ماذا يقول الفلسطينيون في لبنان؟
كلمات مفتاحية: 
فلسطينيو لبنان
اللاجئون الفلسطينيون
الوجود الفلسطيني في لبنان
اتفاق غزة - أريحا اولاً
منظمة التحرير الفلسطينية
التوطين
استفتاءات
الرأي العام
نبذة مختصرة: 

استقصاء نظمه الكاتب لسبر موقف الفلسطينيين في لبنان من الموضوعات السياسية المطروحة، ومن القضايا التي لها تأثير مباشر في حاضرهم ومستقبلهم. ثم عمد الكاتب إلى تحليل نتائج الاستقصاء واستخلاص المواقف والاتجاهات.

النص الكامل: 

لما كانت الأحداث التي نعيشها على صعيد القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي ذات طابع مصيري بما ستجره من نتائج على مستقبل المنطقة عامة ومستقبل الفلسطينيين في لبنان خاصة، فقد بادر الباحث – تلبية لرغبة ذاتية بالأساس هدفها الوصول إلى الحقيقة – إلى تنظيم استقصاء لسبر موقف الرأي العام الفلسطيني في لبنان من الموضوعات والقضايا السياسية العامة المطروحة، ومن القضايا التي لها تأثير مباشرة في حاضر ومستقبل الفلسطينيين في لبنان. ومن ثم عمد الباحث إلى تحليل نتائج الاستقصاء واستخلاص المواقف والاتجاهات . 

الأهداف المباشرة للدراسة

أولاًً: معرفة موقف الرأي العام الفلسطيني من الموضوعات والقضايا السياسية المباشرة ممثلة في:

  • الموقف من الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي "غزة – أريحا أولاً"؛
  • الموقف من قيادة م. ت. ف. بكونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؛
  • الموقف من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة.

ثانياً: معرفة موقف الرأي العام الفلسطيني من القضايا التي لها تأثير مباشر في حياتهم اليومية والمستقبلية، وأبرزها:

  • التوطين؛
  • حق العمل وحجم الخدمات التي يتلقاها هؤلاء من الدولة اللبنانية أو من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا]؛
  • العلاقة مع القيادة الفلسطينية اليومية، أي اللجان الشعبية.

منهجية الدراسة

يتطلب استطلاع آراء ومواقف الرأي العام معرفة الحالة النفسية للمجتمع محل البحث، مضافاً إليها العادات والتقاليد ونمط التعامل مع القضايا الحساسة، ولا سيما السياسية والاقتصادية منها، ناهيك بعوامل التأثير الأُخرى المختلفة بكل جوانبها المركبة والمعقدة. ولهذا كان جل اهتمامنا وضع أسئلة الدراسة بطريقة تأخذ في الاعتبار جميع العوامل أعلاه، وتتسم بالتالي بنوع من الحيادية المطلقة، إن جاز التعبير. وهكذا جرى صوغ الأسئلة الثماني عشرة بطريقة بعيدة عن استفزاز المشاعر أو الإيحاء بأن تحمل في طياتها هدفاً آخر غير هدفها. ولتحقيق هذه الغاية فإن الموضوع الواحد تم التطرق إليه في أكثر من سؤال، وخصوصاً بالنسبة إلى القضايا الحساسة، كما أنه تم اللجوء إلى تنويع الخيارات لمنح المواطن هامشاً واسعاً في الإجابة.

والموضوع الآخر الذي كان محط اهتمام هو: من الذي سيقوم بإجراء الدراسة على الأرض، وهل الطريقة السائدة المتمثلة في اختيار بعض المتطوعين أو المختصين كافية؟ وهنا عملنا على الجمع بين مجموعة من الصفات العلمية المتعارف عليها، مضافاً إليها أن يكون الباحث جزءاً من المحيط الاجتماعي في المدينة أو المخيم على أن يكون معروفاً، إلى جانب ثقافته، بثقة الناس به، من ناحية المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية. وهكذا، مثلاً، شارك في البحث بعض المدرسين إلى جانب المختصين من حملة الشهادات العلمية ذات التخصص المباشر ومن المنطقة عينها.

الحلقة الثالثة والأخيرة كانت العينة وتوزعها بحسب معايير معينة، تأخذ في الاعتبار السن، والمِنْطَقية – أي مكان السكن – والمستوى التعليمي، والدخل، والجنس. وجرى توزيع النسب المئوية للعينة المؤلفة من 600 حالة اعتماداً على الإحصاءات المتوفرة لدى الأونروا لكونها الأقرب إلى الدقة والحقيقة، باستثناء معيار واحد هو الدخل، حيث لا تتوفر إحصاءات بشأنه. وهنا جرى اعتماد المعرفة المبنية على الواقع الملوس انطلاقاً من التقديرات. وحرصاً على اكتمال العملية الديمقراطية، جرى استبعاد أية معلومات شخصية عن المستطلَع رأيه، هذا إلى جانب إعطائه الحرية والوقت الكافي كي يملأ الاستمارة ويجيب عن أسئلتها في الوقت الذي يراه ملائماً.

سير العمل والصعوبات

كأي عمل من هذا النوع، انقسم عملنا إلى قسمين: الأول ميداني، وتمثل في جمع المعلومات من خلال ملء الاستمارة، والآخر تحليلي للمعلومات التي توفرت. ولأن الجزء الأخير هو عمل مكتبي بحت، فكان من الطبيعي ألا يواجه أية صعوبات بمساعدة التقنية المتوفرة. لذلك فإن الجهد انصب على إنجاح الجانب الأول، لا سيما أن الانتشار الفلسطيني يشمل ويتوزع على الأراضي اللبنانية كافة. وهذا بدوره ينقسم إلى مخيمات وخارج المخيمات، وخصوصاً أن حياة الفلسطينيين خارج المخيمات تختلف بصورة واضحة عنها داخل المخيمات. كما أن جزءاً لا بأس فيه من المقيمين خارج المخيمات هو من المهجرين، ويقيم في المدن بصورة موقتة. وإلى جانب هذه الخصائص كلها كان لا بد من أخذ المحيط السياسي والأمني في عين الاعتبار، لا سيما أن دراسة من هذا النوع تثير الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي تبلغ حد الشك في الموضوع برمته وفي الأهداف المتوخاة منه: ونستطيع القول إنه تم تجاوز جميع الصعوبات بفضل المتعاونين من مشاركين في البحث أو أولئك المثقفين الذين راقت لهم الفكرة وساهموا في إنجاحها.

وأخيراً، وقبل عرض النتائج والحكم على مدى صدقيتها، لا بد من القول إن النتائج لا تهدف إلى الانتقاص من أحد، كما أنها لا تهدف إلى الثناء على أحد، بل إن تقديم الحقيقة عن آراء ومواقف المواطن الفلسطيني الذي التقيناه مجرد من المواقف الذاتية، مساهمين في ذلك في نشر الديمقراطبة وتعميقها. 

نتائج البحث

بداية لا بد من الإشارة إلى أن أعمال البحث الميداني قد بدأت خلال الثلث الرابع من سنة 1993، وانتهت خلال الربع الأول من العام الحالي. وكانت الفكرة قد تبلورت أساساً بعد الاعتراف المتبادل بين م. ت. ف. وإسرائيل، والذي أُعلن خلال نهاية آب/ أغسطس 1993. وكما أسلفنا في المقدمة، فقد اشتملت الدراسة على ثمانية عشر سؤالاً وزعت على ست مجموعات كالآتي:

              أولاً: الأسئلة رقم 1، 2، 3، و4 خصصت للاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي المعروف باسم "غزة – أريحا أولاً"، والموقف من الوسيلة المثلى لتحقيق الأهداف الفلسطينية والعربية فيما يتعلق باستعادة الحقوق.

              ثانياً: الأسئلة 5، 6، 7 و8 تناولت الموقف من قيادة م. ت. ف. قبل المفاوضات وبعدها ومن أدائها السياسي، وكذلك الموقف من م. ت. ف. في حد ذاتها ومن قيادتها التاريخية.

              ثالثاً: الأسئلة 9، 10، 11 و17 عالجت موضوعات حق العمل والخدمات المقدمة من الدولة اللبنانية والأونروا.

              رابعاً: ركز السؤالان 12 و13 على مستقبل الفلسطينيين وموقفهم من التوطين، من قييل أين يفضلون العيش، ولا سيما في حالة عدم تنفيذ القرار الدولي رقم 194 الصادر عن الأمم المتحدة.

              خامساً: تطرق السؤالان 15 و16 إلى موقف الرأي العام من سياسة الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة حيال القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي.

              سادساً: السؤال 18 خُصص لمعرفة الموقف الشعبي من النشاط الخدماتي والاجتماعي للقيادات الفلسطينية المحلية في المخيمات، أي اللجان الشعبية.

              وبناء على عملية التحليل المركبة التي انطلقت من تحليل الإجابات عن كل سؤال وتصنيفها بصورة عامة أولاً، ثم بحسب السن، والدخل، والمستوى التعليمي، والمِنْطَقية، فقد تم استخراج نحو 90 جدولاً.

أولا: الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي

من أجل ضمان الاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان، صيغت هذه الأسئلة بطريقة حاولنا من خلالها الابتعاد عن التعميم، حيث أن ملامسة مصالح الناس كانت هي المنطلق. وجاءت الأسئلة على الشكل الآتي:

              1-  هل تعتقد أن الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي المعروف باسم "غزة – أريحا أولاً" سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية؟

              2-  هل تعتقد أن اتفاق "غزة – أريحا أولاً" سيضمن لك حق العودة إلى وطنك؟

              3- هل تؤيد اتفاق "غزة – أريحا أولاً بشكله الحالي؟

              4- ما هي الوسيلة التي تراها ملائمة لإقرار الحقوق الفلسطينية والعربية؟

              في الأسئلة الثلاثة الأولى وضِعت ثلاثة خيارات للإجابة: الأول: الأول نعم، والثاني لا، والثالث لا أعرف. أما في السؤال الرابع فقد وضِعت ستة خيارات للإجابة وهي:

  • المفاوضات والوسائل السياسية والدبلوماسية.
  • الكفاح المسلح.
  • الانتظار إلى حين تغير الأوضاع الحالية.
  • الشكلان الأول والثاني.
  • لا أعرف.

اتسمت الإجابات عن الأسئلة الثلاثة الأولى بالانسجام والتقارب. ففي السؤال الأول كانت نسبة الموافقية 31,05%، أما في السؤال الثاني فقد تراجعت هذه النسبة إلى 18,7%، ثم عادت لترتفع في السؤال الثالث إلى نسبة 31,7%. أما نسبة أولئك الذين أجابوا سلباً فقد تفاوتت نسبياً، ففي حين أن 53,07% رأوا أن الاتفاق لن يضمن لهم حق العودة، عادت هذه النسبة لترتفع إلى 67,8%، ثم تراجعت بعض الشيء في الإجابة عن السؤال الثالث إلى 61,7%.

وحين معالجة الإجابات بحسب السن، تبين أن من هم بين 18 سنة و50 سنة متقاربون في مواقفهم وإجاباتهم، في حين أن من هم فوق الخمسين تختلف إجاباتهم؛ ففي حين أجاب 35,2% من هؤلاء عن السؤال الأول بالإيجاب كان 36,4% منهم يرددون سلباً، و28,2% لا يعرفون، لكن الموقف اختلف في السؤالين الثاني والثالث، حين كانت الإجابات سلبية بنسبة 55,4% و52,9 على التوالي.

ويلاحظ أن نسبة الموافقين من أصحاب الموقف السلبي لمن هم من 18 سنة – 30 سنة كانت عالية؛ إذ إنها 56,6% و70,22% و66,9% عن الأسئلة الثلاثة الأولى، وبلغت نسبة أولئك المترددين الذين لا يعرفون قريبة من 10%. أما من هم بين 31 سنة – 50 سنة، وإن كانت إجاباتهم سلبية، فإن التفاوت كان واضحاً، حيث تراوح بين 55,3% عن السؤال الأول و70,5% عن السؤال الثاني، ثم تراجع إلى 58,3% عن السؤال الثالث.

أما الموقف من الأسئلة الثلاثة الآنفة الذكر، وانطلاقاً من معيار الدخل الذي جرى الاستناد فيه إلى حجم الدخل قياساً بما هو سائد في الأراضي اللبنانية، حيث كان لدينا ثلاث فئات: الأولى أقل من 300 ألف ليرة لبنانية (ل. ل.) والثانية من 300 ألف – 600 ألف ل. ل.، والثالثة من 600 ألف ل. ل. فما فوق، فقد تبين أن موقف الفئتين الأولى والثانية كان سلبياً في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة، في حين أن موقف أصحاب الدخل المرتفع، والذي يزيد عن 600 ألف ل. ل.، كان مختلفاً. وهكذا أجاب 48,3% من هؤلاء بالإيجاب عن السؤال الأول، و51,6% عن السؤال الثالث، في حين تراجعت النسبة، وبصورة حادة، عن السؤال الثاني، ولم تزد عن 12,9%. ويلمس بصورة ملحوظة التقارب في الإجابات بين الفئتين الأولى والثانية، حيث أجمع هؤلاء على الموقف السلبي الذي بلغ 55,9% و71,8% و65% بالتتالي. وإذا كانت نسبة المترددين، أو الذين لا يعرفون، قد بلغت في حدها الأقصى 28,% عندما اعتمدنا معيار السن، فإنها بحسب الدخل لم تزد عن 16,1% في حدها الأقصى، في حين أنها تراجعت إلى حد الصفر.

وإذا كان أصحاب الدخل المرتفع يميلون إلى الإيجابية في السؤالين الأول والثالث فإن موقفهم يميل إلى السلبية، وعلى نحو حاد، في السؤال الثاني؛ إذ يرى 70,9% من هؤلاء أن الاتفاق لن يضمن لهم حق العودة. ويبدو واضحاً أن 51,6% من هؤلاء يؤيدون الاتفاق بشكله الحالي. وتبين أن الفئة المتوسطة، إن صح التعبير، هي الأكثر حزماً ووضوحاً في موقفها، حيث أجاب هؤلاء سلباً عن الأسئلة الثلاثة، وبالنسبة التالية على التوالي: 59,4% و79,2% و69,3%.

إن قراءة الإجابات بحسب المستوى التعليمي لم تختلف عن سابقاتها؛ إذ إن الموقف السلبي هو السائد والمسيطر مع استثناء واحد فقط، حيث يلاحظ أن 46,1% من ذوي التعليم الابتدائي وما دون يردون على نحو سلبي عن السؤال الأول، لكن اللافت للنظر أن الذين أجابوا بنعم لم تزد نسبتهم عن 31,7%، في حين أن 22,1% من هؤلاء لا يعرفون فعلاً، أو لا يرغبون في الإجابة، لكن النسبة السلبية تعود فترتفع إلى 55% عن السؤال الثالث، و58,6% عن السؤال الثاني.

ويلاحظ التفاوت في إجابات أصحاب التعليم الجامعي، إذ لم تسر تلك الإجابات بالوتيرة ذاتها، حيث أجاب 52,3% من هؤلاء سلباً عن السؤال الأول، ثم ارتفعت هذه النسبة إلى 74,4%، ثم تراجعت إلى 66,2%. ويلاحظ أن نسبة المؤيدين من هؤلاء كانت متدنية ولم تزد عن 29%، و11,3% و27,9% عن الأسئلة الثلاثة وبحسب التسلسل.

عند معالجة الموقف من الاتفاق، وبحسب المناطق التي اعتمدنا فيها التوزيع الجغرافي التقليدي المتبع في لبنان، يتبين أن الإجابات تختلف من منطقة إلى أُخرى وبصورة حادة أحياناً. وهكذا يلاحظ في السؤال الأول أن 47,8% يردون سلباً في بيروت في حين أن هذه النسبة ترتفع في الشمال إلى 70,9%، وتستقر عند 50,3% في الجنوب. أما السؤال الثاني فقد كان الموقف منه سلبياً وبصورة عامة، وأن التفاوت كان أقل حدة على الرغم من الفوارق، حيث بلغت هذه النسبة 60,5% في حدها الأدنى في بيروت و82,5% في الشمال.

وبالعودة إلى السؤال الأول، يلاحظ التقارب في نسب الإجابات المؤيدة، مع استثناء واحد لمنطق البقاع. وما يجدر الإشارة إليه هو أن أية منطقة من هذه المناطق لم ترد بالإيجاب على أي من الأسئلة الثلاثة. ويلاحظ أن أعلى نسبة ردت بالإيجاب كانت 44,4% عن السؤال الأول، وجاءت من منطقة الجبل.      

كان السؤال الرابع في رأيي أشبه بنوع من الاختبار لمدى صدقية الإيجابات عن الأسئلة الثلاثة الأولى، ولم يكن من قبيل المصادفة أن توضع ستة خيارات للإجابة. وعموماً، فإن 27,8% ممن شملتهم الدراسة كانوا من مؤيدي الكفاح المسلح، بينما لم تزد نسبة مؤيدي المفاوضات والوسائل السلمية والدبلوماسية عن 22,0% في حين أن نسبة أولئك الذين رأوا الجمع بين الشكلين معاً بلغت 26,7%. ويلاحظ أن الذين اختاروا الإجابتين الأخيرتين لم تزد عن 6%، في حين أن نسبة ليست قليلة تفضل الانتظار إلى حين تغير الأوضاع. وفي الأحوال كافة فإن نسبة الذين يؤيدون الكفاح المسلح لا يستهان بها وربما تجاوزت 45%، ولا سيما أن هذه النسبة مرتفعة لدى الشباب الذين هم دون الثامنة عشرة والرجال الذين هم فوق الحادية والخمسين. ويلاحظ أن نسبة المؤيدين للكفاح المسلح مرتفعة بين   ذوي الدخل المتوسط، إذ بلغت 34,2%، وبقيت هذه النسبة، وإن بحدود أقل، لدى ذوي التعليم المتوسط. ويلاحظ أنه، بحسب المعايير الثلاثة، أن نسبة المؤيدين لهذا الشكل لم تتراجع عن 21,8%. وبالاعتماد على المقاييس كافة يلاحظ أن نسبة الذين لا يعرفون، أو لا رأي لديهم، كانت متدنية جداً ولم تزد في أحسن أحواها عن 11,1%، ولم تزد في المتوسط عن 5,8%. وينطبق الأمر نفسه، وبدرجة أقل، على أولئك الذين اختاروا الإجابة رقم 5، حيث أن نسبة هؤلاء لم تزد عن 3,5% في أحسن حالاتها. وعلى الرغم من أن نسبة لا يستهان بها فضّلت الانتظار إلى حين تغير الأوضاع، فإن نسبة الذين اختاروا الإجابتين الثانية والرابعة زادت، وفي الحالات كافة، عن 50% من تلك التي تشير إلى أن الأغلبية من الفلسطينيين ترى في الجمع بين المفاوضات والكفاح المسلح.

لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى المناطق، كما تتفاوت الإجابات بين منطقة وأُخرى. وهكذا يتبين أن أولئك المقيمين في منطقة الجبل لا يميلون إلى الكفاح المسلح، ويعبر عن ذلك نسبة 7,4% من العينة التي اختارت هذه الإجابة، وأن 44,4% من هؤلاء فضلوا المفاوضات والوسائل الدبلوماسية والسياسية، لكن الصورة لا تبدو كذلك في الشمال؛ إذ إنها تبدو معكوسة هنا. أما في منطقة الجنوب فكانت النسبة الأعلى لأولئك الذين يؤيدون الكفاح المسلح، حيث بلغت 27,5%. كما أن نسبة أولئك الذين رأوا الجمع بين الشكلين الأول والثاني كانت مرتفعة نسبياً، إذ بلغت 23,4%.

وبالاعتبارات كافة يتبين أن الفلسطينيين لا يوافقون على فكرة المفاوضات السلمية والدبلوماسية من دون الكفاح المسلح، ويطالبون في الغالب بالجمع بين الشكلين.

ثانياً: الموقف من الأداء السياسي لقيادة م. ت. ف.

كان الموقف من منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها والأداء السياسي لهذه القيادة يفترض التنوع والدقة في صوغ الأسئلة، لما لهذا الموضوع من حساسية لدى المواطن الفلسطيني. وأُخذ كذلك في عين الاعتبار، إلى جانب الأداء والدور السياسي لقيادة المنظمة، الموقف من الشخصيات الفلسطينية التي شكلت، ولوقت طويل، قيادة المنظمة أو شاركت في صوغ القرار السياسي الفلسطيني خلال مرحلة ما. وجاء توزيع الأسئلة كالآتي:

السؤال رقم 5: كيف تنظر إلى علاقة م. ت. ف. بالشعب الفلسطيني في لبنان؟ أ – قبل المفاوضات. ب – بعد المفاوضات. ووضعت ثلاثة خيارات: جيدة، سيئة، لا رأي لي.

السؤال رقم 6: هل تعتقد أن م. ت. ف. ما زالت هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ واحتمالات الردود كانت ثلاثة: نعم، لا، لا رأي لي.

السؤال رقم 7: كيف تنظر إلى السياسة الحالية لقيادة م. ت. ف.؟

  • ملتزمة بالشرعية الفلسطينية وبالتالي أؤيدها.
  • خرقت الشرعية الفلسطينية وأدعوها إلى تصحيح خطئها.
  • تتصرف بحسب رغباتها وأرى ضرورة:

أ- استقالتها، ب – عزلها، ج – إنشاء قيادة بديلة.

  • الأمر لا يعنيني.
  • لا رأي لدي.

السؤال رقم 8: لو قُدر لك أن تنتخب قيادة لـ م. ت. ف.، من كنت ستختار قائداً لها: 1- ياسر عرفات، 2- جورج حبش، 3- نايف حواتمه، 4- أحمد جبريل، 5- أبو خالد العمله، 6- أبو موسى، 7- سمير غوشة، 8- لا أحد من الشخصيات المذكورة، 9- لن أنتخب. والحقيقة أن اختيار هذه الشخصيات لم يأتي بناء على أساس انتظامها الحزبي أو السياسي، بل انطلاقاً من الدور التاريخي الذي أدته والذي سمح لبعضها أن يحدد مسار الثورة الفلسطينية واتجاهها في الكثير من المراحل الدقيقة، كما أنه لا بد من الإشارة إلى أن اختيار هذه الشخصيات من دون سواها نابع من معرفة الوسط الفلسطيني لها وبصورة جيدة؛ إذ إنه من غير الممكن أن نضع اسم شخصية كان نشاطها يمارس في الظل في اللجنة التنفيذية مثلاً أو سواها أو حتى خارج اللجنة التنفيذية.

في الإجابة عن السؤال الخامس رأى 72,92% أن العلاقة سيئة بعد المفاوضات. و14,26% فقط رأوا أن العلاقة جيدة، في حين أن 12,82% لم يكن لديهم رأي. هذه الصورة تبدو متناقضة إذا ما قورنت العلاقة بالمرحلة التي سبقتها، أي قبل المفاوضات، حيث اعتقد 49,82% أن العلاقة كانت جيدة في حين أن 41,88% رأوا العكس. ويلاحظ أن نسبة أولئك الذين لا رأي لديهم قد ارتفعت بين المرحلتين إلى ما نسبته 4,5%.

إن حقيقة هذا الواقع لا تعود إلى الأداء السياسي فحسب؛ فبعد انطلاق المفاوضات العربية – الإسرائيلية، تراجع نشاط الكثير من مؤسسات المنظمة، ولا سيما المؤسسات الاقتصادية التي كانت ذات شأن بالنسبة إلى الفلسطينيين، وخصوصاً في مجالات الرواتب والخدمات الصحية والاجتماعية وسواها. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه النتائج لم تكن بمعزل عن الوضع الفلسطيني العام.

لكن هذه الصورة تتفاوت وتختلف من معيار إلى آخر؛ فانطلاقاً من المعيار الاقتصادي، أي الدخل، لا تبدو الصورة كذلك، حيث أن 61% من ذوي الفئة الأولى من الدخل يفيدون أن سياسة المنظمة وعلاقتها بالشعب الفلسطيني في لبنان ما زالت جيدة. وكانت الفئة الأشد فقراً الأكثر تأثراً، وبالتالي تغيراً؛ ففي حين كان 52,4% من أصحاب الدخل القليل، أو الفقراء، يرون أن علاقة المنظمة بهم كانت جيدة قبل المفاوضات فإن هذه النسبة تدهورت وتراجعت إلى 14,5% في مرحلة ما بعد المفاوضات، وفي الوقت نفسه ارتفعت نسبة غير المهتمين بينهم، حيث ارتفعت نسبة من لا رأي لهم من 6,31% في المرحلة الماضية إلى 11,41% في مرحلة المفاوضات، أي تضاعفت تقريباً. والعكس حدث تقريباً مع أولئك الميسورين الذين تزيد رواتبهم ومداخيلهم عن 600 ألف ل. ل. ففي حين رأى هؤلاء أن العلاقة كانت سلبية قبل المفاوضات فإنهم يرون العكس حالياً، وتراجعت نسبة أولئك الذين لا رأي لهم من 22,5% إلى 0%.

إن موقف الفئة المتعلمة من الفلسطينيين كان الأكثر بروزاً، حيث أن نسبة أولئك الذين يرون أن العلاقة كانت، وما زالت، سيئة مرتفعة، وقد شكلت تلك النسبة 48,8% و60% على التوالي. ويلاحظ هنا نسبة أولئك الذين لم يدلوا برأيهم، حيث ارتفعت هذه النسبة من 12,7% إلى 18,6% على التوالي.

وعموماً، يلاحظ الموقف الشعبي السلبي من العلاقة بقيادة المنظمة. وليس أدل على هذا الواقع الرأي العام إذا ما قيس بالمناطق، حيث تُلاحظ عملية الانهيار في الموقف والرأي العام من العلاقة بقيادة م.ت.ف. ويجد الانعكاس العلمي لسياسة قيادة المنظمة تعبيره المادي في السؤال رقم 7، حيث يبدو واضحاً، وبالمقاييس والمعايير كافة، أن الرأي العام الفلسطيني يقول إن القيادة السياسية للمنظمة تتصرف بحسب رغباتها، إذ يبدو واضحاً أن 54,15% يعتقدون ذلك. وقد جاءت النسب في المتوسط على الشكل التالي: 54,44% و52,14%، و54,04% و63,02%. لكن المواقف من معالجة هذا الوضع تبدو مختلفة وموزعة، حيث أن 6,5% فقط يرون ضرورة استقالتها و6,8% عزلها، في حين أن 25,2% يرون ضرورة إنشاء قيادة بديلة.

أما أولئك الذين يعتبرون أن القيادة الفلسطينية ملتزمة بالشرعية الفلسطينية، وهم يؤيدونها، فقد بقيت 22,3% في مقابل 23,4% يرون أنها خرقت الشرعية ويدعونها إلى التصحيح. ويلاحظ أن المواقف، وبحسب الفئات العمرية، بقيت متقاربة في هذا المجال وتتراوح بين 18,75% بالنسبة إلى الشباب و25,8% بالنسبة إلى الكبار. وبقيت النسب نفسها تقريباً فيما عنى معيار الدخل، مع بروز بعض التغير في موقف ذوي الدخل العالي والذين بلغت نسبتهم 32,2%، وهي أعلى نسبة تأييد تحصل عليها سياسة المنظمة خلال المفاوضات. أما أولئك الذين يدعون إلى تصحيح المسار فلم تزد نسبتهم، وفي أحسن الحالات، عن 24,09%، وبقيت في المتوسط العام لا تزيد عن 23,47%.

يبدو واضحاً أن الموقف من سياسة قيادة م.ت.ف. خلال المفاوضات يرتدي طابع السلبية، لكنه في الوقت ذاته يعاني الحيرة والتشتت في طرق المعالجة.

بالعودة إلى السؤال السادس، تبدو الأمور مختلفة كلياً، حيث أن المواطن العادي قادر على التمييز بين م.ت.ف. وقيادتها، إذ إن 51,62% ممن شملتهم الدراسة ما زالوا يعتبرون م.ت.ف. ممثلهم الشرعي والوحيد. وإذا ما أخذنا المعايير الثلاثة الأولى يلاحظ أن هناك إجماعاً على الموقف الآنف الذكر. وهكذا جاءت نسبة المؤيدين لـ م.ت.ف. بالشكل الآتي، وعلى التوالي: 52,7%، و53,7% و51,05%، وجاءت هذه النسبة متراجعة لكن التدقيق يظهر أن الموقف من المنظمة يختلف من منطقة إلى أُخرى، ففي حين نجده إيجابياً في كل من بيروت والجبل، والجنوب (55,65%، 59,26%، 57,69%، نجده سلبياً وبصورة متفاوتة في كل من الشمال والبقاع، حيث بلغت نسبة المؤيدين حدها الأدنى في الشمال وشكلت 23,26%.

لكن أولئك الذين لهم موقف سلبي من م.ت.ف. بقيت نسبتهم متدنية، ويلاحظ أن نسبة أولئك الذين لا رأي لهم في منطقة الشمال قد زادت عن 15%.

في السؤال الثامن حاولنا الاقتراب قدر الإمكان من القضايا الملموسة ومعرفة موقف الرأي العام من القيادة الفلسطينية على نحو شخصي، ولهذا طبعاً دلالة كبيرة نصل من خلالها إلى حقيقة المواقف الآنفة الذكر، ولا سيما ما يتعلق بالموقف من سياسة قيادة المنظمة بشقيها الموالي والمعارض. ويبدو واضحاً أن العلاقة بين المواطن والقيادة لا تسير بصورة جيدة، حيث يبدو واضحاً أن 37,6% ممن شملتهم الدراسة لم يختاروا أياً من الشخصيات المذكورة. كما أن 16,6% لم يشتركوا في أية عملية انتخابية لنصل بذلك إلى نتيجة مفادها أن 54,2% ممن شملتهم الدراسة يتميز موقفهم بالسلبية تجاه القيادة الحالية. ويتبين أن أصوات المؤيدين توزعت وبنسب متفاوتة على الشخصيات الأربع الأولى (ياسر عرفات، نايف حواتمه، جورج حبش، أحمد جبريل)، لكن الملاحظ أن أياً منهم لم يحصل على التأييد المطلق الذي يؤهله لقيادة م.ت.ف. في حال إجراء انتخابات ديمقراطية.

أما النسب التي حصل عليها هؤلاء فقد جاءت على الشكل التالي، وبالتسلسل: ياسر عرفات 22,9%، نايف حواتمه 9,3%، جورج حبش 8,6%، أحمد جبريل 3,7%. لكن الموقف، وبحسب المعايير والمقاييس المتبعة، يختلف من مكان إلى آخر.

ثالثاً: الموقف من حق العودة

خضع "حق العودة" للكثير من التأويلات والتغيرات خلال الأعوام الماضية، وفي مرحلة ما بعد انطلاق المفاوضات بدأت معالجة هذا الموضوع بصورة مقلوبة، وأصبحت مقولة التوطين الهاجس يقض مضاجع الفلسطينيين في لبنان قبل سواهم. وبعيداً عما تتناقله وسائل الإعلام من مناقشة لهذا الموضوع على ألسنة الكثير من المسؤولين الحكوميين اللبنانيين، فإن الموقف الرسمي الفلسطيني، بشقيه الموالي والمعارض، يرفض التوطين. لكن السؤال الذي يبقى قائماً: ما هو الموقف الشعبي الفلسطيني من هذا الموضوع؟ ومن أجل ذلك صيغت الأسئلة بشأن التوطين على الشكل الآتي:

السؤال رقم 12: كيف تنظر إلى التوطين في لبنان؟ ووضعت ثلاثة خيارات هي على التوالي: جيد، الحل الوحيد، مرفوض.

السؤال رقم 13: وتألف من شقين الأول: أين تفضل العيش مستقبلاً؟ ووضِعت الخيارات التالية: فلسطين، لبنان، مكان آخر. أما الشق الثاني من السؤال فجاء على الشكل الآتي: في حال لم يعد ممكناً العودة إلى فلسطين، أين تفضل العيش؟ الإجابات: لبنان، بلد عربي آخر، بلد أوروبي، بلد أميركي، ولا أي بلد من هذه البلاد، لا رأي لدي.

إن الموقف من التوطين قد جاء حاسماً ولا لبس فيه، إذ أعلن 69,8% رفضهم للتوطين في حين أن من اعتبروا التوطين جيداً لم تزد نسبتهم عن 6,8%، وتوزع الباقون بين 16,7% رأوا أن الحل الوحيد، و6,6% لم يكن لديهم أي رأي.

أما في الشق الأول من السؤال رقم 13، فيبدو واضحاً أن 82,4% اختاروا العيش مستقبلاً في فلسطين، في حين أن 8,8% فقط اختاروا لبنان، و8,6% اختاروا مكاناً آخر. ويلاحظ أن التوطين مرفوض بالنسبة إلى الطبقات والشرائح الاجتماعية الفلسطينية كافة.

وأخيراً، نصل إلى الجانب الأكثر حساسية وتشاؤماً فيما يتعلق بحق العودة ونقيضه التوطين. ففي حال انعدام إمكان العودة ينقسم الموقف الفلسطيني من المستقبل ومكان الإقامة، حيث يتوزعون بالنسبة التالية: 44,9% لبنان، و6,6% بلد عربي آخر، و20,0% بلد أوروبي، و6,3% بلد أميركي، و15,5% لم يختاروا أيّاً من البلاد المذكورة، و6,5% لا رأي لديهم. وتبين أن نسبة أولئك الذي لم يختاروا زادت عن 20%، أي ربع أولئك الذين شملتهم الدراسة. وهذا ما يؤكد مقولة أن الفلسطينيين لا يتخلون، وفي أية حال، عن حق العودة؛ بل إن الأغلبية منهم لا ترغب في البقاء في لبنان في حال انعدام إمكان العودة. ويتبين أن أعلى نسبة منهم من الفلسطينيين الذين يفضلون البقاء في لبنان في هذه الحالة هم من كبار السن والذين تجاوزت نسبتهم 49%، في حين أن أصحاب الدخل المرتفع بقيت نسبتهم مرتفعة أيضاً، إذا ما قورنت بسواها، لكنها بقيت أقل من 50%. أما بالنسبة إلى المثقفين فيلاحظ أن لا رغبة لدى الأغلبية منهم في البقاء في لبنان، ويلاحظ أن أولئك الذين حصلوا على التعليم العالي الثانوي هم الأشد رغبة في عدم البقاء في لبنان.

أما في التجمعات وأماكن السكن، فيلاحظ أن 40% فقط من سكان الجنوب اختاروا البقاء في لبنان، في حين أن النسبة تراجعت إلى 14,2% في منطقة البقاع. أما بالنسبة إلى البلاد التي اختيرت فقد احتلت أوروبا المكان الأول، وشكلت نسبة أولئك الذين اختاروها في المتوسط 20,0%، وتلاها عدم تحديد أو عدم اختيار أي بلد، وجاءت القارة الأميركية في المرتبة الأخيرة، حيث أن النسبة وصلت إلى 6,3% فقط، في حين أن 6,6% اختاروا بلداً عربياً آخر.

يبدو مما تقدم أن هناك تطابقاً بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي الفلسطيني من التمسك بإصرار بحق العودة. وإذا كان هذان الموقفان منسجمين وانطلاقاً من الاعتبارات نفسها، فإن هذا التطابق مع الموقف اللبناني لا يبدو كذلك. فالموقف اللبناني، وفي كثير من التصريحات، يبدو معنياً من الناحية الميدانية والعملية برفض التوطين، أما حق العودة فلا يتم التطرق إليه إلا في الوثائق الرسمية، التي لا تبدو متطابقة مع السلوك العملي. وليس أدل على ذلك من تصريحات الكثير من الشخصيات اللبنانية، وفي مقدمها وزير الخارجية فارس بويز، بشأن مستقبل الفلسطينيين في لبنان، حيث يحاول البعض أن يفرض عليهم حلولاً لا علاقة لها بالقرار الدولي رقم 194 والمتضمن حق العودة. 

رابعاً: الموقف من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية

كانت تجربة الفلسطينيين، والعرب، مع الأمم المتحدة طويلة ومريرة، حيث عجزت الهيئة الدولية عن إلزام إسرائيل، وعلى مدى أربعة عقود، بتنفيذ قرار دولي واحد. والعكس هو الصحيح، فإسرائيل كانت، وما زالت، ترفض الالتزام بتلك القرارات، ولم يتخذ في حقها أي إجراء. ولهذا الواقع أسباب تعود إلى طبيعة العلاقة الإسرائيلية بالولايات المتحدة الأميركية.

منذ مطلع عقد التسعينات بدأ الحديث عن موقف أميركي جديد تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي جاء نتيجة للمبادرة الأميركية التي دعت إلى عقد مفاوضات عربية – إسرائيلية على أساس الشرعية الدولية، وخصوصاً قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لهذا السبب وسواه كان لا بد من التوجه إلى الفلسطينيين بالسؤالين التاليين:

سؤال رقم 15: هل تعتقد أن الأمم المتحدة والعالم منصفان تجاه قضيتك؟ ثلاثة خيارات: نعم، لا، لا أعرف.

سؤال رقم 16: كيف تنظر إلى سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالشرق الأوسط؟ ووضعت ستة خيارات جاءت على الشكل التالي:

1- جيدة لأنها متعاطفة مع العرب. 2- سيئة لأنها منحازة إلى إسرائيل. 3- تتحسن في مصلحة العرب والفلسطينيين. 4- تزداد عداء للعرب والفلسطينيين. 5- لا أعرف. 6- لا رأي لدي.

يتبين في الإجابة عن السؤال الأول أن هناك إجماعاً فلسطينياً على الموقف من الأمم المتحدة فيما يتعلق بقضيتهم خاصة والقضايا العربية عامة، إذ ظهر أن 89،8% ممن شملتهم الدراسة ينظرون بصورة سلبية إلى دور الأمم المتحدة وفقط 6,3% ينظرون إليها بصورة إيجابية. وبحسب جميع المعايير، يتبين أن الموقف من الأمم المتحدة يتميز بنوع من الشمولية والثبات لدى الفئات الفلسطينية كافة.

ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية؛ فعلى الرغم من تنوع الخيارات التي وضعت، فإن 61% اعتبروها سيئة، أما نسبة أولئك الذين يعتقدون أنها جيدة فقد كانت متدينة جداً وأقل من 1%، أما نسبة أولئك الذين يرون أنها تزداد عداء للعرب فقد بقيت أعلى من نسبة أولئك الذين يعتقدون العكس.

ويلاحظ أن نسبة الذين لم يعبّروا عن رأيهم كانت متدنية أيضاً؛ إذ إنها لم تتجاوز 1% إلا قليلاً، كذلك الأمر بالنسبة إلى أولئك الذين لا يعرفون، وبقيت نسبتهم تتراوح عند حدود 5,4%.

ويلاحظ في هذا الجانب أن الإجابات كانت متقاربة جداً، ولم يلمس أي نوع من التفاوت الواسع، إن بحسب السن أو بحسب الدخل أو التعليم وغير ذلك. وإذا ما ربطنا بين الإجابة عن هذا السؤال والجزء الثاني من السؤال رقم 13، لتبين لنا أن الموقف موحد في هذا المجال في وجهيه السياسي والعملي؛ حيث أن نسبة أولئك الفلسطينيين الذين اختاروا بلداً أميركياً بقيت تتراوح عند حدود 6%. ويعود ذلك إلى الربط المباشر للمواطن الفلسطيني بين القارة الأميركية والولايات المتحدة الأميركية.

ويبدو هنا أيضاً نوع من التطابق، أو الانسجام بتعبير أدق، بين هذا الموقف وذلك الآخر الذي يتعلق بالمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وما نجم عنها: اتفاق "غزة – أريحا أولاً"، برعاية ودفع أميركيين أولاً وقبل كل شيء.

خامساً: الجوانب الخدماتية والاقتصادية

إن أية دراسة ميدانية أو نظرية لجماعة بشرية تبدو فارغة من محتواها إذا لم تأخذ في الاعتبار الوضع الاقتصادي لتلك الجماعة التي هي محل البحث. وهكذا، كان لا بد من التطرق إلى بعض الجوانب المهمة من الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في لبنان، وخصوصاً فيما يتعلق بحق العمل، والخدمات التي يحصل عليها هؤلاء من الدولة المضيفة، ولا سيما الخدمات التعليمية والصحية، وسواها. ولما كانت الأونروا من أهم المؤسسات، إن من حيث حجم خدماتها أو من حيث الفترة الزمنية التي قدمت خلالها تلك الخدمات، فإنه لا بد من التوقف أمامها. وإلى جانب هذا نتوقف عند خدمات القيادة الفلسطينية المحلية للمخيمات، والتي تعتبر القيادة اليومية لإدارة وتوجيه الخدمات في المخيمات، بهدف تقويمها ومعرفة موقف المواطن الفلسطيني منها، لا سيما أن دور هذه الأخيرة كبر في الأعوام الأخيرة، ولأسباب معروفة منها علاقة أجهزة الدولة اللبنانية الخدماتية بالمخيمات وموقفها من هذه المخيمات.

وفي هذا الإطار عولجت هذه الموضوعات مجتمعة ضمن الأسئلة التالية:

السؤال رقم 9: هل تملك حق العمل في لبنان بصورة قانونية (هل لديك إجازة عمل)؟

السؤال قم 10: هل تمنحك المؤسسة التي تعمل فيها الإجازة السنوية، والإجازة المرضية، والتقاعد، والضمان الصحي؟

السؤال رقم 11: ما هو حجم الخدمات التي تتلقاها من الدولة اللبنانية في المجالات التالية؟ 1- الصحة. 2- التعليم.

السؤال رقم 17: كيف تقوِّم خدمات الأونروا؟ 1- جيدة وتفي بالحاجات. 2- لا بأس فيها وتفي بالحد الأدنى. 3- أقل من الحد الأدنى. 4- لا رأي لدي.

السؤال رقم 18: كيف تقوِّم عمل اللجان الشعبية الفلسطينية في المخيمات؟ 1- جيدة وناجحة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. 2- دورها أقل من المطلوب. 3- وجودها أو عدمه واحد. 4- لا رأي لدي.

فيما يتعلق بالسؤال رقم 9 يتبين من الإجابات أن 96,2% ممن شملتهم الدراسة لا يمتلكون حق العمل، وذلك لعدم امتلاكهم ما يسمى إجازة العمل التي تنطبق على العمال الأجانب الذين يصنَّف الفلسطينيون ضمنهم. ولما كانت هذه لا تمنح إلا بموافقة رب العمل، لذلك فمن الطبيعي ألاّ يمنح أولئك العاملين في قطاعات البناء، والزراعة، والورش الصغيرة هكذا نوع من الإجازات أو الحق. ويتبين أيضاً أن 3,7% من الفلسطينيين يمتلكون تلك الإجازة.

ويلاحظ توزع الإجازات على أولئك الذين شملتهم الدراسة بحسب السن، ويتبين أن 2,3% ممن يحصلون على إجازة العمل هم من أولئك الذين تجاوزت أعمارهم الخمسين سنة، ثم ترتفع هذه النسبة إلى 7,1% بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 18 سنة و30 سنة، في حين أن هذه النسبة تتراجع إلى 1,8% بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، وهو ما يعني أن نسبة البطالة أشد انتشاراً بين الشباب.

وتؤكد المعطيات أن حق العمل ينحصر بين ذوي الدخل المرتفع، وهم أساساً من ذوي الكفاءة والتأهيل العلمي، إذ يتبين أن ربع إجازات العمل الممنوحة موزع بصورة أساسية على ذوي الكفاءات، وبالتالي ذوي الدخل العالي قياساً بحجم الدخل في لبنان.

ويظهر أيضاً أن ليس كل أولئك الذين يمتلكون حق العمل يحصلون على حقوقهم التقليدية، ويتبين أن 7,4% من هؤلاء يحصلون على حقوقهم، وهذه الحقوق تشمل طبعاً الإجازة السنوية والمرضية، إضافة إلى حق التقاعد والتعويض. أما فيما يتعلق بالضمان الصحي والضمان الاجتماعي، فإن هؤلاء لا يحصلون عليهما، وذلك بسبب القوانين اللبنانية. يقول موظفان يعملان في إحدى المؤسسات اللبنانية المهمة الخاصة أنهم يشعرون بالدونية، ذلك لأن مؤسستهم، وعلى الرغم من حصولهم على حق العمل، أي الإجازة، لا تمنحهم حقوق زملائهم اللبنانيين، ولا سيما فيما يتعلق بالزواج والولادة وغير ذلك.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن سبب الخلل يكمن أساساً في التشريعات اللبنانية التي تجعل من الفلسطينيين بصورة عامة، وأولئك الذين يمتلكون حق العمل أداة سهلة للاستغلال من قبل القطاع الخاص الذي يتذرع بالقوانين. أما في القطاعات الأُخرى، وخصوصاً الزراعة والبناء، والتي تعمل فيها نسبة عالية من الفلسطينيين القاطنين بصورة خاصة في الجنوب اللبناني، فإن حقوق العمال الفلسطينيين تعتبر ضرباً من الوهم والخيال، وذلك بسبب العرض الواسع لليد العاملة في ضوء أن الكفاءة العالية ليست مطلوبة هنا.

أما الخدمات التي تقدمها أجهزة الدولة اللبنانية للفلسطينيين فتبدوا أن أقل من 3% من الفلسطينيين يتلقون خدمات من الدولة، وتتركز هذه على نحو رئيسي في قطاع التعليم، أي المدارس الحكومية والجامعة اللبنانية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مجال التعليم هو المجال الوحيد الذي يحصل الفلسطينيون فيه على خدمات الدولة.

وفيما يتعلق بخدمات الأونروا، فيجدر التأكيد أنها أكبر المؤسسات العامة والخاصة على الإطلاق التي تقدم خدمات للفلسطينيين، وتشمل هذه الخدمات قطاعات الصحة، والتعليم، والخدمات الإنمائية.

وعلى الرغم من أهمية تلك الخدمات فإنها لا تلبي حاجات الفلسطينيين المتزايدة. وقد ظهر أن 5،2% ممن شملتهم الدراسة اعتبروها جيدة وتفي بالحاجات، واعتبر 6،75 % أنها أقل من الحد الأدنى، في حين أن 20,4% قالوا لا بأس فيها. أما سبب ذلك فيمكن إرجاعه إلى طبيعة الخدمات ذات الطابع الإنمائي، وعدم تطور تلك الخدمات، والحاجات المتزايدة للفلسطينيين، إذ اعتبر 45,1% من أصحاب الدخل المرتفع أن خدمات الأونروا لا بأس فيها، في حين أن النسبة متدنية بين أولئك الأكثر فقراً. وعلى الرغم من أن الوكالة بدأت في الأعوام الأخيرة برامج ذات طابع إنمائي فإن هذه ما زالت في حدودها الدنيا، إما بسبب قلة معرفة الناس لشروط تلك الخدمات وإما بسبب الصعوبة في الحصول على تلك الخدمات.

وأخيراً، لا بد من التوقف أمام الدور الذي تؤديه القيادات المحلية، أي اللجان الشعبية. فبسبب غياب البلديات وأجهزة الخدمات اللبنانية الأُخرى عن المخيمات، قامت هذه اللجان الشعبية على أساس حل تلك المشكلات ذات الطابع الخدماتي، إضافة إلى تنظيم الحياة الداخلية في المخيمات، وخصوصاً فيما يتعلق بالإشراف والمساهمة في حل المشكلات البارزة.

في هذا المجال يبدو واضحاً أن 40% ممن شملتهم الدراسة يرون أن دورها أقل من المطلوب، وأن 49,1% يعتقدون أن وجودها وعدمه واحد، وأن 4,3% فقط ممن شملتهم الدراسة اعتبروا أن هذه اللجان جيدة وعملها ناجح، لكن نسبة لا بأس فيها ممن شملتهم الدراسة أعلنوا أن لا رأي لديهم. وكانت هذه النسبة 6,5%، أي أعلى من نسبة أولئك المؤيدين.

وإذا ما تجردنا من كافة المقاييس والمعايير وأبقينا على المعيار الأخير، أي المعيار المِنْطَقي، يتبين لنا أن إجماعاً على الموقف من اللجان الشعبية، على الرغم من التفاوت بين الإجابتين الثانية والثالثة، ويتبين أن أعلى نسبة تأييد لعمل هذه اللجان لم تتجاوز 8,1%. 

استخلاصات

قبل الوصول إلى الخلاصة لا بد من الإشارة، وبصورة مقتضبة، إلى الوضع الفلسطيني في لبنان، ولا سيما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، لكون القضايا المرتبطة بهذين المجالين هي التي تحدد، وبدرجة رئيسية، طريقة ونمط تفكير الناس وبالتالي سلوكهم. ففي المجال الاقتصادي يعيش الفلسطينيون في لبنان حالة من الفقر والبؤس الشديدين وأبرز تعبير عن ذلك الحرمان من حق العمل، الذي يعتبر من الحقوق الطبيعية لبشر عاشوا عشرات السنين، أو ولدوا، في بلد ما. وخلال أربعة عقود ونصف العقد من الزمن بقي الفلسطينيون محرومين من حق العمل، وهو ما أخضعهم لنوع من الاستغلال وحياة الفقر، واضطرهم إلى البحث عن فرص عمل في بلاد أُخرى منذ لجوئهم الأول. وجاءت الأحداث الإقليمية منذ مطلع عقد التسعينات لتغلق أمامهم الكثير من فرص العمل في الكثير من البلاد العربية، ولا سيما في دول النفط، لتزيد المعاناة حدة.

أما في الجانب الاجتماعي، فلم يعرف الفلسطينيون طعم الاستقرار في حياتهم، فخلال الأعوام الأولى من هجرتهم، أو بتعبير أدق لجوئهم، اعتقد هؤلاء أن عودتهم إلى وطنهم هي قضية أيام، وفي أسوأ الحالات قضية أشهر، إلى أن جاءت حرب سنة 1967، فأخذت معها جزءاً من أحلامهم، وبدأوا ينظمون حياتهم لفترة أطول، لكن ذلك لم يذهب أبعد من استبدال أسطح منازلهم التي بقيت حتى ذلك الوقت من التنك، بالإسمنت. وحتى يومنا هذا لا يزال الكثير من العائلات الفلسطينية وفي المخيمات كافة تعيش في بيوت من تنك أو في بيوت ذات أسطح من تنك. لكن الأمر لم يتوقف عند هذه الحدود، فالحرب الأهلية اللبنانية كان لها نتائج مباشرة عليهم، فإضافة إلى إعادة تهجير عشرات الآلاف منهم بعد أن دُمّر أكثر من مخيم وأزيل من الخريطة الجغرافية أربعة مخيمات من أصل أربعة عشر مخيماً، فقد هُجر عشرات الآلاف من مخيمات أُخرى. وكانت النتيجة عشرات الآلاف من الشهداء الذين تشير إحصاءات أسر الشهداء الفلسطينيين إلى أن عددهم بلغ خمسة عشر ألفاً، هذا باستثناء الآلاف من أولئك الذين لم يعتبروا شهداء لأسباب ترتبط بالمعايير التي كانت تؤخذ في الاعتبار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك الآلاف من المعاقين الذين لا مستقبل لهم أو معيل.

لكن تفكير الفلسطينيين لا ينسجم وواقعهم المعيشي والاجتماعي. فلدى هؤلاء من الخبرات والكفاءات ومستوى تعليم ما ليس موجوداً في أكثر البلاد تقدماً. أما سبب ذلك فيكمن في إرادة التحدي وتحقيق الحلم، حلم العودة إلى الوطن.

في اثناء العمل الميداني للدراسة الحالية قابلت رجلاً مسنّاً في مخيم الرشيدية فسألته عن موقفه من الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي، فاختصر الإجابة بكلمة: "خياني". وعندما سألته ألا تخاف أن تعلن هذا الموقف من موقعك هذا، فقال لم أعد خائفاً بعد أن أصبح حقيقة ما كنت أخاف منه دوماً. وعندما سألته لماذا يفضل البقاء في المخيم إذا كانت العودة غير ممكنة، فقال أريد الموت هنا لأبقى قريباً من قريتي التي لا تبعد أكثر من ثلاثين كيلومتراً.

لقد جاءت هذه الدراسة الميدانية لتؤكد الواقع أعلاه، فالنظام الدولي الجديد، كما المفاوضات وما نجم عنها، لم تغير قط التفكير الفلسطيني المتمثل في عدم القبول بأقل من حق العودة إلى الوطن. لكن يبقى السؤال: ما هو مستقبل ومصير الفلسطينيين في لبنان؟

أولاً: الفلسطينيون في لبنان ليسوا من مؤيدي الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي، ويلاحظ أنه كلما اشتد الفقر والبؤس اشتدت إرادة التحدي للاثنين معاً.

ثانياً: تؤكد الدراسة أن الفلسطينيين ليسوا راضين عن التحركات السياسية لقيادتهم، لكنهم، وعلى الرغم من ذلك، يتمسكون بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً لهم، كما أنهم ما زالوا يتمسكون بمقولة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر: "ما أخذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة"، وهذا ما يتأكد من خلال الإجابة عن الموقف من الوسائل المفضلة لإقرار الحقوق الفلسطينية والعربية.

ثالثاً: إن موقف الفلسطينيين من الولايات المتحدة والأمم المتحدة لم يتغير، ولم يُمنح أي منهما أي مقدار من الثقة.

رابعاً: يرفض الفلسطينيون رفضاً قاطعاً التوطين بكل أشكاله، وهم يتمسكون بحق العودة.

السيرة الشخصية: 

حسين شعبان: باحث متخصص بالشأن الفلسطيني في لبنان.