إسرائيل في أزمة الخليج (1): الموقف العام، التعاون الاستراتيجي، التوقعات في شأن النزاع العربي - الإسرائيلي
كلمات مفتاحية: 
أزمة الخليج
النزاع العربي - الإسرائيلي
حزب الليكود
العلاقات الأميركية - الإسرائيلية
نبذة مختصرة: 

يتناول التقرير ملامح الموقف الاسرائيلي ازاء ازمة الخليج .ويستعرض النقاشات الخاصة بالتعاون الاستراتيجي الإسرائيلي ـ الأميركي في ضوء مستجدات الأزمة، والتوقعات الخاصة بمستقبل النزاع الفلسطيني ـ العربي ـ الإسرائيلي ويستنتج أن الأمر الأساسي هو موقف حزب الليكود الحاكم وصاحب القرار وملخصه أن لا رياح سلمية تهب في المنطقة، وبالتالي لا داعي لتغيير المواقف والمبادىء الأساسية من دون إغفال التغييرات التكتيكية.

النص الكامل: 

خيّم على الموقف الاسرائيلي الرسمي تجاه ازمة الخليج عامل مهم، وهو طلب الولايات المتحدة بحزم من اسرائيل ان تبقى في الظل، وتلزم الهدوء، وتمتنع من اية خطوات او تصريحات من شأنها ان تشوش على الاستراتيجية الأميركية العامة لمعالجة الأزمة، او تفسر بأنها تدخل في المواجهة ضد العراق. وقد اضطرت الحكومة الاسرائيلية في البداية الى الانصياع للطلب الأميركي، مع شيء من الامتعاض والقلق، لكنها بدأت التخلي عن هذا الموقف منذ أواسط أيلول / سبتمبر، وأخذت تتجه نحو موقف مختلف، يراعي الاعتبارات والمصالح الاسرائيلية أكثر مما يراعي الاعتبارات الأميركية في إدارة المعركة ضد العراق.

وقد أثار امتعاضَ اسرائيل في بدايات الأزمة تجاهُل الإِدارة الأميركية لها في الاتصالات الأولية التي جرت تمهيدا للتدخل العسكري في ازمة الخليج، والدور المحدود الذي رسمته لها في المواجهة. وأثار قلقها عاملان: (1) التحالفات الأميركية ـ العربية الجديدة، وخشية ان تؤدي هذه التحالفات الى إزاحة اسرائيل عن موقعها المتفوق في المعادلة الاستراتيجية الأميركية للمنطقة فيما بعد الأزمة؛ (2) التخوف من ان تؤدي التحالفات الدولية والمحلية الجديدة الى فرض حل للنزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي لا يتفق ورغبات اسرائيل. وقد ظهر التعبير عن هذا القلق في فيض من الكتابات في الصحافة الاسرائيلية بصدد هذين الأمرين، وبصدد التوقعات المتعلقة بمستقبل المنطقة.

وما يلي محاولة لرسم ملامح الموقف الاسرائيلي إزاء ازمة الخليج، وعرض للنقاشات الخاصة بالتعاون الاستراتيجي الاسرائيلي ـ الأميركي في ضوء مستجدات الأزمة، وللتوقعات الخاصة بمستقبل النزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي.

تمهيد

فاجأ احتلال العراق للكويت اسرائيل مثلما فاجأ الولايات المتحدة والدول الغربية، التي توقعت استخباراتها، كما يبدو، عملية محدودة على الأكثر.(1)  وبعد الاحتلال، ادعت "جهات سياسية رفيعة جدا" في القدس ان وزير الدفاع الاسرائيلي موشيه آرنس كان قد حذر نظيره الأميركي ريتشارد تشيني من إمكان غزو عراقي للكويت قبل اسبوعين ونصف الأسبوع من حدوثه فعلا، اي قبل تفاقم الأزمة بين العراق والكويت أصلا، وذلك خلال اجتماعه اليه في واشنطن في تموز / يوليو الماضي.(2)  لكن ليس هناك ما يؤكد ذلك. وقد ذكرت موفدة صحيفة "عال همشمار" الى واشنطن، في رسالة بعثت بها الى صحيفتها من هناك، انه ليس صحيحا ان آرنس تنبأ بالغزو العراقي للكويت او حذر منه، وأن كل ما حدث هو انه خلال البحث في موضوع العراق في الاجتماع المذكور، حذر آرنس بصورة عامة من خطر صدام حسين واستعداداته ونياته التسليحية.(3)

بعد الغزو مباشرة، كان السؤال الأول والملح في الأوساط السياسية الاسرائيلية، بمختلف مستوياتها، هو: ماذا سيفعل الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، ردا على خطوة العراق؟ وهو سؤال لم يتأخر جوابه كثيرا، وجاء مخالفا تماما للتوقعات الاسرائيلية الأولية، التي استبعدت ان يتدخل الغرب عسكريا، ورجحت ان تقتصر ردة فعله على خطوات اقتصادية وسياسية. "لا يملك الغرب خيارا عسكريا استعماريا للوضع الناشئ في الخليج"، كما جزم وزير الدفاع السابق يتسحاق رابين، وأضاف: "لا تستطيع الولايات المتحدة إرسال قوات عسكرية ]لاستخدامها[ ضد العراق، ولا اعتقد انها ستتورط في ذلك."(4) وحذا حذوه في إبداء تقديرات مشابهة معظم الساسة والمعلقين. "تستطيع الولايات المتحدة ان تجعل حاكم العراق يدفع ثمنا غاليا، لكن ذلك لن يكون كما يبدو بتدخل عسكري"، كتب المعلق الاستراتيجي المعروف زئيف شيف، "انها تستطيع ان تمنع تصدير النفط العراقي وان تفرض على العراق حصارا، لكن هذه خطوة متطرفة، ومن المشكوك فيه ان تحظى بتعاون من جانب الاتحاد السوفياتي والدول الأوروبية. كما ان العالم العربي سيرفض بالتأكيد ان يتعاون في خطوة كهذه. ومن هنا فان الولايات المتحدة ستكتفي بعقوبات اقتصادية مختلفة." (5)

غير ان ما حدث فعلا جاء، كما هو معروف، مخالفا لذلك كليا، ولا داعي الى التوقف عنده. لكن، قد يكون من المهم تثبيت وقائع معينة من المعقول الافتراض ان لها تأثيرا خاصا في الموقف الاسرائيلي.

 الموقف الاسرائيلي العام

أدركت الولايات المتحدة، منذ البداية، ان ايّ مسعى لمحاصرة العراق اقتصاديا وضربه عسكريا، إذا لزم الأمر، لا حظَّ له في النجاح إلا اذا حصلت على تغطية ومشاركة عربيتين. وأدركت أيضا ان من شأن اية مشاركة او اي تدخل اسرائيلي بارز في المواجهة مع العراق، ان يحرج حلفاءها العرب أمام شعوبهم، وقد يشوش على إدارة الولايات المتحدة للأزمة سياسيا وعسكريا. ومن هنا طلبها من اسرائيل بحزم ان تبقى في الظل، وأن تضبط ردات فعلها وتترك امر المواجهة مع العراق لها ولحلفائها.

وقد استجابت الحكومة الاسرائيلية لهذا الطلب، إجمالا، في الأسابيع الأولى للأزمة. وقال وزير الدفاع موشيه آرنس في تصريح له "ان الأميركيين يحاولون خلق جبهة عريضة تشتمل على دول عربية مثل مصر، ويحشدون قواتهم في دولة عربية اخرى ـ العربية السعودية. وفي هذه الأوضاع، من المفهوم ان ليس لهم مصلحة في اشراك اسرائيل في هذا الجهد. ولذلك، فان اسرائيل ليست شريكة فيه." (6)

وقد انعكست هذه الاستجابة في الخطوات الأمنية الظاهرة التي اتُّخذت لمجابهة الوضع، وفي تصريحات مسؤولين في مناسبات مختلفة. إذ اقتصرت الخطوات الأمنية الظاهرة على رفع مستوى التأهب في الجيش، وتعزيز النشاط الجوي وإجراءات المراقبة على الحدود الأردنية، وإعلان "خط احمر" يتمثل في دخول قوات عراقية الأردن، وتوجيه تحذيرات شديدة اللهجة الى العراق بأنه إذا اقدم على مهاجمة اسرائيل فسوف يتعرض لضربات عسكرية اسرائيلية عنيفة جدا. وفي موازاة ذلك كرر مسؤولون ادعاءات (مشكوكا فيها طبعا) بأن الأزمة لا تمس امن اسرائيل مباشرة، وأن اسرائيل لا تتدخل فيها، ولا تنوي التدخل، إلا إذا تم تجاوز الخط الأحمر المعلن، او إذا تعرضت للهجوم. وقد قال آرنس في هذا الصدد: "]ان احتلال العراق للكويت[ لم يحدث اي تغيير استراتيجي من ناحية اسرائيل، ولا يوجد هناك اي ارتباط او تأثير مباشر فينا."(7)  وقال شمير: "ان صدام حسين يريد ان تصبح اسرائيل طرفا في النزاع كي يصور الحرب حربا عربية ـ اسرائيلية، وعندئذ يضطر العالم العربي الى الوقوف الى جانبه، لكن ليس لاسرائيل مصلحة في جرها الى دوامة الأزمة."(8)  وقال وزير البناء والاسكان اريئيل شارون: "ليس لدينا سبب للانضمام الى معركة كهذه، والأميركيون أيضا لا يتوقعون منا ذلك."(9)  وشبّه رئيس الدولة حاييم هيرتسوغ، في خطاب ألقاه عبر الاذاعة الاسرائيلية، وضع اسرائيل في الأزمة بـ "متفرج من بعيد على دراما دولية" تقع على مسافة ألف كلم من حدوده.(10)

ان نموذجا واضحا من نماذج استجابة اسرائيل للطلب الأميركي منها بأن تضبط ردات فعلها، هو طريقة تعامل الحكومة الاسرائيلية مع التهديد العراقي في نهاية الأسبوع الأول للأزمة بضرب اسرائيل بالصواريخ. فقد صرح ناطق عراقي ان اسرائيل تدهن طائراتها بشعارات اميركية للمشاركة في هجوم على العراق، وهدد بضربها بالصواريخ إذا اقدمت على ذلك. وقد احدث هذا التهديد موجة من الذعر في أوساط الجمهور، وتدافع الناس الى الأسواق لشراء اقنعة واقية من الغاز، وطالب وزير الخارجية دافيد ليفي الجيش بالمبادرة الى توزيع الأقنعة الواقية الموجودة في مستودعاته فورا. وقد انقسمت الآراء في الحكومة بشأن هذا الموضوع، وبصورة اجمالية بشأن الخطوات الواجب اتخاذها إزاء التهديد العراقي. وبدا كأن في أوساط سياسية وأمنية تفكيرا في ضرورة توجيه "ضربة استباقية" الى العراق. ويدّعي ايلان كفير، المحرر العسكري في صحيفة "حداشوت"، انه أُجريت في هذه الأثناء اتصالات عاجلة بين وزيري الدفاع الاسرائيلي والأميركي، وان رسالة واشنطن الى القدس كانت صارمة، وفحواها: "لا تضغطوا على الزناد، لا تنجرُّوا الى الاستفزاز، اتركوا صدام لنا."(11)  وسواء كان هذا الخبر صحيحا او عاريا من الصحة، فالذي حدث هو ان الحكومة الاسرائيلية قررت في جلسة خاصة عقدتها لمناقشة الموضوع، عدم توزيع اقنعة الغاز كي لا يشكل ذلك استفزازا للعراق إذا فسره بأنه تمهيد لضربة استباقية. وعمدت الحكومة الى حملة دعاوية واسعة من أجل خفض مستوى التوتر وتهدئة الجمهور، شارك فيها كل المسؤولين السياسيين والعسكريين الكبار. وقد صرح رئيس الحكومة شمير في سياق هذه الحملة ان الاتهام العراقي "كذب فظ"، وان اسرائيل "دولة تسعى للسلام بكل قوتها. وليس لها، ولم يكن لها نيات عسكرية ضد العراق، او ضد اية دولة عربية اخرى"، وحذر صدام حسين في الوقت نفسه من "ان كل محاولة للمساس بنا ستكلفه وتكلف جيشه ثمنا غاليا جدا".(12) وبذل وزير الدفاع موشيه آرنس مجهودا واضحا للتقليل من خطر العراق وأسلحته على اسرائيل، واستبعد إمكان مواجهة عسكرية معه. "فالعراق على مسافة بعيدة من اسرائيل، وليس لنا حدود مشتركة معه... وصدام حسين يعرف ما هي قوة الجيش الاسرائيلي." وبخصوص إمكان وقوع هجوم عراقي بالصواريخ والأسلحة الكيماوية قال آرنس: "أولا، اعتقد ان هذا الامكان ضئيل؛ ثانيا، ليست صواريخه ]العراق[ فاعلة (...) وهي غير قادرة على إحداث ضرر كبير. وبشأن الغازات ]السامة[، ليس عنده رؤوس صواريخ مجهزة بالغازات"، وهو أصلا "سيتردد كثيرا في استخدام الأسلحة الكيماوية لأنه يعرف ردة فعلنا."(13)

وقد حظيت استجابة الحكومة هذه للطلب الأميركي بتأييد واسع في الأوساط السياسية، الموالية منها والمعارضة، إلا ان أصواتا عديدة ارتفعت اعتراضا عليها. فقد انتقد زئيف شيف، مثلا، الادعاء بأن ازمة الخليج لا تؤثر مباشرة في امن اسرائيل. كما انتقد إحجام الحكومة الاسرائيلية عن التدخل في الأزمة. وكتب يقول: "إذا انتصر صدام حسين في المواجهة الحالية، فان هذا لن يكون فشلا أميركيا فقط... وسيؤثر الأمر فورا في قدرة الردع الاسرائيلية القائمة، كما هو معروف، على أساسين: قوة الجيش الاسرائيلي وذراعه الطويلة؛ والتزام الولايات المتحدة تجاه اسرائيل، والمساعدة العسكرية التي يتلقاها الجيش منها، والتعاون الاستراتيجي بين الدولتين." وأضاف ان مغزى الفشل الأميركي بالنسبة الى الكثيرين من العرب سيكون انه لا يوجد ما يُخشى امره من ناحية الولايات المتحدة أيضا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث لا توجد لواشنطن مصالح نفطية. وستتقوض أيضا المجموعة البراغماتية التي تتزعمها مصر، وستفقد مصر مكانتها في مقابل العراق، وينزلق العالم العربي نحو التطرف. عندئذ لن يجد صدام حسين صعوبة في ايقاظ الجبهة الشرقية وبلورتها ضد اسرائيل. وأعرب شيف عن اعتقاده انه إذا قرر صدام حسين اطلاق صواريخه على اسرائيل، فهو سيفعل ذلك حتى من دون ان يصدر عن اسرائيل اي شيء: "يكفي ان تقصف طائرات اميركية أهدافا في العراق ليطلق صواريخه ضدنا." ولذلك "ينبغي لاسرائيل ألا تحجم عن التدخل في المواجهة القائمة." واقترح شيف ان تبدأ اسرائيل تدخلها "بوقفة حازمة ضد الأردن"، وان "تمنع السفن العراقية من التفريغ والتحميل في ميناء العقبة."(14)   لكن "مصادر أمنية رفيعة المستوى"، انسجاما مع موقف الحكومة في هذه المرحلة، سارعت الى وصف الاقتراح بأنه خطأ، وأضافت "ان اسرائيل ستأخذ على عاتقها مخاطر زائدة عن اللزوم إذا تدخلت"، وأن الأميركيين يستطيعون فرض الحصار على العقبة بطريقة أفضل.(15)

 وجه آخر

وتطورات الموقف

يمثل ما ورد أعلاه الخطوط العريضة للاستجابة الاسرائيلية للمطلب الأميركي بالبقاء في الظل، لكنه لا يعكس الصورة بكليتها.

أولا، فيما يتعلق بتدمير قوة العراق العسكرية، اي حل النزاع عن طريق الحرب، أشار بعض المراقبين الغربيين الى "ان هناك مجموعتين فقط تقرعان طبول الحرب في الأزمة هما: وزارة الدفاع الاسرائيلية والمرددون خلفها (آمين) في الولايات المتحدة؛ والاسرائيليون يريدون الحرب لأنهم يريدون ان تدمر الولايات المتحدة قوة العراق العسكرية"(16)  بحسب قول الصحافي الأميركي البارز، باتريك بوكانان، الذي أثار الأوساط المؤيدة لاسرائيل في الولايات المتحدة الى حد اتهامه بالعداء للسامية. ولم يكن قد مضى اسبوعان على بدء الأزمة قبل ان يصرح شارون ان الحصار الاقتصادي لن ينجح، "وأي حل للأزمة لا يؤدي الى إضعاف مهم لقوة العراق العسكرية وثقته بنفسه سيكون خطرا على اسرائيل." وقد طالب الولايات المتحدة بتوجيه ضربة (عسكرية) فورية الى العراق وإلا حكمت على مساعيها بالفشل.(17)  وقبل مضي ثلاثة أسابيع توقعت مصادر "أمنية" و "استخباراتية" رفيعة عدة مرات ضربة عسكرية أميركية وشيكة ضد العراق "خلال الساعات الأربع والعشرين او الثماني والأربعين المقبلة." وقد جعل مثل هذه التصريحات والتوقعات الكاتب الصحافي الاسرائيلي ناحوم بارنيع يشبّه اسرائيل بسائق قابع خلف مقود شاحنة ثقيلة يطلق بوقها بعصبية معتقدا ان الطريق خال ومفتوح للتقدم. وشرح بارنيع ان الولايات المتحدة بحاجة الى وقت كي تحشد قواتها، وان عزيمتها لن تنهار إذا أجّلت الضربة الى أيلول / سبتمبر، مثلا.(18)

لكن بينما أغلبية التصريحات في هذا الخصوص تظهر في بداية الأزمة منسوبة الى مصادر "امنية" و"استخبارية" من دون تسميتها، بدأت بمرور الوقت تظهر صراحة على ألسنة المسؤولين السياسيين والعسكريين في أعلى المستويات، منهم رئيس الوزراء ووزيرا الدفاع والخارجية ورئيس هيئة الأركان. فقد صرح آرنس، مثلا، ان اسرائيل لن تكون مسرورة "إذا بقي صدام حسين في مكانه، وبقي جيشه وتكنولوجيته التي طورها بمساعدة اجنبية (...)، وآمل بألا تكون هذه هي الطريقة التي تنتهي الأزمة بها."(19)  وصرح رئيس هيئة الأركان دان شومرون، الحذر جدا في كلامه عادة، "ان الأزمة لا يمكن ان تحل بنجاح إذا بقيت قوة العراق، بقضّها وقضيضها، من دون مساس."(20)

وقد تكاثر مثل هذه التصريحات وتقاربت وتيرته بصورة لافتة للنظر في أواخر أيلول / سبتمبر، وشكل مع مؤشرات اخرى، دليلا في نظر المراقبين على حدوث تغير في موقف اسرائيل نحو التمرد على الرغبة الأميركية في إبقائها في الظل والتوجه نحو دور أكثر بروزا للتأثير في وجهة التطورات. وقد سجل دافيد هوروفيتس، مراسل صحيفة "اندِبندنت" البريطانية في القدس، تغيرا في الموقف الاسرائيلي في هذا الشأن منذ أواسط أيلول / سبتمبر، وأعرب عن اعتقاده ان المسؤولين الاسرائيليين واصلوا استجابتهم للرغبة الأميركية ما داموا واثقين بعزم الولايات المتحدة على ضرب العراق عسكريا، وان التغير في موقفهم حدث من جراء شعورهم بالاحباط نتيجة تطاول الأزمة من دون حسم عسكري، وشكوكهم في ان الولايات المتحدة قد تكون تفكر في حل الأزمة سلما.(21)

ثانيا، ليس صحيحا ادعاء المسؤولين الاسرائيليين ان اسرائيل لم ترد الانجرار الى الأزمة، وليس أكيدا ان ليس لديها نيات عسكرية ضد العراق. فقد اتصل وزير الدفاع الاسرائيلي موشيه آرنس بنظيره الأميركي بعد يومين فقط من بدء الأزمة، وعرض على الولايات المتحدة كل مساعدة ترغب فيها ضمن إطار اتفاق التعاون الاستراتيجي بين الدولتين، بما في ذلك استخدام القوات الأميركية للموانئ والمطارات الاسرائيلية، وتخزين اعتدة وذخائر إضافية في اسرائيل، وخدمات إدارية وتجهيزية وطبية، هذا بالاضافة الى المعلومات الاستخبارية التي تتبادلها الدولتان بصورة رتيبة.(22)  وكرر رئيس الحكومة يتسحاق شمير العرض في رسالة بعث بها الى الرئيس الأميركي جورج بوش في منتصف آب / أغسطس. وإذا كانت اسرائيل لم "تنجر" الى الأزمة، فلأن الولايات المتحدة، للأسباب الذي ذكرت أعلاه، لم ترد ذلك.

وصدرت عن مسؤولين كبار أيضا تصريحات لا يمكن تفسيرها إلا بأنها تنطوي على تهديدات للعراق. وقد كان أخطر هذه التصريحات حديث شمير أمام وفد للجباية اليهودية في القدس في أواخر آب / أغسطس الماضي، عن "ضربة استباقية" اسرائيلية ضد العراق: "هدفنا الأساسي هو منع الحرب، او استباقها. لكن إذا أصبحنا، لا سمح الله، في وضع لا خيار لنا فيه، فيجب علينا ان ننتصر بسرعة وتصميم."(23)  وقد سارع مستشار رئيس الحكومة لشؤون الإِعلام، آفي بازنر، الى نفي التكهنات التي ثارت وقتئذ بأن اسرائيل تخطط لضربة استباقية، وقال ان قصد رئيس الحكومة كان شرح الاستراتيجية العامة لاسرائيل من دون ارتباط بأزمة الخليج.(24)  لكن رئيس الحكومة عاد فصرح في وقت لاحق، خلال مقابلة اجرتها معه صحيفة "يديعوت أحرونوت" في أواسط أيلول / سبتمبر، انه إذا لم تقتلع الولايات المتحدة صدام حسين من جذوره، فمن الممكن ان تقع المهمة على اسرائيل في نهاية الأمر. وعندما طُلب منه شرح ذلك قال: "قد ينشأ وضع نقف فيه نحن فقط في مواجهة صدام حسين، وعندئذ سنضطر الى تقديم رد للتغلب على هذا العملاق الشرير."

وفي نهاية أيلول / سبتمبر، صرح رئيس هيئة الأركان دان شومرون في مقابلة أجراها التلفزيون الاسرائيلي، ان الأزمة لا يمكن ان تحل بنجاح إذا بقيت قوة العراق العسكرية سليمة، وان اسرائيل ستضطر الى تجاهل النداءات الأميركية الداعية الى ضبط النفس إذا شعرت بأن هجوما عراقيا عليها بات وشيكا: "نريد ان نفعل كل شيء بالتنسيق مع الأميركيين، لكن عندما نشعر بأن صدام حسين اصبح في وضع يشكل خطرا حقيقيا على اسرائيل، فسوف نرد وفقا لمصالحنا."(26)

ولا تبدو هذه التصريحات منقطعة الصلة عن تصريح ليتسحاق رابين، في أثناء مقابلة مع الاذاعة الاسرائيلية في وقت سابق، بأنه قد ينبغي لاسرائيل ان تكون مستعدة "لعملية محدودة" في حال نشوب صدام بين الجيشين الأميركي والعراقي.(27)  ولعل مغزى هذه التصريحات يفسره ما كانت صحيفة "عال همشمار" قد نشرته في وقت مبكر من الأزمة، ومضمونه ان "جهات" في القدس تعتقد ان اي تدخل في الأزمة ينبغي ان ينبع فقط من الضرورات الأمنية القصوى لاسرائيل، وأن من واجبها في هذه الحالة القضاء على "البنية التحتية النووية العراقية"، التي تمثل التهديد الأساسي لوجود اسرائيل بالذات.(28)

ثالثا، في المسألة التي تهم اسرائيل اكثر من اية مسألة اخرى، والتي هي في نهاية المطاف العامل الحاسم في معادلات الصراع العربي ـ الاسرائيلي كلها، اي التسليح والميزان العسكري بينها وبين الدول العربية، لم تتردد اسرائيل في رفع عقيرتها، بل في استخدام نفوذها في الكونغرس الأميركي. فمنذ بداية الأزمة قال وزير المال يتسحاق موداعي في اجتماع للحكومة "ان الوضع الجغراسي قد تغير في المنطقة" نتيجة غزو العراق للكويت، وانه ينبغي للحكومة الاسرائيلية ان تطالب الولايات المتحدة بزيادة المساعدات العسكرية لاسرائيل وبسرعة.(29)  وتوالت التصريحات في هذا الخصوص مع استمرار الأزمة، والاعلان بشأن صفقات أسلحة جديدة لمصر والسعودية ودول خليجية اخرى. وقد ادعى المسؤولون الاسرائيليون ان من شأن هذه الصفقات الاخلال بالموازين التسليحية بين العرب واسرائيل، وتعريض امن اسرائيل للخطر في المستقبل. ولم ينس وزير الاسكان شارون، كالعادة، ان يضيف ان اسرائيل عندما تطالب بتكثيف المساعدات العسكرية لها، فان لها "حقا معنويا في هذه المطالبة (...) وقد عوضت ]الولايات المتحدة[ من كل دولار انفقته أضعافا مضاعفة."(30)

وقد تركز الاهتمام الاسرائيلي تركيزا خاصا على صفقة الأسلحة الضخمة للسعودية، التي نُشرت الأنباء بصددها في أواسط أيلول / سبتمبر. وتردد ان قيمتها تبلغ 20 مليار دولار تقريبا. وقد شكلت هذه الصفقة مناسبة لاسرائيل للخروج من الظل وتحريك أنصارها في الكونغرس، وفي الوقت نفسه لتقديم طلبات مالية وتسليحية ضخمة. وقد صرح شمير في هذا الشأن: "ان صفقة الأسلحة هذه تدل على انعدام مطلق للمنطق... ولا احد يستطيع ان يقدم تفسيرات منطقية للدوافع الماثلة وراء هذه الصفقة. الكل يعرف ان السعودية ليست بحاجة الى كميات الأسلحة هذه وأنها لن تستخدمها أبدا. هذه خطوة غريبة جدا، ويمكن ان تتطور الى خطر كبير."(31)  وحذا موشيه آرنس حذوه فأعلن ان الصفقة للسعودية "تشكل تغييرا جذريا في موازين القوى في الشرق الأوسط،" و "لا يستطيع احد في واشنطن ان يضمن لنا ان هذا السلاح لن يقع في المستقبل في ايد غير مرغوب فيها ويُستخدم ضدنا." وأضاف انه شرح للإِدارة الأميركية الموقف الاسرائيلي من الصفقة، وسيشرحه أيضا للكونغرس.(32)  وقد اثمر هذا "الشرح"، الذي تم في أثناء زيارته لواشنطن في الأسبوع الثالث من أيلول / سبتمبر الماضي، أول تحرك للوبي الصهيوني في الكونغرس ضد توجهات الادارة الأميركية منذ بداية الأزمة. وكانت نتيجة التحرك تخفيض الصفقة الى 6,7 مليارات دولار.

وقدم آرنس في زيارته المذكورة أعلاه قائمة الطلبات التسليحية والمالية لاسرائيل، والتي فاجأت، كما يذكر مراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت" في العاصمة الأميركية، المسؤولين الكبار في الإدارة الأميركية بضخامتها. وقد اشتملت القائمة على مساعدة طوارئ عسكرية فورية لاسرائيل قيمتها مليار دولار، وزيادة المساعدات العسكرية الاعتيادية بنسبة 40٪ تقريبا: اي من 1,8 مليار الى 2,5 مليار دولار سنويا، وشطب ديون اسرائيل العسكرية للولايات المتحدة. والأهم من هذا كله، طلب مساعدة أميركية كثيفة لتطوير تكنولوجيات عسكرية معقدة في اسرائيل كي تحافظ على "التفوق النوعي" على الدول العربية. وقد برر آرنس في محادثاته مع المسؤولين الأميركيين الطلبات الاسرائيلية بالادعاء ان الأزمة في الخليج تشكل تهديدا مباشرا لأمنها، وتلقي عليها عبأً ماليا ثقيلا. وقد رفضت الادارة الأميركية، بحسب مراسل "يديعوت أحرونوت"، الادعاء الاسرائيلي، وكان جوابها ان وجود القوات الأميركية في الخليج يقلل، في المستقبل القريب على الأقل، من خطر حرب ضد اسرائيل. لكن الادارة استجابت في المقابل لجزء من طلبات اسرائيل. وقد كان ابرز ما حصلت اسرائيل عليه فورا موافقة على "تأجيرها" بسعر رمزي أسلحة تتجاوز قيمتها المليار دولار، وموافقة على زيادة العتاد العسكري الموجود في اسرائيل بموجب اتفاق التعاون الاستراتيجي بين الدولتين، والذي يحق لاسرائيل استخدامه في أوقات الطوارئ، بما قيمته 100 مليون دولار، اي زيادته من 170 مليونا الى 270 ميلون دولار.

وقد أبدت الأوساط الاسرائيلية في العاصمة الأميركية ارتياحها الى نتائج زيارة وزير الدفاع الاسرائيلي لواشنطن، ولاحظت ان طلب آرنس الأساسي، وهو مساعدة اسرائيل في تطوير تكنولوجيات عسكرية معقدة، "ليس من النوع الذي يمكن الأمل بتلقي إجابة عنه خلال يومين او اسبوعين."(33)

وربما تجدر الاشارة هنا بسرعة الى ان "تطوير تكنولوجيات عسكرية معقدة" في اسرائيل هو منذ فترة النغمة الأساسية في معزوفة المحافظة على "التفوق النوعي" لاسرائيل في مقابل الدول العربية. وقد شرح آرنس في خطاب له في "معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأوسط"، الأسباب التي تجعل اسرائيل تشدد على ذلك بقوله انه "في الأعوام الأخيرة لم يعد من السهل التفكير في سلاح تملكه اسرائيل لم يجر بيع الجيوش العربية مثله (...) واليوم نعلّق معظم آمالنا بالتفوق النوعي على أسلحة نطورها بأنفسنا." (34)

التعاون الاستراتيجي

"لا يوجد إنجاز اعتاد يتسحاق شمير ان يتفاخر به أكثر من اتفاق التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. ان الفرضية الأساسية بأن اسرائيل ثروة استراتيجية من الطراز الأول تزيّت منذ أعوام عجلة المساعدات الأميركية لاسرائيل. وقد ادعت الحكومات في القدس دائما وأبدا ان قوة الجيش الاسرائيلي وقوة الردع الاسرائيلية هما مقابل ملائم لملايين الدولارات، ]المدفوعة[ بالأساس لبنود المساعدات العسكرية. والآن، عندما آن أوان الحساب، فان الولايات المتحدة ليست محجمة عن المطالبة بدفعه فحسب، بل انها تكاد تتوسل الى اسرائيل ان تخفيه عميقا في الخزنة الحديد."(35) هذا ما كتبه المعلق السياسي عكيفا إلدار، معبرا بذلك عن الصدمة التي شعر بها اسرائيليون كثيرون عندما اكتشفوا ان الدور الذي توهموه لأنفسهم في حماية مصالح الغرب في المنطقة ليس واردا في حسابات الولايات المتحدة الأميركية، حليفتهم الكبرى، وراعيتهم ومصدر نعمتهم وقوتهم. وقد رافق الصدمة شعور بالامتعاض، وتخوف من فقدان مكانتهم المتميزة في المعادلة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، بما ينطوي عليه ذلك من تأثيرات سلبية في الدعم العسكري والمالي والسياسي الذي حظيت اسرائيل به في العقود الماضية.

وقد أثارت هذه المشاعر في أوساط المعلقين السياسيين نقاشا جديرا بالتسجيل يتعلق بمغزى التعاون الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة حاضرا ومستقبلا. وكانت أسئلة النقاش: ما هو هدف هذا التعاون؟ هل لا يزال الأساس الذي ارتكز عليه قائما؟ وفي ضوء وقائع ازمة الخليج، هل اسرائيل ثروة استراتيجية للولايات المتحدة ام عبء عليها؟ وما هو مستقبل التعاون؟ وقد اختلفت آراء المعلقين في الإِجابة عن هذه الأسئلة، ما بين قائل ان التعاون الاستراتيجي قد قضى نحبه منذ زمن وجاءت ازمة الخليج لتدق المسمار الأخير في نعشه، وقائل انه حي يرزق وسيبقى كذلك، وقائل انه حيّ لكن...! وفيما يلي، نعرض وجهات النظر الثلاث بشأن هذا الموضوع:

تقول وجهة النظر الأولى ان خلافا كان قائما منذ البداية بين اسرائيل والولايات المتحدة بشأن هدف التعاون الاستراتيجي. تعاون ضد من؟ وقد طُرح السؤال عندما جرت المناقشات بين الدولتين في أوائل الثمانينات. وكانت تلك الفترة بداية حكم الرئيس ريغان، ودخول الجيش السوفياتي أفغانستان. وكان المناخ في واشنطن معاديا للسوفيات ومشبعا بالاستعداد للقتال. وكان أكثر ما يقلق الأميركيين تغلغل السوفيات في منطقة الشرق الأوسط، وكان الأميركيون يرون ان هدف التعاون الاستراتيجي هو الوقوف في وجه هذا التغلغل، وكان هذا رأي الاسرائيليين أيضا، الذين اضافوا اليه هدف الوقوف في وجه الدول العربية المعادية للغرب. ولذلك طلبت اسرائيل ان يشتمل اتفاق التعاون الاستراتيجي أيضا على مناورات برية وتخزين أسلحة ثقيلة (طائرات، دبابات) في اسرائيل لاستخدامها من قبل الولايات المتحدة في حال نشوب أزمة في احدى دول المنطقة. لكن الولايات المتحدة لم توافق على رأي اسرائيل. وجاء الاتفاق عند توقيعه خاليا من معظم المطاليب الاسرائيلية.

وقد استفادت اسرائيل من الاتفاق بزيادة المساعدات الأمنية الأميركية وبتعميق التعاون في مجالات الأبحاث لتطوير الأسلحة. وفي المستوى العملي، أُجري في الثمانينات أكثر من 40 مناورة بحرية أميركية ـ اسرائيلية مشتركة، ووافق الأميركيون على تخزين عتاد خفيف في اسرائيل يكون في تصرفهم في أوقات الطوارئ، ويستطيع الجيش الاسرائيلي أيضا استخدامه في إبان الأزمات. لكن التطورات الأخيرة في العلاقات بين الدولتين العظميين، والتي غيرت الواقع في الشرق الأوسط أيضا، ألغت المنطق الأصلي القائم في أساس التعاون الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة، وحولته الى مجرد اسطورة. ومع ذلك ظلت اسرائيل متمسكة بنظرتها الأصيلة الى التعاون الاستراتيجي، والتي لم تكن في الحقيقة تستند الى أساس. وقد ذكر المعلق السياسي شمعون شيفر، الذي عبّر عن وجهة النظر هذه في مقالة كتبها في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، انه من ضمن ما ورد في وثيقة داخلية سُلمت الى رئيس الحكومة شمير قبل ازمة الخليج، "ان المصلحة الأميركية في التعاون الاستراتيجي مع اسرائيل تنبع من الرغبة في ضمان مصادر الطاقة وتدفق النفظ الى الولايات المتحدة واليابان" و"منع سيطرة دولة واحدة على المنطقة." وورد أيضا ان النشاطات المشتركة بين اسرائيل والولايات المتحدة تساهم "في الردع، وفي المحافظة على حرية الملاحة في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وبصورة غير مباشرة في الخليج العربي، وتساهم أيضا في توفير بنية تحتية لأعمال الصيانة لقوات ]أميركية[ من الممكن ان تعمل في المنطقة." وجاءت ازمة الخليج، والترتيبات الأميركية لمعالجتها، لتكشف انعدام اية صلة بين الادعاءات الواردة في الوثيقة وبين الواقع، ولتحطم الأسطورة وتنثرها هباء. وفي هذا الصدد كتب شمعون شيفر: "ان الدبابات العراقية التي اجتاحت الكويت في أوائل آب / أغسطس لم تنه استقلال الكويت وموازين القوى القائمة في الخليج فحسب، بل دفنت أيضا الأسطورة التي احب الساسة الاسرائيليون كثيرا ان يتشاغلوا بها، وهي كون اسرائيل ثروة استراتيجية للولايات المتحدة." ثم أضاف ان كل ما تبقى من الأسطورة "هو، ربما، ما يحتاج كل بهلوان اليه في السيرك: الشبكة، والمعرفة انه إذا وقعت الواقعة، ووجدت اسرائيل نفسها في وضع يهدد بقاءها، تستطيع التفكير في انه يوجد تحتها شبكة أمان لا الهاوية."(36)

أما وجهة النظر الثانية فانها تخالف هذ الرأي تماما، وتستند الى حجج خلاصتها ما يلي: أولا، ان القول بأن التعاون الاستراتيجي كان موجها ضد السوفيات أساسا هو مجرد هراء. فالولايات المتحدة كانت قادرة على تدبر امرهم من دون اسرائيل، والدليل على ذلك ان ذوبان الجليد بين موسكو وواشنطن بدأ قبل عهد غورباتشوف بفترة طويلة، وكان هناك فترات تخللها انخفاض في حدة التوتر. ومع ذلك، واصلت الولايات المتحدة رعاية اسرائيل كقوة عسكرية، وأرسلت اليها من أفضل ما عندها من أسلحة. وفي الأعوام الأخيرة فقط ـ تحديدا بعد انتهاء الحرب الباردة ـ بدأ الأسطول السادس الأميركي باستخدام ميناء حيفا؛ ثانيا، ان الشرق الأوسط مؤلف من مجتمعات اسلامية تقليدية تمر بعملية تحديث سريعة مقرونة حُكما بكثير من الغليان والعنف. وتتصارع فيه أنظمة وقوى ذات طبيعة مختلفة: تقليدية وأصولية اسلامية وقومية، وتزعزع في صراعاتها الاستقرار والأمن في المنطقة، وتهدد أمن العالم ومصالحه. كما ان الشرق الأوسط عرضة لأن تنشأ فيه "دول مجنونة"، معادية للغرب وساعية لتحقيق أهداف "متعصبة" تتجاوز حدودها. وفي وسط هذه الصورة، تمثل اسرائيل بالنسبة الى الغرب جزيرة من "التعقل والوفاء". ومن هنا تنبع اهميتها الحيوية وليس من دور متوهم لها في مقاومة الخطر السوفياتي؛ ثالثا، ان الحكم في اسرائيل، خلافا لأنظمة حكم الدول العربية، مستقر وثابت، وليس عرضة لتغييرات جذرية من شأنها ان تقلب مواقفه رأسا على عقب. "اننا ثروة استراتيجية ]للولايات المتحدة[ لأن اي مستشار للأمن القومي لن يجرؤ على ان يضمن للرئيس بوش ألا يقوم غدا او بعد غد أصولي متوقد حماسة بوراثة حسني مبارك وتحويل مصر الى ايران ثانية"، بحسب رأي حغاي سيغل المنشور في "حداشوت"، والذي هاجم فيه أصحاب الرؤية السوداوية الذين يتساءلون عما اذا كانت اسرائيل لا تزال ثروة للولايات المتحدة ام انها مجرد "وجع دماغ".(37)

وعن وجهة النظر الثالثة عبّر زئيف شيف الذي كتب في "هآرتس" قائلا ان من يحاول دفن التعاون الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة بسبب مجرى الأمور في ازمة الخليج "يختار لنفسه مهمة سهلة (...)، لكن من الخطأ إرسال الدعوة للمشاركة في جنازة هذا الترتيب المهم." لقد كان اتفاق التعاون الاستراتيجي، عند توقيعه سنة 1981، موجها فعلا، بحسب رأيه، ضد الاتحاد السوفياتي، بناء على رغبة الأميركيين. وقد حاولت اسرائيل لاحقا نقل التشديد من المواجهة مع الاتحاد السوفياتي الى المواجهة مع الدول العربية الواقعة تحت نفوذه. لكن بفعل التغييرات في العلاقات بين القوتين العظميين، بدأ التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل يفرغ من مضمونه الأصلي، فنشأت حاجة الى ملئه بمضمون جديد.

وفي هذه الأثناء، حدث تغيير مهم آخر، هو الآن ملموس أكثر من ذي قبل، وذو اثر في التعاون. فقد جعلت الأزمة التي يكابدها الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في الشرق الأوسط. "وبكلمات اخرى: بدأت واشنطن تقوم بدور القوتين العظميين في آن واحد، وتحاول الموازنة في حل المشكلات بين الدول العربية واسرائيل." وعلاوة على التعاون الاستراتيجي مع اسرائيل، عمقت واشنطن علاقاتها العسكرية بمصر والسعودية، وأجرت مناورات عسكرية مع الأردن أيضا.

وجاءت ازمة الخليج لتسرّع من وتيرة التغيرات في المعادلة الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط، وتضع تشديدا إضافيا عليها. وبسبب الدور المهم الذي تقوم السعودية ومصر به في ازمة الخليج، من الواضح انهما ستزدادان وزنا في المعادلة. ومع ذلك، يجب الانتباه الى امر مهم جدا، وهو خصوصية اسرائيل في هذه المعادلة: "ان مصر مهمة جدا، لكن هذه أولا هي مصر حسني مبارك. وأمور كثيرة فيها معتمدة على شخص واحد، ولا احد يعرف ماذا سيحدث بعده. وها هو الأردن، الذي كان دائما صديقا للولايات المتحدة وبريطانيا (...)، يقف في الجانب الآخر من المتراس." أما بالنسبة الى اسرائيل، فالوضع مختلف من أساسه: "هذا تعاون استراتيجي ثابت. وحتى الأصوليون اليهود يؤيدون الولايات المتحدة. والبنية التحتية اللوجستية التي تستطيع اسرائيل تقديمها الى الولايات المتحدة مضمونة تماما." والنتيجة: من السخف الاعتقاد ان واشنطن ستشطب اسرائيل من معادلتها الاستراتيجية للمنطقة، والمطلوب هو ملء الإِطار القديم للتعاون الاستراتيجي بين الدولتين بمضمون جديد.(38)

النزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي

لا احد تقريبا في اسرائيل، من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، يشك في ان احدى النتائج الرئيسية لأزمة الخليج ستكون وضع النزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي في مركز اهتمامات العالم بعد انتهاء الأزمة. والتقدير السائد خارج الأوساط الرسمية هو ان اسرائيل ستتعرض لضغوطات شديدة جدا لحل النزاع، وربما تصل الى حل مفروض عليها إذا لم تبد المرونة اللازمة للتوصل الى حل متفق عليه بينها وبين خصومها. ومع ذلك، لم تصدر اية إشارة عن مسؤول حكومي تشير الى استعداد للتخلي عن التصلب والمواقف الحالية. ولم يكن احد من الساسة والمعلقين مستعدا للمغامرة بالقول ان الحكومة الحالية ستغير سياستها. وبمقدار ما شغل الموضوع اهتمام الساسة والمعلقين، خلت التصريحات والكتابات من اية أفكار او مواقف او مقترحات جديدة بخصوص الحل، إنْ كان على مستوى القوى السياسية ام على مستوى الأفراد. ويكاد الأمر الجديد الوحيد يكون التنبؤ المذكور أعلاه، اي ان الحل سيكون بين الأولويات القصوى للولايات المتحدة، وانه سترافقه ضغوطات شديدة جدا على اسرائيل.

لقد ارتكزت الحملة الدعاوية الاسرائيلية، في المراحل الأولى للأزمة، على مقولة قديمة حاول المسؤولون الاسرائيليون ترويجها في السابق، ولعلهم اعتقدوا ان الفرصة ملائمة لإِعادة ترويجها من جديد، مغلفة بأزمة الخليج. قال آفي بازنر، مستشار رئيس الوزراء لشؤون الإِعلام: "لقد برهن الغزو صحة قول اسرائيل ان النزاع مع الفلسطينيين، الذي ينشغل الجميع به، ليس هو ما يهدد السلام والاستقرار في الشرق الأوسط."(39)  وقال رئيس الدولة حاييم هيرتسوغ: "في الواقع، إذا تفحصنا التطورات في الشرق الأوسط التي تهدد سلام العالم، فسوف نكتشف ان صلتها بالنزاع العربي ـ الاسرائيلي ضئيلة إجمالا." واغتنم هيرتسوغ المناسبة كي يوجه انتقادا شديدا الى الغرب لاهتمامه بالانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، فقال ان التركيز الإِعلامي على اسرائيل، وتجاهل الأمور الأخرى في الشرق الأوسط، "جعلا كل حادث إلقاء حجر في يهودا والسامرة، بفضل المبالغة في الأخبار المتلفزة، تطورا دوليا رئيسيا يبدو أحيانا انه يهدد السلام العالمي حقا."(40)  وكرر أريئيل شارون في مقالة نشرها في "يديعوت أحرونوت" الفكرة نفسها، مضيفا انه بغزو العراق للكويت، "يتخذ النزاع العربي ـ اليهودي في ارض اسرائيل حجمه الحقيقي، كمشكلة هامشية، او ثانوية في اهميتها." ولذلك ينبغي لاسرائيل "ان تشدد من دون كلل، سواء من زاوية وجودها وأمنها، او من زاوية العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة، ان المكان الصحيح لحل المشكلة اليهودية (التي ليست في حد ذاتها سوى (مشكلة) قيام اسرائيل كدولة يهودية) هو في ادنى سلم الأولويات."(41)  وهذا هو، في الحقيقة، بيت القصيد في الحملة الدعاوية كلها.

وقد يكون شارون اعتقد حقا ان في الامكان إبقاء النزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي، بعد ان طغت ازمة الخليج عليه " في ادنى سلم الأولويات" الدولية،  وقد لا يكون قد اعتقد ذلك، لكن الأكيد هو ان عددا قليلا جدا من الاسرائيليين كان مستعدا للاتفاق معه في هذا الرأي. وحتى قبل ان يربط العراق حل ازمة الخليج سلما بحل النزاعات الأخرى في المنطقة، وقبل ان يقترح الاتحاد السوفياتي مؤتمرا دوليا للسلام لمعالجة جميع النزاعات في المنطقة معا، وقبل ان تصرح الولايات المتحدة ان حل النزاع العربي ـ الاسرائيلي والمشكلة الفلسطينية سيكون في أعلى سلم الأولويات للجهود الدولية بعد حل ازمة الخليج وتضمِّن ذلك في البيان الختامي لقمة هلسنكي ـ حتى قبل ذلك كله، ادركت أغلبية الساسة والخبراء في اسرائيل ان واقع التحالفات الجديدة (الأميركية ـ العربية والأميركية ـ الدولية) ومنطقها لحل أزمة الخليج، ومنطق الترتيبات الأمنية المتداولة للمنطقة في فترة ما بعد الحل، تفرض توجها حثيثا نحو ايجاد حل للنزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي، سواء رغبت اسرائيل في ذلك او لم ترغب، وأن هذا الحل قد لا يكون منسجما مع تصورات الحكومة الاسرائيلية الحالية.

قال يوسي ساريد، وهو من اقصى اليسار: "لا توجد تأييدات مجانية، وعندما يستقر الغبار سنرى جميعا الدولتين العظميين، مع مصر وسوريا والأردن والعربية السعودية، في مبادرة سياسية منسّقة في وجه اسرائيل."(42)  وقال عوزي لنداو، وهو من أبرز المتصلبين في الليكود: "عندما تنتهي الأزمة ستكون اسرائيل الهدف التالي لكل الاتفاقات الدبلوماسية والدولية التي تم التوصل اليها."(43)  وقالت غيئولا كوهين، وهي من اقصى اليمين: "ان ضبط النفس الذي تطلبه الولايات المتحدة منا يمكن ان يصبح فخا إذا لم نطلب منذ الآن تعهدا سياسيا من الولايات المتحدة (...) بأننا لن ندفع بعملة اسرائيلية ثمن الائتلاف الحالي بين الولايات المتحدة ومصر وسوريا."(44)  وتوقع رابين، بعد زيارة لواشنطن قابل فيها مسؤولين في أعلى المستويات، ان تبدأ فور حل ازمة الخليج، وفي إطار ما يسميه بوش وغورباتشوف "النظام العالمي الجديد"، عملية سياسية مكثفة "بهدف نزع فتيل الألغام الأخرى في المنطقة، وفي مقدمها الحرب غير المنتهية في لبنان والنزاع الاسرائيلي ـ العربي / الفلسطيني."(45)

وشرح الخبراء ي فيض من الكتابات الأساس الذي تقوم هذه التوقعات عليه. ويمكن تلخيص شروحات الخبراء بما يلي:

أولا، ان ازمة الخليج قد حولت مسألة "النظام العالمي الجديد" (والنظم الاقليمية الفرعية) لفترة ما بعد الحرب الباردة، من مسألة نظرية موضوعة على نار هادئة الى مسألة عملية ملحة تتطلب جهدا عاجلا لمعالجة أمرها. وقد كتب يئير عفرون في "هآرتس": "ان ردة الفعل السريعة والقوية تبرهن على ان الولايات المتحدة قدرت ان خطوة صدام تخلق تهديدات واسعة للمصالح الأميركية، وللمصالح العالمية أيضا. وسيكون من الخطأ التقدير ان الخطوة الأميركية نبعت في البداية من اعتبارات الدفاع عن المصالح النفطية فقط." وتابع عفرون القول انه منذ المرحلة الاولى للأزمة تخوفت الولايات المتحدة من زيادة الفوضى في العالم. وإذا كان هذا الاعتبار لم يتضح في بداية الخطوات الأميركية، فانه اخذ لاحقا يحتل أكثر فأكثر موقعا مركزيا في اعتبارات واشنطن. وقد كان من أهداف الدعوة الى قمة هلسنكي بين بوش وغورباتشوف البحث في "النظام العالمي الجديد"، وبلورة توجهات مشتركة بخصوص ترتيبات أمنية وسياسية إقليمية، ستصبح في المستقبل جزءا من النظام العالمي. وهدف هذه الترتيبات "هو زيادة الاستقرار وتقليل أخطار الحرب واللجوء الى العنف بين الدول." واسرائيل، بصفتها احدى الدول القوية والداخلة في نزاعات مع جيرانها في المنطقة، لا يمكن تركها خارج هذه الترتيبات، ومن الصعب في الوقت نفسه تصورها داخلها من دون حل النزاع بينها وبين الدول العربية.(46)

ثانيا، سواء انتهت ازمة الخليج سلما او حربا، فان الدول العربية التي تحالفت مع الولايات المتحدة ستضغط بشدة من أجل ايجاد حل للنزاع الفلسطيني / العربي ـ الاسرائيلي. وفي هذا الشأن كتب دان أفيدار في "دافار": "من المهم ان نلاحظ ان صدام حسين نجح خلال الأزمة في تصوير المشكلة الفلسطينية والنزاع العربي ـ الاسرائيلي بأكمله رمزا للخضوع العربي للغرب وبخاصة الولايات المتحدة." وتابع قائلا انه اذا انتهت الأزمة سلما فان صدام حسين سيسعى لأن يبرهن للجماهير العربية ان خطوته كانت لتحرير العرب من الاستغلال الغربي وتحرير الفلسطينيين من نير اسرائيل. "ولن يستطيع منافسوه من القادة العرب السماح لأنفسهم، ولن يرغبوا في التخلف عنه بخصوص إيجاد حل للنزاع، وسيلقون بكل ثقلهم من أجل ذلك." وإذا انتهت الأزمة بحرب، "فانه لن يكون أمام قادة، مثل مبارك وفهد، من خيار سوى خوض معركة سياسية حادة في مصلحة الفلسطينيين، من أجل الحؤول دون هزات كبيرة في العالم العربي، ومن أجل البرهنة للجماهير العربية في جميع أنحاء العالم العربي انه بتعاونهم مع الولايات المتحدة ضد صدام حسين فعلوا الشيء الصحيح."

ومن ناحية الولايات المتحدة، سيحكم موقفها ثلاثة عوامل: أولها "الرغبة (والضرورة) في البرهنة للحكام العرب على ان هناك أجرا للتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة." وإذا كان يساور قلوب حلفائها العرب قلق على مصير الفلسطينيين، فانها مستعدة للمساهمة بكل قوتها في حل هذه المسألة؛ وثانيها مستقبل الولايات المتحدة ومكانتها في الشرق الأوسط، وهنا سترغب واشنطن في ان تبرهن للرأي العام العربي ان المعركة ضد زعيم عربي (صدام حسين) كانت استثناء وضرورة، ولا ينبغي استخلاص نتيجة مماثلة فيما يتعلق بموضوع النزاع العربي ـ الاسرائيلي؛ وثالثها الرغبة في تفادي تشكل بؤرة اشتعال جديدة / قديمة من شأنها ان تخلق اضطرابات ليس في المنطقة المتاخمة لاسرائيل فقط، وانما الشرق الأوسط كله، بما في ذلك منطقة الخليج الغنية بالنفط.(47)

ثالثا، لقد اضعفت تطورات ازمة الخليج مكانة اسرائيل بصفتها حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة، وأبرزت حدود قوتها، وبالأساس قدرتها على الاندماج في خطوات على مستوى المنطقة، بعد ان كانت التطورات الدولية قد ألغت مكانتها فيما يتعلق بالخطر السوفياتي. وفي المقابل، تحسنت مكانة مصر والسعودية، ودخلت سوريا على الخط. وهذا سيجعل الولايات المتحدة أقل استعدادا لمراعاة تعنت اسرائيل، وأكثر استعدادا للضغط عليها.

ومحصلة هذه العوامل، بحسب رأي الخبراء الاسرائيليين، وكما صاغها شموئيل سيغف في مقالة أرسلها من نيويورك ونشرتها صحيفة "دافار"، هي ان "من الممكن ان نجد ]اسرائيل[ نفسها ]بعد انتهاء ازمة الخليج[ في مواجهة مع الادارة الأميركية اشدَّ كثيرا مما كانت عليه قبل غزو العراق للكويت. وقد أظهر بوش، بمعالجته الحثيثة للأزمة العراقية، حزما فيما يتعلق بالقرار والتشبث بالهدف. ويقول مسؤولون أميركيون ان بوش سيظهر الحزم نفسه تجاه اسرائيل."(48)

إذًا، ماذا يتعين على اسرائيل ان تفعل؟ وهنا الصورة العامة حرفيا ومن دون ادنى مبالغة : كلٌّ في مرابعه القديمة، يغني لليلاه، ولا يحوله عنها انس ولا جنّ. من كان يدعو الى قبول خطة بيكر جدد الدعوة الى ذلك (المعراخ)، ومن كان ينادي بقمع الانتفاضة بمنتهى العنف قال ان ازمة الخليج تقدم فرصة للإِقدام على ذلك (هتحيا)، ومن كان يدعو الى ترحيل الفلسطينيين من المناطق المحتلة ادعى انه في ضوء أخطار الأزمة ينبغي عدم السماح ببقاء "طابور خامس في ارض اسرائيل" (موليدت)، ومن كان يدعو الى تنازلات واسعة من أجل السلام اوضح ان الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية في المنطقة يقدم الى اسرائيل فرصة تاريخية لتحقيق السلام والاندماج في الشرق الأوسط (اليسار).

لكن، ما يهم أساسا هو موقف الليكود، الحزب الحاكم وصاحب القرار. وقد أعلن هذا بلسان زعيمه رئيس الحكومة انه لا يشعر برياح (سلمية) جديدة تهب في المنطقة، و "لا حاجة الى تغيير في مواقفنا الأساسية ومبادئنا"، ويمكن فقط "الأخذ في الاعتبار تغييرات تكتية."(49)  كما أعلن بلسان وزير الاسكان أريئيل شارون الذي كتب ان الأمن هو الأساس، والكل، وأن للسلام قيمة بشرط أن يخدم الأمن، ولا يمكن ان يتحقق مع اية دولة عربية إلا بتحقق شرطين: "تغير النظام فيها من نظام توتاليتاري الى نظام ديمقراطي حقيقي على الطريقة الغربية"، و "تجريدها من كل قدرة هجومية تهديدية عن طريق عملية نزع سلاح ملائمة."(50)

 

(1)  "دافار"، 6/8/1990. وقد ذكرت الصحيفة ان ممثلي الاستخبارات الاسرائيلية بلّغوا الحكومة، في جلستها بتاريخ 5 آب / أغسطس 1990، ان زملاءهم في الغرب توقعوا عملية عراقية محدودة، وفوجئوا بحجم العملية التي نفذت وتوقيتها.

(2)  موطي بسوك، "عال همشمار"، 5/8/1990.

(3)  "عال همشمار"، 8/8/1990.

(4)  "يديعوت أحرونوت"، 3/8/1990.

(5)  "هآرتس"، 3/8/1990.

(6)  "يديعوت أحرونوت"، 10/8/1990.

(7)  "هآرتس"، 3/8/1990.

(8)  "دافار"، 23/8/1990.

(9)  "عال همشمار"، 12/8/1990.

(10)  "يديعوت أحرونوت"، 31/8/1990.

(11)  "حداشوت"، 17/8/1990.

(12)  "هآرتس"، 10/8/1990.

(13)  "يديعوت أحرونوت"، 10/8/1990.

(14)  "هآرتس"، 10/8/1990.

(15)  المصدر نفسه.

(16)  ساره هيلم، "أندبندنت"، 21/9/1990؛ وانظر أيضا: عماد شحاده، "ميدل إيست ميرور"، 21/9/1990، ص 9.

(17)  "جيروزالم بوست"، 17/8/1990.

(18)  "يديعوت أحرونوت"، 24/8/1990.

(19)  "ميدل إيست ميرور"، 28/8/1990، ص 3.

(20)  "أندبندنت"، 1/10/1990.

 (21)  المصدر نفسه.

(22)  "عام همشمار"، 6/8/1990.

(23)  "يديعوت أحرونوت"، 24/8/1990.

(24)  المصدر نفسه.

(26)  دافيد هوروفيتس، "أندبندنت"، 1/10/1990.

(27)  "هآرتس"، 22/8/1990.

(28)  "عال همشمار"، 16/8/1990.

(29)  "دافار"، 6/8/1990.

(30)  المصدر نفسه، 17/8/1990.

(31)  "يديعوت أحرونوت"، 19/9/1990.

(32)  المصدر نفسه.

(33)  المصدر نفسه.

(34)  "ميدل إيست ميرور"، 18/9/1990، ص 3.

(35)  "هآرتس"، 15/8/1990.

(36)  "يديعوت أحرونوت"، 10/8/1990.

(37)  "حداشوت"، 17/8/1990.

(38)  "هآرتس"، 24/8/1990.

(39)  "عال همشمار"، 3/8/1990.

(40)  "جيروزاليم بوست"، 17/8/1990.

(41)  "يديعوت أحرونوت"، 10/8/1990.

(42) "دافار"، 21/8/1990.

(43)  المصدر نفسه، 16/8/1990.

(44)  المصدر نفسه، 21/8/1990.

(45)  "يديعوت أحرونوت"، 19/9/1990.

(46)  "هآرتس"، 7/9/1990.

(47)  "دافار"، 17/8/1990.

(48)  المصدر نفسه، 20/8/1990.

(49)  "يديعوت أحرونوت"، 19/9/1990.

(50)  المصدر نفسه، 10/8/1990.

اقرأ المزيد