مذكرة رئيس اللجنة الاستشارية للوفد الفلسطيني إلى وزير الخارجية الأميركي يحدّد فيها المطالب الفلسطينية من المفاوضات، القدس، 20/7/1992
النص الكامل: 

لقد برهن الجانب الفلسطيني عن التزام عميق ومبدئي بعملية السلام، التي بدأت في مدريد في تشرين الأول (أكتوبر) 1991، رغم الشروط المؤلمة والمجحفة، ورغم كل محاولات إسرائيل لحرف المفاوضات عن مسارها، بينما تنتزع ضريبة باهظة من الفلسطينيين في ظل الاحتلال، مادتها الحقوق الإنسانية والأرواح. والآن مسؤولية الحكومة الإسرائيلية الجديدة هي وقف الأضرار الخطيرة بعملية السلام، وتغيير النهج، وكذلك جميع الأوضاع السلبية التي خلقتها الحكومة السابقة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الولايات المتحدة تعهدت كدولة راعية، لا بمهمة ضمان استمرار عملية السلام فقط، وإنما أيضا بالحفاظ على وحدتها، وبالعمل كقوة دافعة لتنفيذ أهدافها على شكل سلام شامل وعادل في المنطقة، مبني على قراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 و338 وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام.

ولذا، فإن من الأهمية الحيوية بالنسبة لنا، وبالنسبة لاستمرار عملية السلام، الوقف الفوري لجميع الأعمال غير المشروعة، والوحيدة الجانب والاستباقية من تلك الأعمال، هناك بالدرجة الأولى جميع أنواع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس، جميع أنواع النشاط الاستيطاني هي غير مشروعة، وفيها انتهاك للقانون الدولي وللبنود التي تستند عليها عملية السلام إذن التمييز الذي تفرضه إسرائيل بين المستوطنات، السياسية والأُخرى الأمنية أو الاستراتيجية، هو محاولة لإسباغ الشرعية على النشاط غير المقبول وغير الشرعي، ولإِعطاء مظهر الانصياع لمقتضيات السلام، مع الاستمرار في نفي جوهره بالذات. إن أي قبول بالنشاط الاستيطاني، من أي نوع، لا يعني سوى إعطاء الشرعية للتوسع الإسرائيلي في التعامل مع الأراضي الفلسطينية المحتلة.           

وسياسة الولايات المتحدة تجاه المستوطنات الإسرائيلية، التي أدت إلى وقف ضمانات القروض بعشرة مليارات دولار أنقذت وحدة عملية السلام وزادت من مصداقية الولايات المتحدة كراعية، وللحفاظ على حيوية عملية السلام، وعلى المشاركة الفلسطينية فيها، ومن الضروري أن تكف إسرائيل عن كل نشاطات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فوراً، وأن تقوم بخطوات تبرهن فيها عن احترام حقوق الإِنسان، وأن تحقق أيضاً تقدماً ملموساً في المفاوضات، وذلك كبراهين على النية الحسنة. ومنح الولايات المتحدة لضمانات القروض في غياب مثل تلك التطورات الإِيجابية الملموسة، سوف ينسف مصداقية الولايات المتحدة كراعية للمفاوضات، وسوف يسيء إلى مجموع العملية. وفي الوقت الذي نعترف فيه بظهور لهجة جديدة في إسرائيل مع انتخاب حكومة جديدة، فإننا نستمر مع ذلك في المطالبة بمبادلة فعلية وفعالة مع مواقفنا، وبخطوات حقيقية، للبرهان عن النية الحسنة، وللبدء بمرحلة جديدة في المفاوضات تتجاوز البلاغيات وخطابات الاستهلاك العلني. ونظراً للاستعداد الدولي المسبق في النظر إلى بيان الحكومة الإِسرائيلية الجديدة على أنه إيجابي بالمقارنة مع تصلب الحكومة السابقة، نأمل ألا يكون أي تحسن في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية على حساب عملية السلام.           

الجانب الفلسطيني يتطلع إلى مرحلة جديدة في المفاوضات تلي التجربة المؤلمة الطويلة من المماطلة الإسرائيلية، ومن انتهاكات حقوق الإِنسان، ومن النشاطات الاستيطانية المتصاعدة. وكبرهان على جدية النوايا، يجب أن تقبل إسرائيل بالتطبيق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة، وأن تقوم بخطوات خاصة تشمل الإِفراج عن المعتقلين السياسيين، وإغلاق معسكرات الاعتقال، ومراكزه (خصوصا كتسيعوت في النقب)، وعودة المبعدين، ورفع الرقابة والحظر عن كل النشاط السياسي، وإلغاء القيود التي تشل الاقتصاد، والوقف الكامل للتعذيب ولسوء المعاملة بحق السجناء الفلسطينيين، ووضع نهاية للعقوبات الإِدارية، بما في ذلك هدم البيوت وإغلاقها، والاعتقال الإِداري، وإلغاء قوانين الطوارئ لعام 1945، وإلغاء خطط استخدام الأرض التمييزية، والأمر العسكري رقم 291، الذي يمنع الفلسطينيين من تسجيل الأرض، وإنهاء ممارسات الجيش غير الشرعية بإطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك حل الوحدات الخاصة المتخفية، ووضع نهاية للإعدامات الميدانية.

إضافة إلى ذلك، القيود التي فرضها الليكود على طبيعة وشكل المشاركة الفلسطينية في المفاوضات يجب أن تُلغى، ومن الجملة تمكين الفلسطينيين من القدس ومن خارج الأراضي المحتلة من المشاركة مباشرة في المفاوضات في كلا المسارين الثنائي ومتعدد الأطراف.

ونحن، إذ قبلنا بالمقاربة ذات المرحلتين للمفاوضات، نرغب في أن نكرر موقفنا من أن المرحلة الأولى الانتقالية للحكم الذاتي هي مرحلة مؤقتة ومرحلية في إطار محدد من الزمن، وتقود، بتماسك داخلي وتعاقب، إلى الانسحاب الإِسرائيلي الكامل وإلى ممارسة الشعب الفلسطيني لحق تقرير المصير، وللعودة وللدولة الفلسطينية المستقلة، ويجب عدم السماح لأي من الخطوات الانتقالية بالمساس بتلك الأهداف، أو التأثير المعيق للوصول إليها.

أي سلطة فلسطينية لهذه المرحلة يجب أن تتمتع بالسيطرة على الأرض والموارد (ومن الجملة المياه) ويجب أن تنتخب عبر انتخابات سياسية على مستوى الشعب في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس، وذلك لإقامة جمعية تشريعية، العضوية فيها يجب أن تشمل مسؤوليات إدارية مختلفة، وحسب الاستحقاقات والقدرة.

والانتخابات العامة إلى الجمعية التشريعية، ونقل السلطة يتطلب إشرافاً دولياً، كي تكون ذات معنى وسلمية، ولتحول دون التدخل الإِسرائيلي، مع تقديم الحماية للمدنيين الفلسطينيين.

ومن الضروري أيضاً احترام الإِطار الزمني الخاص إذن الانتخابات التشريعية تحت الإِشراف والحماية الدوليين يجب أن تجري في تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، كي يليها مباشرة نقل السلطة. الفلسطينيون من القدس الشرقية والأشخاص المبعدون في حزيران (يونيو) 1967 يجب أن يكونوا مخيرين في التصويت على أساس قانون الانتخاب الفلسطيني. وينتظر مع بداية عملية الانتخاب والحملة الانتخابية، أن يجري انسحاب إسرائيلي واسع من المناطق الآهلة بالسكان. وبينما الوضع الدائم لكامل القدس يجب أن يتحدد في المرحلة الثانية من المفاوضات، فإن القدس الشرقية كأرض محتلة لا يمكن إبعادها عن ترتيبات المرحلة الانتقالية. إن إسرائيل تقوم بخطوات من طرف واحد، لقد غيرت الوضع الديموغرافي والديني والثقافي والفيزيائي والقانون للقدس، والكف عن مثل هذه الخطوات وإلحاق القدس بسلطة الحكم الذاتي الانتقالي يؤلفان ضرورة واضحة.

وبالاعتراف بالحاجة الحقيقية لتحقيق تقدم جوهري في المفاوضات، فإننا نأمل أن يجري استئناف المفاوضات في روما في أقرب فرصة، في آب (أغسطس) 1992. نحن مستعدون تماماً للدخول في مفاوضات مستمرة متصاعدة، كي نتمكن من تحقيق هدف تشرين الثاني (نوفمبر) 1992.

نحن أيضاً نقر بموقف إسرائيل من تسريع المفاوضات، والدخول في المسائل الجوهرية. وأي أعمال إيجابية يقوم بها الجانب الإِسرائيلي سوف تسجل بما تستحقه، وسوف تساهم في جو عملية السلام وفي جوهرها.

منظمة التحرير الفلسطينية، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، بذلت جهوداً بناءة وإيجابية بطرح قضية السلام، وساهمت بذلك في عملية السلام الجارية. لذا، فإن من المناسب والمفيد جداً، أن تقوم الولايات المتحدة بخطوات ملموسة من أجل إعادة حوارها مع م.ت.ف. انسجاماً مع المبدأ المرشد، وهو حل الصراع بالحوار، الذي يجب أن يؤذن بعهد جديد في منطقتنا.

 

المصدر: "الحرية" (بيروت)، العدد 468، 6/9/ 1992، ص 10 – 11. وقد وُجّهت المذكرة إلى وزير الخارجية الأميركي خلال زيارته للمنطقة.

* رئيس اللجنة الاستشارية للوفد الفلسطيني: فيصل الحسيني.

** وزير الخارجية الأميركي: جيمس بيكر.