الكلمة التي ألقاها مستشار الأمن القومي الأميركي في 17/5/1994، وركّز فيها على "سياستنا النظرية حيال الشرق الأوسط ككل". وأكد أن جوهر الأمر أن الشرق الأوسط يواجه خياراً بين مستقبلين: مستقبل يسيطر المتطرفون فيه، وبأيديهم أسلحة الدمار الشامل، على منطقة تمزقها الصراعات، ويمثل خطراً وجودياً على إسرائيل وعلى "أصدقائنا" الآخرين في المنطقة. أما المستقبل الآخر فيحمل في طياته التقدم الديمقراطي وحرية انتقال الأشخاص والبضائع، وحواراً يؤدي إلى أمن إقليمي. وختم أن إدارة كلينتون تعي المهمة المحفوفة بالمخاطر والمترتبة على تغيير الشرق الأوسط، غير أنها تعتز بالتحدي وتحتضنه.
شكراً جزيلاً. إنه لمن دواعي سروري حقاً أن أكون هنا وأن أخاطب ندوة مؤسسة واشنطن.
أقول لكم بكل صدق وإخلاص إنني أود أن أشكر المؤسسة على كل ما قامت به من أعمال عبر أعوام وجودها، بما في ذلك أنها قدمت عدداً من خرّيجيها إلى هذه الإدارة، وخصوصاً مارتن إنديك (Martin Indyk) الذي يؤدي مهمته على أحسن وجه الآن كعضو في مجلس الأمن القومي، وكذلك من خلال مساهمات المؤسسة في مناقشاتنا لأمور في غاية الأهمية. وعندما رأيت بيل مارشال (Bill Marshall) هنا، وهو أحد المتكلمين، استرجعت في الذهن ما قاله الرئيس خلال حملته الانتخابية، على ما أظن، حين قال إن انتصارنا في الحرب الباردة جاء ليس فقط نتيجة قوة سلاحنا بل من خلال قوة أفكارنا، وإن الأفكار هي التي اخترقت جدار برلين ودمرته. والمؤسسة استخدمت أفكارها، وبصورة أفضل من أية مؤسسة أُخرى مشابهة لها، لاختراق جدار أفكار حول الكثير من القضايا المختلفة. وأود أن أشكركم على ما ساهمتم به في سبيل تربيتي راشداً وتربية الكثيرين على مر الأعوام.
أنا أعلم بأن جمهور اليوم جمهور جاد جداً وله اهتمامات عميقة واطلاع واسع على هذه القضايا. وأشعر الآن، وكما جاء في القصة القديمة، كما شعر ذلك الأستاذ الجامعي الذي طُلب منه أن يلقي محاضرة عن الفيضانات وإذا به يلمح نوحاً بين المستمعين. ولا ريب في أنني سأسمع آراء "النوحيين" بعد الانتهاء من كلامي.
وفي حين أن وزير الخارجية كريستوفر منهمك الآن في محادثات مكثّفة، ارتأيت الليلة ألاّ يكون تركيز الكلام على واقع المفاوضات الراهن بل أن أعود إلى الوراء قليلاً وأتكلم على سياستنا النظرية حيال الشرق الأوسط ككل. فالشرق الأوسط يمثلّ من جوانب عدة نموذجاً لسياسة أمتنا في فترة ما بعد الحرب الباردة. والتحدي البارز أمامنا، ومسؤوليتنا كذلك، هما أن نبني بيئة إقليمية في الشرق الأوسط تبرز إلى الوجود من خلال الوعد بسلام وأمل مقبلين.
وجوهر الأمر أننا نعتقد أن الشرق الأوسط يواجه اليوم خياراً بين مستقبلين؛ فعلى المسار الأول نلمح مستقبلاً يسيطر المتطرفون فيه، وبأيديهم أسلحة الدمار الشامل، على منطقة تمزّقها الصراعات بين المجتمعات والدول. ومن المهم حين نتأمل هذا المستقبل القاتم، أن نعي أن مستقبلاً كهذا من شأنه أن يمثل خطراً وجودياً على إسرائيل وعلى أصدقائنا الآخرين في المنطقة.
أما المستقبل الآخر فهو الذي يحمل في طيّاته التقدم الديمقراطي، وحرية انتقال الأشخاص والبضائع، وحواراً يؤدي إلى أمن إقليمي. لذا، فنحن نواجه إما العنف وإما السلام، إما القمع وإما الحرية، إما الانعزال وإما الحوار. هذه، وبكل وضوح، هي الخيارات المتاحة لنا.
وفي كل يوم يمكننا أن نرى بأم العين أمثلة لهذين المستقبلين. لننظر، على سبيل المثال، في حوادث الأيام الأخيرة فحسب؛ فالجهود الرامية إلى توحيد اليمن أصيبت بصدمة قوية حين اختار الشماليون والجنوبيون اللجوء إلى ميادين القتال لا إلى طاولة المفاوضات. وفي الوقت ذاته، وفي خطوة مهمة جداً نحو إنهاء الصراع الطويل الأمد، نقل الجنود الإسرائيليون السلطة في غزة وأريحا إلى السلطات الفلسطينية بسلام.
وفي خضم هذه المرحلة من الاضطراب والأمل، لا يمكن للولايات المتحدة أن تقف موقف المتفرج. وعلى الرغم من انتهاء مرحلة التنافس بين الدول العظمى، فإن المنطقة تبقى ذات أهمية حيوية لأمتنا. فالتدفق الحر للنفط من الخليج، وبأسعار معقولة، وأمن إسرائيل وازدهارها، وسلام عربي – إسرائيلي ثابت وآمن على مدى الزمن، والاستقرار في بلاد عربية صديقة لنا، وحاجتنا إلى لجم إيران والعراق وليبيا والسودان، وهي دول ردات الفعل الرجعية (backlash) في المنطقة، وجهودنا الرامية إلى الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل – إن هذه الأسباب كلها تحمل أمتنا على أن يكون لها اهتمام جاد وعميق في ضمان الوصول إلى مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً وديمقراطية في الشرق الأوسط.
غير أننا لا نسعى للسيطرة على مستقبل الشرق الأوسط. إن جزءاً كبيراً من تاريخ المنطقة المضطرب كان يسوده النزاع من أجل السيطرة. وقليلة جداً هي الجهود التي بذلت من أجل الوصول إلى جهود مشتركة للترويج للمصالح المشتركة والقِيَم المشتركة بغية الوصول إلى مستقبل أفضل لشعوب المنطقة كافة.
كما أننا لا نرى أن هذه المعركة بشأن مصير الشرق الأوسط هي نزاع بين حضارات. دعوني أؤكّد هذه النقطة. فقد اقترح البعض أنه، وفي فترة ما بعد الحرب الباردة، ثمة هوة أساسية تفصل بين التراث الغربي الليبرالي الديمقراطي في مواجهة حضارات زعموا أنها متعارضة، وهي حضارات مبنية على الإسلام وعلى غيره من الحضارات الدينية. ويرى هؤلاء المنظّرون أنه ليس ثمة من قاسم مشترك من التفاهم بين الغرب والآخرين؛ فليس ثمة من مستقبل آخر سوى المواجهة والصراع. ويزعم هؤلاء أن الولايات المتحدة، بوصفها القوى العظمى الوحدية الباقية التي تبحث عن أيديولوجيا جديدة لتقاومها، يجب أن توجه جهودها نحو قيادة حملة صليبية جديدة ضد الإسلام. وفي صدد البحث عن أيديولوجيا جديد لتعبئة الحشود ضدها، يتم استبدال الشيوعية بالأصولية بوصفها الخطر المحدد على الغرب. ونحن نخالفهم الرأي تماماً.
في الشرق الأوسط، كما في سائر أرجاء العالم، ثمة في الواقع هوة أساسية، غير أن حدود هذه الهوة لا تفصل بعض الحضارات أو الأديان عن بعضها الآخر. كلا، بل إن هذه الحدود تفصل بين القمع والحكم المسؤول؛ بين الانعزال والانفتاح؛ بين الاعتدال والتطرف. وهذا الانفصام لا يعترف بالعرق ولا بالعقيدة.
وفي إفريقيا الجنوبية، كما في الصين، وفي بورما كما في روسيا، وفي غزة كما في شمال العراق، هناك رجال ونساء شجعان يتكلمون لغة الحرية العالمية، الشخصية والسياسية، ويناضلون من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية. إن التغييرات العالمية المذهلة التي طرأت طوال الأعوام الأربعة الماضي تدل على أن في إمكان تلك اللغة أن تتخطى الماضي وتغيّر المستقبل.
وهذا يصح في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي كما يصح في أي مكان آخر. فعدوّنا هو القمع والتطرّف، دينياً كان في المظهر أو علمانياً.
إن الخط الفاصل الذي نرسمه نحن هو ضد من يسعى لتمرير سياساته من خلال الإرهاب أو التعصّب أو العنف. وفي وسعي أن أؤكد لكم أن الرئيس كلنتون سيثابر على معارضة جميع أعمال الإرهاب التي تهدف إلى وقف عملية السلام أو إلى منع شعوب الشرق الأوسط من الوصول إلى مستقبل واعد. وأعداء السلام لم يترددوا في اللجوء إلى العنف لتمرير أهدافهم، غير أن الرئيس أكدّ أننا لن نسمح لهم بالنجاح.
كما أننا نرفض القول إن توكيد القيم التقليدية مجدداً، والذي نشاهده في العالم الإسلامي، يتعارض بالضرورة مع الغرب ومع المبادىء الديمقراطية. إن هذه القيم، ومنها حب الأسرة والمجتمع والتعلق بالإيمان والأعمال الصالحة، ليست غريبة عن تاريخنا نحن ولا عن تجاربنا. ولا ينبغي أن نندهش حين نرى المواطنين في سائر أرجاء الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية يجرّبون هذه القيم ويناقشونها في المجتمع وفي الحكم. إن الناس في هذه المنطقة، كما هي الحال في العالم بأسره، يبحثون عن السبل للوصول إلى الحكم المسؤول، وإلى ضمان حقوق الإنسان الأساسية، وإلى الهداية والرشد في حياتهم اليومية. وإذا كانت أعداد كبيرة جداً منهم تتطلع نحو الدين، نحو الإسلام، فهذا ليس بالأمر المستغرب ولا النادر. إذ إنه مسعى عالمي، والإسلام ليس هو الموضوع.
واليوم، فإن النزاعات التي تهز الضمير العالمي ليست، كما هو واضح، نزاعات بين الحضارات. ففي البوسنة مثلاً، نحن نقف ضد الكراهية واستخدام القوة. وعدوّنا هو التعصُّب والقومية اللذين لا يرحمان. وقد يسعى قادة الصرب لإضفاء الشرعية على احتلالهم للأرض، زاعمين أنهم إنما يدرأون خطر الإسلام عن الغرب، غير أنه لا ينبغي للعالم أن يقبل مثل هذه المزاعم الكاذبة. ونحن بالتأكيد لن نقبلها، ونحن نساند دولة بوسنية ديمقراطية يعيش المسملون والمسيحيون فيها بسلام. ونحن نعتقد أن للغرب مصلحة في البرهان عن أن دولة كهذه في قلب أوروبا هي دولة يُرحّب بها وأنها قادرة على الحياة والازدهار.
إن التبرير الذي قدّمه صدام حسين لدى اجتياحه للكويت، أي الدفاع عن الإسلام ضد غزو غربي، كان تبريراً مفضوحاً تماماً، كما هي مزاعم ميلوسيفتش (Milosevic) اليوم من أن المعركة هي معركة حضارية ولم ينخدع أحد. فقد كانت حرب الخليج في جوهرها واضحة للعيان، إذ كانت محاولة لاحتلال الأرض وللوصول إلى زعامة إقليمية تصدى لها تحالف من الأمم الإسلامية وغير الإسلامية. وعقب تلك الحرب اضطرت الولايات المتحدة إلى التصرف حيال نظامين عدوّين في المنطقة هما: العراق العلماني وإيران الأصولية. وفي أرجاء المنطقة الأُخرى، نحن نقف ضد السياسات المتطرفة في ليبيا العلمانية والسودان الأصولي. ونحن نراقب الوضع عن كثب من الجزائر حتى جنوب لبنان ومن الضفة الغربية وغزة حتى مصر والأردن، وحيثما يوجد متطرفون ينذرون بالانحراف بالمنطقة نحو طريق العنف القديم.
وليس من شك أبداً في أن التطرف الإسلامي يمثل خطراً على مصالح أمتنا. فهناك قوى تستخدم غطاء النهضة الإسلامية لقمع الحرية، وللانعزال عن العالم، ولتبرير أعمال العنف. وهذه الحركات تهدد الولايات المتحدة وأسرة الأمم العالمية لأنها تستخدم لغة العزم والجاذبية المفرطة، والكلام المعسول القديم قدم الزمن وباطنه الكراهية والخوف والتعصب. وكما علمتنا التجارب، فإن هذه القوى هي أكثر ما تكون خطراً على مستقبل الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من الاختلاف في الأوضاع، فإن ظاهرة التطرّف في أرجاء العالم كافة تنبع من ينابيع مشتركة، أي من الإحباط ومن الإخفاق في ضمان الحاجات الأساسية، ومن انهيار الآمال بالمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية. وهذا الإحباط الواسع الانتشار هو الذي يولّد التطرف في الكراهية والعنف، وهذا التطرف ليس محصوراً، بأي شكل من الأشكال، في الشرق الأوسط أو في العالم الإسلامي.
إن ما يميز التطرف الإسلامي هو أنه يستخدم الدين غطاء لمآربه الحقيقية، أي السعي الحثيث والواضح نحو السلطة السياسية. وفي خضم هذا التحدي، على الولايات المتحدة أن تمد يدها نحو الأمم الأُخرى الراغبة في ذلك وأن تبني العوائق الإقليمية التي تعوق التطرف. ففي آسيا الوسطى نحن نرعى صلاتنا بدول إسلامية استقلت حديثاً، مثل كازاخستان. وفي غيرها من الأرجاء، من تركيا إلى السعودية ومن باكستان إلى إندونيسيا، ما زلنا نحافظ على تحالفات طويلة الأمد وعلى صداقات مع دول علمانية وأصولية سكانها من المسلمين. وهدفنا في الشرق الأوسط بأسره هو هدف مشابه.
وفي مجال التصدي للتحديات المقبلة، علينا أن نسعى بنشاط للوصول إلى سلام عربي – إسرائيلي، وأن نلجم بنشاط تلك الدول والمنظمات التي تروج للتطرف الديني أو العلماني أو تسانده، وأن نساهم في إيجاد مجموعة من الدول في الشرق الأوسط متشابعة في التفكير، تشاركنا أهدافنا في الأسواق الحرة، وتوسيع رقعة الديمقراطية، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إيصالها.
إن أياً من هذه العوامل يتكامل مع الآخر ويعززه. فإحراز التقدم في صنع السلام العربي – الإسرائيلي يساهم في وضع المتطرفين في موضع الدفاع ويزيد في عزلتهم. ومن جهة أُخرى، فإن تقويض قوى التطرف يسهّل مهمة صانعي السلام. وعندما ينجح السلام ويُلجم التطرف، تجد الحكومات المعتدلة أن من الأسهل عليها تعزيز شرعيتها ومجابهة المتطرفين في الداخل، وأن الاعتدال يعزز بعضه بعضاً، بينما تنمو تلك العلاقات بين الدول المعتدلة والتي تحمل في طياتها الأمل باستقرار إقليمي أكبر.
إن السعي الحثيث للوصول إلى السلام في الشرق الأوسط هو من أعلى أولويات السياسة الخارجية لإدارة كلنتون. فهذا السعي هو بمثابة الحجر الأساس لجهودنا الرامية إلى المساهمة في تغيير المنطقة. وإذا كان يمكن العرب واليهود أن يعيشوا معاً بسلام على الأرض المقدسة بعد كل هذه الكراهية والصراع، ففي إمكانهم حشد طاقاتهم ومهاراتهم الهائلة من أجل التقدم، وفي إمكانهم أيضاً أن يكونوا مثالاً يحتذى وأن يصنعوا دينامية للسلام من شأنها أن تؤثر إيجابياً في جميع النزاعات الأُخرى في المنطقة.
لذا، فإن ما حدث في غزة وأريحا في الأسبوع المنصرم حدث بسيط وعميق المغزى في آن واحد. ففي معناه الحرفي، تسلمت الشرطة الفلسطينية من الجيش الإسرائيلي مسؤولية الحفاظ على الأمن، غير أن هذا الاستبدال البسيط للسلطات يرمز أيضاً إلى تطور العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فلأول مرة في تاريخهم، حصل الفلسطينيون على حق ومسؤولية حكم أنفسهم. ولأول مرة في تاريخ النزاع العربي – الإسرائيلي، اتفق الإسرائيليون والفلسطينيون، وبوسائل عملية، على مواصلة البحث عن التعايش السلمي على الأرض المقدسة. ويعلم الله بأننا نعي جميعاً الصعوبات والمخاطر الناجمة عن هذه العملية. ففي الفترة الفاصلة بين لحظة المصافحة التاريخية في حديقة البيت الأبيض في أيلول/ سبتمبر الماضي [1993] وتوقيع اتفاق القاهرة بعد ذاك التاريخ بتسعة أشهر، كنا نتذكر على الدوام أن قوى التطرف والرجعية عازمة على خنق الأمل بالسلام، ولا يمكننا أن نسمح لها بالنجاح، ولا ينبغي لنا ذلك.
وقد يرتاب البعض في الحكمة الكامنة وراء الطريق التي سلكها يتسحاق رابين وياسر عرفات وفي قابليتها للحياة، غير أن هذه اللحظة ليست هي اللحظة المواتية للتباهي بمعرفة ما قد فات. فقد قرر الإسرائيليون والفلسطينيون أن الوضع القائم لا يحتمل، وأن التقارب السلمي أفضل من النزاع والعنف اللذين لا نهاية لهما. وفي المقابل، ينبغي أن نؤدي واجبنا نحوهم، وأن نفعل ما هو أكثر من محضهم الثقة؛ بل ينبغي أن ندعمهم ونشجعهم. فإذا فشلوا، وإذا سمحنا لهم بأن يفشلوا، فإن الآمال بقيام السلام في الشرق الأوسط ستخبو. وعندئذٍ، من يستطيع أن يتنبأ بكم من الأرواح ستزهق من جديد، وكم من العائلات ستتمزق من جديد، وكم من المعارك ستنشب من جديد قبل أن يعمل زعماء شجعان إلى محاولة صنع سلام جديد؟
كذلك لا يمكن أن نخطو خطوة إلى الوراء، وأن نراقب التغيّرات التاريخية الجارية في غزة وأريحا. لا ريب في أن تعقيدات عملية صنع السلام ما هي اليوم إلا في طور الانكشاف. إن إعلان المبادىء الإسرائيلي – الفلسطيني يدعو إلى توسيع حيِّز الحكم الذاتي الفلسطيني ليشمل الضفة الغربية. ومن المفترض أن تُجرى انتخابات في الضفة الغربية وغزة هذا العام. وفي موعد أقصاه عامان من اليوم تبدأ إسرائيل ومنظمة التحرير المفاوضات بشأن الوضع النهائي.
وبالنظر إلى هذه الصعوبات، يبقى السؤال: لماذا قررنا المضي قُدُماً في جهودنا الرامية إلى إنجاز اختراق نحو سلام شامل هذا العام؟ والجواب هو أن اتفاقاً سورياً – إسرائيلياً من شأنه أن يكون بمثابة تسوية شاملة ونهائية بين دولتين قويتين تسيران معاً نحو سلام الشجعان. واتفاق كهذا من شأنه أن يضع حداً للصراع بين إسرائيل والدول العربية. وعندها يصبح في وسع الأردن ولبنان أن يضعا حداً لخلافاتهما مع إسرائيل في زمن قصير. ويتبع ذلك، وبسرعة، تطبيع كامل للعلاقات بين إسرائيل ودول المغرب العربي ودول الخليج. وبكلام موجز، تنفك العقدة.
إن من شأن السلام بين سوريا وإسرائيل أن يؤدي إلى ما هو أكثر من مجرد دعم الاتفاق بين إسرائيل والمنظمة أو تغيير بين إسرائيل والعالم العربي. فهذا السلام يساهم مساهمة فعالة في دعم جهودنا لتوسيع رقعة صانعي السلام، وتعزيز شبكة الاعتدال في الشرق الأوسط، وبناء قلعة حصينة ضد دول ردات الفعل الغريزية.
ففي الحقل الأوسع للسلام في المنطقة، تؤدي سوريا دوراً حيوياً. إذ إنه من وجهة النظر التاريخية، كان من شأن تحالفها مع إيران ودعمها للقوى الرافضة أن منحا قوى التطرف قاعدة بالغة الأهمية في الشرق الأوسط. ومن خلال الكلام بلغة القومية العربية، منحت سوريا هذه القوى مقداراً مهماً من الشرعية. وهكذا، فقد استخدمت سوريا نفوذها هذا على نحو سيىء حين رفضت صلح السادات مع إسرائيل، واستخدمته على نحو جيد حين شاركت في حرب الخليج ضد صدام حسين، وكذلك، وفي المقام الأهم، حين شرعت في مفاوضات ثنائية مباشرة مع إسرائيل.
لذا، حين اتخذ الرئيس الأسد خطوته المهمة في جنيف، في حضور الرئيس كلنتون، معلناً أن سوريا اتخذت خياراً استراتيجياً نحو السلام (وهذه هي كلماته) مع إسرائيل، سرعان ما اضحى حلفاؤه السابقون في حالة من الانفعال العصبي. وخوفاً من فقدان قواعدهم في لبنان وسوريا، غادر زعماء جبهة الرفض الفلسطينيون سوريا إلى ليبيا سعياً لمأوى جديد لهم. وبدأ زعماء حزب الله نقاشاً بشأن أفضل السبل لمتابعة سياسة التطرف في ظل سلام إسرائيلي – لبناني. أما المسؤولون الإيرانيون فقد سارعوا إلى زيارة دمشق، غير أنهم عادوا منها، على ما يبدو، بخفّي حنين. وحين وصلوا إلى بلدهم، بدأ رجال الدين في إيران ينتقدون القيادة لفشلها في منع عزلة بلدهم المتعاظمة.
وعلى الرغم من جميع هذه الإمارات المشجعة، فإننا لا نستهين بالمخاطر والثمن المتوجب على سلام إسرائيلي – سوري. وكما أشار رئيس الحكومة الإسرائيلية رابين، فإن النقاش المرير الدائر في إسرائيل سيجعل ثمن السلام مع سوريا مؤلماً للغاية. ومع أنه سيكون من الصعب على الولايات المتحدة أن تخفف من هذا الألم، فنحن قادرون، كما كرر الرئيس كلنتون مراراً، على مساعد إسرائيل في تحجيم الأخطار على إسرائيل، وسنفعل ذلك.
أولاً، سنصر على أن السلام يجب أن يكون سلاماً حقيقياً لا مجرد حالة من غياب الحرب، بل يجب أن يكون تغييراً نوعياً في العلاقات بين إسرائيل وسوريا، بما في ذلك علاقات دبلوماسية كاملة، وإنهاء المقاطعة الاقتصادية، وحدود مفتوحة للناس والتجارة، وتشجيع المشاريع الاقتصادية المشتركة. وكما أشار الرئيس كلنتون في جنيف، فنحن نملك الآن من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد أن سوريا ملتزمة الآن بسلام حقيقي كما تعرّفه إسرائيل وغير إسرائيل. ثانياً، سنصر، على أن يكون السلام سلاماً مضموناً. فالولايات المتحدة على أهبة الاستعداد للمشاركة في الترتيبات الأمنية التي ستفاوض الطرفان بشأنها. ومع أن النقاش المحدد لشكل هذه المشاركة لم يبدأ بعد، فإن التزامنا بها التزام ثابت. وكما أننا عملنا هذا العام لتحقيق الوعد الذي قطعه الرئيس كلنتون فيما يتعلق بالحفاظ على التفوق الإسرائيلي وتعزيزه، فإننا سنعمل أيضاً من أجل تطوير قدرات إسرائيل ف مجال الإنذار المبكر وفي التعاطي مع أخطار ذات مدى أبعد لتعويضها عن المزايا الاستراتيجية التي قد تختار إسرائيل التخلي عنها من أجل السلام.
وأخيراً، سنصر على أن يكون السلام شاملاً. وسنعمل مع الأردن ولبنان بجد لضمان أن تؤدي المفاوضات بينهما وبين إسرائيل إلى اتفاقات سلام. وسنصر كذلك على أن ينهي العالمان الأوسعان، العربي والإسلامي، المقاطعة، وأن يطبّعا علاقاتهما بإسرائيل.
وإذا رجعنا إلى الصورة الاستراتيجية، لنتأمل لبرهة في تأثير سلام كهذا في الشرق الأوسط بأجمعه. إن جهودنا الرامية إلى لجم الأخطار الآتية من العراق وإيران ستعزّز بصورة درامية. ستُحرم إيران الوسائل التي قد تلجأ إليها لإثارة القلاقل في قلب الشرق الأوسط. ودعوتها القائمة على الكراهية وعلى المطالبة بتدمير الكيان الصهيوني ستبدو في أعين العالم تهديداً فارغاً ولّى زمنه. كما أن آمال صدام حسين بحشد العالم العربي تحت راية مناهضة إسرائيل ستخبو.
إن التحالف الذي خاص حرب الخليج وانتصر فيها قد غيّر، بمجرد وجوده، المناخ الاستراتيجي لصنع السلام بين إسرائيل وجيرانها. وسلام كهذا من شأنه، بالتالي، أن يغيّر المناخ الاستراتيجي لمصلحة لجم التطرف. وسيكون في استطاعتنا أن نزيد باطراد في عزلة هاتين الرجعيتين والمنظمات التي تدعمانها. ومن خلال عملية السلام سينشأ مناخ إقليمي جديد، بل إنه في مرحلة النشوء في هذه اللحظات بالذات. وفي مناخ كهذا، ستتمكن الدول الإسلامية المعتدلة، من تركيا شمالاً إلى السعودية جنوباً ومن المغرب غرباً حتى الباكستان شرقاً، من لجم قدرة هذه الدول والمنظمات الخارجة على القانون على توسيع رقعة نفوذها ودعوتها المبنية على الكراهية والعنف.
ومع دخول سوريا، وغيرها من الدول في هذه المجموعة، في سلام مع إسرائيل سيتغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط، فينقلب بحزم نحو الاعتدال. أما المتطرفون، فسيُحرمون مزاعم أنهم يمثّلون المستقبل، وسيرغَمون على مواجهة حقيقة فشلهم. وهذه الرقعة المتعاظمة من السلام ستساعد الحكومات في العثور على القوة لمجابهة التطرف في الداخل والخارج. وسيتاح للحكومات فرصة مجابهة الإحباط من خلال النتائج الواضحة والبيّنة لصنع السلام. فالموارد ستتحرر لتلبي الحاجات الأساسية للشعوب لا حاجات الحرب والدمار. والتطور الاقتصادي الإقليمي، الذي يستخدم التقنيات ورؤوس الأموال التي لم تكن متاحة من قبل بسبب المقاطعات والنزاعات، سيبدأ توفير ملامح حياة أفضل. وما أن تتمكن الحكومات من الالتفات مجدداً نحو رفاهية شعوبها الاقتصادية حتى يزداد شعورها بالثقة اللازمة لتلبية مطالب مواطنيها في مقدار أكبر من المشاركة السياسية والمسؤولية القانونية.
نحن ندرك أن الحقائق في الشرق الأوسط سوف تتداخل لا محالة مع هذه الرؤية وتعدّلها. فنحن لا نستسهل الصعوبات الناجمة عن صنع السلام ولا قدرة قوى التطرف التي تجوب المنطقة وتفترسها، على التكيّف. غير أن ذاكرتنا تستطيع أن تختزن ما هو أوسع من مجزرة الخليل، والسيارة المفخخة في العفولة، واجتياح الكويت، والثورة في إيران. لقد كنا حتى الآن شهوداً في حفلتين لتوقيع معاهدتين في حدائق البيت الأبيض هما اتفاق كامب ديفيد وإعلان المبادىء الإسرائيلي – الفلسطيني. ونحن نعلم اليوم بأن مستقبلاً سلمياً ومزدهراً لشعوب الشرق الأوسط كافة هو أكثر من مجرد سراب. دعوني أنهي كلامي بالاستشهاد بمبدأ الآباء: النهار قصير والمهمة جليلة. ليس من المؤكد أنكم ستنجزون هذه المهمة، عير أنكم لستم أحراراً في التخلي عنها.
إن إدارة كلنتون تعي تماماً المهمة المحفوفة بالمخاطر والمترتبة على تغيير الشرق الأوسط. غير أننا نعتز بهذا التحدي ونرحب به ونحتضنه، وعندما أراكم أمامي أدرك أنكم ستكونون إلى جانبنا في هذا الضمار. شكراً.
المصدر: Federal Information System Corporation (Washington, D.C.).