حقيقة الصراع في الليكود قبل انهيار حكومة الوحدة الوطنية
كلمات مفتاحية: 
حزب الليكود
الأحزاب السياسية الإسرائيلية
نبذة مختصرة: 

يتناول المقال مسألة الصراعات داخل حزب الليكود قبل انهيار حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل، ويحاول إلقاء الضوء على بنية الحزب و مركز اتخاذ القرار فيه، ووظيفة المعسكرات القيادية داخله، ونمط العلاقات في ما بينها، وخصائص التشكيلة القيادية التي تتولى زمام أموره. ويخلص المقال إلى أن الصراع داخل الليكود في تلك الفترة لم يكن مصدره مبادرة السلام الإسرائيلية، ولكن وجود معسكرات غير رسمية تتنافس على مواقع القوة و النفوذ. ويرى إن معركة الزعامة داخل الحزب لم تحسم بعد وأنها ستتجدد في وقت لن يكون بعيداً.

النص الكامل: 

منذ إقرار الحكومة الإسرائيلية مبادرتها الخاصة بالسلام في ١٤ أيار / مايو ١٩٨٩ حتى سقوط هذه الحكومة بحجب الثقة عنها في الكنيست في ١٦ آذار / مارس ١٩٩٠، عاش كثيرون في مختلف الأوساط السياسية (محليًا ودوليًا) في وهم كبير خلاصته أنَّ الليكود يمكن أنْ يُقدم على التقدم نحو سلام حقيقي مع الفلسطينيين. وقد كان ضمن العوامل التي ساعدت في توليد هذا الوهم الصراع العنيف الذي دار داخل الليكود بين زعيم الحزب رئيس الحكومة يتسحاق شمير، الذي نسبت إليه المبادرة، وبين خصومه الأقوياء، أريئيل شارون ودافيد ليفي ويتسحاق موداعي، الذين ادَّعوا أنَّ المبادرة ستؤدِّي إلى إرغام إسرائيل على التفاوض مع م. ت. ف. ويمكن أنْ تؤدي، في نهاية المطاف، إلى قيام دولة فلسطينية في المناطق المحتلَّة. فقد أوجد هذا الصراع انطباعًا بوجود تصورين داخل الليكود لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي: يمثل أولهما شمير والعناصر الملتفة حوله، ويمثل الثاني الثلاثي شارون – ليفي – موداعي، وأنَّ التصور الأول قد ينطوي على إمكان السير نحو تلبية المطاليب الفلسطينية الأساسية. وربما ساهم في نشر الوهم أيضًا التكتيك الذي اتبعه شمير في التعامل مع المساعي الأميركية لإخراج المبادرة الإسرائيلية إلى حيز التنفيذ، وما تردد عن وجود مجموعة براغماتية ذات وزن في زعامة الليكود مستعدة للتعامل مع المتغيرات في المنطقة (فلسطينيًا وعربيًا)، وفي العالم من خلال ذهنية أكثر مرونة وأكثر انفتاحًا على الواقع.

إنَّ هذا الوهم قد تلاشى، عمليًا، مع انهيار حكومة الوحدة الوطنية، بعد أنْ رفض شمير التجاوب مع المطلب الأميركي بمشاركة مبعدين من المناطق المحتلَّة وممثلين عن القدس العربية في الوفد الفلسطيني إلى محادثات القاهرة المقترحة في "خطة بيكر"، وبإقدامه على تأليف حكومة يمينية – دينية مغرقة في التطرف في إثر فشل زعيم حزب العمل شمعون بيرس في تأليف حكومة بزعامة المعراخ. ومع تلاشي هذا الوهم، ووجود حكومة يمينية شديدة التطرف في سدة الحكم في إسرائيل، تقف المنطقة على أعتاب وضع ينذر بالشؤم، وتعيد كل الأطراف حساباتها.

وما يلي هو محاولة لإِلقاء ضوء على حقيقة أمر الصراعات داخل الليكود قبل انهيار حكومة الوحدة الوطنية، من خلال تفحُّص بنية الحزب ومركز اتِّخاذ القرارات فيه، وطبيعة المعسكرات القائمة في داخله، ونمط العلاقات فيما بينها، وخصائص التشكيلة القيادية التي تتولَّى زمام أموره.

 بين عهدين

أصبح الليكود حزبًا موحَّدًا منذ سنة ١٩٨٥، بعد أنْ قرَّرت القوى السياسية التي يتشكَّل منها، وهي حيروت والأحرار و"لعام"، حل نفسها والاندماج في حزب موحَّد. ومثلما كان حيروت هو الحزب المهيمن والسائد في الليكود قبل الاندماج، ظلَّ كذلك بعده، وظلَّت وحدة "أرض – إسرائيل" الكاملة هي الفكرة المركزية في برنامجه السياسي، والرباط المتين الذي يشد عناصره بعضها إلى بعض. وفي إطار ترجمة قرار التوحيد، تمَّ في تلك السنة دمج أعضاء الكنيست من الأحزاب الثلاثة في كتلة موحَّدة، وأضيف ٨٧ من أعضاء حزب "لعام" إلى اللجنة المركزية لحزب حيروت. لكن إضافة الحصة المقرَّرة لحزب الأحرار (وهي كما استقرَّت لاحقًا ٦٠٠ عضو) لم تتحقق إلَّا بعد أعوام بسبب معارضة معسكر ليفي داخل حيروت ذلك، خوفًا من أنْ يؤدي الأمر إلى تغيير موازين القوى في غير مصلحته في مؤتمر حزب حيروت الذي كان من المقرر عقده أوائل سنة ١٩٨٦.

إنَّ حزب حيروت، العمود الفقري لليكود، متحدِّر فكريًا كما هو معروف من مدرسة جابوتنسكي، زعيم الحركة الصهيونية التصحيحية، وتنظيميًا من صلب منظمة الإيتسل الإرهابية، التي قامت على النظام والطاعة، والخضوع المطلق لسلطة الزعيم. وقد كانت هذه، على وجه العموم، هي صورة الحزب في ظل زعامة بيغن حتَّى اعتزاله الحياة السياسية سنة ١٩٨٣ – حزب منضبط، موحد الصفوف، على رأسه زعيم راسخ المكانة، يستقطب ولاء أعضاء الحزب وقاعدته الانتخابية، وكلمته هي الفصل في تقرير خط الحزب السياسي وقراراته الأساسية. لقد كان الحزب خليطًا متنافرًا من الأغنياء والميسورين والمحرومين، ومن الأشكنازيين وأبناء الطوائف الشرقية، يجمعه الولاء العام لفكرة "أرض – إسرائيل" الكاملة، والإِعجاب بشخصية الزعيم. وقد كانت قاعدته الحزبية والانتخابية، منذ البداية وأصبحت كذلك أكثر فأكثر بمرور الوقت، مشكلة في أغلبيتها من أبناء الطوائف الشرقية المتدنية الدخل والثقافة والمكانة الاجتماعية، بينما كانت زعامته أشكنازية، وتضم في صفوفها عددًا من كبار أغنياء البلد. لكن شخصية بيغن الطاغية غطَّت على كل التناقضات، وحالت دون بروزها. وكان الولاء له في صفوف الحزب كبيرًا بحيث لم يجرؤ سوى قلة نادرة، في فترات متباعدة، على معارضته. وقد انتهت هذه القلة بأنْ وجدت نفسها خلال فترة قصيرة خارج الحزب.

تغيرت صورة الحزب كثيرًا بعد اعتزال بيغن الحياة السياسية وتولي يتسحاق شمير رئاسة الحكومة (ولاحقًا الحزب) خلفًا له. فبدلًا من الحزب الموحد الصفوف، المنضبط، المتماسك، تتصارع الآن داخله معسكرات بشأن المراكز والنفوذ، تغير تحالفاتها بحسب الوضع، وبحسب المنفعة. وبدلًا من الزعيم "السلطوي"، المسموع الكلمة، والحائز على ولاء أعضاء الحزب وجمهوره الانتخابي، يقف على رأسه زعيم باهت الشخصية، مطعون في زعامته، وعاجز عن فرض آرائه وتصوراته. وبدلًا من المؤسسات المنتخبة وفقًا لدستور الحزب، التي تعمل بانتظام، وإنْ يكن تحت عين الزعيم الساهرة ورهن مشيئته، تبدو صورته التنظيمية مهترئة، وآلية اتِّخاذ القرارات فيه (والمصادقة عليها) مضطربة، وعرضة للديماغوجية والشلل. وتكفي نظرة سريعة إلى تاريخ الحزب في الأعوام الأخيرة لإيضاح المقصود، والإشارة إلى مصادر الخلل.

 مؤتمر آذار / مارس ١٩٨٦

كان مؤتمر آذار / مارس ١٩٨٦ أول مؤتمر منتخب لحزب حيروت بعد اعتزال بيغن الحياة السياسية، وكان من المفروض أنْ يؤدي إلى انتخاب الهيئات القيادية، وتثبيت صورة الزعامة الجديدة، وصوغ القواعد الإجرائية التي تتيح لهذه الزعامة أنْ تعمل بانسجام وتتخذ القرارات بصورة ديمقراطية. لكن، في الطريق إلى المؤتمر، تشكلت أربعة معسكرات تمثل قوى سياسية واجتماعية متميزة، ويقف على رأس كل منها زعيم يطمح إلى زعامة الحزب، ويعتبر حصوله وحصول أنصاره على أفضل وأكثر ما يمكن من المناصب الحزبية والعامة ومراكز القوة والنفوذ مسألة حيوية لمستقبله السياسي: معسكر يتسحاق شمير، ومعسكر موشيه آرنس، ومعسكر دافيد ليفي، ومعسكر أريئيل شارون.

تَشَكَّلَ معسكر شمير، في الأساس، من بقايا "العائلة المحاربة"، أعضاء الحركة السرية الإرهابية في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، الذين شكلوا نواة الحزب الصلبة. وقد أيدوا شمير باعتباره واحدًا منهم، ولثقتهم المطلقة به من ناحية ولائه للحزب ولفكرة "أرض – إسرائيل" الكاملة. ويمكن اعتبار معسكر شمير ممثلًا لـ"المؤسسة الحزبية" القديمة التي تحكمت في مقاليد الأمور في الحزب تحت زعامة بيغن، والتي هي أشكنازية في أغلبيتها، وباتت تمثل أقلية داخل الحزب، وترمز إلى الماضي أكثر مما ترمز إلى المستقبل.

أمَّا معسكر آرنس فتَشَكَّلَ، في الأساس، من شريحة من الجيلين الثاني والثالث في الحزب، متعلمة وميسورة إجمالًا، وتتمتع بقدر كبير من الكفاءة المهنية والسياسية، وأكثر انفتاحًا بحكم ثقافتها ووضعها الاجتماعي على لغة العصر ومتطلبات الواقع السياسي. وهي طبعًا أشكنازية في معظمها، وقد وصل ممثلوها البارزون إلى مواقعهم القيادية في الحزب والحكم في ظل وجود الليكود في السلطة، وساعد قسم منهم تحدّرهم من آباء قاموا بدور بارز في الحركة السرية الإرهابية ولاحقًا في الحزب. ومن هنا أطلقت الصحافة الإسرائيلية عليهم تسمية "الأمراء". ويمثل معسكر آرنس تلك القوى في الليكود التي تدعو إلى تخفيف الصبغة اليمينية المتهورة التي اصطبغ الحزب بها بحكم أيديولوجيته وتاريخه السياسي وإلى إكسابه مسحة من الاعتدال، وذلك لتوسيع قاعدته الجماهيرية وزيادة جاذبيته الانتخابية. لكن من دون أنْ يعني ذلك إضعاف فكرة الولاء لـ "أرض – إسرائيل" الكاملة، إذ يضم هذا المعسكر بين صفوفه عددًا من أبرز "صقور" إسرائيل، ومنهم آرنس نفسه.

وقد تحالف معسكرا شمير وآرنس أحدهما مع الآخر وفي وقت مبكر، وأصبحا بمرور الوقت يشكلان معسكرًا واحدًا، يشار إليه عادة باسم معسكر شمير – آرنس.

أمَّا معسكر دافيد ليفي فتشكل، في الأساس، من أفراد الطوائف الشرقية في الحزب، الذين باتوا يشكلون أغلبية في قاعدة الحزب وفروعه وجمهوره الانتخابي، لكن تمثيلهم في مؤسسات الحزب والمناصب الحزبية والعامة ظل أقل كثيرًا من وزنهم. وقد التفوا حول ليفي، ممثلهم الأبرز في الحزب، على أمل أنْ يؤدي الفراغ في الزعامة الناجم عن اعتزال بيغن إلى إعادة خلط الأوراق في مختلف المستويات وحصولهم على نسبة أكبر من التمثيل والمناصب والنفوذ.

وأمَّا معسكر شارون فقد تشكَّل أساسًا من أولئك الأعضاء في حيروت الذين استهواهم ماضيه العسكري، وديناميته، والهالة الكاريزماتية المحيطة به، وآراؤه الأكثر تطرفًا من سياسات زعامة الحزب، المقيدة بقيود حكومة الوحدة الوطنية. والتف حوله أيضًا المتذمرون من شمير وليفي لسبب أو لآخر. ويشتمل هذا المعسكر في صفوفه على خليط من الأشكنازيين والشرقيين، والأغنياء والمحرومين.

وقد تحالف معسكرا ليفي وشارون بدورهما عشية انعقاد المؤتمر، لكن التحالف بينهما لم يستمر طويلًا وانفرط عقده بعد انفضاض المؤتمر.

وقد قدر معظم المراقبين قوة المعسكرات في مؤتمر الحزب على النحو التالي: معسكر شمير – آرنس ٤٥٪ –٥٠٪، ومعسكر ليفي ٣٥٪ –٤٠٪، ومعسكر شارون ١٥٪.

لقد مثل تشكيل المعسكرات، في حد ذاته، مؤشرًا على حجم الفراغ في الزعامة الذي تركه انسحاب بيغن من حياة الحزب. ودلَّت الصراعات العنيفة التي دارت بينها صراحة، بشأن التمثيل في المؤسسات واقتسام المناصب، على عجز شمير الكامل عن ملئه. وقد سبق المؤتمر نزاع في شأن مسألتين احتاج حله إلى تدخل المحكمة العليا للحزب. فقد اعترض معسكر شمير – آرنس، قبل انتخاب المندوبين للمؤتمر، على عضوية ١٢ ألف عضو في الحزب، معظمهم من مؤيدي ليفي، بحجة أنَّ أوراق عضويتهم مزورة، واضطر ليفي إلى تقديم استئناف إلى محكمة الحزب لإِلغاء الاعتراض. وقد قررت المحكمة إجازة صحة عضوية ٣٥٠٠ فقط. وفي المقابل، اعترض معسكر ليفي – شارون على قرار لشمير – آرنس، استصدرا موافقة من اللجنة المركزية للحزب عليه، بإضافة ٤٥٠ عضوًا إلى المؤتمر بالتعيين. وقد رفع ليفي وشارون استئنافًا إلى محكمة الحزب ضد القرار، وحكمت هذه بإضافة ١٩١ عضوًا فقط. لكن حل هذين النزاعين لم يؤدِّ إلى تحسين الأجواء، وفشل شمير في إقناع أنصاره وزعيمي المعسكرين الآخرين بالتفاهم على اقتسام المناصب الرئيسية المتنازع في شأنها، وعلى موازين القوى في اللجنة المركزية التي كان من المفروض أنْ ينتخبها المؤتمر، والتي تشكل السلطة العليا في الحزب بين دورات المؤتمر، وتنتخب المكتب السياسي.

وهكذا عُقد المؤتمر، المشكل من نحو ألفي مندوب، في أجواء صراع حامية، وكانت القضية الوحيدة التي تداولها، بعد استماعه إلى كلمات الافتتاح، هي شغل ثلاثة مناصب رئيسية: رئيس المؤتمر، ورئيس لجنة المندوبين التي تتمتع بصلاحية تعيين المندوبين الإضافيين للمؤتمر، ورئيس اللجنة الدائمة للمؤتمر. وكانت النتيجة التي أسفر عنها أسوأ مما توقعه الجميع.

تنافس على المنصب الأول (رئيس المؤتمر) من طرف معسكر شمير – آرنس موشيه كتساف، ومن طرف معسكر ليفي – شارون إلياهو بن إليسار، وأسفرت نتيجة التصويت عن فوز كتساف بأغلبية ٩٣٠ صوتًا في مقابل ٨٧٦ حصل خصمه عليها. وتنافس على المنصب الثاني (رئيس لجنة المندوبين) من طرف معسكر شمير – آرنس بنيامين بيغن (ابن مناحم بيغن)، ومن طرف معسكر ليفي – شارون أريئيل شارون، وأسفرت النتيجة عن فوز شارون بأغلبية ١٠٨٢ صوتًا في مقابل ٨٥٦ لمنافسه. وتنافس على المنصب الثالث والأهم (رئيس اللجنة الدائمة للمؤتمر) موشيه آرنس ودافيد ليفي. وكان من شأن الفائز فيه، بالإضافة إلى كسبه موقع قوة شديد الأهمية في الحزب، أنْ يكتسب مبدئيًا صفة الرجل الثاني في الحزب والوارث العتيد لرئاسته. ولم يكن من المؤكد، في ضوء نتيجة التصويت على المنصبين السابقين، التي دلَّت على ميوعة الالتزام داخل المعسكرات، معرفة من منهما سيكون الفائز. وهكذا توتَّرت الأجواء، وبدلًا من أنْ تأخذ المنافسة مجراها، غرق المؤتمر في سيل من المناورات والمشاحنات، وحدثت المفاجأة. فبدلًا من إجراء التصويت، تفجَّر المؤتمر، وانفضَّ من دون الاتِّفاق على موعد لعودته إلى الانعقاد. وقد حمَّل زعماء المعسكرات بعضهم البعض مسؤولية تفجير المؤتمر، وتبادلوا الاتِّهامات العلنية، وظلَّ النزاع بينهم مستمرًّا على المستوى الحزبي حتَّى انعقاد المؤتمر التالي للحزب، بعد عام، في إثر قرار من محكمة الحزب العليا بضرورة عقده.

لماذا تفجَّر المؤتمر، ومن المسؤول عن تفجيره؟ سؤال لم يعد مهمًا الآن، والأهم ما كشف المؤتمر وتفجُّره عنه من حقائق:

            - إنَّ شمير فشل في تثبيت زعامته، وإنَّ سلطته في الحزب مهزوزة.

            - إنَّ المعسكرات في الحزب هي الحقيقة الأبرز، وإنَّ الصراعات بينها هي، في الأساس، صراعات في شأن القوة والنفوذ.

            - إنَّ زعماء المعسكرات يعتبرون شمير زعيمًا موقتًا، ويتوقعون نشوب حرب وراثته في أمد ليس بعيدًا، ومن هنا سعيهم للوصول إلى مراكز تضمن لهم نقطة انطلاق متفوقة على خصومهم.

            - إنَّ السلطة العليا في الحزب – وهي المؤتمر – عاجزة عن احتواء الصراعات، وإنَّ مراكز القوة فيه هي القوى الصلبة للمعسكرات، وعندما تصطرع هذه بعضها مع بعض، يمكن أنْ يصبح المؤتمر ضحية لها، بل يتحول بدوره إلى مجموعات ديماغوجية تفاقم المشكلات بدلًا من حلها.

            وهي حقائق ستعاود الظهور، على خلفية مختلفة وبصورة مختلفة قليلًا، بعد أربعة أعوام في اجتماع اللجنة المركزية لليكود في شباط / فبراير ١٩٩٠ لحسم الخلاف بين شمير وخصومه بشأن "خطة بيكر".

            هذا على مستوى السطح، المستوى السياسي. لكنْ ماذا بشأن المستويات الأعمق؟ ما مغزى الصراع على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، وهل هناك بعد أيديولوجي له؟ وهنا قد يكون من الأفضل إلقاء نظرة على رأي الخبراء الإسرائيليين الذين عنوا بالتعليق على المؤتمر.

            الأستاذ أبراهام بريخت، جامعة حيفا: "لقد نال الليكود دائمًا، من الناحية الانتخابية، تأييد الطوائف الشرقية (٧٠٪). وطوال المدة التي كان بيغن فيها رئيسًا للحركة، لم يكن هناك أي طعن في زعامته، ورأت الطوائف الشرقية في قيادته وفي أيديولوجية حيروت تعبيرًا عن تطلعاتها. واليوم، إذ لا توجد قيادة غير مطعون فيها، ولم يأت زعيم كاريزماتي بدلًا منها، هناك مطالبة بترجمة الدعم الانتخابي الذي قدمته الطوائف [الشرقية] أيضًا إلى لغة القيادة والتمثيل السياسي. هناك ببساطة رغبة... في إشغال المناصب وفقًا للتمثيل."(1)

الأستاذ سامي سموحا، جامعة حيفا، في شأن البُعد الطائفي أيضًا: "من الواضح أنَّه كان للمؤتمر بعد طائفي صريح، ومن الواضح أنَّ البنية الكتلوية ليست متوازية من هذه الناحية. إنَّ أكثرية مؤيدي ليفي من الطوائف الشرقية، وأكثرية مؤيدي شمير هما من الأشكنازيين."(2)   وبالإضافة إلى ذلك – بُعد أيديولوجي: "إنَّ أصحاب الالتزام الأيديولوجي بأرض إسرائيل الكاملة يأتون، في معظمهم، من معسكر شمير، بينما لا يوجد أصحاب التزام كهذا في معسكر ليفي. ويخشى معسكر شمير ألَّا يكون هناك من يصدّ الخطر، ذلك بأنَّ أتباع ليفي لم ينشأوا في أحضان بيتار ولم يتربوا على تعاليم جابوتنسكي."(3) 

الكاتب في صحيفة "عال همشمار"، تسفي تيمور – بُعد طبقي: "كانت التناقضات داخل حركة حيروت، على الصعيد الاقتصادي – الاجتماعي، مكشوفة وواضحة منذ زمن بعيد. لا يوجد أي شيء مشترك بين كوهين – أورغاد من جهة، وبين ليفي وشماي من جهة أخرى. فالأول يمثل المؤسسة الاقتصادية، في حين يمثل الآخران الطبقات الاجتماعية ذات الدخل المتدني، التي تتمتع بتطلعات قوية. وهناك توتر دائم بين هذين الجناحين، اللذين حافظت شخصية بيغن على التوازن بينهما. غير أنَّ بيغن استند في زعامته إلى شريحة عريضة أشكنازية في أغلبها، في حين كان تمثيل الطبقات الشعبية [في الحزب] ضئيلًا... إنَّ الطبقات التي شكَّلت دائمًا أغلبية في الحزب... حملت التحرر على محمل الجد وتريد نصيبها من السلطة الفعلية في الحزب."(4) 

وبينما يستطيع المرء أنْ يوافق بسهولة على ما ورد أعلاه في شأن البعدين الطائفي والطبقي للصراع، فإنَّه لا يسعه إلَّا التحفظ إزاء ما ورد بشأن البعد الأيديولوجي. صحيح أنَّ أتباع ليفي "لم ينشأوا في أحضان بيتار ولم يتربوا على تعاليم جابوتنسكي"، لكنهم، لاعتبارات لا مجال هنا لخوضها، لا يبدون أقل تطرفًا من أتباع المعسكرين الآخرين فيما يتعلق بضم المناطق المحتلَّة إلى إسرائيل والاستيطان المكثف فيها؛ ويؤكد ذلك الاستقصاءات المتتالية ونمط الأحزاب التي واظب أفراد الطوائف الشرقية على منحها أصواتهم في الانتخابات العامة منذ أوائل السبعينات. ويظل أكثر صحة تأكيد الكاتب شلومو غروس، الذي يكتب في صحيفة "هآرتس" باسم بولس، أنَّه من "ناحية أيديولوجية لا يوجد هناك ما يختلفون في شأنه."(5) 

 هدوء مدفوع الثمن

بعد عام من المشاحنات وتبادل الاتهامات علانية التي أضرت كثيرًا بصورة الحزب، وبعد قرار من محكمة الحزب العليا بضرورة عقد مؤتمر آخر للحزب، تم الاتفاق بين الزعماء على عقد المؤتمر في ٢٩ آذار / مارس ١٩٨٧، وتمكنوا عشية انعقاده من الاتفاق على حل لتقاسم المناصب الرئيسية، يضمن لشمير رئاسة الحزب (وضمنا رئاسة الحكومة)، ولكل من زعماء المعسكرات الأخرى منصبًا يضعه في موقع متكافىء مع الآخرين لتعزيز نفوذه ونفوذ معسكره وتحسين فرصه في معركة الوراثة. وقد اضطر المؤتمر، من أجل إرضاء الزعماء المتنافسين، إلى تعديل الدستور لاستحداث منصب جديد (القائم بأعمال رئيس الحزب)، ولإِتاحة انتخاب الزعماء للمناصب المتفق عليها من قبل المؤتمر نفسه. وهكذا تم انتخاب شمير رئيسًا للحزب، ودافيد ليفي قائمًا بأعمال رئيس الحزب، وموشيه آرنس رئيسًا لأمانة السر، وأريئيل شارون رئيسًا للجنة المركزية.

وفي الحقيقة، لم تتم الانتخابات في جو خالٍ من الصراعات والتوترات: في شأن منصب رئيس الحزب لم ينشأ خلاف باعتبار أنَّ اتفاقية حكومة الوحدة الوطنية كانت تنص على تولي شمير شخصيًا رئاسة الحكومة ولم يكن من الملائم رفع علامة استفهام فوق مكانة شمير في الحزب وفي وقت كان يتولى رئاسة الحكومة. لكن بالنسبة إلى المناصب الثلاثة الباقية، فقد أصرَّ ليفي على إفساح المجال أمام من يرغب من أعضاء المؤتمر للتنافس على المناصب الثلاثة الباقية، وأعلن أنَّه سيقدم مرشحين من معسكره لمنافسة آرنس وشارون على منصبيهما. وكان شارون هذه المرة قد تحالف، خلافًا للمرة السابقة، مع معسكر شمير – آرنس وقد اضطر التحالف الجديد، مع أنَّه كان يمتلك أغلبية واضحة، إلى الموافقة على مطلب ليفي تلافيًا لاستمرار الشقاق. وفعلًا، قدم هذا عضوين بارزين من معسكره لمنافسة آرنس وشارون. لكن هذا لم يعطل الاتفاق، إذ أوصى شمير أعضاء معسكره بانتخاب ليفي للمنصب المتفق عليه. وهكذا انتخب ليفي، بأصوات معسكره وجزء من معسكر شمير للمنصب المتفق عليه. وضمن التحالف بين معسكري شمير – آرنس وشارون، بحكم الأغلبية التي كان يتمتع بها، انتخاب آرنس وشارون للمنصبين الآخرين.

وربما كان الدافع الرئيسي لدى ليفي، من وراء إصراره على مطلبه، هو رغبته في تكريس المعسكرات داخل الحزب، واعتمادها أساسًا في تشكيل مؤسسات الحزب وتوزيع المناصب الحزبية والرسمية. ويعزز ذلك مطالبته الفاشلة بعد المؤتمر بأنْ يتمَّ تشكيل المكتب السياسي للحزب وفقًا لمقياس المعسكرات، لمعرفته أنَّه بصفته الممثل الأبرز لأعضاء الحزب من الطوائف الشرقية، الذين يجزم كثير من المراقبين أنَّهم يشكلون الأغلبية في قواعد الحزب، فإنَّ من شأن تكريس المعسكرات واعتمادها مفتاحًا للتمثيل وتوزيع المناصب أنْ يضمنا له رئاسة الحزب (الحكومة) بحلول الوقت الملائم.

وفي ضوء فشل زعماء المعسكرات في الاتفاق على حجم اللجنة المركزية وموازين القوى فيها، اتخذ المؤتمر قرارًا باعتبار جميع أعضاء المؤتمر أعضاء في اللجنة المركزية. وكان ذلك يعني عمليًا تأجيل انتخاب اللجنة المركزية، والمكتب السياسي المفروض أنْ ينبثق منها إلى حين توفر أجواء داخلية افضل، ويعني أيضاً بقاء المؤتمر المرجع الوحيد لحسم الخلافات في حال تفاقمها بين الزعماء. وهو وضع غريب؛ إذ إنَّ المؤتمر مشكل من عدد كبير جدًا من الأعضاء (أصبح بعد انضمام ممثلي الأحرار إليه في وقت لاحق نحو ٣٠٠٠ عضو) ومن الصعب جدًا تصور إجراء نقاش ذي معنى فيه، أو التوصل إلى حسم الخلافات في أجواء هادئة. وستتضح خطورة هذا الوضع، الذي ما زال مستمرًا إلى الآن، لاحقًا.

في أية حال، أعاد الاتفاق بين زعماء المعسكرات، على علاته، الوحدة إلى صفوف الحزب، وثبت زعامة شمير إلى حدٍّ ما، وأوجد نوعًا من التعاون والانسجام في صفوف القيادة، ووفَّر فترة من الهدوء حدثت خلالها الانتخابات العامة في أواخر سنة ١٩٨٨، وتمَّ تأليف حكومة وحدة وطنية جديدة برئاسة يتسحاق شمير من دون مناوبة مع شمعون بيرس هذه المرة.

لكن كان من الواضح أنَّ استمرار الهدوء مرهون بتوفُّر عدَّة عوامل: نجاح شمير في التحول من زعيم "رسمي" إلى زعيم "سلطوي" يتمتع بحد أدنى من السلطة والمهابة والولاء من جانب القاعدة العريضة للحزب على الأقل؛ انتخاب المؤسسات الناقصة (وأهمها اللجنة المركزية، والمكتب السياسي)، وتحولها إلى مؤسسات فعَّالة قادرة على اتِّخاذ القرارات، وحل الخلافات أو احتوائها في حال تعذر حلها؛ ضمور المعسكرات وتحول الأفضلية في الولاء داخلها من ولاء لزعمائها أولًا إلى ولاء لمؤسسات الحزب أو زعيمه، أو كليهما معًا؛ أو  كبديل من ذلك كله، على الأقل، استمرار شعور زعماء المعسكرات بأنَّ التطورات الجارية في الحزب لا تحدث تآكلًا في نفوذهم أو تهدد فرصهم في معركة الوراثة. وهي عوامل لم يتحقق أي منها بمرور الزمن. ولا شك في أنَّ شخصية شمير كانت السبب الرئيسي في عدم تحقُّقها.

لقد ساعد شمير في اختياره لوراثة بيغن، كما ذكرنا أعلاه، التفاف المؤسسة الحزبية الأشكنازية (القديمة والحديثة) حوله، وولاؤه غير المشكوك فيه للحزب ولفكرة "أرض – إسرائيل" الكاملة. لكنَّه فيما عدا ذلك، لم يكنْ يمتلك أيًّا من مقومات الزعامة الحقيقية. إذ إنَّه يفتقر إلى الكاريزما، والخيال، والقدرة على التواصل مع الجماهير، والجرأة في حسم الأمور، والمرونة والحساسية في التعامل مع الآخرين. وينفر بطبعه من النقاشات والمماحكات التي لا بدَّ منها في الأطر المؤسساتية الحزبية، ويميل إلى "طبخ" الأمور في إطار ضيِّق مع مجموعة صغيرة من المقربين.

وقد انعكست هذه الصفات في صورته الحزبية والعامة، وفي مؤسسات الحزب، وأثَّرت سلبًا في علاقاته بزعماء المعسكرات وفي أدائه السياسي. فظلَّت صورته الحزبية والجماهيرية باهتة، ولم يضغط لانتخاب لجنة مركزية ومكتب سياسي، وجنح أكثر فأكثر نحو وضع أنصاره في مراكز القوة والنفوذ متجاهلًا مطاليب الآخرين وحساسياتهم، كما جنح نحو الاعتماد في المداولات واتخاذ القرارات على عدد محدود من المقربين إليه، نخص بالذكر منهم: موشيه آرنس، وإيهود أولمرت ("لعام" سابقًا)، وموشيه نسيم (الأحرار سابقًا)، ودان ميريدور، وروني ميلو – وجميعهم وزراء في حكومته وينتمون إلى معسكره. وقد برز الأمر الأخير على نحو واضح جدًّا في المداولات التي سبقت وضع وإقرار "المبادرة الإسرائيلية للسلام"، التي حملت في البداية اسم "مبادرة شمير"، وازداد وضوحًا في فترة المفاوضات المعقدة مع الأميركيين والمصريين لإخراجها إلى حيز التنفيذ. وكثيرًا ما وجد دافيد ليفي وأريئيل شارون، ومعهما الوزير يتسحاق موداعي، خصم موشيه نسيم اللدود ومنافسه على الزعامة في أوساط أعضاء الأحرار المندمجين في الليكود، أنفسهم في اجتماعات هيئة وزراء الليكود وكتلة نوَّابه في الكنيست، اللتين أصبحتا الإِطارين الرئيسيين للمناقشات والمصادقة على القرارات في الليكود؛ كثيرًا ما وجدوا أنفسهم أمام "حقائق مفروضة" جرى "طبخها" مسبقًا بين شمير والمقربين إليه. وهكذا بدا واضحًا، منذ أوائل سنة ١٩٨٩، أنَّ التوازن الدقيق بين المعسكرات داخل الليكود قد اختل، وأنَّ معسكر شمير – آرنس (وأنصاره في أوساط الأحرار السابقين) يقوى ويتعزز على حساب معسكري ليفي وشارون (وبالنسبة إلى الأحرار سابقًا، على حساب معسكر موداعي وفي مصلحة مجموعة نسيم). وبدا واضحًا أيضًا أنَّ فترة الهدوء القلق، التي سادت في الليكود منذ المصالحة بين زعماء المعسكرات في مؤتمر الحزب الذي عُقد سنة ١٩٨٧، هي في طريقها إلى الانتهاء. وكان كل ما ينقص كي يتجدد الصراع بين المعسكرات هو الذريعة الملائمة؛ وقد قدمت "مبادرة شمير" هذه الذريعة.

 تجدد الصراع

لقد عارض الوزراء ليفي وشارون وموداعي المبادرة منذ البداية، وصوَّتوا ضدَّها في مجلس الوزراء والكنيست. وعندما تمَّ إقرارها وأصبحت مبادرة رسمية ملزمة للحكومة الإسرائيلية (ولهم نظريًا باعتبارهم وزراء في الحكومة)، وجهوا جهودهم لتطويقها بشروط وضمانات تجعل من الصعب جدًا، إنْ لم يكن من المستحيل، على شمير المحافظة على حكومة الوحدة الوطنية، والمناورة في وجه الضغوطات الأميركية التي نجمت عن الخلافات بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي في سياق سعي الولايات المتحدة لتطبيق المبادرة. وقد أعلن هؤلاء الوزراء، الذين اكتسبوا في تموز / يوليو ١٩٨٩ تسمية "وزراء الأطواق" وقبلوها وصاروا يتفاخرون بها، أنَّ مجرَّد طرح مبادرة سياسية إسرائيلية قبل إنهاء الانتفاضة يعني خضوعًا للعنف والإرهاب، واتهموا الحكومة (وشمير) بالتراخي في قمع الانتفاضة، وادَّعوا أنَّ النتيجة الوحيدة التي يمكن أنْ تقود المبادرة إليها هي التفاوض مع م. ت. ف. وقيام دولة فلسطينية.

وقد رافقت حملتهم على المبادرة اتِّهامات لشمير والمجموعة المقرَّبة إليه بالاستعداد للتخلِّي عن "أرض – إسرائيل" الكاملة، وبالسير في طريق يؤدِّي حتمًا إلى ذلك. وفي إثر إقرار الحكومة الإسرائيلية للمبادرة في ١٤ أيار / مايو ١٩٨٩، وبدء المساعي لتطبيقها، صعَّد ليفي وشارون وموداعي حملتهم ضدَّها، وضدَّ شمير، وطالبوا بعقد اجتماع للجنة المركزية لليكود للبحث في المبادرة، وتحديد موقف الليكود من نقاط الخلاف التي ثارت بين الطرفين الأميركي والإسرائيلي. وقد وافق شمير، بعد تردد وضد مشورة عدد من المقرَّبين إليه، على عقد الاجتماع، الذي تمَّ فعلًا في ٥ تموز / يوليو ١٩٨٩، واغتنمه شمير عمليًا مناسبة لإِيضاح دوافعه إلى طرح المبادرة، وما توخى تحقيقه من ورائها، وموقفه من نقاط الخلاف. ونظرًا إلى أهمية الإيضاحات التي قدمها في خطابه(6)  أمام اللجنة المركزية في إضاءة الموضوع المعني نورد أدناه اقتباسات منه بشيء من التفصيل:

في الدوافع: "لقد برزت خلال السنتين الأخيرتين دينامية لتبديد التوتر وحل النزاعات سلميًا... وزاد في الضغط من أجل تقديم أي جديد.. وقد فشلت هذه البيانات في كسب أي اهتمام عالمي. ومن ناحية أخرى، فإنَّ البيانات المعتدلة الصادرة عن هيئات عربية – وخصوصًا المنظمات الإرهابية – قد شكلت بدعة. فركبت منظمات الإرهاب موجة العطف الدولي... ووجدت إسرائيل نفسها مضطرة إلى إظهار ردة فعل سياسية، إضافة إلى الإجراءات التي لجأت إليها لوضع حد للعنف وإعادة إرساء النظام [في المناطق المحتلَّة]."

في المتوخى وما أُنجز: "أولًا، لقد سلطت المبادرة الضوء... على أنَّها ثمرة الوحدة الوطنية الإسرائيلية...؛ ثانيًا، لقد وضع إعلان المبادرة حدًّا للتنازع والشقاق اللذين سادا المجتمعات اليهودية في الخارج، ويهود الولايات المتحدة بالدرجة الأولى...؛ ثالثًا، سجلت المبادرة إنجازًا إضافيًا ضخمًا على الصعيدين التكتي والدبلوماسي، وفي مجال الإِعلام العالمي... فقد أجبرنا الدول العربية، ومؤيديها، ومنظمات الإرهاب، والاتحاد السوفياتي، على التصدي لمبادرتنا أولًا وقبل كل شيء. لقد دفعنا بهم إلى موقع دفاعي؛ رابعًا، منذ وقت قصير فقط كان الإِعلام الدولي يعج بآراء في مقترحات ومبادرات لتفعيل مجلس الأمن الدولي، أو بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي وما شابه. ولقد حجبت مبادرتنا هذه المقترحات كلها."

 في نقاط الخلاف:

– م. ت. ف.: "إنَّ المبادرة لا تختلف في جوهرها عن اتفاق كامب ديفيد. وبودي أنْ أؤكِّد، مرَّة أخرى، أنَّ القصد هو مشكلة العرب سكان يهودا والسامرة وغزة، وبالتالي لنْ نوافق على ولنْ نسمح بالتحاق أيَّة جهة لا تنتمي إلى السكان العرب الدائمين في يهودا والسامرة وغزة بهذه العملية، لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة." وقد صيغت هذه النقطة في القرارات التي عرضها شمير في نهاية اجتماع اللجنة التنفيذية وحازت على موافقة اللجنة بإيجاز قاطع: "لنْ تجري مفاوضات مع منظمات الإرهاب – منظمة التحرير الفلسطينية."

– الانتفاضة: "إنَّ وضع حد للعنف ليس أمرًا خاضعًا للمفاوضات. وهذه المهمة تنفذها قواتنا الأمنية، وهي ستواصل تنفيذ مهمتها. وسنقضي على العنف... ودعوني أؤكد: أنَّ تطبيق المبادرة وإجراء مفاوضات مع العرب لنْ يتحقَّقا ما دام العنف مستمرًّا."

– القدس: "القدس ليست جزءًا من المبادرة. والقدس عاصمة شعبنا الأبدية، وعاصمة دولتنا الأبدية. إنَّ موقف حكومة إسرائيل من موضوع اشتراك عرب القدس الشرقية في  انتخابات الإدارة الذاتية قد تحدد في قرار الحكومة برئاسة زعيمنا مناحم بيغن، منذ يوم ٥ أيلول / سبتمبر ١٩٨٢، ونصَّ على أنَّ 'لا ذكر في اتِّفاق كامب ديفيد لِحق تصويت كهذا'... ولا حاجة  بي إلى أنْ أضيف أنَّ هذا هو موقفنا اليوم."

– الاستيطان: "إنَّنا ندعو إلى مواصلة الاستيطان اليهودي في يهودا والسامرة وقطاع غزة. ولا يستطيع أحد الاعتراض على حق اليهود في الاستيطان في هذه المناطق."

في الحل الدائم:

– الدولة الفلسطينية: "لنْ نوافق على إقامة دولة عربية فلسطينية على تراب أرض – إسرائيل."

– مناطق في مقابل السلام: "هذا مبدأ مقدس بالنسبة إلينا: أرض – إسرائيل الغربية لنْ تقسم ثانية بعد الآن، ولنْ تكون هناك موافقة على سيادة أجنبية على أجزاء منها... وإنَّني لا أرى أي عنصر  إقليمي للحل الدائم."

وهذا كله مبادىء ومواقف قديمة ومعروفة، ويفتِّش المرء عبثًا في تصريحات ومواقف شمير، السابقة واللاحقة، عما يوحي بخلاف ذلك. وربما أعتقد أنَّه بتجميعها وتركيزها على النحو الذي أورده في خطابه، وتأكيدها في قرارات ملزمة صادرة عن اللجنة المركزية، يسحب البساط من تحت أقدام "وزراء الأطواق"، ويجرِّدهم من سلاحهم الأساسي في حملتهم ضده. لكنَّه إذا كان قد اعتقد ذلك حقًّا، فإنَّه سرعان ما اكتشف خطأه. إذ لم تمضِ فترة طويلة حتَّى استأنف "وزراء الأطواق" هجومهم عليه. وقد وجدوا المبرِّر لاستئناف الهجوم في موافقته على تأكيد الحكومة الإسرائيلية، في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٣ تموز / يوليو ١٩٨٩، التزامها المبادرة كما أُقرَّت أصلًا في أيار / مايو  ١٩٨٩، وذلك بعد أنْ رفع خطاب يتسحاق شمير أمام اللجنة المركزية، والقرارات المتَّخذة في نهاية اجتماعها، علامة استفهام كبيرة فوق المبادرة، وأحدث أزمة في العلاقات داخل الحكومة بين المعراخ والليكود، ومع الإدارة الأميركية. وقد كان التكتيك الذي اتَّبعوه في هجومهم على زعيم حزبهم، بعد أنْ أصبح من الصعب جدًّا في ضوء اجتماع تموز / يوليو التشكيك في مواقفه، هو الإقرار بأنَّ لا مجال للشك في معتقدات شمير ونياته، لكن مع الادِّعاء أنَّ السير في العملية السياسية الناجمة عن المبادرة سيرغمه في المحصلة، أراد ذلك أم لم يرد، على التخلِّي عن مواقف الليكود. ورفضوا تأكيداته أنَّ ذلك لنْ يحدث، وشروحاته أنَّ إسرائيل لا يمكن أنْ تلعب "بأوراق مكشوفة" وأنَّ "كل شخص يعرف الحياة السياسية يعرف أنَّه يجب منح القيادة مجالًا معينًا لحرية المناورة التكتية."(7)

وقد استمرَّ الهجوم وتواصل. ومع دخول سنة ١٩٩٠ مسارها كانت العلاقات بين معسكر شمير – آرنس ومعسكر "وزراء الأطواق" قد تدهورت إلى حد لم يسبق له مثيل، وأصبحت الخلافات والاتهامات العلنية المتبادلة بندًا دائمًا في وسائط الإعلام، وظاهرة متكرِّرة حتَّى في اجتماعات مجلس الوزراء، وعاد "وزراء الأطواق" إلى المطالبة بعقد اجتماع آخر للجنة المركزية لحسم الخلافات. وقد اختاروا هذه المرَّة عناوين لمعركتهم: المطالبة الأميركية بمشاركة مبعدين من المناطق المحتلَّة وممثلين عن القدس العربية في الوفد الفلسطيني إلى محادثات القاهرة في إطار "خطة بيكر"؛ سحق الانتفاضة وإنهاءها بسرعة؛ تفرد شمير باتخاذ القرارات داخل الليكود. وتحت الضغط المتواصل، وإزاء توتر الأجواء في الحزب نتيجة حملات التشهير المتبادلة، حزم شمير أمره، وقرَّر خوض معركة في اللجنة المركزية مع "وزراء الأطواق" لتحجيمهم، وحدَّد تاريخ ١٣ شباط / فبراير ١٩٩٠ موعدًا لاجتماعها.

 اجتماع اللجنة المركزية:

شباط / فبراير ١٩٩٠

سبق اجتماع اللجنة المركزية، التي ظلت بالمناسبة مؤلَّفة من جميع أعضاء المؤتمر (٣٠٠٠ عضو تقريبًا بعد انضمام ممثلي الأحرار) حملة تشهير شخصية وصف فيها موداعي زعيم حزبه بأنَّه "قزم" يتقافز وسط لاعبين كبار، وقال إنَّه إذا دخل مرمى نار معسكر "الأطواق" فسيكون ذلك بمثابة إقدام على الانتحار. واتَّهم شارون الوزير موشيه آرنس (منافسه الدائم في الليكود على منصب وزير الدفاع) بالتهرُّب من الخدمة العسكرية، وهي أشنع تهمة يمكن أنْ تلصق بزعيم سياسي في إسرائيل. وقد كادت الخلافات بين معسكري شمير – آرنس و"وزراء الأطواق"، في شأن جدول الأعمال، تؤدِّي إلى إلغاء الاجتماع، إذ طالب معسكر شمير – آرنس بأنْ يقتصر جدول الأعمال على خطاب سياسي يلقيه شمير ويطلب على أساسه الثقة، بينما طالب معسكر "وزراء الأطواق" بأنْ يتضمَّن جدول الأعمال خمس نقاط، يجري النقاش في صددها، ويتمُّ في نهايته تصويت سرِّي عليها. والنقاط هي: تصفية الإرهاب (أي: الانتفاضة)؛ الوفد الفلسطيني إلى محادثات القاهرة؛ مدن الإِعمار؛ الأحياء الفقيرة؛ الموشافات الزراعية. ومن الواضح أنَّ الإِصرار على إدراج النقاط الثلاث الأخيرة في جدول الأعمال، على الرغم من انعدام صلتها بكل ما كان يدور الصراع ظاهريًا بشأنه، كان القصد منه خطب ود اليهود الشرقيين، الذين يشكلون أغلبية في فروع الحزب، والذين يراهن ليفي وشارون على استقطاب تأييدهم. وقد تمَّ الاتِّفاق، كما يبدو، على جدول الأعمال الذي أصرَّ "وزراء الأطواق" عليه. ونقول "كما يبدو" لأنَّ لا أحد يعرف تمامًا، في ضوء ما جرى لاحقًا وما عقبه من تصريحات في شأن هذه النقطة، على ماذا تمَّ الاتِّفاق فعلًا، وبين من.

ونعرض بسرعة ما جرى: افتتح شارون، بصفته رئيس اللجنة المركزية، الاجتماع وعرض جدول الأعمال وإجراءات التصويت السرِّي. وفجأة، من دون تمهيد أو مقدمات، أعلن استقالته من الحكومة، وقرأ كتاب استقالة وجَّه فيه اتِّهامات قاسية إلى رئيس الحكومة، شمير، ثم سلَّمه الكتاب وأعطاه حق الكلام. وفي اضطراب ظاهر، من دون إشارة إلى الاستقالة، وسط جو من الصخب والمقاطعات المستمرَّة، شرع شمير في قراءة خطابه المعد سلفًا. وعندما انتهى منه، طلب التصويت علنًا برفع الأيدي على اقتراح بمنحه الثقة. وبينما كان شمير يتلو نص الاقتراح بمنح الثقة، وثب شارون إلى ميكروفون آخر على المنصة، وبدأ يتلو مشاريع قرارات لـ "وزراء الأطواق" تضمنت وضع حد "للعنف والإرهاب"، ومعارضة مشاركة مبعدين من المناطق وممثلين عن عرب القدس في الوفد الفلسطيني إلى محادثات القاهرة. وتداخل صوت شمير الخافت مع صوت شارون ذي الطبقة العالية ولم يعرف أحد لمن ارتُفعت الأيدي تأييدًا. وأنهى شمير الجلسة وغادر القاعة مسرعًا مع أنصاره من الوزراء والنواب، بعد أنْ طلب من مؤيِّديه في اللجنة المركزية أنْ يحذوا حذوه. لكن القاعة، على الرغم من مغادرة كثيرين من المندوبين، ظلَّت مكتظة ولم يفت شمير أو المراقبين دلالة ذلك.

وهكذا، بدلًا من أنْ يحسم اجتماع اللجنة المركزية لليكود الأمور داخل الحزب، في مصلحة شمير أو في مصلحة خصومه، زادها سوءًا وتعقيدًا. وأعلن شارون، في إثر تفجُّر الاجتماع، أنَّه سيواصل نشاطه في فروع الحزب، وسيعمل لإِزاحة شمير من رئاسته، وانضمَّ إليه في هذا المسعى بعد فترة وجيزة دافيد ليفي، بعد فشل محاولات لعقد مصالحة بينه وبين شمير، وإقدام الأخير على تعيين أشخاص من معسكره في المناصب التي شغرت باستقالة شارون. وفي المقابل، أعلن شمير أنَّه سيصفي معسكر "وزراء الأطواق"، ويعيد تنظيم صفوف الحزب، وسيسعى لإِزاحة شارون من رئاسة اللجنة المركزية ولتشكيل مكتب سياسي. وتفوَّق على الجميع يتسحاق موداعي، الذي أعلن تشكيل كتلة مستقلة ضمَّت خمسة من أعضاء الأحرار السابقين في الكنيست، معلنًا أنَّه إذا لم تعترف قيادة الحزب بها كتلة مستقلَّة داخل الليكود، فإنَّه سيتحالف مع المعراخ لإِسقاط الحكومة. وزاد في الطين بلة ظهور تصدُّعات في معسكر شمير – آرنس شكَّلت مؤشِّرًا علنيًا عليها تحفُّظات ثلاثة من أبرز أعضاء معسكره الشبان (بنيامين بيغن، وعوزي لنداو، وبنيامين نتنياهو) إزاء جوانب معيَّنة من موقفه السياسي.

تشير وقائع اجتماع اللجنة المركزية، بوضوح، إلى أنَّ السبب الرئيسي في تفجُّر الاجتماع هو تهرُّب شمير من إجراء نقاش مفتوح في شأن قضايا الخلاف وإجراء تصويت سرِّي عليها، لأنَّ نقاشًا كهذا لم يكن ممكنًا أنْ ينجم عنه إلَّا تأكيد مواقف الليكود الأساسية، وإلغاء حيز المناورة والتكتيك الذي كان شمير يصرُّ على بقائه من أجل المحافظة على حكومة الوحدة الوطنية وتفادي تدهور في العلاقات بالأميركيين. إذ كان وزير الخارجية الأميركي قد وجَّه شبه إنذار إلى الحكومة الإسرائيلية بالموافقة على مشاركة مبعدين من المناطق وممثلين عن القدس العربية في الوفد الفلسطيني إلى محادثات القاهرة، وكان المعراخ أعلن أنَّه إذا لم تتم الاستجابة للمطلب الأميركي فسيعمل على فرط عقد الحكومة.

لقد شكَّلت حكومة الوحدة الوطنية عنصر قوَّة إضافيًا لشمير في تثبيت وضعه (ووضع معسكره) داخل الليكود وفي الحكومة، وأعانته على إضعاف وضع معسكر "وزراء الأطواق". ففي ظل حكومة الوحدة الوطنية، التي كان هو شخصيًا رئيسًا لها، وموشيه آرنس وزيرًا للخارجية فيها، وبقية المناصب الرئيسية الأخرى (بحكم الضرورة الائتلافية) في يد المعراخ، يظل مركز الثقل في الليكود وفي الحكومة مضمونًا لمعسكره، بينما في حال انهيار حكومة الوحدة الوطنية، وتأليف حكومة يمينية ضيِّقة، سينشأ وضع لنْ يجد شمير فيه (بحكم موازين القوى في اللجنة المركزية لليكود) مفرًّا من تعيين "وزراء الأطواق" في المناصب الرئيسية التي ستصبح شاغرة بعد اشتراك المعراخ. ومعنى ذلك، ببساطة، انتقال مركز الثقل من شمير ومعسكره إلى معسكر "الأطواق". ومن هنا، فإنَّ المعركة التي دارت بين شمير وخصومه كانت أيضًا، ضمنيًا، معركة مع بقاء الحكومة وضد بقائها. ويمكن القول إنَّ فشل شمير في حسم الأمور لمصلحته في اجتماع اللجنة المركزية، لا بل تصدع الليكود وحدوث انشقاق في داخله بدلًا من ذلك، كانت إيذانًا بنهاية حكومة الوحدة الوطنية. فعندما يصبح ثمن المحافظة على هذه الحكومة إمكان تفكك الليكود، وبالتالي خسارته الحكم، يسقط أي اعتبار آخر.

والبقية واضحة. فقد رفض شمير الموافقة على المطلب الأميركي وأدَّى ذلك إلى انهيار حكومة الوحدة الوطنية في ١٣ آذار / مارس ١٩٩٠، بعد إقالة بيرس واستقالة وزراء المعراخ منها، وحجْب الكنيست الثقة عنها بعد يومين، في ١٥ آذار / مارس الماضي. ومع سقوط الحكومة، برز خطر خسارة الليكود الحكم وانتقاله إلى صفوف المعارضة. وكان هذا كافيًا لإِعادة توحيد صفوفه. وفعلًا، في خضم المنافسة بين المعراخ والليكود بشأن تأليف حكومة جديدة، تمَّ طي الخلافات بين المعسكرات في الليكود فأتاح له ذلك، ضمن عوامل أخرى، تأليف حكومة يمينية ضيِّقة بزعامته، عكس توزيع المناصب فيها (دافيد ليفي وزيرًا للخارجية، ويتسحاق موداعي وزيرًا للمال، وأريئيل شارون وزيرًا للإسكان ورئيسًا للجنة الوزارية للاستيعاب) موازين قوى جديدة داخل الليكود.

 خلاصة

إنَّ الصراع الذي دار داخل الليكود قبل انهيار حكومة الوحدة الوطنية لم يكن مصدره الأساسي مبادرة السلام الإسرائيلية، فهو كان موجودًا قبلها، واستمرَّ في أثناء فترة التعاطي في شأنها داخليًا وخارجيًا. ولا يشك أحد في أنَّه سيعود إلى التجدُّد في المستقبل، حتَّى بعد أنْ تختفي نهائيًا. والخلافات في شأن المبادرة كانت مجرَّد ذريعة لهذا الصراع، وانحصرت في التكتيك ولم تتعدَّاه إلى المواقف والمبادىء الأساسية، التي تجعل من المستحيل تصوُّر إمكان تقدُّم الليكود نحو سلام حقيقي مع الفلسطينيين.

لقد كان مصدر الصراع الأساسي في الليكود، في الحقيقة، وجود معسكرات غير رسمية داخله تتنافس على مواقع القوة والنفوذ. وقد تشكَّلت هذه المعسكرات في الفراغ الناجم عن اعتزال مناحم  بيغن الحكم، وعكست الخليط المتنافر من القوى السياسية والاجتماعية التي يتشكَّل الحزب منها، وإحساس قسم منها بالغبن فيما يخص التمثيل وتوزيع المناصب الحزبية والرسمية، وطموحات الزعماء الأقوياء إلى الوصول إلى رئاسة الحزب والحكم في إسرائيل. وفاقم الصراع بين هؤلاء فشل شمير في تثبيت زعامته الحزبية والجماهيرية، وعدم وجود "مؤسسة حزبية" فعَّالة قادرة على إلغاء الصراع.

إنَّ معركة الزعامة في الليكود لم تحسم بعد، وما زالت قائمة. وقد طوى صفحتها موقتًا سقوط الحكومة وضرورات تأليف حكومة جديدة في ظل تهديد جدي بخسارة الحكم. لكن تجربة شمير في زعامة الحزب، بل مجرد تقدمه في السن (٧٥ عامًا)، يشير بوضوح إلى أنَّ هذه المعركة ستتجدَّد في وقت لنْ يكون بعيدًا. والمرشحون الأوفر حظًّا في وراثة شمير لا يزالون إلى الآن: موشيه آرنس، ودافيد ليفي، وأريئيل شارون. الأوَّل تؤيِّده "المؤسسة الحزبية" الأشكنازية السائدة في الحزب؛ والثاني يؤيِّده أفراد الطوائف الشرقية الذين يشكِّلون الأغلبية في الفروع والقاعدة الانتخابية؛ والثالث يخدم طموحه ماضيه العسكري والهالة الكاريزماتية التي تحيط به وقدرته الفائقة على المناورة والثبات في التقدم إلى الهدف. ويعتقد البعض أنَّ ليفي يمكن أنْ يكون أقل تطرُّفًا وأكثر مرونة من الإثنين الآخرين، إذا نشأت أوضاع تفرض على إسرائيل السير في طريق السلام، لكن ليس هناك فعلًا ما يثبت ذلك.

                                                                                                30/6/1990

 

  (1) "معاريف"، 14/٣/1986.  

(2)   المصدر نفسه.

(3)   المصدر نفسه.

(4)   "عال همشمار"، 17/٣/1986.

(5)   "هآرتس"، 14/٦/1986.

(6) نص الخطاب بالعبرية في: "يديعوت أحرونوت"، 6/٧/1989؛ الترجمة العربية في: "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد ١، شتاء ١٩٩٠، ص ١٦٦ – ١٧٠.

 (7)"هآرتس"، 13/2/1990 . 

اقرأ المزيد