البريطانية بالعمل خلال مؤتمر السلم في باريس على الوصول مع فرنسا الى عقد اتفاق يتم بموجبه توسيع الحدود الشمالية لفلسطين لتضم اليها جبل الشيخ ومنابع نهري الأردن والليطاني. ووفقا للاقتراح الصهيوني، كانت حدود فلسطين الشمالية ستدخل في لبنان مسافة 25 ميلا، وستقطع أجزاء واسعة من سوريا في هضبة الجولان، لتقضم من جهة الشمال الشرقي منطقة حوض نهر اليرموك، الرافد الرئيسي لنهر الأردن. (أنظر اللوحة رقم 1: اسرائيل على طريق تنفيذ المخطط الصهيوني).

على الرغم من الرفض الذي قوبل الطلب الصهيوني به في مؤتمر السلم في باريس، فان مطامع الحركة الصهيونية ومساعيها بشأن موارد المياه لدى بريطانيا لم تتوقف. ففي نيسان / إبريل 1920 وجه بن ـ غوريون الى حزب العمال البريطاني رسالة باسم اتحاد العمال الصهيوني قال فيها: "من الضروري ان لا تكون مصادر المياه التي يعتمد عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن القومي اليهودي في المستقبل. فسهول حوران التي هي بحق جزء من البلاد يجب ان لا تُسلخ عنها. ولهذا السبب طالبنا دائما ان تشمل ارض اسرائيل الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني واقليم حوران. ان اهم أراضي اسرائيل تلك التي تضم مياه وادي الأردن والليطاني واليرموك. والبلاد بحاجة الى هذه المياه، بالاضافة الى ان الصناعة ستعتمد على توليد الكهرباء من هذه المصادر."(3)

وفي أيلول / سبتمبر 1921 استطاعت الحركة الصهيونية التوصل الى اتفاق مع حكومة الانتداب البريطانية في فلسطين لاستغلال مياه البلد في توليد الطاقة الكهربائية. فقد منحت حكومة الانتداب المهندس بنحاس روتنبرغ الرخصة لتأسيس شركة لتوليد الكهرباء في فلسطين، وامتيازا مدته 70 عاما لاستغلال مياه نهري الأردن واليرموك وبحيرة طبريا لهذا الغرض.(4)  وقد تضمن الامتياز السماح لروتنبرغ بتحويل مجرى نهر اليرموك ليصب في بحيرة طبريا، واستغلال البحيرة كخزان للمياه وبناء سد عليها، واستغلال مياه نهر العوجا، وشق القنوات المائية في البلد متى كان ذلك ضروريا لاستكمال المشروع وانجاحه، وتشييد محطة لتوليد الكهرباء على نهر الأردن (بالقرب من جسر المجامع)، والسماح بتشييد محطات اخرى عند الحاجة.(5)  وبذلك، كان الامتياز الذي حصل روتنبرغ عليه في واقع الأمر تمليكا احتكاريا للمياه وتوليد الطاقة في فلسطين قدمته بريطانيا الى الحركة الصهيونية من دون ادنى اعتبار لمصالح الأغلبية العربية في البلد.

وفي سنة 1929 منحت حكومة الانتداب الحركة الصهيونية أيضا، ممثلة بنوفوسكي وتولوخ، امتيازا مدته 75 عاما لـ "شركة البوتاس الفلسطينية" من أجل استخراج أملاح البحر الميت. وفي سنة 1934 تمكنت الحركة الصهيونية من بسط سيطرتها على امتياز تجفيف أراضي الحولة، والاستيلاء على 350 ألف دونم من الأراضي الزراعية المشبعة بالمياه.(6)  وبذلك، تكون الحركة الصهيونية قد أفلحت خلال فترة وجيزة من احتلال بريطانيا لفلسطين في السيطرة على الامتيازات الرئيسية الثلاثة فيها، والتحكم بواسطتها في موارد البلد المائية ومقدراته الاقتصادية.

في سنة 1936 قامت الوكالة اليهودية، وبالاشتراك مع اتحاد العمال الصهيوني (الهستدروت)، بتأسيس شركة ميكوروت اليهودية من أجل تصميم المشاريع المائية وتنفيذها في فلسطين (تمتلك الحكومة الاسرائيلية حاليا 33٪ من اسهم الشركة، والأسهم الباقية موزعة بين الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي والهستدروت). وفي سنة 1944 جاءت المنظمة الصهيونية العالمية بالمهندس والتر لودرميلك (Walter Lowdermilk)، الخبير العالمي باستصلاح الأراضي وتطويرها، كي يعدَّ خطة شاملة لتطوير الموارد المائية في فلسطين بما يتلاءم مع، ويدعم الاطار السياسي ـ الاقتصادي للدولة اليهودية التي كانت الحركة الصهيونية تسعى بكل جد لاقامتها.(7)

وقد اقترحت خطة لودرميلك انشاء سلطة لوادي نهر الأردن على غرار سلطة وادي تينيسي في الولايات المتحدة الأميركية. وبيّنت الخطة ان للسلطة مهمتين أساسيتين: الأولى، استغلال مياه نهري الأردن واليرموك في ري أراضي حوض نهر الأردن، وربما قسم من أراضي وادي عربة، والتي يمكن، وفقا لحسابات لودرميلك، ان توفر سبل العيش لنحو 4 ملايين "مهاجر" يهودي، علاوة على نحو 1,8 مليون نسمة من السكان الموجودين في البلد اصلا. وبالاضافة الى ذلك اقترحت الخطة ان يتم تحويل جزء من المياه العذبة لري أراضي النقب واستغلالها زراعيا، وخصوصا ان مساحة أراضي النقب تقارب نصف المساحة الاجمالية لفلسطين؛ وثانيا، توليد الطاقة بتكلفة رخيصة تساعد في بناء قاعدة صناعية للدولة المرتقبة، وذلك عن طريق شق قناة تصل بين البحر الأبيض المتوسط بدءا بنقطة قريبة من حيفا، ونهر الأردن، بطول يقارب 20 ميلا. وبيّن لودرميلك في خطته ان القناة ستوفر إمكان توليد الطاقة الكهربائية بسبب انخفاض وادي الأردن عن مستوى البحر انخفاضا حادا، وستقوم أيضا بتعويض النقص في مجرى نهر الأردن بعد تحويله للري، وهو ما يضمن استمرار تدفق المياه الى البحر الميت بالكمية الكافية للحفاظ على منسوبه المائي.

وبعد ذلك، اوكلت المنظمة الصهيونية العالمية الى المهندس جيمس هيز، وكان واحدا من الذين ساهموا في تطوير سلطة وادي تينيسي في الولايات المتحدة الأميركية، ترجمة التصورات التي تضمنتها خطة لودرميلك الى مشاريع تفصيلية قابلة للتطبيق. وكان من اهم ما اقترحه هيز تحويل مياه نهر اليرموك لتصب في بحيرة طبريا تعويضا من النقص في الماء المسحوب لري منطقة النقب.(8)

وفي سنة 1948 قامت دولة اسرائيل على نحو 80٪ من اجمالي مساحة فلسطين، لكن من دون ان تُحقق المخطط الصهيوني بالسيطرة على منابع المجاري المائية من حولها. طبعا، لم تُسقط اسرائيل من حساباتها قط ضرورة تحقيق الأهداف النهائية لهذا المخطط، والتي تتمثل في التوسع لاحتلال المنابع المائية، لكنها ارتأت ان تبدأ مرحليا بتنفيذ الجزء المتعلق بتحويل نهر الأردن لري أراضي النقب. وبمساعدة من المهندس الأميركي جون كوتون، والذي عمل في الفترة الممتدة بين سنتي 1951 و1955 مستشارا للحكومة الاسرائيلية ومسؤولا عن مشروع الناقل المائي، قامت اسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من عملية التحويل بين سنتي 1949 و1953. وعندما حاولت اسرائيل تجهيز موقع تحويل نهر الأردن في المنطقة العازلة بينها وبين سوريا نشرت الأخيرة قواتها المسلحة على الحدود، وحدث توتر في المنطقة. وكان من النتائج الأولية للأزمة قيام اسرائيل بتغيير موقع التحويل من نهر الأردن الى الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وقيام الرئيس الأميركي ايزنهاور بايفاد مبعوثه الشخصي إريك جونستون الى المنطقة في محاولة لايجاد تفاهم في شأن توزيع حصص المياه بين دولها.

بادر جونستون الى طرح خطة لتنفيذ مشروع اقليمي متكامل، يتم ضمنها تقسيم حصص مياه حوض نهر الأردن وجميع روافده بين دول المنطقة، وتحقيق تعاون عملي بينها في المجال المائي. وقد رفض كلا الطرفين العربي والاسرائيلي الخطة المقترحة، وقدّم كل طرف خطة بديلة.(9)  واستمرت المفاوضات المكوكية التي قام جونستون بها بين الدول العربية المعنية واسرائيل طوال سنتي 1954 و1955. وكانت حصيلة المفاوضات موافقة الأطراف المعنية على الخطة النهائية من الناحية الفنية، ورفضها من قِبل جامعة الدول العربية من الناحية السياسية. وكانت خطة جونستون بصيغتها النهائية تنص على توزيع الحصص على النحو المبيَّن في الجدول رقم 1.

ادى العداون الثلاثي على مصر سنة 1956 الى اغلاق ملف المفاوضات بشأن المياه من دون التوصل الى اتفاق رسمي. لكن المشاريع الخاصة التي بدأ كل من الدول المعنية بتنفيذها جاءت في بادئ الأمر متسقة مع توزيع الحصص في خطة جونستون.(10) فاسرائيل استمرت في تنفيذ مشروع الناقل المائي، وشرع الأردن سنة 1959 في إنشاء قناة الغور الشرقية التي كانت تمثل المرحلة الأولى من المشروع الأردني الضخم المعروف باسم "مشروع اليرموك الكبير".

عادت مشكلة المياه لتبرز بصورة حادة سنة 1964، عندما شارفت اسرائيل على انجاز مشروع الناقل المائي، واصبح في استطاعتها فعلا تحويل مياه نهر الأردن. وقد اجتمعت الدول العربية في مؤتمر القمة في القاهرة، وقررت تحويل مجرى نهري الحاصباني وبانياس الى نهر اليرموك، وذلك لتمنع اسرائيل من تهديد المياه العربية وللحيلولة دون تحويل مجرى نهر الأردن. ومع ان مشروع التحويل العربي كان صعب التنفيذ وباهظ التكلفة، فقد بدئ العمل فيه سنة 1965، فتوترت المنطقة مجددا وبدأت اسرائيل سلسلة اعتداءات على مواقع التنفيذ، كان اشدها الهجوم الجوي الاسرائيلي في العمق السوري في نيسان / إبريل 1967.

كانت هذه الجولة من صراع اسرائيل بشأن مياه المنطقة من أسباب اشتعال حرب 1967، التي انتهزتها اسرائيل فرصة للتوسع وتحقيق جانب مهم من المخطط الصهيوني. فعلاوة على الاستيلاء على بقية فلسطين وهضبة الجولان وسيناء، فقد أحكمت اسرائيل سيطرتها على منابع نهر الأردن، واصبحت تتحكم في نصف مسافة نهر اليرموك بعد ان كان منفذها عليه لا يتعدى العشرة كيلومترات، واستولت على الضفة الغربية لنهر الأردن ذات الأهمية الاسراتيجية من الناحية المائية، اذ ان مياه الأمطار التي تسقط على مرتفعاتها تشكل الممول الرئيسي لخزانات المياه الجوفية الداخلية في فلسطين.(11)  (أنظر اللوحة رقم 2: الوضع المائي في فلسطين وحوض نهر الأردن).

وأفضت سيطرة اسرائيل على منابع نهر الأردن الى نتيجتين أساسيتين: الأولى، فقدان العرب القدرة على التحكم في مجرى نهر الأردن، واستكمال تنفيذ المشروع القاضي بتحويل مجرى روافده الشمالية بعيدا عن اسرائيل. وبذلك، فقد العرب عنصرا ضاغطا رئيسيا عليها، وبخاصة في مجال توزيع حصص مياه ذلك النهر. والنتيجة الثانية، انفراد اسرائيل بامكان استغلال المياه في اعالي حوض نهر الأردن (شمالي بحيرة طبريا)، وهو ما ضمن لها نجاح مشروع تحويل مجرى نهر الأردن واستمرار تدفق المياه العذبة الى النقب عبر الناقل المائي. وبمضي الوقت، استطاعت اسرائيل استغلال مياه نهر الأردن بصورة مكثفة. فقد اعترفت في سنة 1983 بأنها كانت تسحب نحو 600 مليون متر مكعب من مياهه (اي بزيادة قدرها 225 مليون متر مكعب عن حصتها المقترحة في خطة جونستون).(12)  ومما يجدر الإِشارة اليه هو ان ما يتبقى من كمية مياه محدودة في المجرى الأصلي للنهر بعد الضخ الاسرائيلي يعتبر قليل الفائدة بسبب من ارتفاع نسبة ملوحته.

وفيما يتعلق بنهر اليرموك، فقد أتاحت حرب سنة 1967 لاسرائيل القدرة على استغلاله بطريقتين: الأولى، زيادة الضخ من مياهه الى بحيرة طبريا، على أساس ان اسرائيل اصبحت على الحدود الشمالية لنصف طول مجراه، واصبحت تسيطر على الضفة الغربية لنهر الأردن التي كان من المقرر، وفقا لخطة جونستون، ان تتلقى 25 مليون متر مكعب من مياه نهر اليرموك. وتقوم اسرائيل حاليا بضخ نحو 100 مليون متر مكعب من مياه هذا النهر، بزيادة قدرها 75 مليون متر مكعب عن حصتها المقترحة في خطة حونستون. والطريقة الثانية، زيادة فرص تحكمها في المشاريع الأردنية والسورية المقترح اقامتها على اعلى مجرى النهر. فشح المياه في الأردن جعله دائم التفكير في استغلال مياه نهر اليرموك عن طريق إقامة السدود. وعندما قام الأردن في منتصف السبعينات باستئناف المباحثات في شأن مشروع سد المقارن (سد الوحدة)، وهو بسعة 220 مليون متر مكعب ومن المخطط ان يقام بالاتفاق مع سوريا (يحصل الأردن على 90٪ من مياه السد في مقابل حصول سوريا على 75٪ من الطاقة الكهربائية التي يولدها)، ربطت اسرائيل موافقتها على السماح بتنفيذ المشروع باعتراف عربي رسمي بأن لها حصة من مياه نهر اليرموك تبلغ 70 مليون متر مكعب.(13)

أما بالنسبة الى الضفة الغربية لنهر الأردن، فقد تمكنت اسرائيل نتيجة حرب 1967 من الاستيلاء على مصادر مياهها، وهو ما شكّل في حينه أولوية استراتيجية اسرائيلية حدت يهودا ليطاني، الصحافي الاسرائيلي المعروف، على الايحاء بأنها كانت "الدافع الحقيقي" الى نشوب الحرب.(14)  فاسرائيل كانت قبل نشوب الحرب قلقة جدا من الاستغلال الفلسطيني لمياه الضفة الجوفية عن طريق حفر الآبار الأرتوازية (مع أن الآبار كانت ضحلة ومحدودة جدا من ناحية الفاعلية الاستخراجية بحسب اعتراف الاسرائيليين أنفسهم)، وذلك بحجة ان ذلك يؤثر في منسوب المياه في الخزانات الممتدة تحت خطوط الهدنة لسنة 1949، ويؤدي الى تقليص كميات المياه التي تستطيع هي بالتالي ضخها من هذه الخزانات التي تعتمد في تجديد مياهها سنويا، وبصورة أساسية، على الأمطار المتساقطة على مرتفعات الضفة.

ولقد اتبعت اسرائيل بعد حرب 1967 مباشرة سياسة "النهب المنظم" حيال مياه الأراضي الفلسطينية المحتلة (وهضبة الجولان). ففي الضفة الفلسطينية وقطاع غزة المحتلين، وانتهاكا لأحكام القانون الدولي وبنود المواثيق والمعاهدات الدولية بشأن حقوق المناطق والمواطنين في ظل الاحتلال، سارعت سلطة الاحتلال الاسرائيلي، وبصورة آلية، الى اصدار أوامر عسكرية وضعت بموجبها جميع مصادر المياه تحت سيطرتها المباشرة والكاملة (الأمر العسكري رقم 92/7 حزيران / يونيو 1967 والأمر العسكري رقم 58 لسنة 1968).(15)  وباشرت بعد ذلك اتباع مختلف الوسائل لانتزاع المياه من ايدي الفلسطينيين وتكثيف الاستغلال الاسرائيلي لها.(16)

فمن ناحية، منعت اسرائيل الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية المحتلة من حفر آبار ارتوازية جديدة او توسيع آبار ارتوازية قائمة قبل سنة 1967. وتحت شروط وقيود خاصة، سمحت السلطة الاسرائيلية خلال فترة الاحتلال بحفر 16 بئرا ارتوازية في الضفة المحتلة (13 بئرا للاستعمال المنزلي و3 للري). أما في قطاع غزة فقد بدأ تقييد عمليات حفر الآبار يأخذ مجراه منذ منتصف السبعينات، إلا ان قدرة التحكم الاسرائيلي هناك بقيت لفترة طويلة أقل فاعلية مما هي عليه في الضفة، وذلك لقرب المياه الجوفية في منطقة ساحل القطاع من سطح الأرض، مما يُسهّل على الفلسطينيين سبل استخراجها للاستخدام المحدود في مجال الري (عن طريق حفر آبار المواصي).

ومن ناحية ثانية، قامت اسرائيل بحفر عدد من الآبار العميقة في مواقع استراتيجية في الضفة المحتلة (تتفاوت التقديرات المتعلقة بعدد هذه الآبار بين 25 و40 بئرا)، وبدأت بتغذية المستعمرات الاسرائيلية بمياه تلك الآبار، وذلك عن طريق تمديد شبكة أنابيب موسعة تربط بين هذه المستعمرات، وتصل خطوطها بخطوط شبكة المياه داخل اسرائيل.(17)  وعلاوة على ان هذه الآبار تُوظّف، وفقا لاحصاءات عام 1986/1987، في نهب نحو 40 مليون متر مكعب من المياه لحساب المستعمرات الاسرائيلية (يصل المخصص لسنة 1990 الى 100 مليون متر مكعب)، فقد أدت الى التأثير السلبي في قدرة ضخ الآبار الارتوازية التي يملكها الفلسطينيون.(18)  وقد نتج من الضخ المكثف من الآبار العميقة التي حفرتها السلطة المحتلة التجفيف الكامل او الجزئي للعديد من الآبار الفلسطينية، وبخاصة في منطقة الأغوار.(19)  فمن مجموع 774 بئرا حُفرت في الضفة قبل الاحتلال، لم يتبق سوى 388 بئرا صالحة للاستعمال (أنظر الجدولين 2 و3). لكن يجب الانتباه الى ان طاقة هذه الآبار قد تقلّصت بصورة ملموسة بفعل الضخ الاسرائيلي. فمجموع الكمية السنوية للمياه التي تضخها هذه الآبار، بالاضافة الى الآبار التي سمحت اسرائيل للفلسطينيين بحفرها منذ بدء الاحتلال (16 بئرا)، يصل، وفقا لاحصاء سنة 1989، الى نحو 19 مليون متر مكعب للاستعمالات المنزلية (والصناعية) ونحو 33 مليون متر مكعب لري المزروعات.(20)  أما في قطاع غزة، فيبلغ مجموع الآبار العاملة 1840 بئرا (أنظر الجدولين 4 و5)، منها 49 بئرا تضخ نحو 21,5 مليون متر مكعب للاستعمالات المنزلية (والصناعية)، و1791 بئرا تضخ نحو 52 مليون متر مكعب لري المزروعات (يصل الضخ من أجل الري الى 70 مليون متر مكعب في مواسم الجفاف).

ومن ناحية ثالثة، قامت السلطة المحتلة بتقييد حرية فلسطينيي الأراضي المحتلة في استخدام المياه، وخصوصا في المجال الزراعي. فمن أجل نهب المياه أولا، وإحكام الطوق على قطاع الزراعة، وهو القطاع الاقتصادي الأهم في الأراضي المحتلة، ثانيا، حددت اسرائيل الكمية السنوية القصوى المسموح للفلسطينيين باستخدامها في شتى المجلات. وتبلغ هذه الكمية حاليا نحو 120 مليون متر مكعب من المياه للضفة الفلسطينية، وبين 90 و100 مليون متر مكعب من المياه لقطاع غزة (أنظر الجدول رقم 6). ويلاحظ من تتبع الاحصاءات الاسرائيلية المتتالية ان إمكان زيادة كمية المياه الاجمالية للاستعمالات الفلسطينية مقصور على مجال الاستعمالات المنزلية، ومغلق تماما في مجال ري المزروعات. ولتوفير نظام مراقبة صارم في مجال ري المزروعات، فرضت السلطة المحتلة على أصحاب الآبار الزراعية تركيب عدادات على مضخات آبارهم، وحددت لهم الكمية القصوى المسموح لهم باستخدامها. وتقوم دائرتا المياه التابعتان للحكم العسكري في الضفة وقطاع غزة بارسال مفتشيها للكشف على هذه العدادات دوريا. ولا شك في ان كل فلسطيني يضخ كمية مياه تفوق الكمية المحددة بالتعليمات الاسرائيلية يعرّض نفسه لسلسلة طويلة من العقوبات، تبدأ بدفع الغرامات الباهظة وتنتهي بسحب رخصة البئر نهائيا، مرورا بدخول السجن. ولاستكمال إحكام سيطرتها على الاستعمالات الفلسطينية للمياه قامت سلطة الاحتلال سنة 1982، وبمقتضى امر عسكري، بتحويل الاشراف "الفني" على جميع الآبار الارتوازية التابعة لدوائر المياه العربية، والتي تُستخدم للاستعمالالت المنزلية (والصناعية)، الى شركة ميكوروت الاسرائيلية، مما منحها القدرة على التحكم في كمية الضخ من هذه الآبار، وبذلك، سيطرت اسرائيل على جميع مصادر ضخ المياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتمكنت اسرائيل من خلال اجراءاتها المائية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من ان تحقق هدفين صهيونيين على غاية من الأهمية: الأول، تقليص قدرة الانتاج الزراعي للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. فمن أصل ميلوني دونم تُستغل زراعيا في الضفة المحتلة، ويمكن، وفقا لتقارير وزارة الزراعة الاسرائيلية، وضع نصف مليون دونم منها تحت الري، لا يستطيع الفلسطينيون في واقع الأمر، ونتيجة القيود الاسرائيلية المفروضة حاليا، ري سوى 105 آلاف دونم (بواقع 5٪ من الأراضي المستغلة زراعيا). أما قطاع غزة ذو المساحة الزراعية المحدودة أصلا، فقد اتّبعت السلطة المحتلة فيه طريقة أخرى لتقليص قدرة الانتاج الزراعي للفلسطينيين، وهي الاستيلاء على الأراضي الزراعية. فالمستعمرون الاسرائيليون في القطاع (وعددهم 2500) استولوا على نحو 35 ألف دونم من مساحة الأراضي المستغلة زراعيا، وتقدر بنحو 200 ألف دونم، مما حرم فلسطينيي القطاع (وعددهم 650 ألف نسمة) ما يقارب سدس مساحة أراضيهم الزراعية. وفي المساحة الزراعية المتبقية بين أيدي الفلسطينيين يتم ري 110 آلاف دونم، اي بواقع 67٪ من اجمالي الأرض الزراعية.(21) وطبعا، فان الغرض الاسرائيلي من تكبيل القدرة الزراعية الفلسطينية وخنق القطاع الزراعي في الأراضي المحتلة واضح كل الوضوح. فاسرائيل تريد التضييق على الفلسطينيين في سبل عيشهم لدفعهم الى الهجرة وتفريغ البلد بالتدريج، لكن بصورة مستمرة.

أما الهدف الثاني من الاجراءات الاسرائيلية المتعلقة بمياه الأراضي المحتلة فهو نهب المياه الفلسطينية واستغلالها اسرائيليا. فمن خلال القيود الصارمة التي تنتهجها السلطة المحتلة في هذا المجال، استطاعت اسرائيل ان تستولي فعلا على 73٪ من كمية المياه المتجددة سنويا في الضفة والقطاع، وتُقدّر بنحو 564 مليون متر مكعب سنويا.(22)  وإذا اخذنا في الاعتبار ان قطاع غزة يعاني حاليا، وبسبب ضخ المستعمرات للمياه ضخا كثيفا في منطقته الجنوبية، عجزا مائيا يقدر بنحو 40 مليون متر مكعب، فان نسبة نهب مياه الضفة الفلسطينية ترتفع لتصل الى 85٪ تقريبا. وتشكل المياه الفلسطينية المنهوبة من الضفة المحتلة حاليا ثلث ما تستهلكه اسرائيل من المياه سنويا. ولهذا السبب فان الأراضي المحتلة، وبالتحديد الضفة الفلسطينية، تشكل بالنسبة الى اسرائيل مغنما وفيرا للمياه. ولذلك فهي تحاول بشتى الادعاءات والوسائل تثبيت استمرار احتلالها واستفادتها من هذا المصدر المتاح.(23)

لم يكن كل ما حققته اسرائيل من نهب مُنظّم لمياه حوض نهر الأردن والضفة الفلسطينية المحتلة كافيا لاشباع مخططاتها التوسعية وحاجاتها المتزايدة. لذلك بقيت اعينها مُسلّطة على مياه نهر الليطاني حتى قامت في سنة 1982 بغزو لبنان وتثبيت موقع لها على هذا النهر من خلال احتلال الجنوب اللبناني. ومع ان كمية المياه الجارية في نهر الليطاني عند موقع الاحتلال الاسرائيلي محدودة نظرا الى وجود سد في أعلى مجراه، فان ذلك لم يَحُل دون ان تُسارع اسرائيل الى استغلال المتبقي من مياهه. فبعد ان منعت السلطة الاسرائيلية المحتلة مزارعي الجنوب اللبناني من ضخ مياه النهر لري المزروعات، قامت في بادئ الأمر بنقل المياه بالصهاريج الى اسرائيل. ومن ثم، تؤكد التقارير المتوفرة حاليا ان نقل مياه الليطاني يتم الآن بواسطة نفق طوله 3 – 4 كلم قام الاسرائيليون بشقه ليصل النهر بحدود اسرائيل الشمالية. وبهذا السلب الجديد تكون اسرائيل قد اكملت سلسلة حلقات مخطط المياه الصهيوني القديم، لكن لتفتح ـ في أغلب الأحوال ـ سلسلة جديدة في مخطط توسعي جديد.      

المقومات المائية للدولة الفلسطينية

 بعد ان تم إعلان قيام الدولة الفلسطينية، بات ضروريا وملحا ان يُباشَر فلسطينيا إعداد الدراسات التفصيلية المتعلقة بموارد هذه الدولة ومقوماتها وإمكاناتها وتوجهاتها. فتحديد هذه الجوانب يُعتبر شرطا أساسيا للقيام بوضع الخطط القادرة على توجيه العمل الفلسطيني المستقبلي نحو تحقيق أفضل النتائج التنموية. وبما ان الانسان والأرض والمياه تعتبر من أهم الركائز الرئيسية لوجود الدول واستمرار حياتها، تغدو دراسة هذه الركائز وتمحيصها أولولية فلسطينية، في هذا الوقت بالذات. فهي أولولية من ناحية أنها تُوضّح توضيحا دقيقا المقومات المتوفرة للدولة الوليدة، وتبرهن على فاعلية هذه المقومات في منح الدعم اللازم لاستمرارية حياتها ونموها، وهي أولوية أيضا من ناحية أنها توفر القاعدة المعلوماتية لاتخاذ مختلف القرارات الأساسية المتعلقة بتثبيت قيام الدولة الفلسطينية وثبات نموها. ومع ان اعلان قيام الدولة الفلسطينية جاء ضمن أحكام وحدود قرار التقسيم لسنة 1947، فاننا نعتبر، لأغراض التقدير البحثي هنا، ان هذه الدولة ستنشأ أولا على الحد الأدنى من مساحتها، والمتمثل حاليا في كامل مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، علاوة على ممر بري يربط الضفة الفلسطينية بقطاع غزة، من منطقة الظاهرية الى منطقة بيت حانون.

تبلغ مساحة الدولة الفلسطينية بشكلها الأولي 6,183 ملايين دونم (6183 كلم مربع)، وتقدر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة فيها بنحو 3,2 ملايين دونم، منها نحو 700 ألف دونم قابلة للزراعة بواسطة الري (500 ألف دونم في الضفة و150 ألف دونم في القطاع).(24)   أما بالنسبة الى السكان، فيبلغ عدد الفلسطينيين المقيمين حاليا داخل حدود دولة فلسطين 1,9 مليون نسمة، بينما يُقدّر عدد الفلسطينيين المقيمين في الشتات بنحو 3,7 ملايين نسمة.

وفيما يتعلق بالمياه، تقدّر كمية الأمطار التي تسقط سنويا على أراضي دولة فلسطين بمعدل 3030 مليون متر مكعب، يتبقى منها رصيد جوفي يُقدّر بـ 895 مليون متر مكعب تقريبا (أنظر الجدول رقم 7). ويشير أفضل الحسابات التقديرية التي توصلنا اليها الى سهولة استغلال نحو 760 مليون متر مكعب من هذا الرصيد الجوفي سنويا (الضفة 700 م م م والقطاع 60 م م م).(25)  طبعا، عند احتساب اجمالي كمية المياه المتجددة لدولة فلسطين، يجب ان يُضاف الى كمية المياه الجوفية المتجددة سنويا من الأمطار الحصة الفلسطينية من مياه حوض نهر الأردن. وبعد اجراء الحسابات التقديرية، توصلنا أيضا الى ان هذه الحصة تقدر بنحو 320 مليون متر مكعب من المياه سنويا (250 م م م من مياه نهر الأردن و70 م م م من مياه نهر اليرموك). وعلى هذا الأساس، يصبح في متناول الدولة الفلسطينية كمية مياه متجددة سنويا تقدر بنحو 1080 مليون متر مكعب.

إذا افترضنا ان دولة فلسطين ستقوم خلال الأعوام العشرين المقبلة (حتى سنة 2010) بتوجيه خطتها التنموية نحو التطوير المكثف للقطاع الزراعي عن طريق استغلال جميع الأراضي القابلة للزراعة بواسطة الري (وهذا تقدير الحد الأقصى)، فان الدولة بحاجة الى تخصيص 590 مليون متر مكعب من المياه سنويا لاستعمالها لري المزروعات (440 م م م للضفة، بواقع 800 متر مكعب للدونم الواحد و150 م م م للقطاع، بواقع 1000 متر مكعب للدونم الواحد). وبالتالي، يبقى في تصرف الدولة من رصيد المياه المتجددة سنويا كمية تقدر بنحو 490 مليون متر مكعب، يمكن استغلالها للأغراض المنزلية والصناعية.

وإذا افترضنا أيضا ان معدل الاستهلاك الفردي للفلسطينيين سيرتفع من مستواه الحالي (28,8 مترا مكعبا للفرد سنويا) الى 65 مترا مكعبا للفرد سنة 2010 (50 مترا مكعبا للأغراض المنزلية و15 مترا مكعبا للأغراض الصناعية)، فان الكمية المتبقية من رصيد المياه المتجددة سنويا لدولة فلسطين تكفي عندئذ لتوفير الحاجات المائية لـ 7,5 ملايين نسمة تقريبا.(26)  ولاستكمال صورة التقديرات المستقبلية، فان حساباتنا تشير الى ان الزيادة الطبيعية للفلسطينيين الموجودين حاليا داخل دولة فلسطين ستصل بعددهم الى 3,86 ملايين نسمة بحلول سنة 2010 (بحساب نسبة زيادة سكان قدرها 3٪ في الضفة و4٪ في القطاع). وإذا افترضنا، أخيرا، ان مليوني فلسطيني سيعودون من الشتات للاستقرار في دولتهم خلال الأعوام الخمسة المقبلة (وهذا تقدير ممكن في نظرنا)، وأن نسبة زيادتهم الطبيعية هي 3٪ سنويا، فان عدد هؤلاء سيكون3,12 ملايين نسمة بحلول سنة 2010. وبهذا، يصبح المجموع الاجمالي لسكان دولة فلسطين 6,8 ملايين نسمة سنة 2010، ويبقى في تصرف الدولة 48 مليون متر مكعب من كمية المياه المتجددة سنويا (أنظر مجمل الحسابات في الجدول رقم 8).

 الاستنتاجات الأساسية

 قامت هذه الدراسة بتتبع خطوات الاستيلاء الصهيوني على المياه الفلسطينية والعربية، ورصد كمية المياه المتجددة سنويا والتي تمتلكها دولة فلسطين. ونستخلص ثلاث نتائج أساسية هي:

 ان اسرائيل تقوم بنهب منظم ومتواتر لمياه المنطقة، وخصوصا الحصة التي هي من حق دولة فلسطين. وهي تماطل في مسعى التوصل الى تسوية سياسية تُحق الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، لأنها تريد استمرار السيطرة على الأرض واستغلال مصادرها. لكن يجب ألّا يُشكّل الادعاء الاسرائيلي بزيادة اعتمادية اسرائيل على المياه الفلسطينية عائقا أمام دولة فلسطين، لتبادر سريعا الى المطالبة بحقها من مياه المنطقة. وينبغي لاسرائيل ان تعي ان إحقاق حق دولة فلسطين في مياهها يُشكّل احد الشروط الأساسية للتوصل الى تسوية سياسية مقبولة للصراع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي. وعندما يتم ذلك وتتوفر المعطيات الأساسية الضرورية للتوصل الى مثل هذه التسوية، فان للمفاوضات السياسية مجراها، ويمكن بواسطتها التوصل الى اتفاقات وتسويات بشأن جوانب وامور متعددة.

  • تُعتبر كمية المياه المتجددة سنويا والخاصة بدولة فلسطين موردا أساسيا كافيا بصورة مريحة لتلبية حاجاتها الاستيعابية والاقتصادية والتنموية في ربع القرن الأول لوجودها. واذا ما أخذنا في الاعتبار ان الوضع المائي لدول المنطقة بأسرها ليس أفضل من وضع دولة فلسطين، فاننا نستنتج ان عامل المياه لا يُشكّل، كما تحاول الدوائر الصهيونية الادعاء، عائقا أساسيا يحول دون وجود هذه الدولة.
  • ان منطقة حوض نهر الأردن بأسرها بحاجة، بعد التوصل الى تسوية سياسية مقبولة للصراع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي، الى مشاريع مائية اقليمية يتعاون بموجبها جميع دول المنطقة على توفير مصادر مياه جديدة لتفي بحاجاتها في المديين المتوسط والبعيد. وعندئذ يمكن في هذا المجال التفكير في مشاريع مشتركة لتحلية مياه البحر، وتنقية المياه العادمة، وشراء المياه، ونقلها من مصادر مجاورة.

 

 

 

 

 

(1)  Jerusalem Post, August 10, 1990.

(2)  رسالة وايزمن الى لويد جورج كما نشرت في:

Jewish Observer and Middle East Review (London), November 16, 1973, pp. 10-11.

(3)  نقلت عن:

علي مبدى اللبدي، "الايديولوجية الصهيونية والاستراتيجية المائية الاسرائيلية"، ورقة قدمت الى "ندوة التنمية الريفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة" (عمان، 25 – 27 أيلول / سبتمبر 1989)، ص 15.

(4)  رفض المندوب السامي منح الامتياز لعربي فلسطيني من منطقة بيت لحم كان قد تقدم بطلب مماثل سابق لطلب روتنبرغ.

(5)  عيسى السفري، "فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية" (القدس: منشورات صلاح الدين، الطبعة الثانية 1981)، ص 107 ـ 108.

(6)  المصدر نفسه، ص 108 ـ 111.

(7)  Jeffrey d. Dillman, “Water rights in the Occupied Territories”, Journal of Palestine Studies, 73 (Autumn 1989), pp. 48 – 49.

(8)  Uri Davis, et. al., “Israel’s Water Policies”, Journal of Palestine Studies, 34 (Winter 1980), p. 8.

(9)  اعتمدت الخطة الاسرائيلية على الخطة التي أعدها جون كوتون سنة 1954، واشتملت على إدخال نهر الليطاني في معادلة توزيع الحصص، واستخدام بحيرة طبريا مخزنا رئيسيا للمياه قبل توزيعها، وإمكان استخدام مياه حوض الأردن خارجه (نقل المياه الى النقب)، وحفر قناة تصل بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن. أما الخطة العربية فرفضت اي استخدام لمياه حوض نهر الأردن خارجه، ورفضت الاقتراح الاسرائيلي باستخدام بحيرة طبريا خزانا رئيسيا للمياه قبل توزيعها، وعارضت إدخال نهر الليطاني في معادلة احتساب الحصص، وفوق ذلك كله، رفضت توزيعة الحصص المتضمنة في خطة جونستون الأساسية.

(10)  كان من المفروض، وفقا لخطة جونستون، ان يصل الى الضفة الغربية 70 مليون متر مكعب من مياه نهر اليرموك عن طريق تمديد قناة غور غربية تتصل بالقناة الشرقية بواسطة مجرى يمر تحت نهر الأردن.

(11)  يجب الاشارة الى ان قطاع غزة يعاني ضائقة عجز مائي مما يحد، بالنسبة الى اسرائيل، من أهميته الاستراتيجية من الناحية المائية.

(12)  Thomas Naff and Ruff Matson, Water in the Middle East Conflict or Cooperation? (Boulder: Westview Press, 1984) p. 58.

(13)  “Something More Precious than Oil in the Middle East,” The Pennsylvania Gazette (May 1989), p. 14.

(14)  Yehuda Litani, “Before the Auction,” Haaretz, November 27, 1978; Quoted in Uri Davis, et. al., “Israel’s Water Policies,” op. cit., p. 4.

(15)  بشأن الأحكام الدولية والانتهاك الاسرائيلي في مجال المياه راجع:

 Jeffrey Dillman, “Water Rights in the Occupied Territories,” op. cit., pp. 59-63.

(16)  المعلومات عن سياسة "النهب المنظم" التي تتبعها اسرائيل فيما يتعلق بمياه المناطق الفلسطينية المحتلة مستقاة من مصادر محلية موثوق بها، اضافة الى المصادر المنشورة بشأن الموضوع، ومن أهمها: روز مصلح، "اسرائيل ومصادر المياه في الضفة الغربية"، "شؤون فلسطينية"، العدد 103 (حزيران/يونيو 1980)، ص 16 ـ 25؛ محمود موسى مناصرة، "اجراءات اسرائيلية محمومة للاستيلاء على المياه الفلسطينية"، "صوت الوطن"، العدد 13 (أيلول/سبتمبر 1990)، ص 9 ـ 13؛

David Kahan, Agriculture and Water Resources in the West Bank and Gaza (1967-1987) (Jerusalem: The West Bank Data Base Project, 1987); George D. Moffet III, “If Jordan Valley Wells Run Dry,” The Christian Science Monitor, March 14, 1990, p. 4.

(17)  حاولت اسرائيل ونجحت، الى حد كبير، في ربط البنية التحتية للمياه في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالبنية التحتية للمياه في اسرائيل، وذلك لتعميق تبعية هذه الأراضي ودمجها كأمر واقع في اسرائيل.

(18)  مع ان المعلومات المتوفرة عن استغلال المستعمرات الاسرائيلية للمياه في قطاع غزة قليلة ومتضاربة، فان أفضل التقديرات يؤكد ان السلطة المحتلة قامت بحفر 35 ـ 40 بئرا لتغذية هذه المستعمرات بالمياه.

(19)  حفرت السلطة المحتلة العديد من الآبار العميقة في مناطق تجمعات آبار ارتوازية عربية مستهدفة تجفيفها للضغط على قطاع الزراعة والمزارعين الفلسطينيين. فبينما يبلغ معدل عمق الآبار العربية 50 – 60 مترا، فان الآبار التي حفرها الاسرائيليون وصلت بالعمق الى نحو 600 متر، وكانت بسبب ذلك أقدر على سحب المياه الجوفية، وحرمت الآبار الفلسطينية منها.

(20)  يجدر اجراء مقابلة بين المعدل السنوي للاستهلاك الفردي من المياه الجوفية للفلسطينيين وبين المعدل لدى المستعمرين في الضفة المحتلة. فبينما يُسمح للفلسطينيين، وعددهم نحو 1,25 مليون نسمة، بضخ 52 مليون متر مكعب من المياه الجوفية سنويا، فان المخصص للمستعمرين، وعددهم نحو 100 ألف، يصل سنة 1990 الى 100 مليون متر مكعب.

 (21)  يجب الحرص عند استخدام الأرقام المتعلقة بمساحة الأراضي المروية والمستغلة زراعيا، فانهاعرضة للتفاوت بسبب الكثير من العوامل، وأهمها كمية الأمطار المتساقطة سنويا والاعتبارات الأمنية للسلطة المحتلة والأوضاع التي تتحكم في عملية تسويق المنتوجات الزراعية.

(22)  تحاول المصادر الاسرائيلية التهرب قدر الامكان من الاعتراف بكمية المياه الفلسطينية المنهوبة، إلا ان الأرقام المخفضة التي تحتسبها لكمية المياه الفلسطينية المتجددة سنويا تجبرها على تقدير كمية المياه المنهوبة سنويا بنحو 475 ملون متر مكعب. وفي الواقع، أدت الحسابات الدقيقة بنا الى التوصل الى ان الكمية المنهوبة سنويا هي المذكورة أعلاه (564 م م م). ويجب الانتباه أيضا الى ان اسرائيل تقوم في مواسم الجفاف بالاعتماد على خزانات المياه الجوفية في الضفة المحتلة، وخصوصا الخزان الشمالي الغربي، لضخ كمية أكبر من المعدل الذي ذكرناه.

(23)  لهذا السبب كان مفهوم مناحم بيغن لمشروع الحكم الذاتي المتضمن في اتفاق كامب ديفيد مقصورا على أنه حكم فلسطيني ذاتي للسكان ولا يشمل السيطرة على الأرض والمياه.

(24)  فيما يتعلق بامكانات استصلاح أراضي الضفة الغربية الفلسطينية راجع: خليل العالول، "استصلاح واستغلال أراضي الضفة الغربية" (القدس: الملتقى الفكري العربي، 1987).

(25)  بالاضافة الى كمية المياه المتجددة من مياه الأمطار الساقطة على غزة، هناك كمية مياه اضافية يمكن استغلالها تقدر بنحو 10 ـ 20 مليون متر مكعب مصدرها المياه الجوفية المتحركة من شرق القطاع، وتكرير المياه العادمة.

(26)  يشكل تحديد معدل الاستهلاك الفردي من المياه بـ 65 مترا مكعبا سنويا تقديرا عمليا للدول النامية ذات المصادر المائية المحدودة.

السيرة الشخصية: 

علي الجرباوي : أستاذ العلوم السياسية المشارك ـ جامعة بير زيت.
رامي عبد الهادي : مدير مركز الهندسة والتخطيط ـ رام الله.

اقرأ المزيد